-->

الفصل السادس: اِسْتِئْنَافٌ وَنِهَايَةُ اُلْمُطَارَدَة.—نارٌ_عرضية.

(إعدادات القراءة)

انتقال بين الأجزاء

  • الجزء 1

«يا ربي! هيمي-تشان، والآن منكِ أنتِ ضيّعنا كاميان!» المعلمة كوموي نادت الفتاة قربها وهي تمشي في زاوية تصطف حولها مبانٍ سكنٍ طلابية.

الفتاة هيميغامي آيسا سوداء الشعر ذات الزي المدرسي التي تمشي وراء معلمتها حملت كوب عصير فواكه وتكلمت بصوتٍ راخي، «لكن يا كوموي-سينسي، الفعالية التالية اقتربت»

«مغغ! أعلم. لهذا السبب نويت توبيخه بسرعة والعودة!»

كانتا في طريقٍ يَحُدُّ الحي 7. غير الحديقة التي هرب منها كاميجو وستيل، هناك منطقة سوقية ومساكن طلابية—خليط مخلط من أماكن لا علاقة لها ببعضها. تفاوتت المباني في الارتفاع كثيرا، جاعلة مشهد الأفق كمشطٍ تنقصه بعض الأسنان.

هذا الخليط كان أبعد قليلا عن المدرسة—أو الملعب حاليا—ولذا بدا معظم المارة يبحثون عن تذكارات. وهناك الكثير من الزوار يتجولون بفضول أمام البسطات التي تبيع سلاسل المفاتيح وألعاب البازل وغيرها من الأشياء التي لا يشتريها سكان المدينة عادة.

تنهدت كوموي. «مفهوم. سأنتظر كاميان في الملعب. المهم يا هيمي-تشان، عجّلي!»

«طيب،» تجيب هيميغامي بينما ترتشف من كوب العصير.

المعلمة كوموي لاحظت تكاسل ردّها فنظرت جنبها. «...هيمي-تشان؟ هل من شيء يشغلك؟ معلمتك ستسمع لكِ!»

«ليس هذا...» وارتشفت شفاها رشفة أخرى. «كامجيو. كان غريبا اليوم. وكأنه، كأن باله انشغل بأمر»

«مم. والآن وقد ذكرتِ، بدا عَجولًا اليوم. ولكن أليس لأن الفعالية القادمة اقتربت؟»

«...لا أدري. كأن...» توقفت هيميغامي.

هذه الرعشة—شعرت بمثلها مرة. رعشةٌ شعرتها لمّا شهدت صبيًا واحدًا، لا يملك سوى قبضته، واجه خيميائيًا قاتلا يحمل المعجزات في يديه. ولقد حمى الصبي غيره على حسابه، ولم يكن طماعًا بكيف يفوز، وفي آخرها، ترك ذراعه تُقطع قطعا وواصل معركته لأجلها.

لكن... «لا. لابد أنه خيالي»

«؟؟؟ ما هو؟»

نظرت هيميغامي إلى وجه المعلمة كوموي الحائر وفكرت في نفسها وأفكارها ضبابية؛ (ولكن. حتى فعاليات مهرجان دايهسي. لا أظنها. ستجعله هكذا.)

ومهرجان

وبينما كانت واقفة بذلك التعبير الشارد، رفعت المعلمة كوموي رقبتها تنظر إليها، ثم أمسكت بطرف قميصها الرياضي وتقول، «ما يهم هو، هل أنتِ مهتمة بكاميان؟»

«...» تجمدت هيميغامي في مكانها. كاد كوب العصير أن ينفلت من يدها، لكنها التقطته مجددًا على غير عادتها وهي في حالة ارتباك. «لستِ بمخطئة. فعلا. لكن أسلوبك هذا. مباشر جدًا. ولعله تسبب في سوء فهم»

«ألم أُصِب؟»

«...إذن يا معلمة كوموي. هل أنتِ مهتمة بكاميجو؟»

زلقت! تعثرت المعلمة كوموي فجأة. وكادت تنورتها القصيرة تنورة التشجيع أن تنقلب للأعلى، لكنها توقفت عند الحد المناسب بحيث لم ترَ هيميغامي شيئًا. انطلق وجهها نحوها؛ «م-ماذا تقولين هيمي-تشان؟! لقد أُوكِل إليّ تحمل مسؤولية كاميان باعتباري معلمة فصله! الشيء الوحيد الذي أ-أ-أهتم به هو مستقبل كاميان، وإذا قلتِها بهذه المباشرة فسيظن الناس أنني أقصد شيئًا أكثر تعقيدًا!»

«نفس الشيء»

«...» صمتت المعلمة.

مدّت هيميغامي آيسا يدها الأخرى وأمسكت بمعصم معلمتها النحيل وعاونتها على الوقوف. وبعد أن تأكدت أن المعلمة كوموي لم تُصب من السقوط، ضيّقت عيناها قليلًا وكأنها ارتاحت. «لكن. قد يكون من الأفضل. لو تجنبتي مثل هذه الأقوال. كاميجو وأنا. لسنا مقربين. ولو أساء أحد الفهم. فسيكون هو من ينزعج»

«همم؟» تغير تعبير المعلمة كوموي قليلًا. «هَهَهَه. إن كان هذا شعورك، فلهذا السبب تجنبتِ الحديث عن موكب الليل أمام كاميان. كنتِ تنظرين إلى منشوره باهتمام شديد أيضًا! بالنسبة للطلاب، قد يكون موكب الليل معركة لا تقل شراسة عن فعاليات النهار»

خلال مهرجان دايهاسي، يستخدمون الإضاءة وأشعة الليزر لإقامة عرض ضوئي ضخم بعد حلول الظلام. وكان هناك أيضًا موكب يجوب أنحاء مدينة الأكاديمية بعد انتهاء الفعاليات، مع سيارات مكشوفة مغطاة بزينة كهربائية ومنصات تتحرك على الطرقات. حتى محطات التلفاز كانت ترعى المهرجان، لذلك كان الموكب ضخمًا للغاية ويشارك فيه الكثير من المؤدين والمشاهير.

في العادة تكون هناك قيود على التنقل ليلًا داخل المدينة. حتى آخر القطارات والحافلات اليومية كانت تتوافق مواعيدها مع انتهاء الدوام المدرسي. لكن في هذه الليلة بالذات، كان حتى مجلس إدارة مدينة الأكاديمية العام يشجع الجميع على الاستمتاع. ولهذا أصبح الحدث محبوبًا جدًا بين الطلاب، وإن لم يصل إلى مستوى عيد الميلاد أو عيد الحب.

لكن...

«لا أستطيع» قالت هيميغامي بصوتٍ هادئ شبه ميّت، «حتى لو دعوتُه فجأة. فسيحتار. نحن لا ننسجم. لذلك. لا أظن. أنه ينبغي عليّ ذكر الأمر» وضيّقت عينيها أكثر، فيهما شيء يجمع بين اللطف وظلٍّ خافت من الكآبة.

وبالطبع، لم يعجب المعلمة كوموي إطلاقًا أن ترى أحد طلابها يصنع هكذا تعبير. «هذا ليس صحيحًا! قد يتفاجأ كاميان، لكن أظن أن السبب سيكون من فرح. سيفرح إن كنتِ تبتسمين، وسيحزن إن كنتِ تبكين. هكذا طبعه. حتى أنا أفهم شيئًا بسيطًا كهذا» رفعت نظرها إلى طالبتها التي كانت أطول منها بكثير.

«لذلك إذا رأيت أن الأمر سيكون ممتعًا ودعوتِه، فأنا متأكدة أنه سيفرح. وإذا كان في موكب الليل، فلا مشكلة البتة!»

رمشت هيميغامي عدة مرات.

ظهر أثرٌ خفيف من الدهشة على وجهها الذي اعتاد الجمود.

هزّت الكوب الشفاف الذي بقي فيه القليل. ثم ضيّقت عينيها قليلًا ورسمت ابتسامة خفيفة جدًا موجّهة للمعلمة كوموي. «لن أدعوه. هذا لن يحدث»

«مه! وأنا هنا أحاول أن أدفع هيمي-تشان الخجولة إلى الأمام! لماذا تتعنّدين؟!»

«أيًّا كان. لن أدعوه»

«غغغررر!!» احمرّ وجه المعلمة كوموي، وفي نفْس هيميغامي آيسا تنهدت مرتاحة.

  • الجزء 2

كاميجو توما وستيل ماغنوس يركضان عبر المدينة.

في الملاعب المنتشرة هنا وهناك أنواعٌ مختلفة من المنافسات قد ابتدأت، وأمكنهما سماع التعليق ينبعث من مكبرات الصوت والشاشات العملاقة المنتشرة على الطرق. وفي مدرسة كاميجو قريبًا ستبدأ تصفيات المجموعة (A) من منافسة "معركة الفرسان للصبيان"، لكن لسوء الحظ لم يظن أن لديه وقتًا للحاق.

«كاميجو توما! لو كنا متجهين إلى موقف الحافلات فهذا الطريقُ أقصر!»

«لا، أنظر إلى جداول التشغيل، أسرع مسار هو بالحافلة! محطاتها كثيرة وقد نتوقف عدة مرات. قد ننتظر قليلًا في البداية للحافلة، لكن بعد أن نركبه سنتجاوز أي مركبة بسرعة!!»

كانا يصرخان لبعض وهما ينعطفان إلى شارع صغير ثم ينزلان الدرج المؤدي إلى محطة الحافلات. اندفعا عبر المحطة التي لم تكن سوى ممر ضيق من الخرسانة. وعندما وصلا إلى البوابات الإلكترونية التي تسد الطريق، ضغط كاميجو جَوَّاله المحمول عليها. في هذه الأيام، لا غريب في مدينة الأكاديمية أن تُرى جَوّالات تدعم التحقق بالهوية والدفع الإلكتروني.

لكن يبدو أن البوابات كانت تعمل فقط مع الأجهزة المصنوعة داخل مدينة الأكاديمية. (تبًّا!) شتم ستيل واتجه إلى آلة بيع التذاكر. يبدو أن هذا الرجل(الصبي) لم يحاول القفز فوق البوابة إذ رأى أن التورط بمشكلة هنا ستزيدهم وجع رأس. أدخل ورقة نقدية من فئة 1000 ين — ربما لأن العملات كانت لتأخذ وقتًا — ثم خطف التذكرة والباقي وعاد. وأخيرًا اجتاز البوابات.

وعربة الحافلة على وشك المغادرة. جرسها الإلكتروني يرن. وبعد أن وصل إلى الرصيف قبل ستيل، اندفع كاميجو إلى الداخل قفزًا. أما ستيل وهو يركض خلفه أدخل ذراعه بين الأبواب قبل أن تنغلق بالكامل. فُتحت الأبواب مجددًا بفعل نظام الأمان، ولوى جسده ليدخل إلى العربة. كان موظف المحطة يشزر به غضبًا، لكن لا وقت ليهتم.

أغلقت الأبواب ‘كـ قك’ وبدأ القطار يتحرك.

أسند كاميجو ظهره إلى باب العربة. «...محطة سَيْبُسَن التي تحدث عنها تسوتشيميكادو تبعد محطتين...» قال وهو ينظر إلى اللوحة الإلكترونية فوق الباب.

ستيل وبعد أن وضع الباقي في محفظته بدأ يفتش داخل ملابسه وأخرج علبة سجائر جديدة.

تنهد كاميجو. «أصلًا كم علبة تخفي؟»

«هل عليك أن تعرف؟» ردَّ ملولًا على أن يجيب، ثم وضع سيجارة في فمه.

«هيه! لا تدخن داخل القطار! لو رصدوا الدخان فقد تتوقف الرحلة كلها!»

نقر ستيل لسانه عند التحذير المذعور، وبدا منزعجًا عن قلب.

ما كان عادةً ليستمع أبدًا لكلام كاميجو، لكنه يعلم أن عليهما اللحاق بأُريانا بأسرع ما يمكن. جعّد حاجبيه وأعاد السيجارة إلى العلبة.

لكن بعد لحظة مباشرة، أخرج علبة أخرى من جيبه الداخلي. كانت بالحجم نفسه تقريبًا، لكنها مصنوعة من خشب قديم. أخرج شيئًا منها وبدأ يمضغه كالعلكة.

«علكة تبغ»

«......تعيش على التبغ ها؟»

«عالمٌ بدون نيكوتين وقطران هو اسمٌ آخر للجحيم. حَمَلٌ مؤمنٌ مخلصٌ متدينٌ مثلي ما عساه يترك نفسه يسقط في الجحيم»

«يا ليت لو تنظر إلى حياتك قليلًا قبل أن تتفوه»

في حديثهما، توقف القطار عند أول محطة. بدأ بعض الناس يصعدون. وكل من دخل حدق بدهشة في ملابس ستيل العجيبة.

أُغلقت الأبواب وانطلق القطار مجددًا. تبقَّت محطة.

«والآن» قالت أُريانا تومسن بنبرة خفيفة وهي تقف في شوارع الحي الخامس.

كانت تشعر بنظرات الناس تلاحقها وهم يمشون. الكثير من زوار مهرجان دايهَسي كانوا أجانب، لذا لم يكن وجود امرأة شقراء ذات عينين زرقاوين شيئًا غير معتاد. لكن الأغلب أن أنظارهم كانت تتجه إلى جسدها الجذاب وما تبرزه ملابسها. قيل إنّ هذا البلد انضم إلى غيره في أن تصاميم الملابس أصبحت أكثر تحررًا خلال السنوات العشر الماضية، لكن تنورةٌ طويلة ممزقة عموديًا لا تفيد شيئا في إخفاء ساقَيْ امرأةٍ جميلة ظلت تُعد شيئًا "نادرة جدًا". حقيقة أنها تحتاج إلى قطعة قماش تغطي جزءًا من ملابسها رغم أنها ليست ملابس سباحة أصلًا... لم يكن طبيعيًا أيضًا.

لكن أُريانا لم تهتم البتة في لفت الأنظار.

بل كانت بشكل يكاد يكون غير طبيعي لا مبالية، هذا وهي مطاردة.

(حسب الساعة... سيستغرقني الأمر أطول قليلًا. طيّب، سأترك كل ذلك إلى لَدّوفة. تُرى ماذا أفعل في هذه الأثناء؟ همم...)

تابعت السير تَسحبُ أنظار المارة معها. خطواتها كانت هادئة — لا تدرك أن مطارديها يراقبونها.

توقف القطار مجددًا. هذه المحطة الثانية. وصلا إلى محطة سَيْبُسان، المقصد.

ما إن انفتحت الأبواب حتى اندفع كاميجو وستيل خارجين إلى الرصيف واتجها مباشرة نحو أقرب مخرج. بصق ستيل علكة تبغ في سلة المهملات أثناء الطريق وصاح؛ «مَه! أين تسوتشيميكادو؟! من دونه لا يمكننا إعداد "أربع طرق حق" والبحث عنها!!» وفي كلامه فتح جَوّاله. كانا تحت الأرض، لكن يبدو أن هناك برج إرسال قريبًا لأن المكالمة اتصلت بسهولة. «تسوتشيميكادو!!»

⟪نيا~ عذرا، أنا في حافلة قريبة من المحطة...لكن الطرق هنا مغلقة لمسار سباق عشرة كيلومترات. غَيَّروا الجدول وقدَّموا الموعد. الحافلة عالقة تمامًا⟫

لم يحاول ستيل إخفاء إحباطه. «كم تبعد؟!»

⟪إذا نزلت وركضت، حوالي عشر دقائق⟫

(هذا سيئ...) فكر كاميجو.

ثلاث دقائق بعد رصد أُريانا، وخمس دقائق أخرى للوصول إلى هذه المحطة — وإذا اضطروا للانتظار عشر دقائق إضافية قبل إعداد تعويذة البحث، فمن يعلم إلى أي مدى ستكون قد ابتعدت؟ تذكر أن تسوتشيميكادو أخبره أن مدى تعويذة العثور على أُريانا "أربَعُ طُرُقٍ حَقْ" يبلغ ثلاثة كيلومترات.

وإذا لاحظت أُريانا أنهم يطاردونها، فيمكنها ببساطة الابتعاد خارج النطاق.

لا بد أن تسوتشيميكادو كان يعلم ذلك. وجاءت كلماته التالية بمرارة، ⟪ستيل. هل حفظت نمط تعويذتي "أربَعُ طُرُقٍ حَقْ"؟⟫

«لا»

⟪أسترسمه إذا أعطيتك التعليمات عبر البريد؟⟫

«لا أظن. حتى لو نسختُ وقلّدت تركيبة التعويذة كما أشاء، لكنني لن أفهم شيئًا من النظريات التي بَنَتها. لا أعرف شيئًا عن الصيغ الشرقية. الشرق والغرب يختلفان في طريقة إدراك المساحة المستخدمة في "أربَعِ طُرُقٍ حَقْ" ومسارات الطاقة التي تتدفق خلالها. وأنا لستُ تلك الفتاة. إلا إذا كنت تنوي تعليمي كل شيء من أساسيات الأونميودو حتى جوهره عبر الجَوّال؟»

⟪...أي نوع من تعاويذ البحث الغربية تعرف أصلًا؟⟫

«لو معي لما كنت أعتمد عليك. هذا خارج مجال خبرتي تمامًا»

⟪مفهوم... ليتني توقعت هذا نيا~⟫

صدر تشويش مرتفع، كما لو أنه تنهد بمرارة داخل الميكروفون.

وبعد لحظة قصيرة من التفكير تكلم،

⟪طيّب. سأُفَعِّل [أربَعُ طُرُقٍ حَقْ] من مكاني⟫

أصاب التصريح كاميجو بالذهول.

⟪ماذا؟ بينكما وأُريانا عشر دقائق فقط. هذا ليس بالفرق القاتل. أهون علينا أن نرصدها الآن بدل خطتك السخيفة في المحطة أيا كانت. ولربما أن أُريانا تركب قطارا أو حافلة نيا~. الأفضل أن ننهي البحث بسرعة⟫

وقبل أن يَردّ كاميجو، أنهى تسوتشيميكادو الأمر.

⟪سأعطيكم نتائج التعويذة عبر الجوّال نيا~. ستيل، اذهب مع كاميان وطاردا أُريانا وأقبضا عليها. ربما يكون صليب بطرس مع لِدفيا وليس أُريانا. وإذا أمكن، أريدها حية⟫

«ما...» بعد سماع ذلك، لم يعد كاميجو قادرًا على كتمان نفسه. «تمهل تسوتشيميكادو! هل ستكون بخير إذا استخدمت السحر مجددًا؟!»

تسوتشيميكادو موتوهارو لا يقدر على استخدام السحر. أو بالمعنى الأدق، هو يستطيع... لكن إن فعل، فإن أجزاءً من جسده ستنفجر. والسبب أنه لم يكن مجرد ساحر، بل إسبر من المدينة أيضًا. للأسابر بنية جسدية مختلفة عن العاديين، لذا عندما يستخدمون السحر — الذي صُمم للبشر العاديين — فإن أجسادهم ترفضه.

من المستحيل ألا يعرف ذلك. بل إنه قبل وقت قصير من هذا اليوم كان قد تلطخ بالدماء بعد استخدام تعويذة واحدة. ومع ذلك، قال إنه سيستخدم أربَعُ طُرُقٍ حَقْ. رغم أن تفعيلها مرتين يعني المخاطرة بالموت.

لكن لم يأتِ أي رد على مخاوف كاميجو. لا من تسوتشيميكادو بالطبع، ولا حتى من ستيل.

بل إن ستيل تحدث إلى الجوّال وكأنه يمنع كاميجو من قول المزيد؛ «...ولا تمانع؟»

⟪لا أفهم لماذا تسألني نيا؟ أنا ساحر. قل ما شئت، لكن هذا يعني أنني خبير بالسحر. وأنت يا كاميان، سأسمع شكواك من سرير المستشفى. أحضر لي بطيخة وبعض التفاح هدية زيارة نيا~⟫

وقبل أن ينادي تسوتشيميكادو، انقطع الاتصال.

أعاد ستيل الجوّال إلى جيب صدره. «همم. المكالمة التالية منه ستكون بعد تفعيل أربع طرق حق. إذا كنت لا تريد أن يضيع عزمه هباءً فتوقف عن التفكير بأمور لا داعي لها يا كاميجو توما»

«تبًا!!» لم يستطع كاميجو منع نفسه من توجيه لكمة إلى الجدار الخرساني.

«وتوقف أيضًا عن أفعالٍ لا داعي لها» تمتم ستيل منزعجًا بينما يخرج سيجارة جديدة من جيبه الداخلي.

وبالفعل، بعد دقيقة واحدة اتصل.

الرقم من تسوتشيميكادو موتوهارو.

يخبرهما أنه ذهب إلى مكان مهجور وفعّل [أربع طرق حق].

فجأة، ارتجفت كتفا أُريانا.

(آه...! نعم—نفس النمط تمامًا للتعويذة التي استخدموها سابقًا. كأنهم يسخرون مني؟ بماأنني لا أستطيع استخدام التعويذة نفسها مرتين.)

فكرت بذلك وهي تمشي وسط طريق في الحي المدرسي 5.

تعويذة العدو تحاول تتبع موقع أُريانا باستخدام إحدى البطاقات الصغيرة من الحلقة التي تركتها خلفها—أو بشكل أدق، باستخدام واحد من أصغر "الجريموارات الأصلية" غير المستقرة في العالم، والتي كانت تشبه قصائد الهايكو، وقد كتبتها خصيصًا لكل موقف.

النسخة الأصلية من الجريموار لا تعتمد أساسًا على مانا أو طاقة الفرد. بل كانت دائرة سحرية ذاتية التشغيل تستمد كميات ضئيلة من الطاقة المتسربة من التشيماياكو {خطوط الأرض} والريوماياكو {خطوط التنين} الموجودة في المنطقة.

لكنّ نسخ أُريانا مختلفة. فقد كانت مُعدّة بحيث إن تشغيل تلك الكتب السحرية غير المستقرة ثم جعلها تدمر نفسها ذاتيًا يسمح بالتحكم في تفعيل التعاويذ وإيقافها. ولهذا كانت أُريانا تحتاج إلى ماناها لذلك. وبما أن الصفحات كانت مزودة بقدرة على استشعار أوامرها، فقد أمكن تتبع ذلك والعودة إليها والعثور على موقعها.

هذا يعني...

(صفحاتي الصغيرة... تُرى ماذا يسمونها؟ على أي حال، الصفحات وماناي متصلتان، لذا إذا بدأوا العبث بالصفحات فسألاحظ أن شيئًا غريبًا يحدث.)

زادَت سرعتها.

هناك سحر يتجاوز قيود المسافة.

هجمات لا يمكن الهروب منها مهما ركض المرء إلى أي مكان في العالم كانت مطلوبة جدًا، خصوصًا لأغراض الاغتيال.

لكن...

(هذه نوعها مختلف، لا؟)

عندما كاد مُطارِدوها يحرقونها داخل الحافلة، بدوا يائسين خائفين من أن تبتعد عنهم.

لو أن تعويذتهم تتجاهل المسافات ويمكنها البحث في العالم كله، لما استعجلوا المطاردة.

(وهذا يعني أن الخطة الصحيحة هي الابتعاد... لكن يا ليل. إلى أي اتجاه أذهب؟ وكم ينبغي أن أبتعد؟)

فكرت أُريانا بهذا وهي تواصل السير بلا توقف.

حتى الآن كانت تمتزج بالحشود، لكن الآن بدت وكأنها تتجاوزهم.

(طيب... لنرى، كيف أقولها؟)

رفعت نظرها إلى السماء الزرقاء المليئة بالمناطيد.

اندفع كاميجو وستيل صاعدين الدرج من تحت الأرض وخرجا من مخرج المحطة.

على عكس الحي المدرسي 7 حيث يعيش كاميجو، كان الحي 5 مليئا بالجامعات والمعاهد المهنية. المباني مصطفة جنبًا إلى جنب، ورغم أن المكان أعطى انطباعًا فوضويًا يشبه المناطق الأخرى، فإن أساليب متاجر الملابس والمطاعم بدت له أكثر نضجًا. وكونه طالب ثانوية، شعر أن بجوٍّ منفر بعض الشيء. كما لو أنه أُلقي فجأة داخل قاعة أوركسترا مشهورة عالميًا لكنه شخصيًا لا يهتم بها.

لكن لم يكن وقت التفكير بهذا. ركض كاميجو وستيل بأقصى سرعة عبر المنطقة الأنيقة وكأنهما يشقان الهواء نفسه.

وكان الجوّال المحمول في يد ستيل يخبرهما إلى أين يذهبا— بطريقةٍ كان ثمنها حرفيًا حياةً.

⟪...أُريانا... لاحظت... غيَّرتْ مسارها... الآن تتجه... الشمال الغربي... تبعد بين ثلاثمئة وخمسمئة متر... انتظرا أكثر وسأحددها...⟫

كان الصوت يتقطع.

ولم يكن من ضعف الإشارة.

على الطرف الآخر من الخط، كان تسوتشيميكادو على الأرجح مغطى بالدماء، مستمرًا في تفعيل التعويذة رغم الألم الشديد.

قال ستيل وهو يلهث منقطع النفس؛ «خمسمئة متر... تبدو قريبة، لكنها بعيدة نوعًا ما إذا كنا سنطاردها ثم نقبض عليها. للتأكيد، لا يمكنك استخدام مدفعية الأسلوب الأحمر ها؟»

"الأسلوب الأحمر" كان اسم سحر النار الذي يستخدمه تسوتشيميكادو للهجوم بعيد المدى. وقد استخدمه مرةً لمّا وجّه ضربة دقيقة إلى بيت الكاميجو وفجّره بالكامل.

⟪لن يفيد نيا... سأضطر لإيقاف أربع طرق حق وأركز على "الأسلوب الأحمر". لكن أُريانا ستهرب مني ولن أحصل على موقعها الجديد. وبصراحة—تركيزي مشتت ولن أصيبها⟫

«ولا يمكننا أن نجعل تسوتشيميكادو يعاني أكثر أصلًا!!» صرخ كاميجو وهما يركضان. لكن ستيل اكتفى بالنظر إليه بانزعاج.

وبينما كانت السيجارة تتحرك عند زاوية فمه قال، «مدى [أربع طربق حق] حوالي ثلاثة كيلومترات. بقي ألفان وخمسمئة متر وتخرج من النطاق. عند هذه النقطة يجب أن نصل إليها مهما كلف الثمن الذي سندفعه»

«أعرف ذلك، لكن...!!» وبينما يتجادلان، اندفعا على رصيف طريق رئيسي دفعةً. ثم انعطفا إلى شارع جانبي صغير واستدارا عند الزاوية ثم خرجا إلى شارع واسع آخر. صعدا درج جسر المشاة ثم نزلا من الجهة الأخرى.

⟪...وجدت... أثرًا... من موقع كاميان... ما تزال تتجه شمال غرب... تبعد بين ثلاثمئة وتسعة وأربعمئة وثلاثة وثلاثين مترًا... كأنها تركض... في خط مستقيم لتتخلص من المطاردة نيا... أسرعا — لم يبق سوى ألف وسبعمئة متر قبل أن تخرج من النطاق...⟫

وأثناء ركضه، أمسك كاميجو — بالحركة نفسها التي يمسك بها عدّاء ماراثون بزجاجة ماء — بأحد كتيبات مهرجان دايهاسي السميكة التي كانت منظمة الجدجمنت توزعها مجانًا.

وبسرعة بدأ يبحث عن الصفحة التي تحتوي على خريطة الحي 5.

«بين ثلاثمئة وتسعة وأربعمئة وثلاثة وثلاثين مترًا شمالَ غرب... أع!»

كان يركض وهو ينظر إلى الكتيّب، لذلك كاد يصطدم بروبوت أمني على شكل برميل زيت يتحرك ببطء على الرصيف.

تفاداه كاميجو بفزع، وسمع صوت إنذار حاد يبدأ من الروبوت.

«أيمكن أن يكون...؟ على بعد حوالي ثمانمئة متر من هنا توجد محطة مونوريل. أُريانا تدور في حلقة حول الحي 5. إذا ركبتها أُريانا فستبتعد ثلاثة كيلومترات بسهولة!!»

ثمانمئة متر من هنا... أي أن باقي لأُريانا حوالي أربعمئة أو خمسمئة متر فقط بما أنها في المقدمة. وبالنظر إلى الوقت اللازم لشراء تذكرة وركوب المونوريل، كم دقيقة تبقّت لديهم؟ ومع كثافة الخدمات المؤقتة خلال مهرجان دايهاسي، قد لا يتجاوز الانتظار دقيقتين لكل عربة.

لكن فجأة، من الجهة الأخرى للجوّال، بدأ تسوتشيميكادو يقول شيئًا غريبًا. ⟪لا، مهلا... أُريانا غيّرت اتجاهها فجأة؟⟫ سمع صوت تقليب أوراق. ربما كان يقارن بين تعويذته وكتيّب المهرجان في نفس الوقت. ⟪لقد خرجت عن المسار المباشر نحو المونوريل بزاوية قائمة... هذا ليس الطريق الذي تتجهان إليه...!! لا، مهلا—ازدادت سرعتها فجأة...؟!⟫

ماذا؟ عبس كاميجو وهو يركض. وبجانبه ستيل أيضًا يستمع بانتباه للمكالمة. كان ضجيج الناس يحيط بهم، ومع أصوات خطواتهم الثقيلة ولهاثهم، التقطت أذنا كاميجو شيئًا غريبًا— صمتًا ميتًا غير طبيعي.

ظل الجوّال صامتًا للحظة. ثم سمع صوتًا جافًا، كأن أحدهم يفرك الأرض بإصبعه. ربما كان يقوم بتشغيل التعويذة. استمر ذلك الصوت المكتوم فترة، وكأنه يشوّه الإحساس بالزمن.

⟪إلى أين... يا ملعونة تذهبين... بغق! اللعنة، ليس الآن...⟫

يبدو أن ألم جسد تسوتشيميكادو كان يزداد كلما استمر في إجبار نفسه على استخدام السحر. حاول كاميجو أن يناديه دون تفكير، لكن صوته قُطع فورًا.

⟪أنا بخير... كاميان... سأحدد موقعها... بسرعة... انتظر... لا، لا لا...محال...!⟫

سمعوا صوتًا جافًا آخر، وكأن تسوتشيميكادو يضغط شيئًا بشكل محموم.

⟪هذا المسار... سحقا، هذه خطتك! أيا ملعونة، أُريانا...!!⟫

وبينما يصرخ، بدأت أصوات مزعجة جدًا تخرج من الجَوّال.

كان الصوت يشبه فرك مبشرة جبن على الميكروفون. الأصوات غير الطبيعية بدت وكأنها تقطع الاتصال بالقوة. كأن الموجات الكهرومغناطيسية التي تربطهم قد تمزقت.

أصاب الذعر كاميجو.

من دون تتبع تسوتشيميكادو، لن يتمكنوا من تحديد اتجاه أُريانا. لقد كانوا يتبعونها، لكن الآن لعلهم فقط يزيدون المسافة بينهم.

«ما هذا؟! يا ستيل، هل الإشارة معك سليمة؟!»

«لن ينقطع الاتصال بهذه السهولة. توقّف، كاميجو توما»

أمسك ستيل فجأة ياقة كاميجو وهو يركض بجانبه وأوقفه. تعثر كاميجو وكاد يُخنق، فتوقفت قدماه بالقوة. ومن دون اهتمام بسعال كاميجو، قال ستيل، «نالت منا»

«ماذا؟ ماذا فعَلَتْ؟ قل يا معتوه!»

«حتى لو أدركت أُريانا أننا نستخدم تعويذة تتبع لملاحقتها، فهي لا تعرف كم يجب أن تركض لتفلت. لا تستطيع التخطيط في هذه الحالة. فبرأيك ماذا ستفعل؟ وجَدَتْ حلًا بسيطًا جدًا»

«أوي!»

شعر كاميجو بنذير شؤمٍ قوي.

كانت صرخة تسوتشيميكادو قبل انقطاع الاتصال تتردد في أذنه.

قال ستيل بهدوء قاتم،

«كما خمنت يا كاميجو توما. من أجل الهروب من التتبع، قررت أُريانا تومسون ألا تبتعد... بل تقترب... تحطيم تسوتشيميكادو، صاحب التعويذة، هو أيضًا أحد شروط فوزها»

«مهلا، أيعني أنها ربما...؟!»

«ليس "ربما". بنسبة كبيرة جدًا، أُريانا قد وصلت إلى تسوتشيميكادو»

«فلنسرع إذن! هو يستخدم السحر الآن، وجسده في حالة سيئة! أين هو الآن؟!»

«وكيف أعرف» أجاب ستيل ببرود على صراخ كاميجو. «لهذا سنبحث عنه»

  • الجزء 3

«آق...غثه...؟!»

ارتطم تسوتشيميكادو موتوهارو بالممرّ الرخامي، وارتدّ عدة مرات قبل أن يتدحرج على الأرض. انتزعت الصدمة الجوّال من يده حتى ارتطم بعمود قريب بقوة.

في تلك اللحظة، كان في ممرّ وصول بين مبنيين تجاريين تحت الأرض. عرضه نحو ثمانية أمتار ويمتد لما يقارب المئة متر. وحاليًا، كان مبنى تسوق شهير آخر متصلًا به مباشرة يُعطي اختصار، لذلك لم يكن أحد تقريبًا—بما في ذلك العمال—يمر من هنا. وفي منتصف الممر صَفٌّ من الأعمدة السميكة لفصل اتجاهي الحركة، فاستغلّ ظلالها للعثور على نقاط عمياء في كاميرات المراقبة.

بعد أن علق في ازدحام مروري على طريق الـ10 آلاف أثناء ركوبه الحافلة ذاتية القيادة، كان قد أسرع للبحث عن مكان خالٍ من الناس وفعّل تعويذة البحث [أربَعُ طُرُقٍ حَقْ]، ولكن حينها...

جخق! داست قَدمٌ على خريطة أَربَعِ طُرُقٍ حَقْ التي رسمها على الأرض فتحطمت وتناثرت في كل اتجاه.

«لا تسقط بعد! أكنتَ تستخدم رابطنا الصغير لتبحث عني؟ كنتَ نسيت أنني أيضًا أستشعر بكم بذلك الرابط الرابط. آه منك يا فتى تفكر في نفسك وتنسى شريكة السرير هَهَه»

في صوتها نبرة مزاح. حملت ما يكفيها من طاقة للمزاح.

أُريانا تومسن.

لقد غيّرت زيّ العمل الذي رآها به سابقًا. الآن ترتدي قميصول داكن اللون وتنورة طويلة فاتحة مقطوعة على شكل شرائط عمودية. ما فائدتها من تنورة؟ ربما لهذا كانت ترتدي أيضًا قطعة قماش ملفوفة حول خصرها تشبه الـ "باريو" يكون عادة جزءا من ملابس السباحة. لكن شعرها المتماوج وجمالها وقوامها الذي يضربك كدفعة من السكر ما إن تتذوق قطعة منه—كل ذلك لم تستطع أي ملابس أن تخفيه.

بيدها تعبث بمجموعة من بطاقات صغيرة مربوطة معًا بحلقة معدنية رفيعة. «من بين كل الناس الذين قابلتهم اليوم، تبدو الأكثر هدوءًا... وأكثرهم خطورة تفكيرًا. أنتَ أوَّلُ من أتخلص منه»

«تشه...» نهض تسوتشيميكادو وانفصل عن الأعمدة في وسط الممر. طالما أنه لا يعرف ما إذا كانت العوائق المادية قادرة على حمايته من هجماتها، فإن الجدران والأعمدة ليست سوى عوائق لا تفيد. «...لو سلّمتم لنا [صليب بطرس] ومكان لِدُفيا ثم رفعتم أيديكم بأدب واستسلمتم لكان أفضل لكِ. أحقًا تريدين أن تُسحق عظامك وتتعلمين العيش كالرخويات؟»

«هووه، هذا وعيناك تقولان إنك لا تحب العنف؟ لكن لا بأس، أنا لا أمانع أن أخشنَّ معك. معك أنا حتى ينكسر وركك»

على ردّها الحلو، كانت تقيس المسافة بينها وتسوتشيميكادو بدقة. عضّ أسنانه غضبًا في نفسه أمام هذا التمركز الماهر. (كاميان، ستيل...) على هذه الأفكار تسربت قطرات دم ببطء من صدغيه وجانبيه وأطرافه. لم تكن من ضربات أُريانا، بل من رفض جسده للسحر الذي كان يستعمله. (يبدو أنني لا أستطيع الاعتماد عليهما. قالا إن الوصول سيستغرق عشر دقائق ركضًا، لكني لم أخبرهما بمكاني بدقة. أنا من اختار هذا المكان المنعزل أصلًا.)

ضغط بخفة على أصابعه ثم أرخاها سرًا كي لا تلاحظ أُريانا. على الأرجح بسبب الفوضى السحرية داخل جسده، كانت حركته متيبّسة كدمية تقطعت خيوطها. (بالطبع لا أتوقع أن أكون بكامل قوتي للقتال دائمًا... لكن في هذه الحالة، لو فقدت توازني للحظة واحدة قد أسقط فورًا. مصيبة،) كما فكر وهو يخفي قلقه خلف برود حساباته الدقيقة.

ومع ذلك...

(أنا...) ومسح الدم المتسرب من زاوية فمه بظهر يده، ثم نظر إلى الأمام. (لن أتراجع الآن)(.)

أصابعه العشرة، على غرابة رعشتها له، شُدّت بقوة. (لقد جعلتُ ستيل يتجرع آلام [التعويذة الاعتراضية] بنفسه حتى نتعقّب أُريانا. )(وأقحمتُ كاميان في حادثة لم يكن ينبغي له أن يكون طرفًا فيها أساسًا، فقط لنتمكن من حلّ مشاكلنا مع المتعصبين الإنجليز بطريقة مريحة.)

ثم فجأة قبض كلتا يديه.

(إذن ما عساي أتراجع الآن. أنا من قادهم إلى ساحة المعركة! لن أرضى أن أعود إلى البيت سليمًا دون خدش! لا أهتم كم بَلَغ الوضعُ من سوء. ولا كمّ مِنَ الدماء غطت جسدي. أولئك الحمقى وثقوا بهذا الخائن وعملوا معه. )(تبًّا)( لي ولمن أكون إن خُنت ثقتهم!!)

وبلمعة قوية في عينيه خلف نظارته الشمسية قال؛

«...Fallere825. السيف الغادر—تذكّريه. هو مُسَمّاي السحري»

انحنت شفتي أُريانا مبتسمة. هي أيضًا ساحرة، ولذلك فهمت قصده ما إن أعلن المسمى.

«أنا Basis104—حاملة الركيزة الأساسية... والآن بعد أن أعلنت مُسَمّاي، سأفوز، بلا نقاش. مثل هذا القيد والالتزام هو الرد الحسن على نواياك»

لم يرد تسوتشيميكادو.

ولم تُعلّق أُريانا على صمته أيضًا.

وكأنهما يتفقان على أن البدء في القتال فورًا هو أعظم شكل من أشكال الاحترام يقدّمه العَدُوُّ لبعضه.

بعد لحظة، اصطدم السحرة.

أغلق تسوتشيميكادو موتوهارو مسافة العشرة أمتار دفعةً.

أما أُريانا تومسن انتزعت بطاقة سحرية بأسنانها وقطعتها عن الحلقة.

ومن العدم، ظهرت حبال قش عديدة تلُفُّ يدها. تداخلت الحبال والتفّت حول بعضها، مغطية ذراعها بنمط شبكة صيد بدائية.

لكن قبل أن تفعل بها شيئًا، وجّه تسوتشيميكادو لكمته اليمين.

استهدف بها صدرها، متوقعًا أنها ستصدّها. ثم وبمجرد أن تُثبت ذراعها في مكانها سيتبعها بلكمة علوية باليسرى—حركة محظورة في معظم الظروف—على أمل تحطيم الذراع التي ستصد الضربة. وفي الوقت نفسه، كان سيضرب قدميها بكل قوة ليكسر أصابعها. كانت خطة تهدف لتدمير ذراع وقدم في ضربة واحدة، وانتزاع قدرتها على الحركة.

لكن...

وكأنها فهمت كل ذلك سلفًا، سحبت قدمها المُستهدَفة، وتلقّت الضربة الأولى بذراعها متعمدة. ثم استندت على قوة اللكمة وفقدانها للتوازن لتُبعد بينهما المسافة، كأنما تسقط برويدة.

هجومه الحقيقي—الضربة اليسرى التي تستهدف كسر الذراع—لم يصب سوى الهواء.

وبينما كان ظهرها يقترب من الأرض، لوّحت بذراعها اليمنى الملتفة بالشبكة.

هبّت الرياح.

تدفّق الهواء من جميع فتحات الشبكة كفقاعات تُنفخ.

لكنها لم تكن فقاعات صابون—بل كانت كل تيارات الهواء شفرات من نار متفجرة قادرة على إحداث ثقبٍ في تلّ.

«!!»

بلغ عدد الشفرات قرابة العشرين، وانطلقت جميعها نحو تسوتشيميكادو.

ومع وابل هجماتٍ دائرية المدى على شكل مروحة، قفز جانبًا وألصق جسده بالأرض مما أنقذه بالكاد من الإصابة. خلفه تحطّمت عدة أعمدة، وانفجرت بعض مصابيح النيون في السقف، وتطايرت مواد البناء في الجدران—ومعها الملصقات المعلقة—واخذت تتخبط، بينما بدأت أرضية الرخام تتفتت كأن محراثًا يجرّها.

ومن دون أن ينهض، ضغط تسوتشيميكادو أطرافه الأربعة على الأرض ثم قفز نحو أُريانا كحيوان مفترس. فعل ذلك لأن المسافة بينهما قريبة جدًا؛ النهوض والركض لأخذا منه أكثر.

«آهـ هَهَهَهَه! ما أجمحك من شاب! لا أقول أنني أكره هذا العرض!!»

كانت أُريانا على وشك السقوط على ظهرها، فلم تستطع التهرب. بدلًا من ذلك ركلت بقدمها لصدّه، لكن تسوتشيميكادو أمسك كاحلها بيده اليمنى وساقها بيساره. لو لوى كاحلها بزاوية قائمة لأنهى الأمر تقريبًا.

«شش!!»

في اللحظة التي استنشق فيها تسوتشيميكادو قبل أن يوجّه الضربة لكسر الكاحل—وقبل أن يُحكم قبضته تمامًا—استخدمت أُريانا ذلك الكاحل كنقطة ارتكاز لتلفّ جسدها. وجاءت قدمها الحرة من الجهة الأخرى لتضرب جانب وجه تسوتشيميكادو كالمطرقة، تطرحه بعيدًا.

«غقه... آاه!!»

ارتطم جسد تسوتشيميكادو بالأرض وتدحرج إلى اليسار. وبينما تنهض أُريانا مجددًا، اقتلعت بطاقة سحرية أخرى بأسنانها.

أطلقت من يدها جدارًا من قوة لا تُرَى انسابت فوق تسوتشيميكادو وهو يتدحرج على الأرض. تغيّر اندفاعه، وبدلًا من أن يرتد إلى الأعلى كما توقع، اصطدم ظهره بالجدار دون أن يرتد. سمع أصوات احتكاك مرعبة تصدر من داخله، وتذوق طعم الدم في فمه.

(اللعنة...!)

أطلقت أُريانا بعد ذلك رصاصة من الضوء نحوه فقفز إلى الجانب متفاديًا إياها. كانت الكرة بيضاء بحجم كرة سلة تقريبًا. وعندما اصطدمت بالجدار انفجرت ثم دفع ضغط الانفجار تسوتشيميكادو إلى الأرض مرة أخرى.

ببطء، نهض من أرضية الممر.

مسح الدم المتجمع على شفتيه بظهر يده وفَكّر، (لقد تأخرتُ خطوةً واحدة فقط... وما أبطئ حركتي... لو كنتُ في أفضل حالاتي لكسرتُ عظمة أو اثنتين من عظامها الآن...!)

«همم؟ هل أسلوبك يوجب عليك أقل قدر ممكن من السحر؟ أيا يكن، لا أهتم كيف يعيش المرء حياته السحرية. لكن، إن كان هذا طريقك، فالموت سيلقاك»

وبعد كلماتها الباردة، وضعت شفتيها الرقيقتين على طرف بطاقة سحرية. وفي لحظةٍ ما، تجمّد بصرها. «لو أن هذا أقصى ما تستطيع، فلن تستطيع تفادي هجمتي التالية. لو كان هذا عزمك في إعلان مُسَمّاك السحري، فلن ألزم نفسي بمجاراتك»

كان الأمر كما لو أنها تشتكي من أن المعركة ستنتهي بسرعة كبيرة، كأنها درست كثيرًا لاختبارٍ ثم وجدت الأسئلة سهلة لدرجة أبطلت كل جهدها.

«...إذا كنتَ تتوقع أن يأتي أحد لإنقاذك بعد كل هذا، قد أسأت التقدير. حتى أنا قادرة على تجهيز خُططٍ لتفريق قواتكم. لقد وضعتُ حاجزًا في هذا النفق في هذه اللحظة. لن يقترب أحد، ولن يلاحظ أحدٌ شيئًا غريبًا، ولن يعرف أحد ما يحدث هنا. لقد أخفيتُ تدفق المانا وكل الأدوات السحرية، واتخذتُ احتياطات حتى ضد أي إدراك حسي قد يقود أحدًا إلى هنا—حتى السحرة المحترفون لا يمكنهم الاقتراب بسهولة»

...عند هذه الكلمات، رفع تسوتشيميكادو نظره.

في كلامه خطأٌ مُعَيّن. لكن عقله كان مرهقًا، لا يستطيع تحديده. وحتى لو وُجدت تناقضات، فهي العدو. قد تكون مجرد معلومات مضللة لإثارة الرهبة والارتباك.

«لذلك سأكون ممتنة لو تسمح لي بتحطيمك الآن. ستندم أنك جعلتني أُعلن مُسَمّاي السحري لشخص مهزوز الإرادة مثلك، قد تموت لو قاومت»

وبعد أن أنهت كلامها، كسرت البطاقة بين أسنانها بنَفَسٍ واحد، كأنها تسحب دبوس قنبلة.

(...ماذا أفعل؟)

بدأت البطاقة تتساقط نحو الأرض.

(مع مقدار الضرر الذي أصبتُ به، جسدي لن يتحمل التعويذة التالية. لكن حتى لو أردت استخدام [الأسلوب الأحمر] فلا وقت لدي لإلقاء التعويذة!)

وفي اللحظة التي لامست فيها الأرض، انفجر عمود فولاذي ساقط بجانب أُريانا إلى الأعلى. اخترق العارضة السداسية السميكة بقطر متر نحو السقف.

(إذن، ما الذي سيُحدث أكبر ضرر بأُريانا...؟! سحقًا، أسرعي! )(أرجوكِ، أسرعي!!)

أخرج تسوتشيميكادو ورقة مطوية واحدة من زيّه الرياضي الملطخ بالدم. وبينما كان يشكّلها بسرعة كقطعة دقيقة من الآلات صرخ؛ «يا ملاعين تنامون في سلامٍ زيِّف! إن لم تريدوا الموت فاعملوا!! (هاتوني إشارةَ البدءِ! مع أضواءٍ دوّارة وأصوات حادّة!!)»

«تأخرت!»

على كلمتها، تحطم العمود الفولاذي العملاق كأنه تمثال من الجليد.

عاصفة من آلاف، ملايين، مليارات الشظايا الحادة غطّت طول وعرض الممر بالكامل، وانطلقت مباشرة نحو تسوتشيميكادو موتوهارو. شعر وكأنه يقف داخل فوهة مدفع عملاق لحظة إطلاقه.

طدفففف!! دوّى الانفجار بعد ثانية في أذنيه.

(أسرعي!!)

قبلما يكمل رجاءه...

...تدفّقٌ مُدمّر من الفولاذ اجتاح الممر خلفه.

  • الجزء 4

الممرّ بأكمله دُمِّر.

كلُّ عمودٍ من المكان الذي تقف فيه أُريانا حتى نهاية الممر قد سُحق وتهشّم. وكأنها لم تكن تدعم السقف من الأساس بل زينةً للمكان. الشيء الوحيد الذي نجا منه الممر هو انهيار السقف. الجدران والسقف والأرض وكل ما عليها تمزقوا كورق تغليف يُنتزع. الأرضية كُشِفَت واخشنّت وتكسّرت كأنها محراثًا مرّ. ما عاد يُرى أي سطح مستوٍ. بلاطات السقف كلها انتُزعت، وتتدفقت مياهٌ من أنبوب مكسور تابع لنظام الرشّ.

«...»

أجالت أُريانا نظرها على الدمار الذي أحدثته.

(هل حطّمتُ كاميرات المراقبة؟ قد تصبح الإجراءات الأمنية أشد قليلًا الآن.)

الساحر الذي كانت تقاتله قد قفز فورًا خلف عمود، ويبدو أنه انكمش أكثر حتى يُقلل الضرر الذي سيتلقاه. لكن ذلك لم يكن كافيًا بالطبع. كان تسوتشيميكادو مستلقيًا الآن ووجهه على الأرض، وقد اخترق ظهره أربع شظايا معدنية. كل شظية لم تتجاوز بضعة سنتيمترات، لكنها حادةٌ كالسكاكين. وفوق ذلك، كُتَلٌ من الأعمدة المنهارة فوق جسده. كانت كتلًا من الخرسانة بحجم البطيخ.

«انتهينا ها»

كانت أُريانا حريصة على تقليل الخسائر قدر الإمكان، لكن ما هكذا لتكون معارك الأسماء السحرية. الأسماء السحرية هي ما يسعى إليه كل ساحر، ورأت أُريانا أن تجاهل هذا الإعلان لَهُوَ أقصى درجات الإهانة تُوجّه لمن عاش في عالم السحر—سواء للذين رُفِضوا أو رَفَضوا.

ولهذا أُريانا كرهته.

كانت تعلم أنها أنهت التهديد في وقت قصير وبكفاءة، وأن عليها المغادرة بسرعة، لكن رغم ذلك—وبعيدًا عن كفاءتها—شعرت بعدم الرضا لأن الأمر انتهى بهذه السهولة.

(أيا يكن. سأزيل الحاجز بسرعة وأغادر. أحب لحظاتِ ما بعد القتال، لكن لا وقت أمامي.)

وبعد أن أنهت أفكارها المزعجة وتركتها، بدأت تراقب محيطها. لإلغاء الحاجز، تحتاجُ إلى إنشاء إشارة سحرية معينة ثم إرسالها إلى [جريموارها الأصلي] غير المستقر لتجعله يدمر نفسه.

لكن...

«...؟»

تغير تعبير أُريانا إلى الشك. التغيير الوحيد في وجهها كان حركة طفيفة في حاجبيها، لكنها كافية تمامًا لتُعَبّر عن ما تشعر به.

الحاجز قد اختفى. لكنها لم تُصدر أمر الإلغاء.

(ما... الذي حصل؟ صحيح أنه غير مستقر، لكنه لا يزال جريموارًا أصلي. من المفترض أنه لا يُكسر دون تدخل سحري. هل يعني ذلك أن أصحابه وصلوا...؟)

تفقدت أُريانا ببطء كِلا المدخلين الأمامي والخلفي، ولم ترَ شيء. كَسرُ الحاجز يعني إبلاغ صاحبه بكسره. لن يفاجأها أحدٌ من البداية مع تجهيزاتها. ولذا توقعت بديهيًا أن "هجومًا خاطفا" سيحدث حال انكسار الحاجز...

تعمّق الشك في ملامحها.

وفجأة وصلت أفكارها إلى احتمال آخر.

«لا...» تجمدت لحظة ثم استدارت. سقط بصرها على الساحر الممدد على الأرض، المثقوب بأربع شظايا معدنية. في البداية بدا لها كما هو، ثم لاحظت شيئًا.

طائرٌ ورقي صغير مغطى بالدم سقط من يده.

(ظننتُ أنه حاول تشكيل تعويذة كحَلٍّ أخير... أيكون أنّ هدفه تدمير الحاجز؟ ولكن لماذا؟ لماذا يفعل شيئًا عبثيًا كهذا بدلَ الدفاع عن نفسه؟)

كَسْرُ الحاجز ما كان ليؤدي مباشرة إلى هزيمتها، ما الحاجز إلا غطاء لأريانا من الخارج.

وهذا يعني أنَّ هدفه...

«يبدو أنّ... لإحدى أسحاري تعويذةٌ تَكسر الأشياء»

صَدَمَ الصوتُ أُريانا. العدو الذي ظنّت أنها أهلكته مع مُسمّاه السحري لم يَمُت.

«أنت لا تبدو...لم أحسبك تحب الخشونة في التعاويذ»

سخرية أريانا اللا داعي لها أضحكت شفتي العدو الساحر...

...مبتسمًا—هادئًا يَرقُبُها.

لقد...

تحركت شفاه تسوتشيميكادو موتوهارو الملطخة بالدم وتكلم بنبرة مرحة؛ «قلتِ ذلك بنفسك يا أُريَانا تُومْسُن. لن يعرف أحد ما يحدث داخل الحاجز. كما ترين، لا أحب الخلوة»

«ما الذي...؟» حتى أدركت أُريانا.

إذا لم تستطع هزيمة العدو وحيدًا، فما أول فكرة تخطر ببالك؟ استدعاء صديق، بالطبع. والآن بعد أن فهمت ما يفكر فيه عدوها، شعرت بثقل التعب يزحف فيها. كانت حركةً يائسة سخيفة ومجنونة.

«مغفل. حلفاؤك—أتقصد ذان الغبيان؟ لا يشكلان تهديدًا لدرجة أخاف منهم. أستطيع هزيمتهما معًا دون أن ألهث حتى»

«هُمَا ليس ما أراهن عليه»

«ماذا؟» ردّت أُريانا تلقائيًا. حتى الآن، هي لم ترَ فعليًا سوى ثلاثة مطاردين.

لكن...

«ما أنتِ، حمقاء؟ نحن نعمل باسم ديننا الوطني، التطهّرية الإنجليزية، نحن الأنجليكان! أحسبتِ أننا نرسل ثلاثةً فقط؟ ما أبسط عقلك. عليكِ أن تتركي السحر وتذهبي تبيعين الزهور أو غير هذا. كم برأيك عدد المنتمين إلى النِسِسَريُس؟ وُجِب علينا دائمًا البقاء في الظلال مخفيين. هل حسبتِ أننا سنُظهر أنفسنا لقوات أمن هذه الدولة المهووسة بالسلام؟»

رأته يراوغ بالطبع.

لم تصدقه أريانا.

لم تكن قد جاءت إلى هنا للسياحة. هي ولِدُفيا قامتا ببحثٍ مسبق. وبغض النظر عن الجدول التفصيلي لمهرجان دايهَسيه، فقد أتتا وهما تعلمان أن مدينة الأكاديمية تقع حاليًا في مركز توازن حساس، محمية بتوازن دقيق بين جانب العلم وجانب السحر.

وخلال إقامة المهرجان في المدينة، لا يمكن استدعاء عدد كبير من السحرة من جهة واحدة فقط. لأن ذلك سيُفسد العلاقة بين الطرفين. وكانت خطتهم الحالية لاستخدام [صليب بطرس] تتسلل عبر شقوق ذلك التوازن الهش. ولهذا لم يكن من الممكن أن تحدث "أمور غير طبيعية" مثل ما يقوله تسوتشيميكادو—خصوصًا إذا كان يتحدث عن كنيسة التطهّريين الإنجليز التي تحافظ على النظام بين فصائل السحر.

ولهذا استطاعت أُريانا أن تتكلم بثقة—وإن لم تدرك ذلك الشعور الخفيف من القلق الذي تسلل إليها وهي تستمع لكلامه.

«لو صدقت، كانوا ليمسكونني، صح؟ لكن هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا. كنيسة الأنجليكان ومدينة الأكاديمية لن تسمحا أبدًا بمثل هذه الخطة السخيفة»

«ولماذا أستأذنهم؟»

«...»

«هل نسيتِ مسمّاي السحري؟ ألم أقل لكِ أن تذكريه؟ في رأيك، من منهما غَدَرتُ أولًا؟ تبًّا لرأي الكنيسة. وتبًّا لما تراه الأكاديمية. أنا لستُ مخمورًا بالسلام مثلهم. لن أجعل عائق تافه أمامي يصدني عن الفوز»

شعرت أُريانا بصمتٍ ثقيل يهبط بينهما. أخذت نفسًا بطيئًا وعميق.

«سأفعل أي شيء لأفوز. سأستخدم أي شيء يضربك في مقتل. وفي سبيل طعنك في الظهر، سأصل وراءكِ مهما كلف الثمن. استعدي يا أُريانا تومْسُن. لو أردتُ، لأوقفت كل تلك الشظايا المعدنية التي رميتِها عليّ. لكنني لن أضمن نصرًا أكيدًا بذلك. لذلك لعبتُ ورقةً أفضل. هذا كل ما في الأمر»

«...وتحسب أنني سأصدق؟ لو كان لديك هذا العدد من الحلفاء، فلماذا كنت وحدك؟ كان أجدر بك أن توفر حُرّاسًا ومراقبين لتعويذة البحث تلك أيضًا. وحتى لو كنت وحدك، على الأقل ما كنتم لتطاردوني في مجموعات من اثنين»

«تريدين الأحاديث الفارغة؟ لا أمانع. هذا يمنحني الوقت الذي أريده. بعد سقوط الحاجز، أرسلت الإشارة. لن يستغرق الأمر طويلًا—لقدْ عَرَفتُها فتاةً جادة، نعم. أخذت مُسَمّاها السحري تحديدًا لمنع لتُغيّر مصير الحيوات والموت في المعارك»

مدّ تسوتشيميكادو يده ببطء، ويده الملطخة بالدماء ممدودة على الأرض.

وصلت إلى تعويذة ورقية بسيطة. كانت ورقة صغيرة مطوية بشكل يشبه التمائم التي تُباع في المعابد. تتدلى عليها حروف شرقية مكتوبة عموديًا في المنتصف، تبدو محروقة في الورق بدل أن تكون مكتوبة بالحبر.

«تسوكَيبُمي تامازُسا—تبدو للوهلة الأولى تعويذة شِنتو للحماية، لكنها في الحقيقة جزء من الأونميوودو. في الأصل هي أداةُ لَعنٍ. نوع من [الأدوات الروحية] تسبب أوهامًا للأعداء عن بُعد وتجعلهم يقتلون بعضهم البعض... لكن إذا خفّضت قوتها، لها استخدامٌ أكثر سلامًا»

«ت... تعويذة اتصال؟!»

«صَحْ صَحيح. كأنها حقيبة، لا؟ بداخلها بطاقة خشبية مكتوب عليها اسم ساحرة. حلوة لا؟» ابتسم تسوتشيميكادو ساخرًا. «والآن... في هذه الحالة، من تظنين أنني اتصلت؟» ثم تابع ببطء رغم الدم الذي يغطيه، وكأنه يضغط على فريسته؛ «يا ليتك لم تكشفي أن [سيف الطعن] ليس معك. الآن بعد أن عرفنا أنكِ مجرد طعم لا تحملينه، يمكنني إدخالها في المعركة وبالي مرتاح. في الواقع، بدون [سيف الطعن]، لا سبب يجعلنا نبقيها بعيدة بعد الآن. نعم، أقوى مضادٍ لها قد اختفى الآن»

بدأت شفاه أُريانا تجف دون أن تنتبه.

قد سمعت بهذا من قبل.

في العالم كله أقل من عشرين قديسًا، وواحدةٌ منهم تقف مع الكنيسة التطهّرية الإنجليزية ضمن نِسِسَريُس. كانت قد سمعت عن ساحرة—فتاة ذات قوة هائلة—حَمَلت الكاتانا رغبةً في ألّا يموت أحد. أُريانا تومْسُن كانت في الأصل مواطنة بريطانية وتعمل غالبًا حول لندن، لذا كانت تعرف تلك القديسة خير المعرفة. تعلم أنه إذا واجهتها، فستخسر فورًا. وكانت تعلم أن الشيء الوحيد القادر على هزيمتها هو آلهة أو ملائكة.

«نعم. كانزاكي كاوري»

ضاقت عينا أُريانا قليلًا. وبلّلت شفتيها الجافتين.

«ليس الأمر مفاجئًا لو نظرنا إلى ما هو على المحك، لا؟ نحن نعلم أنه لديكم [صليب بطرس] وليس [سيف الطعن]. وكانت كانزاكي في قلب المعركة بين الكنيسة الإنجليزية والرومانية والأماكسية قبل أقل من عشرة أيام. ألم يخطر ببالك أنها ربما ما تزال في اليابان؟ أيضا أنّ كانزاكي لديها معارف هنا في مدينة الأكاديمية. هي ضيفة خاصة، لذا حتى لو تم اكتشافها، فلن تكون مشكلة»

ثم تابع تسوتشيميكادو؛ «أنتِ على الأرجح لا تفهمين. لدى كانزاكي كاوري دَيْنٌ لي. عندما جاءت إلى إنجلترا أوّل مرة، من برأيك عَلّمها؟ كان من الطبيعي أن يتكفّل بها يابانيٌ مثلها. بالنسبة لي كان مجرد شيء تافه جدًا، لكنها تعلّقت كثيرًا بتلك المحادثات التي أجريناها. لو عَلِمَت بما يحدث، ستأتي فورًا»

(تبًّا...)

مرّت أُريانا بعدة عمليات حسابية في ذهنها.

راقبها تسوتشيميكادو يَسخر منها. «وي، ولا تفكّري في تدمير تسوكَيبُمي تامازُسا الآن. بصراحة، الأمر مستحيل. إنه في الأساس زر طوارئ. ما إن أفعّله وأرسل الإشارة، ينتهي دوره»

وبينما يتحدث وهو ممدد على الأرض، أكّد كلماته بيده حين أخذ التعويذة الاتصالية التي صنعها بنفسه وكرمشها.

«...»

حاولت أُريانا أن تتنفس بهدوء أكثر.

لم تستطع الجزم ما إذا كانت كانزاكي كاوري ستأتي فعلًا أم لا. وحتى لو أنّ قديسًا سيأتي قريبًا، فهي لا تعتقد أنها ستخسر بالضرورة أمامه. إذا وضعت خطة فعّالة وقررت أن تقاتل حتى لو خسرت ذراعًا أو ذراعين، فهي واثقة على قدرتها قَتْلَ بعض القديسين حتى لو كلفها ذلك حياتها. لكن هذا لن ينفع. لا تريد أن تنشغل بفكرة الفوز أو الخسارة في معركة شخصية بسيطة—لديها هدف أكبر بكثير. لن تريد أن تتعرض لإصابة خطيرة.

(إذن...)

اتخذت قرارها الأول: قتل تسوتشيميكادو فورًا، مستخدم تعويذة البحث، ثم المغادرة بسرعة—لكن...

ششهن!! ومن على الأرض، استخدم تسوتشيميكادو آخر ما تبقى من قوته ليقتلع قضيب تسليح من وسط الركام. ثم ضربه بالأرضية المدمرة، فاندفع ستار كثيف من الغبار الرمادي في لحظة.

لم تعد ترى شيئًا.

«!!» أطلقت أُريانا فورًا ركلة بالكعب نحو المكان الذي كان فيه تسوتشيميكادو.

لكن الإحساس الوحيد الذي عاد إليها كان اصطدام قدمها بالأرض الصلبة.

(كسب وقتًا ليستعيد قوته؟! عبث...!!)

والآن تم إفشال خيارها الأول. خصمها ما زال قادرًا على القتال، وإذا كان يبحث عن فرصة قتل مؤكدة داخل ستار الغبار، فسيكون الأمر مزعجًا قليلًا. في هذا الوضع، يمكنها إنهاء تسوتشيميكادو بالتأكيد، لكن ذلك سيستغرق وقتًا أطول. وهذا يعني أن أمامها خيارين.

الأول: تفترض أن كانزاكي كاوري لن تأتي، وتُنهي تسوتشيميكادو ببطء ودقة.

الثاني: تفترض أنها ستأتي، وتنسحب بسرعة حتى لو اضطرت لتركه هنا.

بإمكانها بسهولة تبديد الغبار ببطاقة سحرية، لكن إذا اعتبر ذلك إشارة لبدء القتال، فستبقى عالقة حتى تقتله نهائيًا.

المسألة لم تكن أي الخيارين تختار...

بل أنها كانت تكره كونها أُجبرت على الاختيار أصلًا.

(حاليا، اختفت تعويذة البحث ومعها صفحته. سيكون من السخف أن أُعرض نفسي لإصابات إضافية وأنا ألعب مع فتىً جريح...)

تشه، ومع نقرة لسان ركضت أُريانا تومسن نحو مخرج النفق.

إذا كان يقول الحقيقة، فإن قديسة الأنجليكان كانزاكي كاوري ستنضم إلى القتال. وإن صار، فينبغي عليها أن تستغل قصة [سيف الطعن] بشكل أفضل. يمكنها إعداد خطط ما شاءت، لكن القديس ليس عدوًا تواجهه دون تجهيز وتتوقع الخروج دون أذى.

وبالتأكيد...

...لم تكن تنوي الخسارة.

«خرا...،» تمتم تسوتشيميكادو متقرفًا داخل النفق المدمر. كان يعرف من حقيقة أن أُريانا لم تترك تعويذة ورقية عند انسحابها أنها غادرت المنطقة.

تبدد ستار الغبار.

تسوتشيميكادو قد تدحرج مسافة لا تتجاوز عرض إنسان واحد عن المكان الذي ركَلته فيه أُريانا. ومع كل جراحه، كان هذا أقصى ما استطاع فعله. لقد نجا بصعوبة، مستفيدًا من حجب الرؤية عنها، وإرباكها، وذهاب هدوئها الذي تحتاجه لتقرر صِدق كلامه من عدمه.

«تسوكَيبُمي تامازُسا، تعويذة اتصال لاستدعاء كانزاكي كاوري عند الحاجة...»

رفع نظره بلا هدف نحو السقف.

ثم انحنى طرف فمه بابتسامة ساخرة من نفسه.

«يا ليت لو الحياة سهلة هكذا-نيا...»

طبعًا، ليس لديهم أي دعم احتياطي. الوحيدون داخل مدينة الأكاديمية الذين يطاردون أُريانا ولِدُفيا هم كاميجو، ستيل، وهو.

نظر إلى التميمة الورقية التي كان قد كرّمشها.

مهما بحثت، لا توجد أي تعويذة حماية أو [أداة روحية] بهذا الاسم السخيف في العالم، ناهيك عن الأونميوودو. لقد افترض أن أُريانا لا تعرف الكثير عن السحر الشرقي، فكتب على ورقة مطوية عشوائية حروفًا لا معنى لها. لم تكن لها أي خصائص سحرية بالطبع، ولم يكن اسم كانزاكي مكتوبًا على بطاقة خشبية داخلها.

("تسوكَيبُمي" و"تامازُسا" أصلًا تعنيان "رسالة حب"... فكيف تكون رسالة الحُبِّ لعنة؟ رغم أن الحب العميق قد يكون مثل لعنة نيا~.)

أوّل اليوم، ذكر ستيل بتعب أنه لا يفهم كيف تعمل التعاويذ الشرقية، لذلك لا يستطيع استخدامها وحده. ولم يتوقع تسوتشيميكادو أن يفيده ذلك هنا. باختصار، راهن على احتمال جهل أُريانا ببناء التمائم في الأونميوودو، ثم أظهر لها ورقة مطوية عليها حروف صينية عشوائية بثقة.

للأسف...

(لقد صدّقته، مما يعني أنها ستصبح أكثر حذرًا الآن نيا. لا أظن أن ذلك أبطأ خطتهم كثيرًا على أي حال. كنت أتمنى لو أصيبها ولو خدش واحد...)

وهو ما زال على الأرض، يحدق في النفق الممزق.

(دائرة السحر تحطمت. الصفحة التي استحوذنا عليها اختفت. وجَوّالي أيضًا انكسر. بماذا أبدأ نيا...؟ لا أظن أنني أستطيع استخدام [أربع طرق حق] مرة أخرى.)

حاول أن ينهض، فاندفع ألم حاد في جسده.

تلوّى بلا وعي لوهلة، ثم أدرك أخيرًا أنه لا يملك طاقة كافية للوقوف. كان جسده باردًا وثقيلاً. كان يستطيع أن يتنفس، لكنه لا يحصل على كمية كافية من الأكسجين.

(أولًا وقبل كل شيء...)

فكّر تسوتشيميكادو في قدرته الخاصة—ليس قدرته ساحر، بل واحدًا من مدينة الأكاديمية.

قدرته من المستوى صفر؛ أوتو ريبيرث؛ قدرة تعيد ترميم الجسم عبر غشاء رقيق يغطي الأوعية الدموية الممزقة.

«...أظن عليّ أن أتصرف مع هذا الجسد نيا...؟»

  • الجزء 5

في النهاية تلقّوا مكالمة من تسوتشيميكادو موتوهارو. كانت من رقم مختلف لذلك حدّق ستيل في الشاشة بريبة في البداية. أخذ جوّالًا آخر؟

بعد أن سمع ستيل ما عنده، علم أن أُريانا قد هاجمت تسوتشيميكادو فعلًا كما توقّع. وفي النهاية، كان جوّاله المحمول—وتعويذة التتبع [أربع طرق حق]—قد تدمرا بشكل لا يمكن إصلاحه. وما عاد قادرًا على استخدام التعويذة مرة أخرى بسبب حالة جسده، والأهم من ذلك أن الصفحة من بطاقات أُريانا التي كانوا يحتاجونها لتفعيل التعويذة قد اختفت أيضًا.

«...»

قال تسوتشيميكادو إنه بخير، لكن لو كان فعلًا بخير لما كانت دائرته السحرية متحطمة ذاك الحد. والأهم أن صوته الواهن كان ينقل الألم أوضح مما كان يظن.

تكلم ستيل والسيجارة ترقص في زاوية فمه؛ «فما العمل الآن؟ إذا لم نعد نستطيع استخدام [أربع طرق حق]، فنحن عمليًا لا نعرف وجهتنا القادمة»

⟪نعم نيا... لكن الشيء الوحيد الذي أعرفه... أنّ أُريانا الآن في حالة حذر شديد—ولو كانت شكوك... لكن هناك احتمال كبير أنها تبتعد عن هنا... على الأقل في الوقت الحالي... يبدو أن خدعتي نجحت نيا~. وهذا يعني أنها على الأرجح لن تمشي... بل ستأخذ حافلة أو قطارًا أو خط مونوريل إلى آخر محطة...⟫

كان صوته متقطعًا ومكسورًا، كأنه لا يتنفس بشكل كامل.

«تسوتشيميكادو موجود في هذا النفق الآن صح؟» قال كاميجو وهو يفتح كتيّب مهرجان دايهَسي على صفحة الخريطة الخاصة بالحي 5. أقرب شيء لذلك النفق كان محطة القطار التي تمتد من المنطقة 5 إلى 7 المجاورة.

«...بدون أي دليل آخر، علينا فقط أن نتبع ذلك. إذا استطعنا تحديد أي عربة ركبتها، سنبحث عنها بشكل أدق، لكن...»

«لكننا لا نعرف، لذا أمامنا عمل أكثر. المهم، انطلقنا يا ستيل»

⟪نيا... سأحاول... الدخول إلى أنظمة الأمن مجددًا... لو كانت متسرعة لدرجة لم تتحقق من الكاميرات الآن... فالحظ سيكون حليفنا نيا~⟫

كلٌّ من الثلاثة تكلم، وانتهت المكالمة.

ثم استأنفوا مطاردة معركةٍ خيوطها رفيعة جدًا.

كانت أُريانا تومْسُن داخل عربة قطار.

(إذا نزلت من هذه العربة...)

كان هذا الخط يمتد من الحي 5 إلى مدخل الحي 7. لم تكن المسافة طويلة جدًا. إذا أرادت الابتعاد أكثر، فستحتاج إلى الانتقال إلى حافلة بعد ذلك.

بدأت أُريانا تفكر في عدة احتمالات. (هل أهرب قدر ما أستطيع؟ أم أراقب وأنتظر ما سيحدث؟ أم أضع فخًا وأرى ردّهم؟) كانت منزعجة، لكن إذا كانت كانزاكي كاوري ستدخل المعركة فعلًا، فأي خطة غير مدروسة قد تجلب عليها هجومًا عنيفًا. في هذه المرحلة، رغبت فعلًا لو تأخذ استراحة وتفكر بهدوء.

تشه، نقرت لسانها وهي تنظر إلى المشهد المتغير بصمت خارج النافذة. وفي النهاية، وصلت العربة إلى آخر محطة، عند مدخل الحي السابع.

ما إن فُتحت الأبواب تلقائيًا، قفزت إلى الرصيف. ثم ركضت عبر الدرج إلى الخارج وتجاوزت بوابات التذاكر واندفعت إلى الشارع دفعةً.

هدفها التالي محطة حافلات ذاتية القيادة ليست بعيدة عن المحطة. كانت مدينة الأكاديمية ما تزال غارقة في أجواء المهرجان، وكانت الحشود الكبيرة تتحرك في المكان. الشوارع مليئة بالآباء مع أطفالهم وهم يلوّحون بالبالونات، وكبار السن الذين جاؤوا لرؤية أحفادهم، وجوه هادئة في كل مكان. لكن—أُريانا لم تكن مطمئنة لدرجة تعتبر ذلك أمانًا.

عليها اتباع خطوات محددة للتأكد من عدم وجود أي قتلة.

(مع أنني أشك أنني سأقلق من مغتالٍ يقع في فخّ بسيط كهذا. أيًّا يكن، لأنهي الأمور المزعجة أولًا.)

نظرت حولها بعناية، ثم دخلت شارعًا جانبيًا أصغر قليلًا بعيدًا عن الطرق المزدحمة. كانت المباني الشاهقة تحيط بالشارع الضيق، فلم يصل ضوء الشمس إليه رغم صفاء السماء، مما أبداه باردًا مزعج.

دخلت أُريانا زقاقًا فارغًا لترى إن كان أي قتلة يتعقبونها. وبالطبع، إذا اندفع أيُّ مُريبٍ خلفها إلى الزقاق فسيُعلن عمليًا أنه قاتل. وأيُّ متعقبٍ يُدرك هذا سيضطر إلى ابتكار خطة ذكية جدًا. قد يستدعي حلفاءه لإغلاق مخارج الزقاق عليها، أو يستخدم تعويذة للمراقبة عن بُعد. تلك كانت الحركات الدقيقة التي كانت تبحث عنها لتعرف إن كان هناك من يتعقبها.

(كل واحد منا يحاول توقع خطوات الآخر، لكن ما أزعجه من وضع هذا الذي أنا فيه، أن أضطر للإتيان بخطة جديدة بعدما كشفت خطتي القديمة.)

وكما هو حال أُريانا، قد يرغب المتعقب أيضًا في إظهار إشارات مضللة عمدًا. قد يجعلها تعتقد أنها أفلتت منه، ثم يهاجمها عندما تخفض حذَرها فيقبض عليها. بالنسبة لمهرّبة مثلها في عالم السحر، هذه اللعبة الصغيرة، لعبة القط والفأر، لطالما آلَفَتها.

على أي حال، إذا ظَهَرَ أي تفاعل—حتى لو كان بسيطًا—فهذا يعني أن هناك من يتعقبها. وإن لم يظهر شيء، فهو العكس. الأمر بهذه البساطة.

تنهدَتْ.

(صليب بطرس سيستغرق إعداده وقتًا أطول. همم يا تُرى ماذا أفعل في هذه الأثناء. أوه، ممتعٌ لو صنعت تعاويذ مضادة لكانزاكي! فكرة فكرة. ما الذي يُعتبر "فوزًا" ضد قديسة مثلها؟ الهروب حية؟ الاختباء سليمة...؟ أم قتلها على مرأى من حلفاءها؟)

وبينما تفكر، فاتتها نقطة مهمة.

هذا الطريق ضيّق، ومع ذلك في آخره زقاقٌ جانبي آخر يتفرع.

وفجأة، اندفع أحدٌ من حول ذلك الزقاق.

«هيمي-تشان، مع هذا الاختصار سنلحق بالحدث التالي—إييكك!!»

«!!»

تلاقت الطرق.

طفلةٌ كأنها طالبة ابتدائية اصطدمت ببطن أُريانا ثم ارتدت. ثم ارتطم قفاها بفتاة كانت معها ذات شعر أسود وترتدي زيًا رياضيًا. تحركت أُريانا فورًا لتعض بطاقة سحرية لكنها توقفت بالكاد قبل أن تُفَعّل. التي اصطدمت بها كانت بِنتًا طولها حوالي 135 سم، بزي المشجعة.

والفتاة سوداء الشعر أسقطت كوب عصير فواكه من الاصطدام. أطلقت صوتًا خافتًا بينما انسكب العصير بالكامل على زيها الرياضي. السائل الذي أصاب صدرها سال على البنت الصغيرة أيضًا.

نظرت الفتاة ذات الشعر الأسود إلى صدرها ببرود، ثم إلى البنت التي اصطدمت بها. «أستاذة كوموي. خَرَّبتِ»

«أ... أنا آسفة! لكنني أيضًا تبللت، يعني نحن متعادلان! آءء، هل أنتِ بخير يا سيدة؟» سألت الطفلة المبتلة وهي تنظر إلى أُريانا بقلق.

(إنهما... لا تبدوان ساحرتين تتعقبانني،) هكذا استنتجت أُريانا في نفسها، حُكمًا سريعًا من ملابسهما وسلوكهما. ابتسمت ابتسامتها المعتادة التي تحتفظ بها دائمًا. «نعم أنا بخير. لكنني أكثر قلقًا عليها؛ مشهدها هذا يبدو أخلَعَ من أن يُعرض في الشوارع»

«يا ربي! هيمي-تشان، صرتِ مبللة وشفافة!»

«حتى أنتِ يا أستاذة كوموي. لكن أقل في الصدر»

أطلقت البنت الصغيرة(؟) صرخة خفيفة وأسرعت لتغطي اللوح المسطح بيديها. وبعد أن رأت وجهها يحمرّ، نظرت أُريانا مرة أخرى إلى صدر الفتاة سوداء الشعر.

ثُمَّ، لاحَظَتْ.

على صدرها.

قميصها الرياضي قصير الأكمام شبه شفاف تمامًا من العصير، ومن تحته الملابس الداخلية الوردية المزينة بشريط أخضر واضح.

وما بينهما...

شيءٌ آخر ظاهر داخل زيها الرياضي الشفاف. يشبه قلادة معلّقة حول رقبتها بسلسلة رفيعة. وفي نهاية السلسلة مَعدِنٌ كبير ذو علامة دينية—

[صليب سلتي] بنمط كنيسة التطهّريين الإنجليز {الأنجليكان}.

لا تدري أُريانا أيَّ نوع من الصلبان يكون هذا.

ولا تعرف ما مقدرة الفتاة ذات الشعر الأسود.

لكنها يَقَنَت شيئًا واحد.

(ساحرة نِسِسَريُس؟!)

بالفعل أن إكسسوارات الصلبان تُباع في مدينة الأكاديمية، كثيرٌ منها. بعض الأطفال يرتدونها أقراطًا أو قلائد وإن لم يعوا معناها. هذا ليس الغريب.

ما الغريب هو...

الصلبان الكاثوليكية الرومانية ممكنة—فهي مشهورة عالميًا. أما صليبُ التطهّريون الإنجليز؟ لا توجد حتى كنيسة أنجليكانية رسمية في اليابان. حتى استيرادُ شيء كهذا من إنجلترا أمرٌ غير طبيعي أساسًا. لكن [أداة روحية] تعمل عمل الحاجز؟ لا يمكن لمواطنة عادية أن تملك شيئًا كهذا. وأُريانا قد سمعت وعرفت اسم ذلك الحاجز.

(الكنيسة السائرة؟! أداة الأنجليكان. إنها ترتدي [سلاح روحي] مشابه للذي تستخدمه إندِكس لحماية المكتبة المحرمة؟! )(الوحش)(...!!)

تحركت يدها فورًا.

أمسكت أُريانا بحلقة البطاقات السحرية ووصلتها إلى فمها. أخذت ورقة بين أسنانها ثم مزقتها. على سطح البطاقة كُتبت حروف حمراء SOIL SYMBOL {رمز التربة}. ظهر جريموار {كتاب سحري} أصلي غير مستقر، وبواسطة ماناها فَعَّلت التعويذة...

كشّششرر!!

اخترق صوت مكتوم بالطين الهواء.

  • الجزء 6

خرج كاميجو وستيل من محطة القطار وصعدا سطح الأرض.

الشوارع اكتظت بالناس، والحرارة لا تبدو تنخفض البتة. ألقى كاميجو نظرة سريعة على كتيّب مهرجان دايهَسي وهو يمسح العرق من جبينه. «...أرى أقرب مكان للتنقل هي محطة تبعد حوالي ثلاثمئة متر شمالنا!»

«ثلاثمئة... إف،» تمتم ستيل بمرارة وهو يخرج سيجارة جديدة.

«لكن أمامنا حوالي عشر دقائق حتى الحافلة التالية! قد نلحق بها إذا أسرعنا!»

وأثناء حديثهما، انطلقا في الجري مجددًا وسط الحشود. كان يفصل بينهما وبين أُريانا أقل من سبع دقائق. ذلك بالكاد وقتٌ كافي.

«إذا استطعنا، فلنُمسك بأُريانا على الأقل. ليس لدينا أي دليل على مكان اختباء لِدُفيا لورَنزِتّي!» صرخ ستيل وهو يشق طريقه بين الرياح متجهًا للأمام.

كانت المحطة على بعد ثلاثمئة متر شمالًا، لكن أمامهما طريق واسع يمتد يمينًا ويسار، ومجموعة من المباني المتداخلة منعت الرؤية لما بعده.

كان ضوء المشاة بجانب الجسر قد تحوّل للتو إلى الأخضر. اندفع كاميجو وستيل عبر الطريق نحو الجهة الأخرى. لكن الرصيف الذي وصلا إليه كان أكثر ازدحامًا من السابق.

صفٌّ من المباني متعددة الاستخدامات كأنه جدارٌ ضخم. للوصول إلى هدفهما—محطة الحافلات—عليهما التسلل بين المباني والمرور عبر الأزقة، وإلا فسيضطران للالتفاف لمسافة كبيرة عبر الطريق الرئيسي.

بحثا عن زقاقٍ قد يعبران منه وهما يجريان وسط الرصيف المكتظ بالناس.

«بحقك ليس معك دليل ولا شَعرة؟! لتوّك اتصلت بأحد في الحديقة؟!»

انحرف كاميجو وستيل في اتجاهين مختلفين لتفادي امرأة مسنّة في منتصف الرصيف.

«نعم. كان الاتصال من لندن! هم حاليا يتحققون من المكتبة البريطانية، لكن...»

نظر الاثنان يمينًا ويسار دون أن يجدا زقاقًا مناسبًا. كان الطريق الفعلي أطول مما توقعا مقارنة بالمسافة المباشرة. لكن إذا واجهت أُريانا نفس الصعوبة، فذلك قد يساعدهما.

«حصلتم على معلومات عن [صليب بطرس]؟!»

بينما يواصلان الجري، لمح كاميجو حشدًا أمامهما.

«نعم، لكن... ليس مبشرًا. بالكاد لم نجد أي مراجع عنه. أكثر ما اكتشفوه هو أن هناك خزنة مخصصة [لصليب بطرس] عِندَ تخزينه. نوافذ مغلقة بالكامل، بابان منفصلان للدخول، ولا يُسمح بأي ضوء... هذا كل ما نعرفه» نفث دخان سيجارته.

«بس؟!» ركض كاميجو نحو الحشد.

«لا تسألني! الآن... خرا» ثم كحّ قليلًا قبل أن يكمل. كانا يركضان بأقصى سرعة، ولعله من تدخينه المستمر. «لا وقت للشرح. أعطني بريدك. لدي رسالة نصية تحتوي على تقرير أُرسُلا، سأحوّلها إليك. اقرأها لاحقًا إن معك وقت»

(ستيل وأُرسُلا يعرفان استخدام الرسائل النصية...؟ هَهَه.)

ثم أعطاه معلومات الاتصال. في الواقع، ربما إندِكس هي الغريبة. هي عديمة الفائدة تمامًا مع أي شيء إلكتروني.

وأثناء جريه في الطريق، قرر أن يلقي نظرة سريعة على الرسالة.

‹ ‹Vi riporto qua informazioni che ha trovato nella Biblioteca Brittanica...› ›

(يا... كيف المفترض أفهم هذا؟؟!!) فيها حروف إنجليزية، ولكن كان متأكدا أنها من لغة مختلفة كليًا، على الأقل. أغلق شاشة الجوّال، وقرر أن يسأل تسوتشيميكادو أن يقرأها لاحقًا.

تنهد ستيل وهو يركض بجانبه: «تبًا. ليتك على الأقل لو تفهم الكلمات دون كتاب قواعد... لكن إن لم تستطع قراءتها، فلا تنظر إليها. ليست مهمة جدًا على أي حال»

«...أغغ، طيّب. إذن نحن عالقان بلا أي مخرج. اللعنة!»

«أجل. لهذا نريد القبض على أُريانا تومْسُن بأنفسنا. وبعدها نقرر أين نتجه. هذا كل شيء... مم؟» وهو يركض، عَبَس.

كان أمامهما تجمع من الناس، أغلبهم طلاب، يقفون جميعًا ويسدون الطريق. ولم يكن أحد منهم ينظر إليهما. تجمع الحشد أمام مدخل زقاق جانبي صغير.

«هناك الطريق الخلفي الذي نحتاجه... لكن أشعر بنذير حياله»

«ها؟» ارتاب كاميجو.

اهتزت عقب السيجارة صعودًا وهبوطًا بينما قال ستيل، «تلك الرائحة. ليست رائحةً طيبة. عندما تكون فئة معينة من الناس في حالة من الإثارة، تنتشر مشاعرهم كما لو كانت رائحة. هذا الحشد تفوح منه رائحة أناس يرون الدم»

أفزعت الكلمات المقلقة كاميجو. وفي تلك الأثناء وصلا إلى مؤخرة الحشد. عندها لاحظ أن الجميع كانوا يميلون إلى الأمام، ويقفون على أطراف أصابعهم، بل إن بعضهم كان يقفز محاولًا أن يرى.

(لكن ماذا...؟)

جعد حاجبيه، لكنه لم يكن يملك الوقت ليتحقق. قرر التوجه مباشرة إلى الطريق الخلفي، وبدأ يشق طريقه عبر الحشد بقوةٍ بعض الشيء.

وعندها سمع صوتًا غير متوقع من خلف جدار البشر.

«أ-أرجوكم، ابتعدوا عن الطريق! جميعًا، افسحوا المجال! هيمي-تشان؟ هيمي-تشان؟! هيمييي!!»

«ابتعدوا!!»

دفع كاميجو الناس القريبين منه دون وعي وشق طريقه إلى المقدمة. تمايل الحشد وانقسم إلى اليمين واليسار. شعر أن بعضهم كان على وشك الاعتراض على دفعه لهم، لكنه تجاهلهم وقفز إلى الصف الأمامي.

ثم، دون أن يتوقف، اندفع نحو مدخل الزقاق.

وهناك رآه.

الدم.

كان زقاقًا ضيقًا. ورغم أن الوقت كان منتصف بعد الظهر، فإن المباني العالية المطلة عليه حجبت أشعة الشمس عن الأرض. وحتى الهواء كان راكدًا.

وفي ذلك المكان المظلم...

...كانت حُمرةً أشد ظلمة تلطخ الأرض.

«ك-كاميجو-تشااااان!!»

كان الصوت المألوف يخص المعلمة كومويه.

لكن يديها الصغيرتين، وخديها الناعمين، وقميص التشجيع بلا أكمام والتنورة القصيرة التي ترتديها... بدا وكأن دمًا أحمر قاتمًا قد غطاها بالكامل. كانت الدموع تنهمر من عينيها الكبيرتين، وتمتزج بالدم المتناثر ثم تنساب من ذقنها.

لكن ذلك الدم لم يكن دمها.

كانت فتاة واحدة ملقاة عند قدميها مباشرة.

هيميغامي آيسا.

شعرها الأسود مغمورًا بالدم المتجمع على الأرض. أما بشرتها، من وجهها حتى يديها وقدميها، فكانت شاحبة تمامًا خالية من أي لون.

الجزء العلوي من زيها الرياضي ممزقًا إلى أشلاء. وكانت مغطاة بالضمادات من عظمتي الترقوة حتى ما فوق السرة بقليل، أي تقريبًا في كل مكان. ولا يحتاج المرء طبيبًا ليعرف أن جروحها قد ضُمِّدت بعناية، لكن السائل المتسرب منها كان قد صبغ الضمادات بالأحمر القاني. حتى ملامحها الناعمة المعتادة بدت مشوهة على نحو غريب.

«...!»

وما إن خطر له سبب ذلك حتى اجتاح كاميجو شعور هائل بالندم.

في بركة الدم رأى قطعًا صغيرة من اللحم لا تزال البشرة تغطيها، وكأن أحدهم حاول تقشير بيضة مسلوقة وفشل.

لم تتحرك هيميغامي.

كل ما استطاع كاميجو سماعه كان أنفاسها الضحلة.

ضحلة إلى درجة أنه شك فيما إذا كان يتخيلها.

شعر بصدمة مكتومة، كأن أحدهم ضرب رأسه بقوة.

لقد رأى هذا المشهد من قبل.

عندما وجد إحدى الأخوات التي قتلها أكسِلَريتر...

كان الشعور نفسه تمامًا.

«لا... لماذا...؟ لماذا هيميغامي؟ أستاذة كومويه، ماذا حدث؟! من اللعين الذي فعلها؟!»

«أ... أنا لا أعرف!» أجابت المعلمة كومويه بصوت مرتجف وهي تنظر إليه. «أ... التقيت بسيدة... ثم اعتذرت لها، فابتسمت، وظننت أنها سامحتني. لكن فجأة تغير وجهها إلى تعبير مرعب، و... و... هي...!»

«أُريانا...» قال ستيل وهو يمسك بسيجارته التي ما زالت طويلة ويضغطها على الجدار بانزعاج. «مع هذا التوقيت، فلا بد أنها هي... يبدو أنها تلعب معنا»

«لماذا؟» قال كاميجو بوجه يملؤه الذهول. «لماذا هي؟ لم يكن لديها أي سبب لمهاجمة هيميغامي! ليس لها أي علاقة بهذه الحادثة أصلًا!!»

«ولهذا السبب» ثم أشار ستيل بعقب سيجارته إلى الأرض.

إلى صليبٍ ملطخ بالدماء.

ذلك الحاجز الصغير الذي يُرتدى إكسسوارًا، والذي صنعته كنيسة الأنجليكان لها لختم قدرتها [ديب بلود].

«تلك [الأداة الروحية] تستخدم الصيغة نفسها التي تستخدمها [الكنيسة السائرة]. حتى كانزاكي وتسوتشيميكادو وأنا لم نُزوَّد بشيء بهذه الخصوصية. لو رأت أُريانا هذا، فمن الطبيعي أن تظن أن هذه الفتاة ساحرة بمستوى أهمية إندكس. مدينة الأكاديمية معقل للعلوم. ووجود [أداة روحية] تابعة لكنيسة الإنجليز فيها أمرٌ غريب بحد ذاته. ربما ظنّت أُريانا أن مطاردًا قويًا قطع عليها طريق الهرب، فقررت أن تبادر بالهجوم»

عندما أدرك كاميجو ما يقصده، تشنجت عضلات خده.

«ظ... ظَنّت...؟»

ارتجف حلقه بطريقة غريبة.

«مجرد... ظن؟ لظنٍّ... فعلت كل هذا... لهيميغامي...بالصدفة...؟ هذا... هذا... هراء ملعون!!»

ومن دون أن يشعر، هوى بقبضته على الجدار القريب بكل قوته. فانتفضت المعلمة كومويه فزعًا بعد أن كانت لا تزال تبكي.

تنهد ستيل، ثم أخرج بطاقات الرونات من الجيب الداخلي لردائه. نثرها في الهواء، فالتصقت بالأرض والجدران كأنها سُحِبَت بالمغناطيس.

«IHCTPIMTP. (من الآن فصاعدًا أحوّل هذا المكان إلى مكاني الساكن)»

وبينما يتكلم، بدأ الناس المتجمعون عند مدخل الزقاق يعودون إلى الطريق الرئيسي وكأن سدّادة قد أُزيلت. خمّن كاميجو أن هذه كانت تعويذة [أوبِلا] الخاصة بستيل والتي تُبعد الناس.

«قمتِ بالإسعافات الأولية بشكل ممتاز. أنا متأكد أنكِ اتصلتِ بالإسعاف. اذهبي وانتظري عند مدخل الزقاق. لن يتمكن المسعفون من العثور على أي منكما إذا بقيتما هنا الآن. أظن أن هذا أفضل من المتفرجين الفضوليين على أي حال»

توجّه ستيل أعمق داخل الزقاق المظلم لمتابعة أُريانا. إذا كانت لا تزال تحاول الوصول إلى محطة الحافلات للهروب، فمن المحتمل أنها مرت من هنا أيضًا.

لم يتردد لحظة في التوغل أكثر.

متجاوزًا هيميغامي آيسا، وبحيرة الدم التي كانت مستلقية فيها.

«انتظر يا وغد!»

«ماذا؟ ماذا تريد بالضبط؟ أتقف مكانك تصرخ عبثًا أم تبحث عن أُريانا تومسن وتنهي القضية؟»

«هذا حصل لأننا أقحمناها! فكيف لك أن تتركها ببساطة هكذا؟!»

«كاميجو-تشان؟» قالت المعلمة كومويه وهي تنظر إليه. أُقحمت في أمر، لكنها لم تُخبر بشيء. لن تعرف ما يحدث.

«فماذا الآن؟» قال ستيل وهو ما يزال واقفًا فوق هيميغامي وينظر مباشرة إلى وجهه.

ثم مدّ يده المليئة بالخواتم.

«لا تغتر بنفسك يا أيها الهاوي»

أمسك شعر كاميجو بقوة وأجبره على النظر للأسفل. إلى الفتاة، بالكاد تتنفس، غارقة في الدم.

«أعندك ما تقدر—أيها الهاوي—لهذه الفتاة المصابة؟ لا شيء في وسعي أقدر على فعله لها، أنا كذلك عاجز وأنا محترف! هل البقاء بجانبها يُشفي جراحها؟ هل الإمساك بيدها يُخفف ألمها؟ إن كنت تؤمن بذلك حقًا فافعل يا إسبر! بينما الواقع البارد يستمر في استنزاف قوتها! الآن الشيء الوحيد الذي يمكننا فعله هو مطاردة أُريانا! إذا عَزَمت، فاقفز فوقها! وإن لم تقدر، فابق هنا كطفلٍ بَكّاء ينتظر مصائبه تذهب عنه!!»

أبعد ستيل يده بعنف عن شعر كاميجو.

تراجع كاميجو خطوة غير ثابتة، ثم أخرى.

«...لا تظن أنك الوحيد الغاضب من هذا يا كاميجو توما. كلنا سيغضب لو رأينا شيئًا كهذا. حتى ستيل ماغنوس. لقد خاطرت بحياتي لإنقاذها من ميساوا. فهل ترى أنني سأبقى هادئًا وأنا أراها ممزقة بين الحياة والموت هكذا؟!» أشار ستيل بإصبعه، وخاتمه يلمع تحت الشمس. «اقفز فوقها يا كاميجو توما. اقفز فوقها واتبع أُريانا! هذا هو عالمنا. وهو عالم قاسٍ. لا يمكننا شفاء الجراح، ولن يتغير ذلك أبدًا. إذا أردت حماية أحد، فاقبض قبضتك. هذا كل ما تستطيعه. يدك اليمنى لا تقتل إلا الأوهام. والآن أنت تحاول حماية واحدة؟ دعك من هذا»

«...تبًا...»

خفض كاميجو نظره. أخفى شعره عينيه. وتحتها، بدأ يضغط أسنانه بشدة حتى ظن أن أضراسه تتكسر. هل كان غضبه تجاه أُريانا أم تجاه نفسه لأنه لا يملك ردًا؟

«تبًّا... لهذا...!!» صرخ، وصوته يرتجف وكأنه على وشك البكاء. ثم رفع قدمه. كانت هي الأخرى ترتجف وهو يحاول اتخاذ الخطوة الأولى—محاولة اختيار مطاردة أُريانا بدلًا من فعل أي شيء لهيميغامي.

«...» ضيّق الساحر ستيل ماغنوس عينيه وحدّق في الحركة التي كان كاميجو يؤديها.

وقبل أن تلامس قدم كاميجو جسد هيميغامي آيسا...

رآها الكاهن.

تسوكويومي كومويه، التي كانت قبل لحظات فقط على بعد خطوات قليلة من الدامية هيميغامي آيسا.

كانت جالسة هناك مذهولة، ويداها ووجهها وملابسها كلها مغطاة باللون الأحمر من الدم المتناثر. جلست على ركبتيها دون أن تهتم بتنورتها أو بكونها تلامس الأرض مباشرة بلا أي فاصل.

لكن ذلك لم يكن الأمر الأهم.

كانت قد بدأت تجمع ببطء حجارة صغيرة وعلبًا فارغة من حولها. وصَفّتها كما لو تبني مكعبات ألعاب. ولم يكن ترتيبها عشوائيًا أيضًا؛ بل يبدو كتمثيل مصغّر غير ماهر للمباني الموجودة في هذا الزقاق ولجسد هيميغامي آيسا الملقى.

«مهلا...» قال ستيل دون أن يتمالك نفسه. كاميجو، الذي كان على وشك وضع قدمه على تلك الخطوة الأولى، فقد توازنه في التوقيت وسحب قدمه للخلف. بينما لم ينظر ستيل إليه، بل حدّق مباشرة في عيني تسوكويومِي كومويه.

«ماذا تفعلين؟»

«مَرَّةً...» بدأت المرأة، التي لا يتجاوز طولها 135 سنتيمترًا، وهي تردّ نظرة الساحر بعينين حمراوين. «...مع الأخت الراهبة... هذا... هذا نجح بطريقة ما. إذن الآن... هذه المرة... يجب أن ينجح أيضًا. لأن الأخت في السابق، ظهرها كان مقطوعًا وكان هناك الكثير من الدم، لكنني فعلت ما قالت لي أن أفعله، ثم...»

«م... مهلا...» حاول ستيل ماغنوس أن يتذكر. عاد إلى اللحظة التي وصلت فيها إندِكس لأول مرة إلى مدينة الأكاديمية. حينها كانت كانزاكي قد جرحت إندِكس في ظهرها، واضطر كاميجو إلى الفرار بها إلى شقة تسوكويومي كومويه.

لكن...

لا إندِكس ولا كاميجو كانا قادرين على استخدام السحر. ليس من جهل، بل بسبب طبيعة أجسادهما. إذن من كان الذي استخدم السحر لعلاج إندِكس في ذلك الوقت؟

«هل... كنتِ أنتِ...؟» تمتم ستيل بدهشة ممزوجة بالاحترام.

لكن المرأة الصغيرة لم تلتقط تغيّر نبرة صوته. «...في السابق، هذا نجح تمامًا. أتذكر ذلك؛ أتذكره بدقة. الأخت قالت لي ماذا أفعل، وفعلت، وسأعيد ما قالت، لكن...! لماذا... لماذا لا تتحسن هيمي-تشان...؟! هيمي-تشان كانت تتحدث عن موكب الليل. كانت تريد الذهاب مع كمجة-تشان والبقية، وكانت تتابع الكتيّب منذ الأمس، فلماذا، لماذا حدث هذا...!!»

لم تكن تصرخ في وجه أحد بعينه.

ومع ذلك، ظل ستيل وكاميجو يستمعان بصمت.

كانت تسوكويومي كومويه تحاول تركيب نوع من التعويذة التي تربط منطقة ثابتة بـ"حديقة مصغّرة" يصنعها الساحر. السحر العلاجي عادة يتطلب تحكمًا دقيقًا جدًا، لكن بهذه الطريقة يمكن ببساطة إصلاح جرح على دمية داخل نموذج مصغّر، ليُعكس ذلك على الجسد الحقيقي المرتبط بها.

لكن ذلك لا يعمل إلا إذا تم تحديد نطاق التعويذة بالكامل وأُنشِئَ الربط الصحيح مع "الحديقة المصغرة". لم يكن الأمر مجرد شيء جسدي؛ بل يحتاج أيضًا إلى تصور موضع الرموز السحرية وتدفق الطلسمان{تيليزما}.

ليس أمرًا يستطيع أي ساحر إنجازه بسهولة.

حتى ستيل نفسه—المتمكن من دمج الرونات والسحر الصليبي—لم يكن قادرًا إلا على شفاء الحروق فقط.

"السحر العلاجي" اسمٌ واحد، لكنه يختلف حسب الدين والقواعد والتقنيات. ليس مجرد تعويذة واحدة تعالج كل شيء. لا يمكنك علاج كسر العظام بدواء للسعال. وإذا لم يتم بناء التعويذة المناسبة للحالة، فلن يحدث أي تأثير.

وفوق ذلك، إذا أرادوا شفاء كل شيء—الجروح، والكدمات، والكسور، وحتى الشرايين والأعضاء—فإنهم يحتاجون إلى ساحر خبير متخصص يدمج عدة تعويذات في واحدة. وربما مع دعم شخص يملك معرفة واسعة مثل [الفهرس]، يمكن لمبتدئ أن يفعل ذلك، لكن هذا افتراض نادر جدًا.

«...»

وبالفعل، كانت تعويذة تسوكويومي كومويه غير مكتملة تمامًا.

قد فعّلت السحر سابقًا فقط بناءً على تعليمات إندِكس، لذا هذا متوقع. لقد تعلمت مفهوم [الحديقة المصغرة] بالتقليد فقط، ونموذجها الحالي كان في حالة فوضى تامة. لا توجد أي رموز سحرية صحيحة داخله. لكن هذا طبيعي؛ فهي تنتمي إلى عالم العلم، ولا تملك أي فهم نظري للسحر.

لكنها كانت قد استدعت الإسعاف...

وأجرت كل الإسعافات الأولية الممكنة...

لقد استخدمت كل ما تعرفه، ولم ينجح شيء. وفي النهاية، لجأت إلى [السحر]، الذي لا تفهم نظريته ولا قواعده.

حتى أنها لم تكن تدرك مدى خطئها الفادح.

ولا مدى بدائية التعويذة التي وضعت عليها كل أملها.

لكنها رغم ذلك كانت تحاول...

...كُلّه لتنقذ الفتاة الملقاة أمامها.

«تشه...» قال ستيل دون وعي، وهو يشيح بنظره قليلًا. كانت تسوكويومي كومويه تشبه كثيرا فتاة معينة أخرى.

قصيرة، بريئة، ساذجة. تغضب لأجل الآخرين، وتبكي لأجل الآخرين. لا تستطيع استخدام السحر رغم معرفتها به. وها هي الآن مغطاة بدم شخص آخر وتبكي.

ضيّق ستيل عينيه قليلًا، وكان في أعماقه يشعر بمرارة شديدة.

ثم نفخ وألقى عقب سيجارته خلفه.

«لا. ليس هكذا»

«ها؟» رفعت كومويه رأسها.

أخرج ستيل عدة بطاقات رونية من جيب رداءه الأسود الداخلي. «الأمر مثل سحب الماء من المحيط بدلو. أولًا حدّدي المنطقة التي ستُقيّدها [بالحديقة المصغّرة]. وأنتِ لا تفكرين في الزاوية. عليكِ أن تتخيلي من أي اتجاه سيأتي الملاك، وعلى أي مقعد سيصل. مجرد الخيال يكفي. نحن لا نستدعي ملاكًا حقيقيًا، بل كتلة من نوع معين من القوة»

جلس على رُكبته.

وواجه هيميغامي، الممددة والملفوفة بالضمادات وهي تتنفس بصعوبة.

واجهها مرة أخرى بعد أن كان قد تجاوزها.

«كاميجو توما. انطلق وطارد أُريانا»

«ها؟»

«سأعطيك رقم تسوتشيميكادو الجديد. إذا لم آتي إليك فعليك أن أن تتواصل معه»

«مهلا لحظة. هل سوف...»

«لا تأمل. هذا خارج مجال اختصاصي» قال الساحر ستيل ماغنوس بمرارة. «أنا لا أستطيع علاج سوى الحروق. علاج فقدان الدم والكسور نوع مختلف تمامًا من التقنيات. لم أحاول شيئًا كهذا من قبل، وهذه الإصابات خطيرة جدًا. لا أدري حتى إن كان ساحر متخصص في العلاج قادرًا على إصلاح كل هذا بالكامل...» لكن رغم ذلك، واصل كلامه. «...جزء من معرفة [الفهرس] لا شك أن يكون داخل عقل هذه الفتاة. سآخذ ما تعرف وأعززها بالنظرية. لا أستطيع حتى حفظ تعويذة [أربع طرق حق] أو [دائرة العِرافة] الخاصة بتسوتشيميكادو، لذلك لست واثقًا من هذه أيضًا... لكنني سأكسب لها بعض الوقت قبل نقلها إلى المستشفى. وبعدها ما علينا إلا أن ندعو أن يكون هناك طبيب جيد هناك»

«آه... ها...؟»

فركت تسوكويومي كومويه عينيها.

أدار ستيل نظره بعيدًا عنها دون وعي. «عندما تنتهين من ما سأقوله، اذهبي إلى مدخل الزقاق وأرشدي المسعفين إلى هنا. كاميجو توما، أنت انطلق الآن وافعل شيئًا بخصوص أُريانا، واضح؟ هذه التعويذة العلاجية ستكون من أردئ ما يكون أصلا. وإذا بقيت هنا، قد تدمرها يدك اليمنى. عندما أنتهي، سألحق بك مباشرة... لذا أقولها مرة أخرى. إذا أردت حل كل شيء بالطريقة الصحيحة، اقفز فوقها»

«...حسنًا» نظر كاميجو إلى وجه هيميغامي آيسا، الممددة في دمائها.

ثم شدّ أصابع يده اليمنى الخمسة.

«سأفعل. إذا كان هذا سيحل كل شيء. أترك هيميغامي لك يا ستيل»

«قلت لك لا تأمل» وهو يتنهد. ثم أضاف بنبرة متضايقة بصدق: «أنا لست معتادًا على هذا أيضًا. في عالمٍ كعالمنا... من كان يتخيل أنني سأستخدم سِحرًا على بَشَرٍ بغية إنقاذه لا هلاكه؟»

  • ما بين السطور 5

(لماذا...؟)

كما فكّرت هيميغامي آيسا وهي مستلقية على الأرض الباردة.

(لماذا انتهى الأمر إلى هذا؟)

تشعر بنبض جسدها.

ضربة واحدة شقّت جسدها، من الترقوة حتى السرّة.

تجاوز الألم حدّه، حتى صار يتحول إلى خدرٍ غريب. ومع ذلك، باتت قادرة على النظر حولها. لكن عندما رأت الدم المتناثر وقطع اللحم، شعرت وكأن عقلها كاد ينفجر.

لكن...

رأت حقيقةً أكثر إيلامًا من ذلك تنظر إليها.

رأت صَبِيَّان يقفان وجهًا لوجه على جانبي جسدها الساقط. في رؤيتها المشوشة، تراهما يتجادلان حول شيء.

‹ ‹لا تغتر بنفسك يا أيها الهاوي› ›

صوت باردٌ يُقشعر.

وكذلك، فيه وضوح حادٌ غير طبيعي.

‹ ‹أعندك ما تقدر—أيها الهاوي—لهذه الفتاة المصابة؟› ›

(بلى يقدر،) حاولت هيميغامي أن تقول.

لكن صوتها لم يخرج. كأن حلقها قد انكمش تمامًا.

‹ ‹أنا كذلك عاجز وأنا محترف!› ›

تلك الكلمات جرحت الفتى الآخر.

كانت ترى وجهه وهو يتشوه قليلًا كلما تكلم.

‹ ‹هل البقاء بجانبها يُشفي جراحها؟ هل الإمساك بيدها يُخفف ألمها؟› ›

(هذا لا يهم،) أرادت أن تقول.

ربما الجروح لن تلتئم. ربما الألم لن يختفي. لكن شيئًا ما سيحدث. كانت متأكدة.

‹ ‹إن كنت تؤمن بذلك حقًا فافعل يا إسبر! بينما الواقع البارد يستمر في استنزاف قوتها!› ›

(لماذا؟)

لماذا لم يُخلق العالم ليكون أفضل؟

لو أن الفتى رفض مرة، لنتهى كل شيء. عندها لن يحتاج إلى أن ينظر إليها ودموعه في عينيه.

لكن شفتيه لم تتحركا نتفةً.

لسانه لم يتحرك رعشًا.

حلقه لم يصدو همسًا.

كان الصبِيَّان يتجادلان حول شيء. لا، في هذه المرحلة كان أحدهما يهاجم كلامًا. وكل كلمة كانت تؤذي الفتى الآخر أكثر، وتستنزف المشاعر من وجهه شيئًا فشيئًا.

لم تكن تريد أن تراه هكذا.

الحقيقة أنها تَمَّنت أن تكون معه. وليس معه وحده فقط. أن تكون مع الجميع في المهرجان. أن تشجع أصدقاءها مع الآخرين. أن تتجول في الأكشاك معهم. أن تشاهد موكب الليل معهم. أن تصنع ذكريات سعيدة وتضحك معهم.

هذا كل ما أرادته.

‹ ‹لذا أقولها مرة أخرى. إذا أردت حل كل شيء بالطريقة الصحيحة، اقفز فوقها› ›

لا، حاولت أن تصرخ.

‹ ‹...حسنًا› ›

لا، أرادت أن تقول، لكن لم يخرج شيء.

‹ ‹سأفعل. إذا كان هذا سيحل كل شيء. أترك هيميغامي لك يا ستيل› ›

ثم تجاوز الفتى جسدها الساقط، واتجه أعمق في الزقاق الصغير. لم تصل كلماتها إليه. كانت ترى ظهره يبتعد، وكأنه يذهب بعيدًا، بعيدًا بعيد.

لماذا لم يُخلق العالم ليكون أفضل؟

لماذا لا تسير الأمور كما يُراد؟

لم تتحقق أي من أمنياتها الملحّة. جمعت ما تبقى من قوتها، ومع ذلك لم تستطع إخراج كلمة واحدة. منذ البداية حتى النهاية، سُلب كل أملها...

‹ ‹آسف، هيميغامي› ›

ومع ذلك، سمعت كلمات قليلة حينها فقط.

‹ ‹سأعود إلى مستشفاك قبل موكب الليل. عديني أن تنتظري› ›

ظنت أنها ابتسمت ابتسامة خفيفة حينها.

هذا ليس عدلًا.

العالم كان قاسيًا بكل معنى الكلمة. لم تستطع أن تقول أي شيء تريده. حاولت بكل قوتها، لكن لا أحد يسمع لأمنياتها...

...فلماذا حملت كلمات هذا الفتى كل هذه القوة؟

تعليقات (0)