-->

الفصل الأخير: نِهَايَةُ الْأَفْعَالْ. — أغلِقَتْ_الصُّحُفْ.

(إعدادات القراءة)

لم يتأذى كاميجو ذاكَ الأذى كما كان يظن.

بدأت ذاكرته المتقطعة تجمع المشاهد الضبابية معًا.

تذكر أنه انهار في كنيسة النكاح، وأن إندِكس صرخت وركضت نحوه، وتذكر أيضًا أنه نُقل بسيارة إسعاف، ثم وقتًا طويلاً خُصِّص للاستجابة الطارئة أو الإجراءات الرسمية أو شيء من هذا القبيل، ثم أنه حُوِّل إلى مدينة الأكاديمية وأُدخِل إليها. وما إن نظر إليه الطبيب ذو الوجه الضفدعي حتى غاب عن الوعي، ثم أفاق ليجد نفسه مستلقيًا على سرير ناعم ووساده.

نفس المستشفى ونفس الغرفة، هاه؟ اغخ، عرفتها من الرائحة وحدها... كما فكّر، مُغمض العينين وعقله لا يزال ملبّدًا، ثم أدرك فجأة أن أحدًا ما بالقرب منه. سمع صوت تنفّس هادئ، واحتكاكًا خفيفًا للملابس. شعر بيد دافئة ناعمة تمسح على غُرره بلطف.

「تسوتشيميكادو ضحك كثيرًا من هذا...」

سمع صوت أحد.

「...لكنّي أرى أن لا بأس بهذا」

كان في نبرة الصوت شيء من التردّد، وكأنّها على وشك أن تودّعه. وتوقفت اليد التي كانت تمسح على شعره، ثم انسحبت بصمت، وذهبت معها حرارة كفها.

استطاع كاميجو بصعوبة أن يفتح جفنيه المثقلين.

「مم... كانزاكي؟」

「آه، أيقظتك؟ كنتُ على وشك الانصراف」

تراجعت كانزاكي قليلًا، وقد بدا عليها الاندهاش لسماع صوته. ويبدو أنها كانت جالسة على الكرسي المعدني المخصّص للزوار إلى جانب السرير تراقبه طوال الوقت.

جلس على سريره وهزّ رأسه ليطرد آثار النعاس.

بدا أن الفجر قد حلّ. والأنوار الفلورية في الغرفة المعتمة كانت مطفأة، وضوء الصباح يتسلّل من النافذة كما تتسلل أشعة الشمس أوراق الشجر. وعلى الطاولة الصغيرة بجوار سريره كان صندوق حلوى ثمين المظهر، وبطاقة كتبتها على الأرجح لتتركها له رسالة. وبينما عيناه تتجوّلان، نهضت كانزاكي ببطء من الكرسي. ويبدو أنها لم تنوي المكوث طويلًا.

「...آه...」

بدأ كاميجو يُدير تروس ذهنه المثقلة ببطء. نظر إلى كانزاكي مرة أخرى—كانت ترتدي ملابسها المعتادة: قميصًا قصير الأكمام مربوطًا عند خصرها مُظهِرًا سرتها، وجنزًا مقطوع الساق من جهة واحدة حتى يُرى فخذها. وكان ربط القميص بهذا الشكل يُبرز كاعبها الكبير أصلًا، كما أن الساق المكشوفة وصلت إلى حدّ خطير من الفخذ، حتى بدايته — مثيرة كالعادة، كما فكّر في نفسه، لكنه يعلم أنه إن جهر بذلك لسلّمت عليه قبضة كانزاكي. فصرف نظره إلى شيء آخر متجهًا بعينيه إلى الملاحظة الموضوعة على الطاولة الجانبية.

「تركتِ ملاحظة...؟」

وما إن قالها حتى فوششش! انطلقت يد كانزاكي بسرعة مرعبة وانتزعت الورقة الصغيرة من على الطاولة. قد كسرت قوانين الفيزياء وسجلت رقمًا قياسيًا مستحيلًا بحسب علم الهندسة الرياضية. احمرّ وجهها احمرارًا، وبدت عيناها شاردتين متردّدتين، ثم بدأت تسحق الملاحظة في يدها بسرعة خاطفة.

「لـ-لم يكن شيئًا مهمًّا. بما أنني أحادثك الآن وجهًا لوجه، فلا حاجة لترك ملاحظة، صح؟」

「??? لكن—」

「كفى. كان ليكون أمرًا محرجًا إن أراك تقرأها」

راحت ترمي الورقة المكورة في سلّة المهملات، لكنها ثمّ غيّرت رأيها ووضعتها في جيبها. إنها حقًا لا تريد لأحد أن يقرأها... فكّر كاميجو متعجبا. وضعت كانزاكي يدها على صدرها الناهد، وأخذت نفسًا عميقًا، فعاد إلى وجهها التعبير المعتاد.

「ما حالك الآن؟」

「حالي... لا زلت أشعر ببعض آثار المُخدّر، لذا لا يمكنني التحديد بالضبط موضع الألم」

「أعتذر منك. للأماكسا طرقٌ للشفاء غير العلمية التي تعتمد على طريقة الأكل... لكن لا أظنها تنجح معك」

「...ولِمَ تعتذرين؟ أتقولين أنه يمكنهم شفاء الجروح بأكل السوشي والبرجر وما شابه؟ عجيب، الأماكسا فعلا مذهلون—وكأنهم يحملون عناصر الشفاء في ألعاب الـ RPG!」

「هاه...؟」 ردّت كانزاكي بتعبير حائر غير معهود منها، ولم تفهم تشبيهه تمامًا.

「بالمناسبة، أين ذهب ستيل؟」

「قد غادر المدينة. وكأنه قال شيئًا عن عدم رغبته في البقاء في مكان لا يستطيع شراء السجائر فيه. كما شكا من أن نظام التحقق من السنّ هنا صارمٌ جدًا ولا يسمح له بالحصول على أي منها」

لأن هذا هو الطبيعي أصلًا في كل مكان! صرخ كاميجو في نفسه. 「ألا يطلب منكِ أن تشتري له؟」

「أنا في الثامنة عشرة، لذا لا يمكنني شراء السجائر」

........................................................................................................................

「لمَ تنظر إلي هكذا وكأنك لا تصدقني؟ ولمَ تنظف أذنيك؟」

「تكذبين! لن تقدري على تزوير عمركِ، ليس مع هذا الجسد! لا بد أنكِ تجاوزتِ سن الزواج منذ—إيييييييييييـه!!!」

قبل أن يُكمل، انطلقت لكمة بسرعة الضوء نحو وجهه وتوقفت قبله مباشرة. ارتجف جسده—فهو لم يستطع حتى أن يستعد لها.

وبصوتٍ وقور، قالت، 「الثامنة عشرة」

「الثامنة عشرة، نعم! طالبة في الثانوية، وبالغة على مرمى الحجر! كانزاكي-سينباي!!」

قال كاميجو ذلك مبتسمًا ابتسامةً يائسة، وأسنانُه تصطكّ من الرهبة. تنهدت كانزاكي تنهدا طويلا متعبا، وسحبت قبضتها بهدوء.

「...أشعر وكأنني ربما كان عليّ أن أترك لك الملاحظة. يبدو أن حديثنا لن يصل إلى صُلبهِ على هذا المنوال」

「صُلبه؟」

「نعم، تقرير أو ما شابه ذلك... جئتُ أبلغك بما آل إليه أمر أورسلا أكوينس، لكن... هل كان مجيئي بلا داع؟」

「أخبريني! أرجوكِ!!」 أجاب كاميجو على الفور، مائلًا بجسده إلى الأمام.

تنفّست كانزاكي الصعداء قليلًا عند رؤيتها استعداده للحديث في الأمر، 「لقد تقرّر أن تُضم أورسُلا أكوينس وقوة الأماكسا الرئيسية إلى الكنيسة التطهيرية الإنجليزية. وذلك بدرجة كبيرة لمنع أية محاولات انتقام أو اغتيال من جانب الكنيسة الكاثوليكية الرومانية」

تذكّر كاميجو أغنيز والأخوات اللواتي كنّ تحت قيادتها. 「يعني هذا أن أورسلا لا تزال في خطر؟」

「لا. وراء الكواليس، قد يبدو الأمر كما لو أنهم يلاحقونها، لكن في الواقع لا معنى كبيرًا لذلك. كنيسة التطهير الإنجليزية أعلنت في عالم السحر أن طريقة أورسلا في فكّ شيفرة كتاب القانون كانت خاطئة. وهم يرون أن أحدًا لن يسعى خلفها الآن بعد أن باتت الترجمة تُعدّ خطأ」

يعني لو كانت فعلاً قد نجحت في فكّ شيفرة الكتاب، لكان العالم كلّه يطاردها الآن... يا لحظنا، فكّر كاميجو وهو يبتلّ عرقًا باردًا.

「مم؟ مهلا، أقلتِ إن الأماكسا سيصبحون تحت مظلة الكنيسة الإنجليزية؟」

「بلى. فمهما أخفوا مقرّهم، ليس في مصلحتهم معاداة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية مباشرةً. أؤكد لك—هناك دلائل على أنهم، في قرارة أنفسهم، كانوا يرغبون في هذا الأمر. فمثلا... هل تذكر القميص الذي كان يرتديه تاتِميا سايجي؟ كان أبيض اللون، وعليه صليب أحمر مشوّه」

「...أوكان؟ آه ربما」

「نعم. ذلك الصليب الأحمر هو رمز القديس جورج—وهو رمز كنيسة التطهير الإنجليزية. على الأرجح كان يقاتل وهو يرتدي ذلك القميص ليدلّ على رغبته في الانضمام إلينا... على أنني أتذكر أنني كنت قد أمرتهم بوضوح ألا يتبعوني」

「فهمت...」 قال كاميجو معجبا. 「فأنتِ أيضًا من الكنيسة الإنجليزية」

همست كانزاكي مرة أخرى، 「أتعبوني...」 وتساءل كاميجو لو أنها تعي بأن وجهها بدا كوجه أمّ تنظر إلى طفل لا يستطيع الابتعاد عن والديه.

「لكن هل أنتِ شخصيًا لا تمانعين هذا القرار؟ الأماكسا جماعة صغيرة، لكنها مستقلّة، أليس كذلك؟ أشعر وكأنهم اندمجوا مع شركة كبرى فجأة」

「قد أصبحوا تابعين، نعم، لكننا لم نطلب منهم أن يتخلّوا عن كتابهم المقدّس ولا عن تعاليمهم. الأمر أشبه بفرقة من الساموراي يعملون تحت سلطة سيّد إقطاعي. هيكل الأماكسا سيبقى على حاله. وهم دومًا كانوا طائفةً يتغيّر شكلها بما يناسب الزمن وتختبئ من أنظار التاريخ. لا حاجة بهم للتمسّك بشكلهم الحالي. طالما أنهم يستطيعون العيش في سلام، فلا يهمّ ما يحدث」

ورغم ذلك، كانت كانزاكي قد تخلّت بلا تردّد عن المجتمع الصغير الذي كانت تترأسه، فقط لأجل أولئك الذين وجب عليها حمايتهم. وبدت تلك اللمحة من شخصيتها لكاميجو رائعةً بحق، وأشعرته بأن الكبار رائعون. قد تكون في الثامنة عشرة، لكن في نظره، الثامنة عشرة كانت كافية لتكون بالغًا مستقلًا بذاتك.

وبينما يتأمّل كاميجو ما قيل، خفضت كانزاكي رأسها، بانحناءةٍ رسمية.

لم تكن مجرد إيماءة صغيرة لطيفة—بل أبقت رأسها منخفضًا وقالت، 「ممم، ااءء، أقول، أنا آسفة على كل ما حدث」

「هاه؟ عن ماذا؟ لماذا تنحنين؟ على ماذا تعتذرين؟」

كان عقل كاميجو لا يزال في طور الاستيقاظ، ولم يكن يعمل بشكل سليم—فرؤية فتاة تنحني له بهذا الشكل كانت مخيفة للغاية. شعر فجأة كما لو أنه ارتكب خطأً فادحًا.

ثم قالت كانزاكي، متلعثمة بطريقة غير معهودة منها، 「أعني، ذ-ذلك لأنني تسبّبت لك في كثير من المتاعب... لأسباب شخصية، و...」

كان واضحًا أنها لم تعتد قول مثل هذه الكلمات إطلاقًا. أمّا كاميجو، وفي غمرة ارتباكه، فقد التقط من الموقف فقط أنها تبدو منزعجة من أمر ما. 「مهلًا، آسف، كانزاكي. هل سببتُ لكِ المتاعب ربما؟ سأعتذر، لذا—」

「لـ-لا، ليس هذا هو الأمر! لو اعتذرت الآن، فستضعني في موقفٍ محرجٍ للغاية! أءء، لم أقصد هذا—آهخ انسى ودعنا نعود إلى الموضوع... ما أردتُ قوله——————」

كان واضحًا أن الكلمات خنقتها واستصعبت نطقها. ولعبت بخصلات شعرها بين أصابعها.

لكن، وقبل أن تتمالك نفسها وتنطق بشيء، انفتح باب غرفة المستشفى فجأة بصخبٍ، على أن الساعة كانت فجرًا، ومن دون أي طرق.

دخل رجلٌ طويل القامة يرتدي نظارات شمسية زرقاء وقميص هاواي.

هو تسوتشيميكادو موتوهارو، وبيده كيس بلاستيكي فيه ما يبدو أنه هدية للمريض. 「همم؟ همم همم هممممم!! كاااميييااااان! جيت ألعب! لم أجد بطيخةً أشتريها، لذا ارضى بحلوى البودينغ هذه من أقرب بقالة، عليها شرائح بطيخ!」

نظر كاميجو مبتعدًا عن كانزاكي ونحو تسوشيميكادو. 「 يو. ألن تبدأ المدرسة بعد ساعات قليلة؟ ألا يجدر بك أن تكون نائمًا؟—آه، آسف يا كانزاكي، ماذا أردتِ أن تقولي؟」

أخخ... ارتجفت كانزاكي عند سماعه يعيد السؤال. ثم ألقت نظرة جانبية نحو تسوشيميكادو، وقد بدا من هالتها أنها لا ترغب في قول ما كانت تنوي قوله أمامه—لماذا كان لا بدّ له أن يظهر في هذه اللحظة بالذات؟

「أووووه. ما الأمر نيه-تشين؟ هل وصلتُ في اللحظة التي كنتِ أخيرًا ستتوسلين فيها العفو من كاميان؟ أراهن أن ما يدور في ذهنك سيناريو كليشيهي مثل: سأرد لك الجميل على كل ما سببته من متاعب، أو: سأفعل أي شيء تطلبه بلخ بلخ، ها؟ بفف—دَهَهَهَهَهَهَهَهَه!! هيه—ها هِيَ الطائر الكركية تسدد ديونها بجسدها!」

「لـ-ليس الأمر كذلك! من ذا الذي يتفوّه بهذه التفاهات أمام طفلٍ جاهل؟!」

「...طفلٌ...جـــــآهِل...」

وكأن سهما خفيا طعن في رأس كاميجو بصمت، بينما ارتعشت كانزاكي بتوتر.

「مم، لا، ليس هذا ما قصدته... إنما قلتها لأجعل تسوشيميكادو يسحب كلماته الوقحة، أما ما يخصّ ردّ الجميل، فـ...」

「لكن نيه-تشين، يعني في النهاية ستخلعين، صح؟」

「لـ-لن أخلع! وما بك متزمت على الخلع أصلًا؟!」

「أوه؟ إذن تختارين "ألبس ما يطلبه مني ويتمنى"؟ خبرة يا نيه-تشين، تعرفين تمامًا كيف تُرضين الزبائن المخلصين」

「هلّا تصمت قليلا؟! إنك تُزيد الأمر تعقيدًا بإساءات فهمك هذه مرّة بعد مرة!!」

كان كاميجو يراقب المشهد من بعيد بذهن شارد، وكأنهما يتشاجران في مسرحية هزلية، لكن تروس عقله عادت فجأة لتدور في اتجاه غريب.

...تلبس أيَّ ما أطلبه... لتعتذر...؟

لا، لا، لا أستطيع—كانزاكي تبدو جادّة للغاية، لا يمكنني أن أعبث هكذا الآن... أرجوك، أنت تعلم تمامًا ما الذي سيحدث إن جعلتها ترتدي شيئًا مثل ذلك المايوه الغبي الذي ارتدته إندِكس على الشاطئ هذا الصيف... الأمر لا يحتاج سوى خمس ثوانٍ لتدرك مدى جنون هذه الفكرة... ارحل، ارحل!!

「...كأن حرارتك ارتفعت هناك」

「لا، لا شيء أبدًا! أعني حقًا—رجل مثلي لو أنه حتى حمل شيئًا كهذا إلى صندوق المحاسبة، فستكون تلك نهاية حياته ككاميجو توما، لذا فأنا لم أكن أفكر في شيء كهذا إطلاقًا!!」

「؟؟؟」 حاولت كانزاكي أن تفهم ما يعنيه، فيما يبتسم تسوشيميكادو بخباثة. 「هيهيهي. والآن قل لي كاميان، ما تتمنى؟ أن تنظف أذنك سيدة تفوح منها الأمومية وأنت مستلقٍ على حضنها؟ أم تهديك علبة طعام بينتو حلوة من شخصية تشبه الأخت الكبرى؟!」

「كفـاااااـى! محادثاتنا الغبية شيء، لكن لا تفضح كل نقاط ضعفي أمام فتاة كهذه!!」

「تسوشيميكادو. لا أفهم تمامًا ما يجري، لكن يبدو أنك تثير المريض بطريقة سلبية، لذا أطلب منك مغادرة الغرفة」

「و - وماذا ستفعلين إن بقيتما وحدكما؟ لحظة... أيعقل أنكِ...!」 عينا تسوشيميكادو لمعتا فجأة. 「هل هذا هو المشهد الذي تطعمينه فيه شرائح التفاح المقطوعة على شكل أرانب؟! آسف، لم أكن أعلم!」

「لا، ليس كذلك! أرجوك لا تستفزّني بتفسيراتك العبثية!」

「إذن ماذا يكون؟ من فمٍ لفم؟ ترى، في الحياة الحقيقة هذا نوعا ما مقرف」

「أرجوك اخرس وانقلع عن الغرفة!!」

صرخت بصوت عالٍ لدرجة أن كاميجو لم يستطع حتى أن يتخيل كيف سيكون وجه تاتِميا سايجي لو سمعها. تسوشيميكادو ضحك، ثم قفز خارج غرفة المستشفى وهو ما زال يبتسم.

وعاد فجأة صمت الصباح الباكر ليُخيّم على المكان من جديد.

كان كاميجو يراقب كتفي كانزاكي وهما يتحرّكان ببطء مع أنفاسها الغاضبة المتلاحقة، وارتجف وهو يفكر، تسوشيميكادو، أيا المغفل، علّك قلت كل هذا لتلطّف الأجواء، لكنك تركتني في موقف لا يُحتمل!!

「ع-عذرا، آنسة كانزاكي؟ هـ-هل أنتِ بخير؟」

「...ما بك؟ ولماذا تتحدث بهذه الرسمية؟」

「أ-أنا واثق أنكِ تعرفين، لكن كل ذلك الكلام عن سداد الديون والأخذ والعطاء... كان مجرد نكات سخيفة من تسوشيميكادو، صح؟」

كان كاميجو يتوقّع أن تصرخ في وجهه مثلما فعلت مع تسوشيميكادو، لكنه تفاجأ عندما ردّت كانزاكي بصوتٍ متلعثم، 「ولـ-لكنني... ماذا عساي غير ذلك؟ أنت مدني، كان ينبغي عليّ أن أحميك من البداية. ومع ذلك كنتُ السبب في جروحك. حتى أنا أفهم أن الاعتذار والانحناء لا يكفيان أمام ما فعلته... لذلك...」

بدأ صوتها يخفت تدريجيًّا كلما طال حديثها، كأن كلماتها نفسها تُنهكها من الداخل. بدأت تعبث بخصلات غرتها بأطراف أصابعها—ربما كانت عادة عصبية لم تكن تعلمها عن نفسها. ثم راحت تفرك صدغَيها بقوة، وكأن الألم أثقلها، وتنهدت بثقلٍ. رآها كاميجو وقد بدت وكأنها كاتب يُلقي بمخطوطة فاشلة في سلة المهملات.

أما هو، فكان يفضّل لو انتهت الأمور بطريقة سريعة كأن تقول له، 「شكرا، مع السلامة!」 كما يفعل تسوشيميكادو، ثم ترحل. لكن يبدو أن مبادئ كانزاكي لا تسمح لها بذلك.

لا خيار. فتنهد كاميجو.

ثم غيّر نمط تفكيره، وانتقل إلى وضع أكثر جدية.

「مهلا، إذن هذا كان الموضوع؟」

「نعم. لدي ميل دائم في إلحاق المشاكل للآخرين، لكنني جررتك إلى سلسلة من المتاعب المتتالية، وجعلتك تحمل عبئًا فوق طاقتك. وفي كل مرة، كنتُ أتهرّب. وهذه المرة لم يكن الأمر مقتصرًا عليّ فقط—بل أدخلتك وسط مشكلات الأماكسا بالكامل...」

「هممم. لكن أحقًا هذا داعٍ للقلق؟ لقد أنهينا مشاكلنا سالمين—والجميع بخير. لا أظن أن أحدًا منا تأذّى أكثر من غيره」

بدت كانزاكي مندهشة. رمشت مرتين أو ثلاث، 「مشاكلنا...؟」

「هاه؟ نعم، أقصد أنا والأماكسا. أوه، وأظنّ الكنيسة الإنجليزية أيضًا، وأورسلا وإندِكس وستيل، وأنتِ أيضًا. هذا ما أعنيه」

「...」 استمعت كانزاكي كاوري إلى كلماته، مضطربة.

وكأن ترى مسألة معقدة استعصت عليها طويلًا وقد حُلّت أمامها بلحظة، دون أن تدري كيف.

وواصل كاميجو كلامه بعفوية، 「لماذا تبدين متفاجئة؟ ما أنا إلا هاوٍ، وربما هناك خلافات بين إنجلترا وروما وكل تلك الأمور، لكنني في الواقع لا أراها مختلفة إلى هذا الحد. ما أريد قوله هو أن رأي هذا الصبي الغبي الجاهل هو أن المنظمات والانتماءات لا تهم」

على عكسها، كان كاميجو يتحدث ببساطة، وكأن المشكلة لم تكن تستحق عناء التفكير العميق أصلًا.

「أنا لا أنحاز إلى كنيسة إندِكس أو أي شيء. الأمر فقط أن إندِكس تنتمي إلى كنيسة الأنجليكان، ولهذا أنا إلى جانبهم في الوقت الحالي، هذا كل ما في الأمر」

سَمِعَ وقع خطواتٍ خفيفة تتردد في الممر البعيد.

أظنها إندِكس، فكّر بلا اهتمام، مواصلًا كلامه وكأنه يؤكد لنفسه أيّ جانب كان عليه أن يقف.

「لو طلبت أغنيز مساعدتي يومًا، سأهبّ لمساعدتها. قد صادف أنها كانت "الشريرة" هذه المرة، لكن لا قانون يُلزمها بأن تستمر في ما كانت」 قالها وابتسم.

بدت الدهشة مجددًا على وجه كانزاكي، ثم ابتسمت وفيها القلق.

السبب الذي دفع كاميجو توما لفعل ما فعل كان بسيطًا لدرجة تجعله أقرب إلى السذاجة.

لكن لفرط بساطته، لم يكن كاميجو يومًا ليُحيد عن طريقه.

أبدًا.

ما كان في إنجلترا فصلٌ ممطر ولا فصلٌ جاف—فالطقس فيها يتبدل بسهولة طوال العام. وقد شاع بين أهل المدينة أن يتغير الطقس خلال أربع ساعات فقط، لذا ترى كثيرًا من الناس يتجولون في وضح النهار وهم يحملون مظلات قابلة للطي.

وكما أعدّوا، هطلت زخة مطر مفاجئة الآن على مدينة لندن بعد أن كانت السماء صافية منذ وقت قريب. ومع ذلك، لم يكن المطر سببًا كافيًا ليبقى الناس في بيوتهم. فالشارع على ضيقه كان مكتظًا بألوان المظلات كأنها قوس قزح.

وفيما المطر—الذي لا يكاد يُذكر من خفته—يتساقط كضباب رطب، كان سُتَيْل ماغنوس ولورا ستيوارت يسيران جنبًا إلى جنب. مظلته سوداء كسواد الصراصير، أما مظلة لورا، فكانت بيضاء مطرزة بخيوط ذهبية، أشبه بفنجان شاي.

「ما دمنا عائدين إلى قصر لامبث، أما طلبنا سيارة أجرة؟」

「من لا يتحمل المطر، لا مكان له في هذه المدينة الكبرى،」 ردّت لورا بمرح، تدوّر مظلتها حول نفسها بخفة. لكن لم يكن هناك شك أن هذا الحكم لم يكن عادلًا. ستيل لم يكن يستمتع بهذا المطر الخفيف الذي بالكاد يُرى. كان البلل يتسلل إليه رغم المظلة، بل وحتى سيجارته تبللت—ما كان إلا سوءة.

نظر إلى طرف سيجارته الذي بالكاد بقي مشتعلًا، وتنهد بضيق.

في هذه اللحظة، كان يسير خلف لورا، التي كانت في طريقها إلى مقرّ إقامتها، فيما هو يُقدّم تقريره النهائي بشأن حادثة معينة. تلك المرأة التي تشغل منصب مطران الكنيسة التطهيرية الإنجليزية كانت من النوع الذي يتنقل بحرية، تدخل الكاتدرائية متى تشاء وتغادر متى تشاء. لم تكن تُحبّ المكوث في مكان واحد طويلًا، لذا لم يكن من الغريب أن تُعقد الاجتماعات وتُلقى التقارير وهي تسير في الطريق.

وما عساهُ ستيل وقد رأى مشقة أن عليه دومًا اتخاذ الترتيبات لتجنب الهجمات المباغتة أو محاولات المراقبة. حتى الآن، كانت هناك حيلة بسيطة مفعّلة في مظلتيهما: جعلت المنطقة المحيطة بهما تعمل كمقصورة هاتف مغلقة. كانت تهزّ نسيج المظلات هزًّا خفيفًا، فتُحوّل تلك الاهتزازات إلى صوت مسموع، وفي الوقت نفسه تمنع الأصوات من التسرب خارج "إطار" المظلات.

「هذا يختصر لكِ جوهر الحادثة. لقد قرروا تسوية الأمر بالادعاء أن ما حصل لم يكن سوى عملٍ مسلح مستقل، قادته أغنيز سنكتس ومعها مئتان وخمسون تابعة. ومن خلال نسب الفعل إليهن وحدهن، يبدو أن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية تحاول الدفاع عن نفسها بالقول إنها لم تكن تسعى إلى اغتيال أورسلا」

「إن لم يستطيعوا كبح جماح أتباعهم، فلن تَسلَمَ سُمعتهم،」 قالت لورا بابتسامة ساخرة، وهي تلهو بخصلات شعرها. كان شعرها، في روعة منظره، يستحق أن يُسمّى بَهِيًّا، ومع قطرات المطر التي انزلقت عليه كخيوط عنكبوت فضية، كان يُولّد في النفْسِ سحرًا لا يُقاوم.

نظر ستيل إلى وجهها بنظرة خاطفة، 「...قد بالغتِ هذه المرة」

「ئمم-هيهي... أيهمّك الأمر يا ستيل؟ أنني رحّبتُ في الكنيسة التطهيرية الإنجليزية بالسيدة الموقرة أورسلا أكوينس والرفاق في جماعة الأماكسا الصليبية؟」

「لا داعي أن نحميها. الآن وقد أعلنوا رسميًا أنهم لم يكونوا ينوون قتلها، فلن يجرؤوا على إيذائها. وإن أصابها موتٌ مفاجئ وغريب في هذا الوضع، فستتحوّل المسألة إلى أزمة كنسية دولية.」

「إذن، ما عليهم إلا أن يُدبّروا لها موتًا طبيعيًا، ها؟」 قالتها لورا وهي تبتسم ابتسامة وحشية كابتسامة قراصنة البحر.

ذلك التباين بين ملامحها الهادئة وتعبيرها المتوحش أوقفت ستايل لحظةً. 「الآن وقد فكّرت في الأمر. أوكنتِ تعلمين نوايا الكنيسة الرومانية الحقيقية منذ البداية؟ فلِمَ لم تصدري لي أمرًا مباشرًا بإنقاذ أورسلا منذ اللحظة الأولى؟ أتعبتِني」

「لم أعلم بكل شيء. لم أكن أعلم أنها أخطأت في تفسير طريقة فكّ الشيفرة. لكن...」 توقفت قليلًا، ثم أكملت بنبرة هادئة، 「بالنسبة لي، النتيجة لم تكن فارقة.」

نظر إليها ستيل.

وأدارت مظلتها البيضاء النقية برشاقة، 「افترض، افترض افتراضًا يا ستيل: لو أخفقنا في إنقاذ أورسُلا، هل كان ليختلف شيء؟ لو عادت إلى روما، لأعدِمَت. سواء نجحنا أو فشلنا، في كلتا الحالتين، ما كانت شيفرة كتاب القانون لتُفَكّ أبدا.

فلا فارق في النتيجة」 وختمت قولها.

كانت حياة أورسُلا زموتها، بالنسبة لها، مسألة ضئيلة لا تهمّ.

زفر ستيل بضيق، 「إذن، لماذا أعطيتني أمرًا شخصيًا بأن أهدي أورسُلا صليبًا؟ لقد أضفتِ عليّ مهمة إضافية وسط وضعٍ كان بالفعل طارئًا. قولي ما تقولين، لكنكِ نويتِ إنقاذها منذ البداية، أليس كذلك؟」

「اررر...」

「وأيضًا، غياب التعزيزات العسكرية أزعجني. على الأرجح أنكِ قد مَركزتِ جُلّ قوات النِسِسَريوس على سواحل بحر اليابان، ولهذا لم تُرسلي أحدًا لدعمي، صحيح؟ استخدمتِ حادثة الصليب ذريعةً، ووضعتِ القوات هناك لتهاجموا قوات أغنيز في حال انطلقوا إلى البحر لنقل أورسولا إلى روما. إنكِ حقًا خرقاء، أتعلمين؟」

「مـ-مـمغـه! بـ-بل هذا قطعا غير صحيح! لقد تدخلتُ في هذا النزاع خالصًا لمصلحة الكنيسة التطهيرية الإنجليزية!!」

تفجّرت لورا مُنكِرة، حتى بدا وكأن البخار سيتصاعد من أذنيها، لكن ستيل لم يكلّف نفسه عناء الرد. ويبدو أن كونها الطرف الوحيد الغاضب أثّر في نفسها، إذْ احمرّ وجهها بسرعة.

「وهلّا أخبرتني ما هي هذه "المصلحة" التي تتحدثين عنها؟」

「يا لها صَدَّادة! أعني كنزاكي كاوري!」 وتأوّهت عاليا. 「هذه الحادثة كانت مثالًا حسنا. كانزاكي تملك قوّة هائلة، وبسبب حسّها العالي بالعدالة، فإنها قادرة دائمًا على اتخاذ قرارات فردية. ورغم أن شيئًا لم يحدث هذه المرّة، إلا أنها كانت في وضع خطير. لذا، إن أردنا منع تكرار هذا مستقبلاً، فنحن بحاجة إلى قيودٍ جديدة」

اختفت السكينة من وجه ستيل.

وكذلك تغيرت ملامح لورا إلى شيء أكثر نضجًا. 「لن نقدر على كبح جماحها بالقوة. أو بالأحرى، نقدر، لكن الثمن سيكون باهظًا علينا. أقرأت التقرير عمّا حدث لأولئك الحمقى من الفرسان؟」

تذكّر ستيل محتوى التقرير الصادر عن القوة الخاصة المنفصلة.

واحد وعشرون فارسًا مدجّجين بالسلاح خططوا من تلقاء أنفسهم لقتل أعضاء الأماكسا، لكن امرأةً واحدة فقط سحقتهم جميعًا.

「ولهذا، نحن بحاجة إلى قيود لا تعتمد على القوة. إن لها رابطة عميقة مع الأماكسا، لذا لا يمكننا استخدام "قيود سلبية" معها كتهديدها بالأذى إن لم تنصع للأوامر، بل يجب أن نلجأ إلى "قيود إيجابية"—كأن نعرض عليها الحماية من الكنيسة الكاثوليكية الرومانية إن التزمت بتعليماتنا. لو أننا أبرزنا الجانب السلبي فيما يخصّ الأماكسا، فقد تتمرد علينا. أما إن قدمنا لها الحلو، فلا أرالها تَصُدّ عنا. ألا تراهُ مكسبًا حلوًا يا ستيل؟」

ابتسمت لورا—لكن تلك الابتسامة ثشعرت ظهر ستيل.

رغم أنها بدت في البداية سطحية التفكير، إلا أنها كانت في الواقع زعيمة كنيسة التطهير الإنجليز، والمدبّرة القاسية، والمُهندسة الإدارية لنظام فهرس الكتب المحظورة.

هي من أنشأت القاعدة القاضية بمحو ذاكرة إندِكس كل عام.

وهي من صمّمت جسدًا يتطلب صيانة مستمرة من الكنيسة.

وهي من كذبت بقولها إن ذلك لمصلحة الكنيسة، كي لا تنقلب إندِكس عليهم.

لقد كذبت حين قالت إن حياتها ستكون في خطر إن لم يفعلوا ذلك—بتلك الكذبة، منعت ستيل وكانزاكي من التمرد عليها أيضًا.

ما من أحدٍ في الكنيسة يعرف كيف يعبث بموازين القيم الإنسانية—من مشاعر، وعقل، وحسابات ربح وخسارة، وأخلاق—أفضل من لورا ستيوارت. وهذا زاد من الحذر الذي شعر به ستيل تجاهها مجددًا، لكنه يدرك تمامًا أنه لا يستطيع شيئا عليها. فإن تهاون، فلن تتردد لورا في إنزال العقاب—ليس به، بل بإندكس. هكذا هي طبيعتها.

طمّ—ارتطم كتف ستيل بأحد المارّة.

كان طالبًا حاول الاختلاس بينه وبين لورا.

أوه. لكن في اللحظة التي ارتدّ فيها جسده، وجد أن لورا قد اختفت.

وانقطعت التعويذة التي كانت تربط بين مظلتيهما.

تلفّت حوله بسرعة— ماذا وكيف فعَلَتْ؟! بالكاد لمح المظلة البيضاء المطرّزة بخيوط ذهبية، تلك التي تشبه فنجان الشاي، على بُعدٍ بعيد. ثم سرعان ما ابتلعتها موجة الناس، واختفت تمامًا.

「...」

وقف ستيل مذهولًا مما حدث، وابتلع ريقه.

شعر بقشعريرة أخرى تسري في جسده، وهو يستحضر ملامح تلك الزعيمة الغامضة، التي تتزعم جماعة من السحرة المشبوهين، ثم فكّر،

لقد ساعدت الأماكسا بذكاءٍ لتُحجِمَ تصرفات كنزاكي كاوري.

هذا الجزء مفهوم.

لكن—لماذا، في النهاية، أنقذت أورسُلا أكوينس؟

ذلك ما لم يفهمه.

فالطريقة التي استخدمتها أورسُلا في فك شيفرة كتاب القانون كانت مجرد خطأ، ولم يكن ثمة ضرورة لحمايتها بعد تلك الحقيقة. إنقاذها لم يكن يربط أحدًا بها أو يُجبره على اتباعها، كما هو الحال مع كانزاكي. نعم، علّها تكون واعظة بارعة لدرجة أن كنيسةً بُنيت باسمها، [كنيسة أورسلا]، لكنها لم تكن تملك الكاريزما التي تجعل الجماعات تتجمّع حولها كما تفعل كنزاكي. لو كانت، لما تجرّأ أحدهم على التخطيط لاغتيالها خوفًا من الفوضى أو الانشقاقات.

「...إنها شيطانٌ ماكر،」 تمتم ستيل حاقدا.

لو أنه وجد ولو سببًا واحدًا مدروسًا يدفع لورا لإنقاذ أورسلا، لأمكنه أن يجزم بثقة أنها شريرة. لكن هذه إحدى سماتها المزعجة—لا يملك المرء أدلة كافية ليحكم إن كانت خيّرة أو شريرة. بل كانت تُمارس الخير والشر على حدٍّ، كأنها توازن بينهما بعنايةٍ تامة على كفّتي ميزان.

وذلك الميزان، بالطبع، لا يميل إلى أيّ من الجانبين. وبما أن التوازن دقيق إلى هذه الدرجة، فليس بوسع أحدٍ أن يقرّ بحكمٍ قاطع تجاهها، مهما بلغت الكفّة من ثقل.

لهذا لم يكن بوسع ستيل أن يحسم القول. ولذلك أيضًا، ظلّ يسير في ظلّ الكنيسة التطهيرية الإنجليزية.

أو ربما هكذا سَيَّرتني منذ البداية، كما فكر ساحر الرونات ثم اختفى وسط رذاذ المطر في شوارع مدينة الضباب.

تعليقات (0)