-->

الفصل الأخير: طَرِيقٌ إلىٰ زَمَنٍ آخَر، إلىٰ مَكَانٍ آخَر.

(إعدادات القراءة)

28 يوليو، 2 الرَّوَاح (بعد الظهر). تحت نار الشمس وزرقة السماء.

「إذن في النهاية، انتهى كل شيء」

「حقًا انتهت، فريندا」

فريندا سَيْفِلُن وتاكيتسوبو ريكو تشاهدان قاعة جنازة بعيدة بها مدخنة كبيرة. هناك حيث أقيمت جنازة هَنانو تشوبي. بالمنظار، رأوا رجلا وامرأة من الكهولة يرتديان زي الجنازة ويتشبثان بالتابوت الصلب يَبكيان.

توفيت هنانو تشوبي في الرابع عشرة من الشهر.

أخذهم كل هذا الوقت بسبب ظروف وفاتها.

فلقد ماتت في انفجار.

ولقد اختارت هذا المصير لنفسها عندما رأت أن الإنقاذ لن يصل في وقته.

ولم يتضح ما إذا كانت بقاياها حتى موجودة داخل ذلك التابوت. لعلها خُيِّطت أو أخفيت جروح جسمها إذا لزم الأمر، ولكن حتى خبير التحنيط لن يمكنه إصلاح ذلك. عموما، وُضِعَ مكياج مميزٌ على الرفات قبل الجنازة.

"تقنيات مكياج يُميسونا سَيروه".

وضعت فريندا الكتاب نصف المقروء وعلبة الإسقمري غير المفتوحة على درابزين منصة عرض المنتزه وضمّت يديها بصمت تجاه مدخنة قاعة الجنازة من بعيد. كانت شقراء أجنبية، لكنها فعلتها كما اليابانيين.

بعد أن رأت ذلك، تململت تاكيتسوبو تبحث في جيوب سترتها وقالت. 「استرجعوا رفاتها. هذا يعني أن هَنانو حَمَت نفسها」

「تاكيتسوبو؟」

「لو أن أحدًا من الظلام قتلها وتستر عليها، لما عثرنا على بقاياها. ولَأمكنهم محو وجود قضية القتل تمامًا، ولربما انتهى الأمر بإعلان أنها اختفت وهربت من البيت طواعية. على الرغم أنكِ لن تجدين مكانا تهربين إليه في مدينةٍ تحوطها الجدران والكاميرات」

وقد اختارت فريندا العيش في هكذا عالم.

كنا في الصيف وما أحرَّ شمسَهُ، لكنها أدبرت عنه وإلى الظل الموحل ترقبت.

ولم يكن في وسعها أن تمضي إلى الجنازة تُوقِدُ البخور لهَنانو.

وبمنظارها ثانيةً فريندا نحو الجنازة البعيدة نظرت.

ركّزت على الوالدين الباكِيَين أكثر من التابوت الفارغ.

ولم تملك إلا أن تتذكّر أختها ذات السبع سنين.

「يزعمون أنّ المرءَ إذا مات لم يبقَ منه شيء، ولكن هذا في النهاية كذب ها؟」

「بلى」

「في النهاية، قد كنتُ ظننتُ أنني أعددتُ نفسي لموتٍ يأتي في كلّ حينٍ في عالمنا هذا، لكنني الآن لا أتمنى أن أذيق أهلي هذا البلاء」

「إذن عيشي」

مهما كان الثمن؟

لم يكن لهذا الموقع اسمٌ في الخرائط. ولا ورد له ذكرٌ في السجلات.

جدرانه وأرضه وسقفه كلها صُنعت من خرسانةٍ غليظةٍ كأنها كُوِّنت لتقي من نهاية العالم أو كأنها أُقيمت لتكون ميدانًا يُساق فيه المأسورون إلى قتالٍ حتى الموت. وكان في تلك السراديب الملتفّة مَجَازٌ كالمتاهة، تسير فيه موغينو شيزوري إلى جانب كينوهاتا ساياي.

「ما زلت ما أصدق أن قاعدة آيتم العدو كانت مباشرة أسفل شقتنا. أظن لهالسبب كانوا دائمًا متقدمين علينا بخطوة لأنهم تجسسوا على أحاديثنا」

「بقوة ماذا عن موضوع مخبأنا الجديد؟」

「إيه، تَدَمَّر ذلك القديم في الانفجار. أود اجتناب المنطقة 15 حاليا. وأحببت جو المنطقة 3 لما طاردنا إبوتنككوجي. هل فيها شقق فاخرة أو صالونات راقية؟」

تحدثوا أثناء السير، لكن ذلك توقف فجأة.

أو لربما كان هذا شيئًا أرادت كينوهاتا أن تطلبه من بعض الوقت.

「ما توقعت بقوة بقوة ما حدث بعد ذلك. يعني، أتفهم لو كانت تاكيتسوبو-سان، لكن...」

「تقصدين فريندا؟」

بدت موغينو مرتبكة.

ولم تتوقف عن المشي.

「هي كثيرة الصحبة من كِلا "العالمين" لأنّها تُحسن التعاطف مع الناس وحالهم. مجنونةٌ بالقنابل وتستلذّ بالقتل، إي نعم، لكنها مع ذلك تبكي لأهون سبب. وهذا من جميل خصال الإنسان، لكنّ من يسير في عالم الظلام بهذا لن يلبث حتى يتحطّم」

「هذا وبقوة ليس ما قصدته،」 قاطعت كينوهاتا.

واستمر المشي عبر ممر تحت الأرض الكئيب الذي كان له وسيلة لإرهاق قلب الإنسان.

ومضتا في الممرّ الأرضيّ الكئيب ذاك الذي ينهشُ القلبَ بنصبه ووحشته حتى لتكادُ النفس تَذوبُ فيه لو طالت المكوث.

「موغينو، إنّما قصدت أنكِ أحسنتِ التروّي وبقوة كففتِ يدك عن العجلة في الهجوم. بصراحة توقعت أنك تأخذين رقابنا وتأمريننا بالقتال ذيك الساعة」

「هكذا أكون عادةً، لكنني ما كنت في المزاج. وأيضا، أحببت ذلك」

「؟」

「ناديني فقط موغينو. الكلام التشريفي يُتعّب اللسان」

ولم يكن بينهما سوى هذه الكلمات حتى أسرعتا في الوتير.

ففجأة طرحت كينوهاتا سؤالاً آخر.

「إذن هل ترينها صَدَقَت بقوة؟」

「مَن صَدَقَت؟」

「أنها لعنة الجانب المظلم. وأنها سادسة المستوى 5، تذكرين؟」

هزت موغينو كتفيها.

「الأغلب كانت تُخادع」

「أرى بقوة نفس الشيْ」 وما بدا على كينوهاتا الدهشة بالمرة. 「فكلّ من بلغ المستوى 5 داخلٌ في مشروعٍ عظيمٍ مع علماءٍ كبار، سواء عَلِمَ بذلك أم جهل. لكن الفرق أن السذج الأخيار منهم لم يعلموا بذلك بعد. ولو أننا قتلنا واحد منهم، كنا رأينا بقوة ذولا الكبار المنتفعين يهبّون طلبا للثأر، ولكن ما شفنا منهم شيْ」

「أيضًا لو كانت من المستوى 5، فستكون خريطتها الجينية قيّمةً عظيمة، وأن محاولتها الهروب من المدينة بوثائق مزورة قد تؤدي إلى اغتيالها. حتى أنا ما كنتُ لأجرؤ على عبور جدران المدينة. وإن من في القمة سيحاول كل ما في وسعه ليمنع تسرب الخريطة الجينية حتى وإن قتل صاحبها وأخرج كل الأسلحة الجيل التالي خارج الأسوار」

بل إنّ من يزعم نفسه بطلاً لا يفرّ ساعة الضيق، فإنّ فراره يترك الضعفاء هالكين.

وخطرت خاطرة لموغينو.

(هذا يعني أن لعنة الظلام الحقيقي أعظمُ وأشدُّ وأخطرُ منها)

「قد قتلتُها قبل أن أستخلص منها الجواب الصريح، لذا ألا يدلّ هذا على قوّتها؟」

「كانت تاكيتسوبو-سان بقوة غاضبة من تلك الخدعة التي قمتِ بها. حيل صعب أن نعرف خصوصا وأن وجهها دايمًا شارد وفارغ. أدري أنه كان ضروري، لكنكِ صعقتِ نفسك بالكهرباء」

「فعليًا أنا إسبرة كهربائية. عندي مقاومة أكثر من الناس العاديين」

「قلبك بقوة توقف لدقيقتين كاملتين!」

「قتال آيتم قتال فريق. وثقت أن أحدكم سينقذني بعد موتي」

「أذكر أنها قالت بقوة إنها ستقتلك إذا اعتدتِ هذا」

حتى بالنسبة إلى تاكيتسوبو كان قولا متطرفًا جدًا لم يعهدوها عليه،وهي التي كانت دائمًا مكابح الآيتم. فعلمت كينوهاتا أن غضبها هذه المرة كان صدقا لا هزل فيه.

ثم رنّ هاتف موغينو.

أخرجته من جيبها لكنها لم تتوقف عن المشي.

「هلا هلا」

『أولًا، أحسنتنّ العمل. سرّني أنّكنّ أنهيتنّ حادثة الكُلوسيوم بسلام. وللتأكيد، هل وصلت المدفوعات الآن؟ فقد ورد أنّ البطاقات الماليّة التي جُمعت قد ذابت بفعل تيارٍ كهربائيٍّ قاتل』

「هاه؟ حسبتكِ مستاءة. أما كان ذلك المدير من شركة التأمين عميلنا؟ قد اختطفناه —ونوعا ما— ضربناه」

『لو كنتِ أخذتِ هذه الوظيفة على محمل الجد، فلا شك أنكِ تعلمين أن هذه ليست بالمشكلة. فمدينة الأكاديمية واجبٌ عليها أن تحفظ النظام الهرمي ذي المراحل الست من المستوى 0 حتى 5. وما النظامان المتعارضان إلا يجلبان الفوضى. رأى الكبار في ذلك وجع رأس فلمْ يرغبوا في حدوثه』

「أشعر وكأنكِ كنتِ تأملين حقيقةً أن يُجَرّ المدير العام إلى كل تلك المشاكل」

『بمَ تستدلين؟』

ظلت موغينو تسير عبر الممر القاتم تحت الأرض، تأخذ نفسًا عميقًا بهواء رطب.

وأعطت الجواب.

「كوزَكو ميتوري. أرى أنكِ تمكنتِ من إيقاف هجومها على [المبنى عديم النوافذ]، ولكن لو أن خطتها نجحت، فمن غيره يكون هو [المدير العام] الذي أعطاها المعلومات التي تحتاجها. وعلى أحدٍ ما أن يتولى عقاب هذا الخائن للنظام

『طيبتي تمنعني أن أعطيك أي إجابة☆ لو عرفت وتيقّنتِ لهلكتِ بأبشع الطرق』

「أي أنّ [الكبار] ما زالوا على عادتهم: يطرقون كلّ مسمارٍ يبرز عن غيره」

وتبدّل وجه موغينو، فغامت نبرتها بالبرودة والحنق.

「لأي مدى كنتِ تعرفين عن وجود آيتمَين؟ لقد أُنشئ الفريقان ليقتتلا، ومن بقي حيًّا يحتفظ بالاسم. غير أنّ النصر في ذلك لا يورثنا شيئًا ذا قيمة، لا؟」

『...』

「[الكبار] أرادوا أن يطرقوا مسمارًا. أو لعلّ أحمقًا من طلاب الحظوة ظنّ أنّه سيحوز رضاهم إن سبق إلى الفعل. هذا يعني أن بنت الاسم الطويل السخيف وطأت موضعًا لا يُوطأ، فكانت معركة اللقب فخًّا لإبادتها، لأنها تجاوزت محرمةً ما كان عليها أن تراها...مثلا」

『هل تطلبين التأكيد؟ أُعيد، ستهلكين لو عرفتِ على وجه اليقين』

نكست نغمة الصوت من الجوّال.

قد يستنتج الناس العاديون أن هذا كان لغمًا أرضي. ولمن عرف ودرى بظلام المدينة الأكاديمية، وبـ [صوت الهاتف] الذي يحمل امتيازات خاصة، لانسحب على الفور. وحتى لو فرّوا من المصيدة بأعجوبةٍ بالغة، لظلّوا مُرتعشين تحت الأغطية في فراشهم ثلاثة أيّامٍ بلياليها بعد ذلك.

لكنّ فتيات الظلام اختلفن عن العامة.

أمعنت كينوهاتا النظر إلى الخريطة، أومأت مرتين، وأخرجت علبة رشّ من جيبها. رسمت بسرعة دائرةً بعرضِ مترين تغطي الجدار الخرساني الرطِب.

ولم يبقى إلا شعاع الميلتداونر.

تَصَمَّمَ الملجأ الموجود تحت الأرض لمقاومة هجوم نووي، لكن الجدار رفع الراية البيضاء فورا. وصار لدى الفتيات الآن حفرةً كبيرة تكفيهن خطوة للدخول.

「ها؟」

جلست امرأة عشرينية على الجانب الآخر.

ترتدي بدلة وتنورة ضيقة وكان شعرها الأسود الطويل مربوطًا مسحوب.

كانت أقرب كثيرا إلى السكرتيرة المتطورة للغاية لرئيس شركة كبرى. والمثير للدهشة أن مكتبها يحتوي على [هاتف] أسود قديم الطراز ومسجل شريط بكرةً-لبكرة بحجم خزانة الكتب. كانت هذه أدواتا عتيقةً عتيقة بما يكفي ليكونوا نادرين. على أنه كان لا بد أنها عُدِّلت تعديلا خياليا حتى تتحول الإشارات التناظرية إلى رقمية، وتُشَفّر وتستبدل بـ بتات كمومية.

(حبّها للتناظري يوحِي بانتمائها إلى فصيل المنطقة 19)

「ما-ما-ماذ-با-هاااه!؟」

كانت [الصوت الهاتف] مصدومة للغاية لدرجة التلعثم، فتحدثت موغينو عفويا.

「إذا زاد الجدار عن متر واحد، ينشأ لدي نفقٌ من الحمم. كينوهاتا، برِّدي حافة الفتحة لأجلي」

「أكيد أكيد. سأستخدم خزانتي النيتروجينية السائلة لهذا، لكن مثل ما ترين هذه مساحة محكمة الإغلاق. لا تموتي من استنشاق بخار النيتروجين بالخطأ」

عيناك تكاد تقفزان من محاجرها، لكنّي أحسّ أنّك تودّين أن تعرفي كيف وصلنا. أم أنّ الـ "لماذا" هو ما يجول في بالك؟ يا عجوز، هذه مصيبة أمثالك من الحمقى الذين يظنون أنفسهم آمنين لمجرّد أنّهم قبعوا في المقعد الكبير الذي أعطاكم إياه مَن هو فوقكم ولا تعرفونه. كلُّ شيءٍ وجهان لنفس العملة، فكلنا في عالمٍ واحدٍ نعيش」

ابتسمت موغينو ودخلت.

لكن تلك الابتسامة لم تكن تعني سرورا.

「ما اهتميتُ ولا باليت بتلك السخافة التي أسميتموها آيتم اثنان. ما زلنا بعد لم نحل قضية هَنانو تشوبي. إن كان كلُّ ما أردتِهِ توجيهَنا لقتل أولئك المزيفون، فموتُ تلك التشيواوا كان حادثًا مؤسفًا بحتًا. ما كانت لتموت لو لم تُجنِّديها وتُرسليها إلينا」

「ومن لحظة موافقتك على مبارزة آيتم ضد آيتم، بقوة جررتُمونا إلى مسرحيةٍ هزلية. هذا وحده بقوة يستحقّ عقاب الموت لو سألتِني」

الصوت الغامض المجهول الهوية والمجهول كان له ميزة فقط عندما ظلوا مختبئين.

صوتٌ مجهولٌ مبهومٌ غير معروف له الأفضلية إن بقي خفيًّا.

ومتى ما كُشف واتٌّــــبِّعَ في الميدان، لن يبقَ له إلا ارتعاشُ الخوف.

انزع عن مدينة الأكاديمية دهانَ البريق، فلا يبقى سوى العفن.

سقطت [صوت الهاتف] من كرسيها وضربت مستقبلَ الهاتف الأسود على صدرها الناهد، لكنّها لم تجد من تدعوهم. هذا كان مخبأها السريّ، والجنود لا يدرون بموضعه. ولو صرخت استغاثةً لما وجد أتباعها مدخلا.

「على أيّ حال، هذا ثأرنا… فاستعدّي يا ساحبة الخيوط. لا أغفر خائنا. أسمعتِ؟ لا أغفر خائنا أبدا. أعلم أنّ أمثالك الحمقى يحتاجون تكرار العبارات كي تترسَّخ في رؤوسهم، فلأكرّر: لا أغفر خائنا. هل دخل الكلام رأسك اليابس هذا أم لا؟」

「بقوة ما سمحنا لتاكيتسوبو-سان أن ترى هذا الجزء. أو فريندا-سان المتوترة بقوة على غير طبعها」

كان ذلك أمرًا غريبًا بقدر ما هو غير منطقي، كأن يُلقى إنسان إلى قاع البحر داخل سيارةٍ مضادةٌ للرصاص مصمَّمة غير قابلة للتدمير.

ما عالمُ الظلام إلا إستغلالاً لِأَحوالِ الناس وقلبها ضدهم.

「ت-تمزحين؟」

「إبوتنككوجي كايدي قالت نفس الشيء」

「أنا [صوتُ الهاتف]. أنا مديرة الظلام —الوحيدة المختارة التي تنقل جميع الأوامر. إن قتلتِ قائدتكِ فسوف ينظر إليك متمردة، وستصنعين عدوًا من كل المليونين وثلاثمئة ألف نسمةٍ في المدينة الأكاديمية!!」

「وكما أخبرتها، أنا لا أحارب من أجل البقاء」

كانت ميلتداونر، واحدة من السبعة المختارين من المستوى 5 في المدينة الأكاديمية.

رفعت موغينو شيزوري راحة يدها، وجمعت شعاعًا فيها، وابتسمت ابتسامة وحشٍ.

ما كان أحدٌ ليخلط بينها وبين بطلٍ.

كما أنها لم تُرد أن تكون منهم.

ولكنّها كانت ولا تزال قلبًا رحيمًا يحنّ على رفاقه ويعزهم.

「أ نـ ـتِ - مـ ـيـ ـتـ ـة - لا - مـ ـحـ ـالـ ـة」

تعليقات (0)