المقدمة: رحلة إلى شمال إيطاليا. — Un_viaggio_nel_nord_Italia.
(إعدادات القراءة)
كاميجو توما منحوس الحظ.
وهل تحتاج أكثر من أيام مهرجان دايهسيه السبع لتعرف؟ كل الناس يعرفون. دايهسيساي هو المهرجان الرياضي العظيم فيه يتنافس الأسابر ضد بعضهم. لكن لسبب ما وجد كاميجو نفسه متورطًا في معركة بين السحرة في اليوم الأول تحديدًا، ثم كان آخر من بقي واقفًا في معركة هائلة للحيلولة دون إخضاع مدينة الأكاديمية. لطالما ما يجد نفسه عالقًا في مواقف مجنونة.
وحتى بعد حل تلك المشكلة لم يتغير واقع أنه كان أبأس الناس حظا. مرةً دخل بالخطأ بينما كانت المعلمة كومويه تبدّل ملابسها، ومرةً نطحته نطحة فُكيوسيه سيري ذات الجبين الفولاذي بعد أن تعافت تمامًا، مرةً أكلته إندكس، مرةً قُذفت عليه حبات العلكة من هيميغامي آيسا الجالسة على كرسي متحرك، مرةً سحبته ميساكا ميكوتو ليتشاركا في رقصةٍ شعبية بين جمع من الطلاب؛ فَلَمْ ترتاح شيراي كُروكو حتى ظهرت آنيًا من خلفه وركلته في قفاه... تَعَبَ كاميجو وأُنهك تمامًا بطرق تفوق قدرته على العد.
لكن مهما شدَّ عليه حظه فهو لم يسمح له قط أنْ يُحبطه. بل كان في كل مرة يجر نفسه إلى الوقوف مجددًا وعلى وجهه ابتسامة. في هذه له ميزة—لكن ذلك لم يغير الواقع: لقد كان منحوسًا.
ونعيد، كان كاميجو توما منحوس الحظ.
لطالما فَوّت عروض التخفيضات في المتجر بفارق بُضيع دقائق. وكانت مجلات المانغا التي يشتريها من المتجر الصغير دائما وبصورة منتظمة تكون مطويةً في وسطها نوعا ما. وكل تذكرة يانصيب اشتراها في حياته انتهت بخسارته. أما العثور على عود ايس كريم مكتوب عليه "واحدة مجانًا"، أو الفوز في إحدى ألعاب الروليت الموجودة في آلات البيع؛ فكانا من السبع المستحيلات.
ونكرر لكم، كان كاميجو توما منحوس الحظ.
«الرقم الذي قدمته في مسابقة تخمين عدد الزوار كان الفوز الكبير! مبارك، لقد فزت بالجائزة الأولى—رحلة إلى شمال إيطاليا لسبعة أيام وخمس ليالٍ!!»
(ها، إيش؟) فكر طالب الثانوية العادي كاميجو توما وهو يستمع إلى رنين الجرس اليدوي وقد تدلت كتفاه فعلًا من شدة الدهشة عندما سمع الصوت. وحملت الرياح شعره الأسود المدبب تُبعثره هنا وهناك.
كنا في مدينة الأكاديمية، المدينة التي تشغل الجزء الغربي من طوكيو. وهو اليوم الأخير من مهرجان دايهَسيه، ذلك المهرجان الرياضي الضخم الذي يُقام كل عام. وكان يقف عند زاوية شارع عادية بالقرب من كشك يبدو مصنوعًا يدويًا من ألواح الخشب الرقائقي والمسامير وعوارض الخشب ذات المقطعين في أربعة. وأمامه طالبةٌ من مدرسة للفتيات تُدعى أكاديمية كيريغاوكا أو شيء قريب تُدير الكشك. قد نظم الطلاب هنا يانصيبًا لتخمين عدد الزوار.
القواعد بسيطة.
أولًا، يشتري المشاركون بطاقة خاصة بمال حقيقي. ثم يقدّرون العدد الإجمالي للزوار الذين سيأتون إلى مهرجان دايهَسيه، ويكتبون تخمينهم على البطاقة، ويسلمونها إلى مكتب الاستقبال. وإنّ ترتيب الفائزين يُحدد بناءً على مدى قرب تخميناتهم من العدد الفعلي.
وطبعًا كان الناس يرون دائمًا برامج تلفزيونية تقدم تقديرات عامة من قبيل "المهرجان يستقبل عشرة ملايين زائر" وما شابه. هذا يجعل التخمين أسهل بالنسبة إلى المشاركين الذين يلعبون في وقت لاحق من الأسبوع. لكن إذا خمّن أكثر من شخص الرقم الصحيح، فإن من قدّم إجابته أولًا هو من يفوز.
كانت موظفة الكشك وهي فتاة ترتدي قميصًا قصير الأكمام وسروالًا ضيقًا أحمر تعبث في مساحة التخزين الموجودة أسفل المنضدة ثم أخرجت ظرفًا ضخمًا بصورة سخيفة بدا وكأنه قد يحتوي على مخططات هندسية أو مثل هذا.
«لم يكن هذا مخططًا للطلاب في الأصل، لكن أيا يكن، كَسَبتَ رحلةً خلال عطلة التنظيف التي تلي مهرجان دايهَسيه» ابتسمت الفتاة بأدب كما يبتسم أمناء الصناديق دائمًا. «برنامج الرحلة، والجولات السياحية، والمستندات المطلوبة كلها موجودة هنا، لذا يُرجى أن تتطلع عليها في راحتك. إن كانت لديك من أسئلة فيُرجى توجيهها إلى وكالة السفر بدلًا من أكاديميتنا. تفضل يا سيد!»
مدّت إليه الظرف الضخم، لكن كاميجو كان لا يزال في تلك اللحظة واقعًا تحت وهم أن في الأمر فخًا دراميًا مختبئًا في مكانٍ في زمانٍ في بُعدٍ آخر من هذا الموقف الذي صادف أن وجد نفسه فيه.
عقد ذراعيه وأمال رأسه مفكرًا. «ءءء، ممكن أسأل؟»
«قد لا أملك أن أجيبك عن الأسئلة التفصيلية عن الرحلة. هل هذا مقبول لك يا سيد؟»
«الجائزة الأولى، يعني، الأولى الأولى؟»
«لا أدري إن كنتُ أفهم ما تعنيه يا سيد...»
«أليست هذه تذهب إلى أكثر الناس حظًا؟!»
«مم، هلّا أنصرف الآن؟»
«لا، اصبري! هذه رحلة إلى شمال إيطاليا، صح؟»
«هذا سؤال بسيط ويمكنني الإجابة عنه، لكنه مكتوب بالخط العريض في المستندات...»
«لن تنتظرني حبكة مجنونة فأجد نفسي فجأة على متن طائرة متجهة فعلًا إلى مطار خاص تابع لجماعة دينية علموية مشبوهة صح؟؟»
«...آه، فهمت يا سيد! هذه أول مرة لك تسافر فيها إلى الخارج؟»
لم تكن تنظر إليه بضيق، بل بطريقة ودية دافئة نوعًا ما. فمن وجهة نظر شابة من كيريغاوكا لم يكن كاميجو سوى طفل صغير يخشى ما قد يكون عليه العالم الكبير خارج المدينة.
«المهم، عليّ الآن الإعلان عن بقية الجوائز، لذا يُرجى أن توجه أسئلتك إلى وكالة السفر»
«لحظة اصبري! يعني، أفهم! أعلم أن شيئًا غير اعتيادي إلى هذه الدرجة نادر ما يحدث! لكن ألا يبدو الأمر ممكنًا؟ كأن تختطف الطائرة فجأة، أو أستيقظ لأجد نفسي عالقًا في القطب الجنوبي مثلًا؟! أعلم، أعلم أنني أقلق أكثر مما يجب، لكن لا يسعني إلا أن أشعر أنّ في الأمر خدعة! هل سأتمكن حقًا من الذهاب إلى شمال إيطاليا برفقة صديق؟! مهلاً أجيبيني!!»
كان الفوز بالجائزة الأولى أغرب من كل ذلك، ولذلك خلص كاميجو إلى أنه لا شك أن يكون قد أغفل أمرًا مهمًا. وأيًا كان ذلك الأمر، فهو لن يتمكن من السفر دون أن يعرفه.
«آه، صح! ما عندي جواز سفر!» صاح كاميجو في غرفة مسكنه.
إندكس المستلقية على الأرض تحدق فيه ردًا على ذلك. كان عمرها نحو الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، ولها شعر فضي طويل يصل إلى خصرها وعينان زاهيتان بلون الأخضر. لكنها بعد أن قضت مهرجان دايهَسيه بأكمله تحت أشعة الشمس الحارقة، اسمرَّ جلدها قليلًا. ومع ذلك كانت قوقازية شاحبة الأصل، ولذلك بدلًا من أن يتحول لون بشرتها إلى البني، أصبحت محمرة قليلًا. إليكم ملاحظة عبثية، لطالما كانت ترتدي زيًا أبيض مطرزًا بالذهبي يشبه فنجان الشاي ومثبتًا عليه عدد كبير من دبابيس الأمان—كان كل ذلك غريبًا جدًا بالنسبة إليه.
«توما، توما. ما هو جواز السفر؟»
كانت تتحدث ببطء أكثر من المعتاد لأنها وللمرة الأولى كانت شبعانة. فقد اقتحمت صف توما فور انتهاء مراسم الختام وبعد أن تقبل الجميع وجودها هناك شرعت في التهام كل ما يقع أمام عينيها. قد حدث الأمر بسرعة شديدة لدرجة أنه لم يكن من الصعب تخيل أنها محترفة في مسابقات الأكل السريع.
واصل كاميجو من دون أن ينظر إلى إندكس إخراج مستندات ومنشورات بألوان مختلفة من داخل الظرف العملاق المختوم. «جواز السفر هو شيء نحتاجه للسفر إلى الخارج. أظن أنه يستغرق نحو شهر حتى نحصل عليه فعليًا بعد تقديم الطلب»
(على طاري، ألم تأتِ إندكس إلى هنا من إنجلترا؟ كيف لا تعرف ما هو جواز السفر؟) راودت كاميجو بعض الشكوك، لكن إندكس كانت تعيش في عالم السحر والشعوذة حيث إن حتى القوانين الدولية ناهيك عن دستور اليابان لم تكن تنطبق في كثير من الأحيان. ولعلها جاءت راكبة على بساط سحري وتسللت عبر شبكة رادارات مراقبة المجال الجوي بالطيران على ارتفاع منخفض جدًا فوق سطح الأرض. بدأ كاميجو يتساءل بجدية عن القدرات الدفاعية لقوات الدفاع الذاتي في بلادهم. وفي الوقت نفسه نشر جميع محتويات الظرف الضخم على الطاولة الزجاجية أمامه.
بحسب ما بدا من المخططات، سيذهب في جولة جماعية. كان من المقرر أن يجتمع جميع المسافرين في المطار بشمال إيطاليا، ثم يبدأوا التنقل معًا. وهذا يعني أن الجدول الزمني كان قد حُسم.
موعد وصولهم واجتماعهم المحدد هو السابع والعشرين من سبتمبر.
ولم يتبقَّ على ذلك سوى يومين.
بعد مهرجان دايهَسيه، سيقوم العمال بتفكيك كل شيء، كما ستتم إعادة ضبط الإجراءات الأمنية في كل مكان، ولذلك سيحصل الطلاب على بضعة أيام إجازة من المدرسة. لعل الأمر بدا مفاجئًا لأنهم بحثوا عن برنامج رحلة يتناسب مع تلك الأيام القليلة، لكن... كان بإمكانه تقديم طلب للحصول على جواز سفر الآن، ولكن من محال المحال أن يصل جوازه في الوقت المناسب.
«...أععع عرفت! كنت أعرف أن هذا سيحدث. وربي عرفت! أصلا هذا الأمر لا يحبطني البتة! كنت أعرف طوال الوقت أن الأمور ستنتهي هكذا، وكنت مستعدًا تمامًا لهذا!!»
قذف كاميجو الظرف العملاق عبر الغرفة. دار في الهواء، ثم ارتطم بالأرض وأخذ يتدحرج أفقيًا في مكانه. كان كل ما أراده هو التنفيس عن إحباطه، لكنه بعد ذلك ضرب كاحله الأيمن بإحدى قوائم الطاولة الزجاجية. أطلق زئيرًا كفنان قتالي فقفز القط ذو الفراء الملون الذي كان ملتفًا بالقرب منه إلى السرير هربًا. ثم قفز مجددًا وغرس مخالبه في ملابس كاميجو المعلقة على الحائط ومنها قفز إلى الرف العلوي لخزانته.
ثم ركل بساقيه الخلفيتين. فسقط جسم ما مباشرة على وجه كاميجو الناظر إلى السقف—فقد كان مستلقيًا على الأرض الآن—وسط سحابة جافة من الغبار.
«آخ! حتى القط لا يحترمني! ها، ما هذا؟!»
قرر كاميجو أن يرى ما الذي أصاب جبهته، فأمسكه بيده ورفعه أمامه وهو لا يزال مستلقيًا. كان دفترًا صغيرًا بغطاء من الجلد الصناعي الأحمر، بحجم يقارب الدفاتر التي تراها الشرطة في البرامج التلفزيونية. وقد طُبعت على غلافه الكلمات: JAPAN PASSPORT.
جواز سفره.
انتفض فجأة واعتدل في جلسته ثم أطلق أنينًا مذهولًا. «ل-لكن كيف؟ ماذا يفعل جواز سفري في مكان كهذا؟!»
لم تكن ثقافة الخارج تمت بصلة إلى كاميجو. حتى درجاته في الإنجليزية التي يتعلمها من الكتب المدرسية كانت متدنية الأصل. وبفضول، أخذ يقلب صفحات الكتيب، فاكتشف أنه زار على ما يبدو أماكن مثل سايبان وغوام من قبل. لعله ذهب في عطلات إلى هناك مع عائلته.
«اءء، أظن مشكلة جواز السفر حُلّت... بطريقة مخيفة»
كاميجو توما فاقد للذاكرة، فلم يكن يتذكر أيًا من ذلك. وفوق هذا كان يخفي حالته عن الجميع. ما عساه يفضح نفسه الآن. ألقى نظرة على إندكس، لكنها لم تبدُ مهتمة كثيرًا باكتشافه المفاجئ. هذا وأنها لم تكن تعرف في الأصل ما الغرض من جوازات السفر، لذلك ليس لها من وسيلة للحكم على الموقف من الأساس. أو هكذا اختار كاميجو أن يفكر.
«هيه، إندِكس، هل معكِ جواز سفر؟»
«توما، هل "الجواز" هو ذاك الشيء الذي تمسكه؟ لا أظنني أملك واحدًا مثله»
«إذن لا يمكننا السفر معًا. لو تركتك هنا، فستكونين ملقاة على الأرض ميتة بعد ثلاثة أيام...»
«هيه، لماذا قلتها هكذا؟ لا أملك ما لا أملك»
«...ها، إندكس-سان؟ أراك أهدئ من المتوقع حيال كل هذا. نحن نتحدث عن إيطاليا! رحلة إلى الخارج! ردة الفعل الطبيعية على هذا هو أن ترغبي في الذهاب؟!»
«توما، توما» نظرت إليه، وعيناها توضحان أنها تتساءل لماذا كان هذا الأمر جديدًا عليه. «مدينة الأكاديمية أصلًا دولة أجنبية بالنسبة إليّ»
«أغغ! تنكرين أي حل وسط بكل هذه السهولة!!» نظر إلى الفتاة ذات الرداء الأبيض، ووجهه يعكس دهشته. «...مهلا، ماذا؟ إذن بالنسبة إليك، كل يوم هو مثل العيش في الغربة مع غريب؟»
طغغ!!
انقلبت إندكس فجأة وهي مستلقية على السرير، فاصطدم رأسها بالأرض.
لكنها رفعته مجددًا على الفور. «م-م-ماذا تقول فجأة أشياء موحية كهذه يا توما؟! أ-أنا راهبة متدينة، ولا أسمح بأي تعليقات يمكن أن يساء فهمها بهذه السهولة!!»
«ها؟ لكنني...»
«ا-المهم، ليس لدي ذلك الشيء الذي تسميه جواز سفر! لكن أظن أن لدي شيئًا يشبهه»
«يشبهه؟»
«أجل. هذا» قالت وهي تعبث بكمّ زيها الديني، ثم أخرجت جواز سفر بريطانيًا. أُعجب كاميجو بتصميم جواز السفر الأجنبي الذي كان مختلفًا عن جوازه.
«نعم، هذا منطقي. قد تكونين من النِسِسَريوس، لكن من الواضح أنك تستخدمين الطائرات أيضًا للسفر! هذا طيب. جيّد. أحيانًا أبدأ بتخيل أشياء مجنونة كأنك في الواقع ركبتِ جَمَلًا وعبرتِ طريق الحرير أو شيء كهذا!»
«...لسبب ما أشعر كأنك كنت تسخر مني منذ فترة. لكن أيا يكن، توما، كيف يُستخدم جواز السفر هذا؟»
«ا-انتظري لحظة يا إندكس. أريني الجواز—أء، كيف؟! كله فراغ؟! يفترض على الأقل أن تختمي ختمًا واحد قبل مغادرة إنجلترا!!»
وفوق ذلك كان الاسم المكتوب رسميًا: INDEX LIBRORUM PROHIBITORUM {فهرس الكتب المحظورة}.
وبينما ارتجف كاميجو أمام مدى رهبة الأسماء الدينية، تثاءبت هي بملل. «توما توما. لا أظن أنه زُوِّد بأي تأثيرات "الكاتب الآلي"»
«أيتها الـ... جعلتِ النِسِسَريوس يطبعون لكِ جواز سفر ثم أهملتيه؟! فعلًا سافرتِ عبر طريق الحرير!!»
«توما، ما زلتَ تتحمس لأشياء غريبة لا أفهمها. على أي حال، هل هذا يعني أنني أستطيع، أمم... السفر معك؟» سألت إندكس، وكان صوتها يحمل شيئًا من التوتر.
«...»
(ماذا؟)
ضاقت عينا كاميجو حتى صارتا بحجم رأسَي دبوسين.
في الوقت الحالي، قرر أن الأمر لا بأس به.
جاءه انطباع بأنهما يستطيعان الانطلاق في رحلة إلى شمال إيطاليا لمدة سبعة أيام وخمس ليالٍ. رغم أن كاميجو توما كان سيئ الحظ بصورة لا تُصدق. ورغم أنه كان أقل شخص في العالم احتمالًا لأن يختبر شيئًا كهذا.
وبعد أن مرّا بهذا وذاك، استيقظا في صباح اليوم التالي.
بعد أن زُرعت فيهما أجهزة نانوية لقضاء العطلات، وصل كاميجو وإندكس إلى المنطقة المدرسية الخاصة في مدينة الأكاديمية، المنطقة 23—حيث تُجرى جميع أعمال تطوير الطيران والفضاء في المدينة. وكان هذا هو المطار الدولي المبني للضيوف القادمين من خارج المدينة لحضور المؤتمرات وما شابهها.
كانت صالة المطار ضخمة إلى درجة أشعرت كاميجو بأنها مساحة مهدرة. والجدران مصنوعة بالكامل من ألواح زجاجية، بينما كان ضوء الشمس يتلألأ فوق المدارج في الخارج. كان قد سمع تلميحات في الأخبار عن أن المكان كان مكتظًا كساعة الذروة خلال مهرجان دايهَسيه، أما الآن صار يرى عددًا لا بأس به من الناس هنا يستعدون للعودة إلى ديارهم. وبالطبع كانت السلطات قد أعدت بضعة أيام إضافية من العطلة حتى تتمكن من إعادة جميع الضيوف بكفاءة. ضجيج الصالة وازدحامها يمتصان صوت عجلات حقيبة كاميجو وهي تدور فوق الأرض.
كاميجو يرتدي قميصه المعتاد قصير الأكمام وسروالًا كاكيًا، لكن السلسلة الموصولة بمحفظته كانت معلقة بحزامه، كما أخفى محفظة احتياطية داخل سرواله، ملفوفة تحت رباط حول ربلة ساقه. كان القلق الغامض الذي تحدث عنه واضحًا للعيان. وفوق ذلك كانت السلسلة رفيعة أكثر مما ينبغي—يسهل قطعها—كما أنها تكشف بالضبط مكان محفظته لأي شخص يكلف نفسه عناء ملاحظتها. أما الوصول إلى المحفظة الاحتياطية عند ساقه فكان سيجبره على رفع طرف سرواله، ومن المحتمل أن تسقط منه أثناء تجواله. وعلى الرغم من كل العناية التي بذلها في تجهيز محافظه فقد كان جواز سفره مدسوسًا إلى حد كبير في جيبه الآخر. باختصار، لم يكن يبدو معتادًا على السفر إلى الخارج على الإطلاق.
كان لكاميجو حقيبة سفر واحدة فقط، بينما لم يكن لإندِكس أي شيء. كان لديها بضعة أنواع من الملابس الداخلية وملابس النوم، لكن زيها الديني كان عمليًا ملابسها الشخصية الوحيدة، ولذلك تمكنت من وضع كل شيء في حقيبته. وقبل أن يغادرا المسكن، أعطته إندكس صندوقًا صغيرًا من الخيزران، قالت له بوجه محمر أن يضعه هناك أيضًا. تساءل كاميجو عما بداخله، لكنه ظن أن السؤال سيستفزها لتعضه فاختار الصمت.
أما الأمتعة الأخرى، هي عادةً ما تحمل القط الكاليكو بين ذراعيها، لكن القط الآن يسكن في شقة المعلمة كوموي.
«ك-كاميجو-تشان، ستسافر؟ هل أنت متأكد أنك ستكون بخير؟! أعني، من، من نواحٍ كثيرة جدًا!! لن تكون معك معلمة في الخارج كما تعلم!!» كانت قد قالت بفظاظة شديدة.
(ومن طلب رأيها أصلًا؟)
في الصالة بحث كاميجو عن موقع بوابة المغادرة.
«مهلا... أتمنى ألا أكون قد نسيت شيئًا. المحافظ، موجودة. الجواز، موجود. التذاكر، موجودة. مستندات الرحلة، موجودة. ملابس، موجودة. مجفف الشعر، موجود. الجوّال المحمول، موجود. وسحبت بعض المال الإضافي من البنك تحسبًا... طيّب. أظن تمام؟ في هذه المرحلة لا ينبغي أن تحدث فجأة أي تطورات أنسى فيها شيئًا وألعن سوء حظي»
«توما توما. لماذا صرت كثير القلق هكذا؟» كانت إندكس تتحرك بتوتر. وكان حماسها بدأ يظهر على السطح. ومشاهدتها جعلت كآبته الغامضة تبدو سخيفة.
«...نعم. أجل، أظن من حقي الآن الاستمتاع! أنا دائمًا أقول إن حظي عفن، لذا خفت. لكن حتى أنا ينبغي أن أحظى ببعض السعادة بين الحين والآخر! عطلات رائعة كهذه لا تأتي كثيرًا! نعم. خلال هذه الأيام السبعة والخمس ليالٍ في شمال إيطاليا، سأحرص على أن أشعر بالسعادة قدر استطاعتي ولأول مرة منذ فترة طويلة!!»
ابتسم أخيرًا ابتسامة عريضة، وقد استعاد نشاطه وتحرر من مخاوفه في الوقت الحالي. ومثله إندِكس ابتسمت ببشاشة.
«هكذا الكلام، توما» أومأت برأسها. «إذا كنت بهذه الحيوية والإيجابية في التواصل، فسوف تقدر على إيصال ما تريد قوله حتى لو كنت لا تعرف معظم الكلمات»
«غاااااه!! هؤلاء لغتهم أجنبية!! نسيت هذا!!»
تلك هي الضربة القاضية.
جاء الأمر مفاجئًا لدرجة كادت تجعله يسقط على وجهه فوق الأرض. ففي نهاية المطاف، كانت درجته في اختبار الإنجليزية اثنتين وعشرين درجة. وكان فشله في تعلم لغة أجنبية سيكون أكثر تقبلًا خلال فترة الانعزال التي عاشتها اليابان قبل قرون، لكن في العصر الحديث...
وبعد أن تذكر وضعه، سأل إندكس ببطء؛ «أمم، إندكس-سان؟»
«ماذا يا توما؟»
«مآه، هل مثلًا مثلًا، تعرفين الإيطالية؟»
«أكيد أعرف. ما بك تتحدث مثل أُرسُلا؟»
«أتكلم عن الإيطالية، اللغة التي يتحدث بها سكان دولة إيطاليا، صح؟»
«لماذا تسألني شيئًا بديهيًا كهذا فجأة؟ إذا كان من شيء يقلقك بشأن الثقافة الإيطالية، سأعلمك»
«...إذن من فضلك، إذا لم يكن في الأمر ازعاج، هلّا نبدأ بكيفية أقول "نعم" و"لا" بالإيطالية؟»
«توما، توما. قد يبدو هذا وقحًا، لكن لماذا تريد إيطاليا بالتحديد؟»
«لا يمكنني أن أفعل شيئًا حيال ما لا أعرفه!» هذه المرة، فعلًا انهار على أرضية صالة المطار.
تنهدت إندكس، وقد بدت عليها خيبة أمل حقيقية. «كما تعلم يا توما، لكي تعيش بشكل لائق في مجتمعنا الدولي الحالي، ينبغي أن تتعلم التحدث بثلاث لغات على الأقل»
«راهبة غريبة المظهر من الزمن القديم تلقنني درسًا عن المجتمع الحالي، وتقول "على الأقل"!! لكن في حاليًا، دعيني أعدك وأقول بأنني سأعتمد عليك اعتمادًا كاملًا عندما نصل إلى هناك! أنا لا أعرف حتى كيف أقول نعم أو لا!!»
«طيب، لا أمانع الترجمة. لكن يا توما، هذه فرصة لك، لذا ربما سيكون من الأسرع أن تتعلم بعض الكلمات أثناء وجودنا هناك...»
«هذا المنطق لا ينطبق إلا على الذين يجيدون تذكر الأشياء! معرفتي بالثقافة سطحية فحسب! ولو حاولت، فسيكون الأمر كارثيًا تمامًا!!»
«ها أنت تبالغ مجددًا...»
«مثل هذه التنهيدة لا تخرج إلا من تعلمت عدة لغات وكأن الأمر لم يكلفها شيء! لحظة يا إندكس، أنت تتحدثين اليابانية بطلاقة من دون أن تدركي ذلك أيضًا. هل تستطيعين التحدث بالإيطالية بنفس الطلاقة...؟»
«أنسيت أنني من أضطررت إلى السفر حول العالم لقراءه مئة وثلاثة آلاف مجلد سحري؟! الإيطالية جدًا سهلة! أكثر ما أواجه صعوبة فيه هو عائلات اللغات التي لم تُنظّم ضمن نظام متماسك. كثير منها ليست سوى كلمات عشوائية مكتوبة على ألواح حجرية، من دون أي من الإيقاع أو التنغيم الفعلي، ولذلك سأحتاج إلى تعلم كيفية غنائها بشكل منفصل. لكن هذا أمر خاص بالمجالات الثقافية لبعض الدول الجزرية والدول الواقعة في أعماق الغابات»
«...لم أفهم، لكن هل يعني هذا أنه يمكنني الاعتماد عليك؟»
«نعم. لطالما جعلتك تتولى كل شيء، الآن حان دوري. سأدعمك بقدر ما تحتاج، حتى تتمكن من الاستمتاع بوقتك إلى أقصى حد من دون أن تقلق بشأن المتاعب!»
دفعت صدرها المتواضع إلى الأمام بثقة. ومن وجهة نظر كاميجو توما كانت صورة متلألئة لقديسة.
(الخلاص موجود في هذا العالم! إندِكس هي من تقول كل هذا، لذا سيكون كل شيء على ما يرام! نعم، سأستمتع بهذه الرحلة قدر استطاعتي!)
سحب كاميجو عجلات حقيبته على الأرض، وقد استعاد نشاطه، وانطلق نحو بوابة المغادرة.
«إذن سأعتمد عليك يا آنسة مرشدة سياحية!!»
«اعتمد! توما، كلما دخلت متجرًا هناك، أول شيء عليك فعله هو أن تحيي صاحب المحل»
«أتقصدين أنهم لن يتحدثوا إلينا أولا، آنسة مرشدة؟»
«إمم، فكرة المتاجر أساسًا هي أن تبحث عما تريده بمساعدة صاحب المتجر. الأمر بسيط. همم-همم! إذا كنت لا تعرف هذا على الأقل، فلن تتمكن من العيش في الخار—»
بيب!
أصدر جهاز الكشف عن المعادن عند البوابة صوتًا غريبًا، وقبل أن يدرك ما حدث، كانت إندكس قد أُمسِكَت من جانبيها على يد موظفين قويي البنية.
«همم؟» عقدت إندكس حاجبيها باستغراب، وبدا عليها الاستياء من قيامهم بشيء كهذا لمرشدة سياحية.
لكن الرجلين اللذين أوقفا الفتاة المشتبه بها—ارتعشت أعينهما، وسأل أحدهما بصوت خافت: «أءء... ما الغرض من كل دبابيس الأمان هذه المنتشرة على ملابسك؟»
«واااااااااه! الآن بعد أن فكرت، لا بد أنها تبدو وكأنها تحمل كمية هائلة من الأسلحة! لكن هذا ليس ما هي عليه! إذا أزالتها، فسوف يتفكك زيها الديني ويتناثر في كل مكان!!»
لم يكونا قد غادرا البلاد حتى ولكن كاميجو توما قد اضطر إلى إنقاذ إندكس من موقف مزعج.
أما إندكس، احتارت. لم تكن تعرف لماذا كانت دبابيس الأمان سيئة. بل إنها لم تكن تعرف حتى سبب صدور ذلك الصوت الغريب من البوابة أصلًا.
في الواقع، ربما لم تكن فكرة طلب المساعدة منها هي الأفضل.
شعر كاميجو بقشعريرة تسري في عموده الفقري.
حاول الاقتراب من الموظفين. «حسنًا، أعلم أن تلك الملابس غريبة قليلًا! لكن ماذا ينبغي أن نفعل حيال الأمر؟ لم يتبقَّ سوى أقل من ثلاثين دقيقة على إقلاع الطائرة...»
«همم... هناك مركز تسوق في المطار، لا أرى أمامكما إلا أن تذهبا إلى هناك وتشتريا ثيابًا حقيقية»
(مركز تسوق؟! أين؟!)
اندفعت عينا كاميجو عبر لوحة الإرشادات المثبتة على الجدار بجانب البوابة.
منطقة التسوق — 1.5 كم من الموقع الحالي.
«بعييييييد!! بدأت أشعر حقًا بأن مطار المنطقة 23 يهدر كل هذه المساحة على عبث! لكن خيارينا الآخرين الوحيدان هما تفويت رحلتنا أو ركوب الجمال عبر طريق الحرير! اعع. إندكس، ركضنا! لن يسمحوا لك بركوب الطائرة من دون ملابس عادية!!»
«ها؟ ماذا ماذا يا توما؟...ها، هل ستشتري لي ملابس؟!»
«تبًا للألأت عيناك هاتان، تثيران أعصابي! لا أصدق أن عليّ إهدار المال حتى قبل أن نغادر! حتى أنّ النحس لم يفارقني هنا هااااء؟!»
وبينما ينوح، أمسك بيدها وأسرع عبر الممر الطويل جدًا الذي يصل إلى المطار.
ثمانٍ وعشرون دقيقة حتى الإقلاع.
وقد احترَّت محركات الطائرة منذ الآن.
اختر اسم وأكتب شيء جميل :)