-->

الختام: حياتهم. — مكان،مشهد.

(إعدادات القراءة)

في اليوم التالي...

بعد أن اتصلَ كاميجو توما بالمدرسة وأخبرهم أنّه سيتأخر ذلك الصباح، توجّه إلى مستشفى معيّن. ليس للعلاج، فهذه المرّة —حقًا— لم يُصب بأي أذى. بل كان يزور شيراي كُروكو.

والآن يقف في زاوية قرب آلات البيع الآليّة تشبه مقهى صغير، وهو نوع من الردهات المخصّصة للحديث، على بُعدٍ قليل من غرفة المستشفى. وعلى وجنته أثرُ يَدٍ حمراءُ فاقعة. فعندما فتح الباب ليزورها قبل ساعة، كانت شيراي تغيّر ملابسها.

وبعد صفعةٍ طردته من الغرفة، قال في نفسه "علّها ستأخذ وقتًا أطول لتتجهز، فلِمَ لا أزور إيموتو؟" ثم سحب معه إندكس المستاءة إلى غرفة ميساكا إيموتو، في المستشفى نفسه.

كانت ميساكا إيموتو في غرفة أخرى، وقد بدأت في تلقّي العلاج، لكن النشاط البدني الذي قامت به بالأمس وضعها في خطر كبير على ما يبدو. وكانت في تلك اللحظة تطفو داخل كبسولة زجاجية مُدعّمة مليئة بسائل شفاف، أشبه بما تراه في أفلام الخيال العلمي، ومن المستحيل أن تجده في مستشفى عادي.

بدت واعية داخل الكبسولة، وانحنت لتُحيّي كاميجو بلا أي تعبير على وجهها حين رأته. لكنّها كانت عارية تمامًا باستثناء الأقطاب الكهربائية المثبّتة على جسدها بشريط لاصق أبيض، تحرجت إندكس وغضبت فبدأت تقضم قَفا (خلف العنق) المسكين على الفور. (أما ميساكا إيموتو لم تُعر الأمر أي اهتمام).

ولقد عضّته بقوّة — لدرجة أن القط الكاليكو في القفص المخصص للحيوانات في زاوية الغرفة (والمصمَّم خصيصًا لمنع تساقط الوبر أو انتقال الجراثيم خارجه) استدعى غريزة الكرّ والفرّ بداخله وبدأ يهيج بفزع غير طبيعي وكأن زلزالًا ضخمًا كاد يحدث. كان ذلك من نوعية الأيام التي إذا جاءك فيها البلاء جاءك دفعةً.

أيا يكن.

بعد أن طُرد كاميجو وإندكس من غرفتي المستشفى، وجدا نفسيهما مجددًا في الردهة.

「...يا لحظي. كاميجو المسكين قد اعتاد أصلًا سوء حظه اليومي، لكن اليوم صابتني حُمّى النحس (ونسبتها تتغيّر)! يا ربي، لو أن أبواب النحس التسعة فُتحت عليّ اليوم لما استغربت!!」

بدا كاميجو مرهقا، وقد تعنف من أكثر من واحد. أخذ بيده كيسًا به فطيرة فاكهة من كُرومِتسو هاوس، ثمن الواحدة 1400 ين رغم أنّ حجمها ليس كبيرًا، وهو يفكّر في إندكس الجالسة بجواره، والتي قد تلتهم الكيس كله دفعة واحدة — لكن الآن، توقّع أنّها على الأقل ستتحلّى بالذوق الكافي لعدم التهام هدية مريضٍ في المستشفى — لكنّ القلق ظلّ.

غير أنّ إندكس كانت في الحقيقة أكثر اهتمامًا بأضواء لعبة الروليت الخاصة بآلة البيع من اهتمامها بالحلوى.

「إذن ما زلتُ لا أعرف شيئًا عن ذيك الشجرة أو الشظايا أو مهما كانوا، لكن بعد أن تصرّفَتَ بكل برودة أعصاب وقلتَ: "سأذهب لأهتم بالنصف الآخر"... رجعتَ خائبا، ها؟」

「أغغ... بالأحرى، ذهبتُ إلى حيث أخبرتني شيراي أنّها قد تهرب إليه. وهناك وجدت الشارع كله بمبانيه ونوافذه محطّمة، والحطام في كل مكان، وكل ما كان بداخل المباني مكسّرًا إلى مليار قطعة، وعلى بلكونة وجدت فتاة كأنها شبه ميتة... لا أعرف من فعل ذلك، لكن أود أن أشكره」

「توما، توما. أنا عادة لا أستعمل هذه الكلمة، لكنك عديم الفائدة!」

「مرحى! والله توقعت أنّك تقولين!! أتمنى لو أعرف من الذي تجرّأ وتدخّل وسرق فريستي ثم غادر دون أن يقول شيئًا! إلى أي درجة من الكليشيه يكون حتى يشعر بالرضا عن نفسه؟!」

「...بصراحة، أرى أنّ توما واحد يكفينا」

مرحى! ترددت صرخة الفرح في صباح المستشفى مجددا.

「أزعجونا هناك! من ذا الغبي يحاول يقيم مهرجان في ممر المستشفى؟」

عبس أكسليريتر على الأصوات القادمة من خلف الجدار. وبدا الصوت كأنه آلفه؟ ربما كان مجرّد خيال. الغرفة كانت لشخص واحد، لكنها لم تكن كبيرة، وفي وسطها سحب أكسليريتر الغطاء فوقه وهو على السرير. وبرغم أن مظهره — مع طول شعره الغريب وسرعة التئام جروحه وقدرته على القفز عاليًا في سماء الليل — لم يكن يوحي بذلك، إلا أنّه كان مصابًا إصابات لو أصابت إنسانًا عاديًا لما استطاع حتى الوقوف.

وقِبَلَ السرير هناك طاولة متحركة وُجدت حتى يؤكل الطعام من على السرير، لكن الآن كانت عليها فتاة تبدو للوهلة الأولى في العاشرة تجلس فوقها، تُأرجح قدميها ذهابًا وإيابًا في الهواء. كانت في السابق بحالة مزرية — عارية تمامًا إلا من بطانية — أما اليوم فكانت ترتدي قميصًا قطنيًا سماوي اللون للأطفال، وهو من الملابس التي جلبتها لها المرأة ذات البدلة الرياضية الخضراء.

「يبدو يبدو يبدو أن يوميكاوا خرجت إلى "الخارج" وضربت منظمةً تُسمّى أسوسياسيون دي سي-إينسيا أو شيء كهذا، تقول ميساكا وميساكا تعلن الخبر الذي وصلها عبر شبكة الميساكا. ويبدو أن [أماي آو] كان على اتصال بهم أيضًا، وهكذا عرفوا الكثير عن [المخطط الشجري]، تضيف ميساكا وميساكا تضفي مسحة من الواقعية الفائضة」

「أهكذا...؟」

「وبعدها بعدها عادت يوميكاوا إلى البيت وتحت عينيها هالات سوداء وكأنها قضت الليل كله تعمل، تقول ميساكا وميساكا تتذكّر بهدوء أن حالة البشرة قد تفضح العمر... مهلا، شفيك مَلّااان (مَلول) أكثر من المعتاد، اسمع اسمع، تقول ميساكا وميساكا تنظر إليك بطرف عينها」

「...توّني رجعت هذا الصباح، وأنا نعسان، فانقلعي عني وأجّلي الكلام」

「يَه! كونك نعسان في الصباح مصيبة، تقول ميساكا وميساكا تتحوّل إلى منبّهة ميساكية! يلا يلا، قم قم، إنه الصباح، وبعد ساعتين الظهر، تقول ميساكا وميساكا ترفرف قدميها وتشجّعك على أن تستيقظ قبل أن يهزمك النعاس كأنك طفل مدلّل!!」

「...」

(ما بها هل مرّت بتجربة رأت فيها نومي "مصيبة"؟)

أكسليريتر، متشكّكًا، سحب الغطاء فوقه وسدّ أذنيه. كان بإمكانه استخدام قدرته بدرجة معينة وبزمنٍ معين عبر الأقطاب الكهربائية مع الاعتماد على [شبكة الميساكا]، لكن عادة ما يُخصَّص ذلك لمهام الكلام والحسابات العامة والحد الأدنى من الانعكاس اللازم، مثل الحماية من الأشعة فوق البنفسجية. وإلا فإن الأمر سيستنزف بطارية النموذج الأوّلي.

「مرتاحة أنتِ في هذه العيشة يا شقية. وأنا الذي كدت أموت لمّا حاولت الخروج من ذا المستشفى بدماغٍ أشبه بمخفوق الحليب، وقعدت أعمل حتى الصباح أنظف الفوضى وأنتِ كنتِ منبطحة تشخرين على السرير بمكيف يا ملعونتغخا-برقغ. أترجاك لا تلعبين بمعالجاتي اللغوية لأسباب طائفية أيدلوجية أرجوك!!」 صرخ أكسليريتر غاضبا، وكأنه بدأ يفقد شكل كلامه الطبيعي.

[شبكة الميساكا] كانت قد أوقفت عملياتها الحسابية التعويضية لمركز كلام أكسليريتر.

بعبارة أخرى، كان يقصد أن يقول، "لا تسلبيني قدرتي على الكلام لمجرّد أن ذلك يناسبك".

「ميساكا لن تقوم بعملياتك الحسابية حتى تستخدمها في شتم ميساكا، تردّ ميساكا وميساكا تحاول التصرّف بلطف—مهلا، بف! لماذا تلفّ ميساكا ببطانية، تسأل ميساكا وميساكا تشعر بالخطر!!」

وفي هذه الأثناء، في الغرفة المجاورة...

「آ-آ-آ-آ-آ-آن، آن، أونيه-ساما. حان أخيرًا وقت النشوة العظمى حين تُطعِمينني، أنا شيراي كُروكو، شرائح التفاح المقطّعة على شكل أرانب صغيرة! هيء-هيء، هيء-هيء-هيء-هيء!!」

「أص، اخرسي، كيف تكوني نشيطة بهذا الشكل المجنون بعد ما حدث البارحة كُروكو؟! — مهلا، لستِ نشيطة فعلًا؟! لا تُجبري نفسك على الزحف فوق السرير هكذا بقوة الإرادة وإلا قتلتِ نفسك حقًا!!」

شيراي كُروكو، المصابة بجروح بالغة، ابتسمت بسعادة وهي تحاول الاقتراب من أونيه-ساما، لكن ميساكا ميكوتو دفعتها مجددًا إلى السرير وأعادت تغطيتها.

「آه... آاااه... هذا الإحساس... يدي أونيه-ساما وهي تدفعني بعنف إلى السرير... أ-أظنّني كنت على حق فعلًا حين اشتركت في تلك المعركة الخطرة على الحياة. العالم... كل العالم الآن يتلألأ!」

「ألا تفهمين ما قاله لكِ الطبيب؟! راحة وهدوء!!」

「إذا أردتِ مني أن أهدأ، فرجاءً، أطعميني شرائح التفاح تلك على شكل الأرانب. على فكرة، ألن يفضّل ذلك الشاب الذي دخل إلى هنا من قبل فتاة ذات طابع عائلي أكثر؟」

「...أ-أحقًا؟ أعني... هيّا، كُروكو، أحقًا تظنّين؟」

「ها أنتِ تتفاعلين بكل براءة مع شيء عنه عشوائي قلته، أونيه-ساما! عرفت! عرفتُ عرفت— إنّه ذلك الحقير الذي دخل الغرفة بينما كنت أغيّر ملابسي!! كنتِ معه!! ذاك القرد اللعين!!」

وقفت ميكوتو مذهولة أمام حيوية شيراي العجيبة. وقد أدهشها كيف كانت تتلوّى بحماس وهي بهذه الإصابات الشديدة، لدرجة كادت معها أن تنسى سبب قدومها لزيارتها من الأساس. وشعرت بوخزة ندم لأنها لم تمنح ذلك الشاب الذي دخل عليهما صفعة قوية (مع قليل من الكهرباء) نيابة عن شيراي، التي لم تستطع الحركة كما تشاء بسبب إصاباتها. أمّا تقرير الحادثة اللاحق، الذي علمت فيه أنّ مُسُجيمي أواكي عوملت الآن معاملة طالبة تبادل دراسي في مدرستها —أكاديمية كيريغاوكا للبنات— فلم يعد له أي أهمية تُذكر بالنسبة لها.

توقّف إيقاع الحديث فجأة.

وساد صمت قصير.

الهواء الدافئ في الغرفة بدأ يبرد شيئًا فشيئًا.

احتاج الأمر إلى جهد أكبر مما توقّعَت لتعيد فتح النافذة المغلقة.

وميكوتو تعرف تمامًا السبب.

ففي جسد زميلتها الصغرى عدة طعنات.

بعد كل ما قالت وفعلت، فقد أقحمت شخصًا آخر في مشاكلها.

أولا الأخوات، ثم ذلك الفتى، والآن زميلتها هذه.

「أتعلمين، أنا...」 بدأت شيراي من على السرير، مقاطعةً أفكار ميكوتو.

نظرت إليها ميكوتو باستفهام خفيف.

ابتسمت شيراي وأكملت، 「أظنني أدركت الآن. المكان الذي كنتِ فيه تلك الليلة—كان هو العالم الذي تقاتلين فيه. لم يكن فيه أي شيء منطقي بالنسبة لي. وبعد أن جئتِ تجرين نحوي في النهاية، وجدتُ نفسي أتوقف عن التفكير أكثر من مرة، مهما بدا ذلك سخيفًا」 ضحكت قليلًا، وارتخت قليلًا في جلستها. 「ولا أرى أنني أستطيع الوقوف هناك على [حالي] هذه الآن. لقد أجبرت نفسي على دخول عالمك مرةً واحدة، وهكذا آل أمري」

「كُروكو...」

ملامح ميكوتو أفصحت عن ألمٍ عند سماع ذلك — لكن فكرة جديدة أخفت ذلك فورًا. كانت من النوع الذي يُخفي مثل تلك المشاعر. لكن شيراي تعرف أن هذا بالتحديد هو ما يجعل ميكوتو هشّة.

「أونيه-ساما، إن كنتِ تظنين أنه خطأك أنكِ أقحمتِني في هذه الحادثة، فأنتِ مخطئة تمامًا」

「هَه؟」

「ماذا حسبتِ؟ ضعفي هو خطئي أنا. فما علاقتكِ أنتِ بذلك، أونيه-ساما؟ أتمنى أن لا تستهيني بي. أنا قادرة على تحمّل مسؤولياتي بنفسي. أن تجعلي تلك الأعباء على عاتقكِ يمزّق كبريائي إربًا」 قالت بنبرة هادئة، ثم تابعت، 「بل إني أفضل أن أراك تبتسمين، أونيه-ساما. زميلتكِ الصغرى فشلت، لكنها عادت سالمة — فكان عليكِ أن تضحكي عليّ عاليا، وتشيري إليّ وتسأليني كيف أخطأتُ إلى هذا الحد. ومع ذكرى طريفة كهذه تُغذّيني، سأنهض من جديد」

وأمرٌ آخر، كما فكرت في نفسها.

(هذا رأيي عن "حالي" الآن فقط. ولا شعرة في رأس شيراي كُروكو ترغب في البقاء كما هي الآن. لن أجعلكِ تنتظرين طويلًا، أونيه-ساما. فعندما تضع كُروكو هدفًا أمامها، تصل إليه بسرعة)

فلما أدركت الطمأنينة التي وجدتها هنا، صارت تقدر أن تعود من أي ميدان قتال،

وخفيةً، حتى لا تعلم الفتاةُ جوارها شيئًا.

هكذا تعلّمت شيراي كُروكو موضعها في الحياة،

وهكذا أدركت أن هناك عالمًا لا تُدركه يداها.

لكن لهذا السبب لم تضعف عزيمتها، بل امتدت يدها إلى العُلا، أعلى فأعلى.

وليس بدافع أن تُظهِر أنها فوق أحد،

بل لتحمي المكان الذي تنتمي إليه الآن.

تعليقات (0)