-->

الفصل الرابع: اَلْعَقِيدَةُ الْأَمَاكْسِيَّةُ اُلْمُتَنَوِّعَة. — الكنيسة_الأماكسية_الصليبية.

(إعدادات القراءة)

انتقال بين الأجزاء

  • الجزء 1

تكوّنت كنيسة أورسُلا من سبعة محاريب.

وكان كل واحد منها مُكلّفًا بأحد الأسرار السبعة في العقيدة النصرانية. لم تكن جميعها متساوية  في الحجم بل تفاوتت في المساحة والتمويل حسب تواتر السرّ وأهميته. كانت أورسلا والآخرون حاليًا في كنيسة النكاح، والتي تُعنى بمراسم الزفاف. وقد خُطِّط لها أن تتلقى أكبر قدر من التمويل ولذلك كان مبناها ضخمًا كبير. وكانت الثانية في الحجم هي كنيسة المسحة الأخيرة، الخاصة بمراسم الجنازات؛ تلتها محاريب ذات دلالة دينية مهمة مثل كنيسة الكهنوت المقدّس وكنيسة التعميد، لكنها رغم ذلك لم تكن تتوقع الكثير من الزوار العاديين مثل كاميجو، لذا كانت هي الأصغر حجمًا. وقد زُيّنت هذه المباني الصغيرة بمهارة بالتماثيل واللوحات والزجاج الملوّن، وكأن الغرض منها كان جني دخل إضافي بوصفها معارض فنية أو متاحف جزئية.

هذا أقصى ما استطاع أن يقدّمه له إصدار الجَوّالات من موقع الكنيسة على الإنترنت. ومن الغريب أن يرى موقعًا إلكترونيًا أنشأه أولئك المنتمون إلى الجانب الغرائبي، لكن ربما أرادوه دليلا سياحيا كذلك—فخرائط مراحل البناء المخطط لها وحتى الخرائط الداخلية كانت منشورة على الملأ، وربما كان الأمر حيلةً لجذب أموال المتبرعين... مع أن ذلك بالطبع اقتصر على الأماكن التي يمكن إظهارها للزوّار.

「تبًّا!!」

حمل كاميجو أورسلا بين ذراعيه وقفز خارج الباب الخلفي لكنيسة النكاح. لم يرى نبتة واحدة تُحيّيه حين وطأت قدمه الأرض الحجرية المستوية تمامًا. وما لبثت أن ظهرت راهبات مسلّحات من الباب خلفه.

كان قد انتظر اللحظة التي اصطدم فيها عشرات من الأماكسا وجهاً لوجه مع الراهبات الرومانيات حتى يأخذ أورسلا ويهرب بها من كنيسة النكاح. لم يرغب في الانفصال عن إندِكس والباقين إن أمكنه، لكن موجة بشرية فصلت بينهم الآن، وليست أمامه من حيلة.

وبينما يركض، نظر إلى وجه أورسلا وقال، 「آسف على التأخير! أأنت بخير؟!」

「...نعم. هذا لا يُعَد شيئًا يُذكر」

كان ثوبها ممزقًا مهترئًا، وأجزاء التثبيت المعدنية فيه مكسورة وكأن شيئًا ما مضغها بأسنانه. لم تكن تتحرك كثيرًا—فقط تتأرجح قليلًا—ومع ذلك كانت تتمسك به بإحكام، وهو ما يكفيه ليدرك مدى إصابتها.

وعدا أن ملامحها تحمل الإرهاق، لم يكن في وجهها أثرٌ للألم.

بل بدت وكأنها تكاد تنفجر بكياً. يداها تطوّقان عنقه، وتنظر إليه من أسفله كما تنظر طفلة وجدت أبيها أخيرًا.

اللعنة، ما هذا! كانت المسألة بسيطة جدًا—ها هو سببي للقتال.

شدّ كاميجو ذراعيه حولها وهو يواصل الركض.

ومهما كان حجم كنيسة النكاح، فإن القتال ضد هذا العدد من الناس داخلها سيكون انتحارًا. لم تكن المسألة مسألة قوة، بل كانت كالسيل البشري الجارف يجرفه. وهو في النهاية مجرد طالب ثانوية. يمكنه أن ينتصر في قتال فردي؛ أما قتال اثنين فما كان واثقا. أما أكثر من ذلك فلن يتردد لحظة في الفرار. هذه هي حدود قدراته.

لكن.

لكن مجرد أنه لا يتردد في الفرار لا يعني أنه قد هُزم.

「مه...!!」 وقبل أن تلامس الأيادي المتعددة ظهره، انقض رجال ونساء الأماكسا من فوق سطح الكنيسة والسيوف في أيديهم. اعترضت سيوفهم أسلحة الرومانيات التي كادت تخترق جسده، وركلة عنيفة لاحقة أطاحت بصفوف الراهبات ذوات اللباس الأسود إلى الوراء.

ومع صوت أشبه بتراجع موجة بحرية، تحرك قسم من الراهبات الرومانيات ككائن واحد وأحطن بأفراد الأماكسا.

أشكركم...!

ركض أبعد، وركل بقدمه علبة معدنية فارغة تركها أحد عمّال البناء، فطارت في الهواء. وبالطبع لم يكن رميُ شيءٍ كهذا أي تأثير يُذكَر على الراهبات ذوات الثياب السوداء.

لكن عندما يطير شيء ما في زاوية أبصارهن، فإنّهن سيلتفتن نحوه سواء أردن ذلك أم لا.

「؟!」

وما إن لاحظ أعضاء الأماكسا انتباه الراهبات قد تشتت، حتى شقّوا طريقهم عبر الحصار. وإحداهم امرأة انحنت لكاميجو انحناءة سريعة، ثم بدأ كل منهم بالفرار.

ليس لكاميجو وقت حتى يشهد ما إذا كانوا قد نجحوا. فإن الأسلحة التي تحملها الراهبات ثقيلة، إي نعم، لكنها لم تكن أثقل من جسد الإنسان. ولسد الفجوة الصغيرة التي تفصل بينهم، عادت القاتلات من الكنيسة الرومانية الكاثوليكية إلى مطاردته مجددا.

اقتربت منه إحدى الراهبات وهي تلوّح بمشعل مشتعل. ومن خلفها، طار باتجاهه حجر من الجليد بحجم كرة اللينة (كرة بيسبول). ظل يناور متفاديًا الهجمات، حاضنًا أورسلا بإحكام. وسرعان ما لمح سقالات من أنابيب معدنية تُستخدم في البناء، تحيط بكنيسة التعميد الطويلة والضيقة الواقعة خلف كنيسة النكاح، فانطلق نحوها قافزًا. صعد فوق القضبان المائلة ليركض إلى الطابق الثاني. تبعته الراهبة حاملة المشعل دون حذر—فركلها بقدمه اليمنى وأسقطها وراءً. وبعد لحظات، قفزت راهبة أخرى بطريقة ما من الأرض إلى حيث يقف، وما إن وطأت قدماها السقالة المهتزّة، حتى أسقطها كاميجو بركلة إلى ساقيها دحرجتها إلى الأسفل.

「—」

كانت عشرات من عيون الراهبات في الأسفل ترمقه فوق السقالات، يحدّقن فيه بجمود ميكانيكي.

لا بد أنهن أدركن الآن.

يمكنهن تطويقه بالعشرات والهجوم عليه دفعةً—ولن يكون له حينها مهرب. لكن إن وجد مكانًا يُجبرهن فيه على القتال فردًا لفرد، فسيمكنه حينها أن يشق طريقًا للفرار.

كانت الأنابيب المعدنية التي تشكّل السقالة التي يقف عليها طويلةً رفيعة وغير ثابتة، ولهذا لم تكن الراهبات قادرات على شنّ هجوم منسّق من كل الجهات. وإذا أردن مطاردته عبر السقالات الضيقة، فعليهن أن يصطففن صفًا واحدًا. بل إنّ عددًا كبيرًا منهن لو صعد السقالات دفعةً واحدة، لانهارت تحت وطأة الوزن. ما لم تكنّ مستعدات للموت، فلن يستطعن استغلال تفوقهن العددي، لأن ذلك قد يتطلب تضحية لا تُحتمل.

فكّرت الراهبات ذوات الرداء الأسود بما يعنيه ذلك...

...ثم، دون أن يتبادلن كلمة واحدة، اتحدت آراؤهن جميعًا ورفعن أسلحتهن استعدادًا للهجوم، وهن ما زلن على الأرض.

من عصيّ وفؤوس وصلبان وإنجيل وصولًا إلى عقرب ساعة عملاق كعقارب أبراج الساعة—كانت رؤوس هذه الأسلحة المتنوعة كلّها موجهة للأعلى، حيث يقف كاميجو. وتألقت نصالها بألوان قوس قزح—أحمر، أزرق، أصفر، أخضر، أرجواني، بني، أبيض، ذهبي.

آغغ... ورطة...؟!

رفع كاميجو جسد أورسلا المغمى عليها مجددًا بين ذراعيه، ثم اندفع بأقصاه إلى أعلى فوق السقالات المعدنية. وبينما يركض، طارت نحوه ريشات من نور مشع الواحدة تلو الأخرى. كانت الأسلحة اللامعة أشبه بأقلام ريشية لها رؤوس سهام حادة. وفي لمح البصر، انطلقت نحو كاميجو الذي كان يركض حاملاً أورسلا، محاولة اختراقهما تمامًا. وقد دمّرت عاصفة الريشات النورانية جدار الكنيسة الخارجي والسقالات تدميرا عظيم. وما إن سمع الطنين الهائل، واهتزّت السقالات من تحته، حتى أدرك أنهم لم يكونوا يصوبون نحوه هو—بل يستهدفون قاعدة السقالات نفسها.

من المؤكد أنهن لم تكترثن بسلامة أورسلا. كل ما كنّ يعرفنه هو أنهن يحتجن إلى إبقائها حيّة—ما دام دماغها وقلبها يعملان، فربما لم يهمّهن بأي حالة تكون.

بدأت السقالات بأكملها تميل كالسفينة الغارقة.

وبالطبع على الأرض تنتظره عشرات الراهبات.

「أغغ، ـآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآاااااااهه؟!」

أطلق صرخة عبثية. ومع ميلان السقالة، صار طريقه أكثر انحدارًا شيئًا فشيئًا. كان الميل يقترب من الوضع العمودي مع كل لحظة تمر. واصل كاميجو الركض عبرها. وفي مرحلة ما قد وصلت السقالة ذات الطابقين إلى ارتفاع سقف الكنيسة ذات الطوابق الثلاثة.

ضم أورسلا إليه بقوة وقفز بكل ما أوتيه من عزم.

وما إن لامست قدماه سطح الكنيسة الرخامي حتى تحطّم نعش الأنابيب المعدنية وقطع السقالات وارتطم بالأرض مع الركام.

شعر بالقشعريرة تسري في عموده وهو ينظر إلى السقالة التي كان يقف عليها قبل لحظات تنهار، ثم توقف في مكانه وهو لا يزال يحتضن أورسلا، وأخذ نفسًا عميقًا.

「هـ...هل أنت بخير؟」 سألَتهُ بصوت قلقٍ وهي تنظر إليه، وكأنها شعرت بأنها عبء ثقيل عليه.

「نعم، لا عليك」 ردّ بلا مبالاة، ثم ألقى نظرة ثانية ليتفقد حال أورسلا. كان زيّها الكهنوتي ممزقًا من كل جانب بفعل ما تعرّضت له من عنفٍ متتابع، وكانت مشابك ملابسها مكسورة، وقماش تنورتها في حالة يُرثى لها. في ظروف طبيعية، لربما رأى المشهد مثيرًا، لكن فخذيها كانتا مغطاتين بكدمات بنفسجية وزرقاء كثمرة فاسدة، وكان تغيّر لون جلدها بفعل النزيف الداخلي كافيًا ليمحو أي أثر لتلك الفكرة.

...تبًّا لهم. صرّ على أسنانه بصمت، صائحًا في داخله. حتى رجل بالغ ما كان ليصمد أمام عددكن، فتتجمعن على أورسلا وتضربنها هكذا؟ أغنيز سنكتس!! اشتعلت في نفسه رغبة أن يقتحم صفوف العدو في هذه اللحظة بالذات، لكن حال أورسلا أرّقته أكثر. أراد أن يسعفها بسرعة، ثم يريحها في مكان آمن.

لكن لا مجال للهدوء في هذا المكان.

ابتعدا عن حافة السطح إلى المنتصف لتجنّب أكبر عدد ممكن من المقذوفات، حتى وصلا إلى مكان تحجبهم فيه جدران المبنى عن الرؤية من جميع الزوايا في الأسفل.

「وهذا يعني...」

أنزل أورسلا من بين ذراعيه إلى سطح الكنيسة الذي لا يزال قيد الإنشاء، ثم أمسك بصندوق أدوات بناء كان قريبًا...

و...طوه!!

في اللحظة التالية قفزت ثلاث راهبات من الأرض إلى السطح.

لوّح كاميجو بصندوق الأدوات الذي كان ثقيلًا لدرجة شعر وكأن الصندوق هو من يلوّح به. ارتطم بأحداهن، فتعثرت وسقطت من السطح.

أما الاثنتان الأخريان فقد هبطتا على السطح دون صوت، إحداهما تلوّح بعقربّي ساعة ضخمين إحداهما عقرب الساعات والآخر عقرب الدقائق. كان حول قاعدتي العقربين ضمادات، ربما لتسهل عليها الإمساك بهما.

ثم سمع أصوات الأخريات، من لا يمتلكن القدرة على القفز، يصعدن الدرج داخل المبنى باتجاه السطح من أسفله مباشرة.

شعر بأنه في وضع غير مريح، فبدأ يفتّش بعينيه فقط، دون أن يحرّك عنقه، بحثًا عن مهرب... وعندها رآها—الفتاة ذات البياض، تجري عبر ساحة الكنيسة الشاسعة التي تُرى بالكامل من فوق السطوح.

ووراءها، عشرات من الراهبات ذوات السواد القاتم.

لكن منظوره من الأعلى أظهر له كم أن وضعها ميؤوس. رأى فريقا آخر من الراهبات يقتربن من حيث تهرب الراهبة البيضاء. ولابد أنها لم تدرك بعد وجود الأعداء في ذلك الاتجاه. وإذا واصلت الركض على هذا النحو فستصطدم بهن مباشرة.

「إندِيييكس!!」 صرخ دون تفكير—وعندها، انقضّت الراهبتان من جانبيه، كلٌّ بعقربها العملاق مرفوعًا.

لكن صوته لم يصل الفتاة التي تجري على الأرض.

  • الجزء 2

بين كنيسة النكاح وكنيسة التعميد، كان تاتِميّا سايجي يلوّح سيفه. وبما أن كنيسة التعميد لا تقع بمحاذاة كنيسة النكاح بل تميل قليلا، فقد كوّنتا معًا فناءً مثلثي الشكل.

ولوّح تاتِميّا سيفه حتى أصبح آخر من بقي هناك. فبعد أن وفّر أعضاء الأماكسا في البداية الوقت اللازم لهروب أورسلا، كان تاتميّا الآن هو من يوفر الوقت لبقية الأماكسا كي يفرّوا من كنيسة النكاح. والعشرات من رفاقه لا يزالون يقاتلون متفرقين هنا وهناك.

في ذلك الفناء الحجري المصقول، الخالي من أي أثر للنباتات، وُجدت قواعد حجرية متناثرة يُفترض أن تُوضَع فوقها تماثيل. وبمجرّد اكتمال الكنيسة، من المحتمل أن تصطف فوقها تماثيل الملائكة، والشخصيات الدينية الشهيرة، والقديسين، لكنها الآن لم تكن سوى كتل صامتة تبثّ فراغًا عميقًا. وكأنك فيها في أطلالٍ هجرها المؤمنون بعدما دمّر الهراطقة كل أثر للفن الديني فيها.

لم يكن تاتِميّا سايجي يقاتل ويجري عبثا كما يفعل كاميجو توما.

وذلك لأنه يتقن التلاعب بتوقيت هجمات أعدائه. لم ينطلق بهجوم شامل، ولم يستسلم لدفاع كامل—بل كان يحافظ على موقع وسط بين هذا وذاك.

فما إن تتقدّم إحدى الراهبات للهجوم، يتقدم تاتِميّا خطوة واحدة.

فتتراجع الراهبات فورًا، ويعدن تنظيم صفوفهن، وفي تلك اللحظة، يعود تاتِميّا خطوة.

وبهذا الاضطراب في توقّعاتهن، تتعثر وتيرة خصومه للحظات. وإنّ تاتِميّا يستغل تلك اللحظة لا مضيّع، ملوّحًا بسيفه الثقيل. وحين تندفع إحداهن في ارتباك لتتخذ وضعية دفاع، كان سيفه يغلبها ويدحرها ومعها دفاعها الهشّ.

ولم يتبع الضربة بضربة. بل بعد كل هجوم كان يتراجع بصبر. ومن خلال امتناعه عن الهجوم التام أو الدفاع الكامل، كان يصنع بمهارة جدارًا غير مرئي—حالة من الجمود النفسي—لم يكن من المفترض أن توجد أصلًا.

لكن لا أظنني أقدر على الاعتماد على هذه الخدعة طويلًا...، كما فكّر تاتِميّا وهو يقفز من سطح إلى سطح، وقد لمح من طرف عينه رفاقه يلوّحون بسيوفهم هم أيضًا.

تظاهر بابتسامة ملؤها الثقة، لكن القلق كان ينهش صدره من الداخل. فكل ما كان يفعله الآن هو استغلال حقيقة أن الراهبات كنّ لا يزلن يحلّلن الوضع، وأن لديهن مساحةً للمناورة. لكن إن قررن القتال حتى الموت وانهارت موازين عقولهن واندفعن في هجوم شامل غير آبهات بالنيران الصديقة أو الإصابات المتبادلة، فإن خطّته ستسقط بالكليّة.

سواء أكان ذلك من جانب الهجوم أو الدفاع، فإن اللحظة التي تميل فيها الكفة لصالح أحد الجانبين، ستكون اللحظة التي ينهار فيها جدار التوازن النفسي الذي أقامه، ويُبتلع هو داخل الموجة البشرية العاتية.

كالصيدِ هذا يكون، هكذا فكّر وهو يلوّح بسيفه. فإنْ رمى خَيط الصنارة بتهور، فإن السمكة ستمزّق الخيط فتهرب. وإذا أراد أن يصيد بإتقان، فعليه أن يجاري حركة السمكة إلى حدّ ما، ويلاعبها بالخيط، ويصنع فيها ظناً أنّ لديها فرصة للفوز.

عندها سمع وقع خطوات متسارعة.

「المزيد منهن؟!」

تفاجأ تاتِميّا، لكنه أدرك سريعًا أن الأصوات لم تكن تتجه نحوه.

كان الفناء الذي يقاتل فيه يقع بين كنيسة النكاح وكنيسة التعميد المائلة عنها، حيث تكون مساحة مثلثية. وعلى رأس ذلك المثلث، في الفراغ الضيق بين الكنيستين، رأى هناك راهبة إنجليزية تطهيرية ذات ثوبٍ أبيض.

يبدو أنها نجحت في الفرار من الراهبات الرومانيات، لكنها ستصادف مجموعة أخرى قادمة من الاتجاه المعاكس. أكثر من ضعف عدد الأعداء الذين كان تاتِميّا يواجههم قد أحاطوا بها، وقد سدّوا عليها كل منفذ.

「تبًّا... لا تحرجيني أمامهم أيتها الأخت، اللعنة!」

هرع تاتِميّا ليُنجدها، لكن العشرات من الراهبات اللواتي كنّ يحطن بها تحركن كأنهن جسد واحد، وشكّلن جدارًا بشريًا. ومن وجهة نظرهم، كلما سقطت راهبة عدو، تحركت مجموعة من الراهبات لتعزيز البقية. وكونهن يقاتلن مجموعات متناثرة من خصوم مفككين، فقد كنّ على الأرجح يردن إنهاء هذه المعركة بأسرع ما يمكن.

شزر تاتِميّا الراهبات بنظرات نارية، ورددن عليه بالمثل.

وخلف صفوفهن، كانت نقطة البياض إندكس تُبتلع شيئًا فشيئًا في موجة من الأجساد الكثيرة، حتى بات من الصعب تمييز مكانها.

「لا...تستهينوا بي—!!」

وفي اللحظة التي التقط فيها تاتِميّا أنفاسه ليستعد لحركة جريئة، ورفع سيفه إلى وضعية الهجوم...

...سمع فجأة صوت رجل جاء من فوقه.

「توقّف! إياك وأن تقترب منها الآن!!」

رفع تاتِميّا رأسه فورًا وفي تلك اللحظة انفجرت نافذة في الطابق الثاني من كنيسة التعميد واندلعت منها ألسنة اللهب. قفزت منها راهبة رومانية كاثوليكية كالرصاصة، وقد حاولت لفّ ساقيها لامتصاص أثر الهبوط، لكن لم يسعفها ذلك كثيرًا—فقد فقدت الوعي وارتطمت بالأرض متدحرجة.

وفي إطار النافذة، وقف ستيل ماغنوس، يحمل سيفًا من اللهب.

وقال،

「الوضع قد يختلف من موقف وآخر، لكن حاليا، هي الأقوى هنا عندما تكون وحدها. إن اقتربنا منها، سنُضعفها. ولا أظن أنك تريد أن تُسحق وسط تلك الفوضى، لا؟」

「ما الذي تقوله؟」 متشككا تاتِميّا، وعندها...

طوووه!! انفجار هزّ الأرض بالقرب من إندِكس.

العشرات، بل ربما المئات، كانوا يحيطون بها من كل الجهات دون ترك أي فجوة—لكن تاتِميّا رأى إندِكس، وهذا يعني أن جزءًا من الطوق البشري قد انهار. أحدُ أركان الحشد الكثيف على شكل حرف C قد ضُرب بقوة خفية، وتطايرت الراهبات منها. ويبدو أن الضربة أصابت نحو عشر راهبات مباشرة، لكن واحدة منهن تدحرجت لمسافة طويلة حتى وصلت إلى قدمي تاتِميّا، رغم أنها كانت تبعد عنه عشرات الأمتار. وعندما رأى البقية زميلتهن تطير في الهواء كدمية خَرِبَة، التفت الراهبات اللواتي كنّ يواجهن القريب تاتِميّا نحو البعيدة إندِكس.

طاخ!! ضربة خفية أخرى بعثرت مجموعة جديدة من الراهبات في الهواء.

「...ما الذي يحدث؟」

نظر تاتِميّا إلى الراهبة الملقاة عند قدميه. كان وجهها لوحة من اليأس، وجسدها متكورًا على نفسه، أشبه بجنين. ورغم أنها كانت مغشية إلا أنها ترتجف ارتجافا عظيما كأنما عاشت كابوسًا مرعبًا. ومع التدقيق، تبيّن أن عضلات ساقيها قد تمزقت تمامًا. لقد طارت بذلك الشكل العنيف مستخدمة قدميها—كما لو أن غريزة النجاة أو الدفاع عن النفس داخلها قد انفجرت فجأة محاوِلَةً الفرار من قرب إندِكس بأي ثمن حتى وإن تجاوزت حدود جسدها الطبيعية.

قفز ستيل من الطابق الثاني وهبط بجوار تاتِميّا وقال، 「أنت أيضًا من أتباع الصليب، لذا يفترض أنك تفهم. الطقوس الصليبية لكل طائفة لها نقاط ضعف—وربما من الأدق أن أقول "تناقضات". هذه التناقضات هي ما أدى إلى ظهور هذا الكم الهائل من الطوائف ضمن العقيدة المسيحية—وكل واحدة منها ولّدت بدورها تناقضات جديدة. وهذا هو ما يميز المسيحية عن غيرها」

قال تاتِميّا وهو يلوّح بطرف سيفه العملاق، يقيس المسافة بينه وبين الراهبات، 「...وما علاقة هذا بما يحدث الآن؟」

「ذلك العقل الطافي في تلك المنطقة يحمل حكمة العالم أسره—كل معارف الجريموارات المِئة والثلاثة آلاف. إنها تستخدمها الآن لتفكيك تناقضات العقيدة الصليبية وتعاليمها. صوت لعنة السِحر—شِيُول فِير. لأولئك مَن عملوا في العقيدة الصليبية، فإن هذه التناقضات أشبه بثغرات أمنية. وشيول فير، التي تخترق تلك الثغرات بدقة، هي بحقٍّ لعنتهم. إنها تُفكك شخصية السامع كأنها لغز صور متناثرة」

لكنها لا تؤثر إطلاقًا على من هم خارج الصليبية، كما أن مؤلفي كتب السحر (الجريموار) مثل أَوْريولُس كانوا يشيّدون حواجز عقلية لحماية أنفسهم من فساد قراءة النسخة الأصلية. وبالطبع، قلة نادرة فقط يمكنها كتابة نسخة أصلية دون أن يتمزق جسدها أو عقلها.

「كتب السحر لم تُوجد لتُقرأ وحسب. إندِكس قادرة على استحضار كامل طاقة الجريموار، حتى دون استخدام السحر، من خلال تقنيات مثل [التلاوة الاعتراضية] و[شيول فير]. لا يوجد مرشحٌ أفضل منها لتكون مكتبة حية للكتب السحرية المُحَرّمة」

وقبل أن تتمكن الراهبات المذهولات من إعادة تنظيم صفوفهن، انقضّ ستيل وتاتِميّا. انفجر سيف اللهب في يد ستيل، فيما كان تاتِميّا يُسقط واحدة تلو الأخرى من الراهبات اللواتي طُرحن أرضًا من ضغط الموجات، بضربات دقيقة أفقدتهن الوعي. وفي الأثناء، وعلى بُعدٍ قليل، كانت همسات إندِكس الهادئة تفجّر العشرات من الراهبات المحيطات بها بعيدًا عنها.

كان تاتِميّا منبهرًا إلى حد ما، ومذهولًا في الوقت ذاته. 「بهذه الخدعة القاتلة الخفية، لماذا لم تستخدمها منذ البداية؟ ولو استخدمتها ضدنا، لكانت قضت علينا جميعًا دفعةً واحدة!」

「إنها تقنية دقيقة، ولها قيود مزعجة. غسيل الدماغ الديني، مثلًا، أسهل بكثير إذا استهدف جماعة دفعة واحدة مقارنة باستهداف الأفراد. وأنت تعرف هذا جيدًا. شيول فير تعتمد على ما يُسمى في علم النفس "عقلية القطيع" لاختراق حواجز عقولهم، وتحويل تلك الثغرات إلى نقاط ارتكاز أو موطئ قدم للهجوم」

انفجر سيف اللهب في يد ستيل من جديد، وأجبر الراهبات اللواتي كنّ يحاولن التقدّم على التراجع. وإحداهن حاولت انتهاز الفرصة لكنها تلقت حرقًا على خدّها فقفزت مبتعدة بسرعة.

「تكمن المشكلة في تفعيل شيول فير أنها تتطلب قدرًا معينًا من "نقاء الذهنية الجماعية". يسهل إلقاؤها على مجموعة متجانسة تتشارك الأفكار ذاتها، لكنها تصبح شبه مستحيلة في المجموعات المختلطة أو المتباينة. وأثناء القتال الفردي، لا تفلح إطلاقًا... في معركتنا معكم، كان وجود كاميجو توما وأنا سببًا في تراجع "نقاء" الجماعة، ولهذا لم تستطع استخدامها ضدكم بفعالية. هناك استثناءات—ولهذا أنا هنا لأحرسها」

ثم أضاف بنبرة لا مبالية، مُنهيًا حديثهم العبثي، 「بمعنى آخر، لو قفزتَ الآن إلى وسط القتال، فستُفسد شروط تفعيل شيول فير」

ششش! أصوات خطوات جديدة.

رفع كلاهما بصره، فرأيا عشرات من الراهبات يقفن على أسطح المبنيين المحيطين بالفناء.

  • الجزء 3

في داخل كنيسة النكاح، الغارقة في الظلام، كانت أغنيز واقفة وظهرها يستند إلى عمود رخامي.

وقربها وقفت نحو عشر راهبات حارسات، لكن في كل مرة كان يُسمع فيها انفجار أو صوت صدام عنيف، يرتجفن ويمشطن المكان بنظرات قَلِقة. أما أغنيز فكانت واقفة بذراعيها المتشابكتين وعينيها مغمضتين، بهدوء كامل—لو رآهن أحد، لما عرف من تحرس من.

「كُفنَ عن الأنين، هذا الحمق ما أراه. وخصوصًا أنتِ، الأخت أنجِلِنِ」

「ل لكن، سيدتي أغنيز...」

قوبلت سُخريتها الصريحة بردّة فعل مبالغ فيها من إحدى الراهبات، وكأنها رأت المخلّص وسط سفينة تغرق. كانت تحاول بوضوح تخفيف توترها بالحديث إلى أحد.

「قد مرّت أكثر من عشر دقائق منذ بدأت المعركة. حتى مع احتساب أورسلا... ما زال فرق العدد في صالحنا! هذا غير طبيعي. أ... أسمعتِ؟! ذلك الانفجار—من أي جانب جاء؟! ربما انقلبت الغلبة لهم الآن...!!」

「...」

「علينا أن نذهب نحن أيضًا. نحتاج إلى كل مقاتل متاح—」

「لا فائدة، ولا تتعبي نفسك」 قاطعتها أغنيز، بصوت بارد خالٍ من الحماس.

「إذن ماذا نفعل؟ قد أخذوا أورسلا، وإن هربوا مرة أخرى—」

「لن يهربوا」 قاطعت أغنيز، ثم وكأنها تكاسلت من الشرح قالت، 「ليس أمامهم مهرب. فهكذا ولطالما كان هذا شكل عالمنا الحقير ببساطة」

التوازن انهار فجأة.

وكانت إندِكس هي من جلب هذا الانهيار. حدث ذلك بينما تستخدم شيول فير، بعد أن أعادت تشكيله ليصيب فقط الراهبات الرومانيات الكاثوليكيّات، فبدأت تُحدث اضطرابًا عقليًا هائلًا في عقول المؤمنات بعقيدة الصليب، مستندةً إلى كنزها المعرفي من الجريموارات المِئة وثلاثة آلاف. وفجأة، صرخت إحدى الراهبات—وإن لم تخنها الذاكرة، فكانت الأخت لوسيا، تلك التي هاجمت كاميجو في مدينة الملاهي بالعجلة.

「Dia priorità di cima ad un attacco! Il nemico di Dio è ucciso comunque!!」 (قَدّموا الهجوم! واقتلوا عدو الرب ولو بحياتكم!!)

توقّفت الراهبات فجأة.

اختفت تعابير وجوههن بصمتٍ تام. وحّدْنَ أنفاسهن كأنهن وحدة عسكرية تؤدي تحية. ثم أخرجن شيئًا من ملابسهن. في كل يد، أقلامُ حبرٍ فاخرة.

「...؟」 في تلك اللحظة، توقعت إندِكس وابلًا من الهجمات السحرية الموجّهة نحوها.

لكن توقّعها أخطأ.

ففي اللحظة التالية...

...أخذت الراهبات اللواتي كنّ يحيطن بإندِكس—ويقارب عددهن المئة—بسلاسةٍ أقلامَ الحبر و طَعَنّها جميعا في طبلات آذانهن.

صدرت طشطشةٌ رطبة، كمَن يسحق عناقيد عنب بأصابعه.

سالت الدماء القرمزية من الثقوب في آذانهن.

ثم رمينَ القلمين اللذين طعنّ بهما آذانهن، وحملن أسلحتهن مجددًا.

كانت وجوههن مشوّهة بألمٍ لا يُحتمل، ومع ذلك فقد تزينت بابتسامات جهنمية تنضح ببهجةٍ إبليسية. أطرافُ الأقلام التي سقطت على الأرض علقت بها خيوط بيضاء دقيقة مغطاة بالدم—كانت تلك طبلة الأذن البشرية.

شعرت إندِكس برغبة جارفة في التقيؤ انبعثت من أعماقها.

「أ... أيفعلن هذا هربًا من شيول فير...؟」

إن لم يستطعن سماع صوتها، فلن تعمل شيول فير. ومع إدراك إندِكس لهذه الحقيقة الصادمة، انقضّت عليها الراهبات من كل حدب.

「اللعنة...؟!」 كان ستيل أول من أدرك ما يحدث. تحرّك بسرعة لمساعدة إندِكس، متخلّيًا للحظة عن التناغم القتالي الدقيق الذي كان يجمعه مع تاتِميّا.

فجّر سيوفًا نارية متتالية، مُسقِطًا الراهبات المحيطات به بضربات قوية وضوء مبهر يُعمي الأبصار مؤقتًا. لكنه لم يستطع الوصول لأبعد من ذلك—فالراهبات كنّ قد اعتدن على سلسلة هجماته المتكررة، بل ووجدن لها مضادًا.

「من هنا !!」

في تلك اللحظة، فُتحت أبواب كنيسة المسحة الأخيرة المزدوجة بقوة، ومن داخلها صاح كاميجو توما. وخلفه أورسلا، التي غطّت جسدها الجراح، متكئةً على عقرب ساعة ضخمة ملفوف بضمادات تستعمله كعكاز. لا بد أن توما استنفد كل طرق القتال أثناء الهروب بالفتاة الجريحة، فقرر أخيرًا أن يختبئ لبعض الوقت.

اندفع كل من إندِكس وستيل وتاتِميّا إلى داخل الكنيسة. أسرع كاميجو وأغلق الأبواب، ولم ينتهى من ذلك حتى توالت شفرات الأسلحة على الأبواب الخشبية السوداء، والتي يزيد سمكها عن خمسة سنتيمترات، مخترقةً إياها.

نجحوا في إبعاد راهبات الكنيسة الرومانية مؤقتًا.

لكن من يعلم كم دقيقة ستصمد الأبواب؟ وكمن يحتمي بكوخ قش في مواجهة الإعصار، كقصة الخنازير الثلاثة.

انهار كاميجو جالسًا على أرضية الكنيسة الرخامية الباردة، مُتنهّدًا، 「يبدو أن الجميع بأمان الآن... أورسلا، يمكنكِ المشي؟」

「يا لك... من كثير القلق. لا تخف فلم أتلقَّ... إصابات خطيرة ذاك الحد」

كان رداؤها يغطي يديها وقدميها بالكامل، لذا لم يكن من السهل معرفة حالتها بالنظر فقط، لكن آثار الألم كانت واضحة. ومع ذلك فقد حاولت التخفيف من القلق بابتسامة ضعيفة. شعر كاميجو بوخزةٍ في صدره، لكنه لم يكُ يستطيع شيئا. 「إذن ما العمل الآن؟」

لم يجب أحد. من البداية وبالكاد كانوا يحافظون على توازن المعركة الهشّ، لكن هذا التوازن انهار فجأة. والجميع في الداخل مدرك.

أما الأماكسا في الخارج، فقد كانوا بالكاد يسيطرون على الموقف، معتمدين على الكر والفر والتكتيكات السريعة. قد شُغِل كلٌّ منهم بما فيه، ومن العسير أن يُرجى منهم مددٌ أو عون.

كأصوات دق المسامير في شجرة انفتحت ثقوبٌ من أبواب الكنيسة. شحب وجه إندِكس وقالت بتوتر، 「لـ-لا أظن أن [شيول فير] ستنجح عليهم الآن… ليس... ليس بعد أن فعلوا ما فعلوه بآذانهم…」 كان من الواضح أنها ما زالت تتذكر بوضوح مشهد طعنهم لطبلة آذانهم. ثم تابعت، متلعثمة، 「و... وميزة [التلاوة الاعتراضية] عندي لا تعمل إلا على فردٍ واحد في كل مرة. لا يمكنني إيقاف المئات وهم يلقون مئات التعاويذ دفعةً!」

「؟؟؟」

حللت إندِكس قوتها القتالية وكأنه الأمر الطبيعي، لكن كاميجو لم يفهم شيئًا مما قالت. ما الذي فعلته إندِكس أصلًا؟ وكيف تعمل؟

وهنا تدخّل تاتِميّا بنبرة جدية، 「الشباب يحاولون يثبتوا الجبهة، لكن الوضع يسوء. والمخيف أن العدو يهجم وهو مستعد للموت. عند اندفاع سيل بشري عليك، لا يهمّ كم لديك من مهارات يا عمي. كجيش نمل يفترس وحشا بري」

مع كلمات تاتِميّا القاسية، ترافقت أصوات طعن وشقّ السكاكين لأبواب الكنيسة. ومن خلف الباب الممزق، بدأت عيون كثيرة تتسلل تنظر إلى الداخل.

شعر كاميجو وكأنّ برودة ثلجية تغمر أحشاءه.

لو انهار الباب، ستجتاح الراهبات المسلحات المكان كما يجتاح انهيار ثلجي كل ما أمامه. لم يتبقَّ أمامهم سوى بضع دقائق من الهدوء. إن لم يجدوا مخرجًا سريعًا، فمصيرهم المحتوم هو الموت—وكلما حاولوا التفكير في حلّ، زاد شعورهم بأنهم محاصرون في زقاقٍ مغلق. بدأ الذعر يشتعل في ذهن كاميجو، لكنه لم يعرف ما الذي يمكنه.

「يا ليت...لو كان بحوزتنا كتاب القانون الآن، لاستطعنا استخدام طريقتي في فكّ الرموز للعثور على مخرج...」 قالت أورسلا أكوينس فجأة.

نظر الجميع إليها.

كتاب القانون.

ذلك الشيء الذي نسيه الجميع—الكتاب السحري الوحيد الذي تسبب في كل هذه الكارثة. يُقال إن إدوارد ألكسندر هو من كتبه... أقوى ساحر في العالم، أي كراولي. ويُعتقد أنه يستطيع التحكم بحرية في تقنيات الملائكة. ويُشاع أنه عند فتحه، يعلن نهاية عصر هيمنة العقيدة المسيحية. هو الكتاب المحرّم الأسمى، الذي يحوي معرفة لا توصف.

إن كان خطيرًا إلى هذا الحد، فربما يستطيعون استخدامه كورقة تفاوض لمجرد الادعاء بأنهم فكوا شيفرته.

「لكن سرقة الكتاب إنما كانت مسرحية لجرّنا إلى الفخ، صح؟ ما أرى أن حتى النسخة الأصلية وصلت اليابان من الأساس. هذا لو أنهم جلبوا نسخة مزورة وتركوا الأصل في مكتبة الفاتيكان」

「「هذا هو!!」」

قال كاميجو وإندِكس معًا.

فلقد كان معهم النسخة الأصلية من كتاب القانون طوال الوقت.

「حتى إندِكس لم تقدر على فك شفرته، صح؟ يعني أكيدٌ أنها قرأته وحاولت فكّه. فليس من الغريب لو كانت لا تزال تحتفظ بكل نصه المشفّر في ذاكرتها، صح؟」

「بالضبط. النص المشفّر مركون في زاوية من عقلي، ومغبر」

في تلك اللحظة، ازداد تعبير ستيل قتامة. 「أمنعك! ولو فعلتِ، فسوف تُسجلين محتوى كتاب القانون. وإذا حدث ذلك، سيزداد عدد من يسعون خلفكِ!!」

「؟؟؟ أأنت قلق بشأني؟」

استغربت إندِكس تماما من أقوال هذا "الغريب". أما ستيل، الذي عرفها ويعرفها، فاحمرّ وجهه كمن كُشف أمره، ثم أخفى ذلك فورًا بنقرة بلسانه. لإندِكس، كان من الطبيعي أن يلاحقها السحرة، وكان ستيل يدرك أنه لا يمكنه قول شيء ليوقفها—كما يدرك تمامًا أنه لا يملك بديلًا أفضل.

ثم صرخ ستايل، مكفهرّ الوجه فجأة، 「كاميجو توما!!」

「مـ-ماذا؟!」

「شدّ نفسك! إن ماتت لِما سيحدث هنا، لَأحرقن جسدك وروحك حتى لا يبقى منك رماد!!」 حَلَف له واستدار مبتعدًا. أما إندِكس فما زالت تنظر باندهاش، غير قادرة على فهم سبب انفعاله. نظر تاتِميّا إلى كاميجو وستيل بتعبير معقد، ولم يُحَبّ كاميجو أن يُحدّق فيه أحد هكذا.

ثم سألت إندِكس، ورأسها ما زال مائلًا بفضول، 「إذن، كيف نفكّ شيفرة كتاب القانون؟」

「آه، نعم. سأشرح لكم الآن」

عند سؤال إندِكس، أجابت أورسلا بهدوء وثبات، مستأنفة الحديث كما لو لم يكن هناك خطر يحدق بهم من كل جانب.

تسلّلت قطرة عرق باردة على جبين كاميجو.

قد ظنّ حتى الآن أن هذا مجرد وهم ولا أكثر، لكن الآن وبعد أن تجلّت أمام عينيه، بدأت المخاطر—التي لم يفكر فيها بجدية من قبل—تتدفّق إلى ذهنه فُرادى.

كاميجو وحده (وبشكل ساخر) يعلم عن تجربة مدى خطورة تقنيات الملائكة هذه، والتي لم تكن بالنسبة للسحرة سوى شائعات وتكهنات. فـ [التطهير] الذي حاول أحد رؤساء الملائكة [قوة الرب] إطلاقه كان كفيلاً بحرق نصف كوكب الأرض بمليارات من طلقات الضوء.

ولو تمكنوا من استخدام ذلك هنا، فسيغيّر الوضع جذريًا.

لكن...

هل من المقبول حقًا أن يمتلك إنسانٌ مثل هذه القوة الهائلة؟

قرأت أورسلا ملامح وجه كاميجو، فقالت، 「نحن لا نقول أن نستخدم قوة كتاب القانون. نحتاج فقط إلى إظهار نيتنا وقدرتنا على فكّ شيفرته واستخدامه. وأنا شخصيًا أُفضّل ألا تُتاح مثل هذه القوة」 قالتها بجدية.

نعم—فدافعها لدراسة الكتاب منذ البداية كان يتعلق بختم المعرفة المحتواة فيه، لا باستخدامها. ما كانت أورسلا لتتمنى أبدًا أن تصل الأمور إلى هذه المرحلة، وحتى لو تمكنوا من الهروب مؤقتًا، فإن السحرة حول العالم ممّن يرغبون في تلك المعرفة قد يبدأون بملاحقتها.

ومع اعتبار كل ذلك، اتخذت قرارها.

ستُقْدِم على فعلٍ لا ترغب به. وقد نظرت في المخاطر بعينٍ واعية، ومع ذلك قالت إنها ستُقدّم قوتها لمساعدة كاميجو والبقية.

طريقة فك شيفرة كتاب القانون—الطريقة التي لم يتمكن أي أحد في التاريخ من اكتشافها.

اللحظة التي يفتحون فيها الكتاب المحرّم، الذي لم تتمكن حتى فهرس الكتب المحظورة، التي تحفظ مئةً وثلاثةِ آلافِ كتابٍ سحري، من قراءته...

「هذا التشفير يعتمد على تِمورة—أي على استبدال الحروف. لكن القواعد غير طبيعية، لأنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا برقم السطر. أولا، نُقسّم الحروف الإثنين والعشرين في العبرية ونرتبها على سطرين، ثم نُدوّن رقم السطر فوق كلٍ منها...」

لم يفهم كاميجو أي شيء مما تقوله، لكن يبدو أن الأمر كان له معنى عظيم بالنسبة لإندِكس. فقد بدت ملامحها أكثر جدية من أي وقت مضى.

في هذه اللحظات، كانت عقدة الكتاب الذي استعصى على الجميع بدأت تنحلّ داخل عقل إندِكس، لتُعاد تشكيلها كمخطط لسلاحٍ نهائي. ومع أنه وجد ذلك غامضًا، إلا أنه شعر بقشعريرة تسري في جسده...هل ارتكبوا أخيرًا فِعلاً لا رجعة عنه؟

「بمعنى آخر، نمط تحويل الحروف يتغير بناءً على رقم السطر في الصفحة التي كُتب عليها الحرف، لذا وعلى أن النمط يبدو معقدًا جدًا، إلا أن قواعد الجمل التي تقع في نفس رقم السطر لا تتغير حتى إذا اختلفت رقم الصفحة، صح؟ إضافةً—」

قاطعتها إندِكس فجأة، 「خذي العبارات التي تحولت باستخدام نمط تحويل الحروف حسب رقم السطر، ثم طابقيها مع رقم الصفحة وغيّري ترتيبها. وفي النهاية، ستخرجين بجملة واحدة. العنوان سيكون نهاية عصرَين(دهرَين)، ومحتواها يشرح تقنيات ملائكية مادية بلغةٍ أخنوخية」 بدا الأمر كما لو أن إندِكس توقعت ما تعرفه، فرفعت أورسلا حاجبيها بدهشة. 「هذا يكفي، فهمت الآن」

توقفت أورسلا، التي قُطع شرحها في منتصفه بحيرة—وكان من المفترض أن تكون الوحيدة التي تعرف هذا. 「عذرًا، ما الذي فهمتِه؟」

「هَهْ،」 تبسَّمت إندِكس. 「هذا ليس النهج الصحيح. بل إنها إجابة وهمية مهيأة لإيقاع الناس وتتويههم」

「مه...؟」 تعجبت أورسلا وتجمدت للحظة.

لكن إندِكس نظرت إليها بوجه مؤلم حقيقي. 「آسفة، قد بالغت التعبير. في الحقيقة، هناك الكثير من الإجابات الوهمية الأخرى. فهذه هي مخاطر كتاب القانون」 وزفرت. 「هناك أكثر من مئة طريقة لفك شيفرته. وكل واحدة تعطيك جملًا مختلفة. وكلها إجابات وهمية. الأمر ليس أن لا أحد يستطيع قراءة هذا الكتاب السحري—بل العكس، الكل قادر على قراءته، لكن الكل يَضُلّ بأسلوب فك شيفرة خاطئ.」

「ل...」

لكن...، تلعثمت.

「الكتاب مُصمم بحيث حتى طرق فك الشيفرة الخاطئة تعطي جملًا قابلة للقراءة. لذا حتى إن اخترعتِ طريقة خاطئة، ستظنين أنها الصحيحة. يا للنكد، ولربما أنت لم تملكي الفرصة من البداية لاكتشاف ذلك. هناك جملة على غلاف الكتاب مكتوبة بالإنجليزية—أتذكرينها؟」 بدا على وجه إندِكس أنها تكافح لتشرح الحقيقة القاسية. 「لا قانون فوق "افعل ما تمليه إرادتك". بمعنى آخر، "القوانين" التي يظن الناس أنها صحيحة لفك الشيفرة تؤدي إلى عددٍ لا نهائي من الإجابات الصحيحة الخاطئة. إنه لكتاب مخيف」

تلاشى كل الأمل من وجه أورسلا أكوينس.

لا عجب. فقد خاطرّت بحياتها لخوض هذا التحدي، معتقدةً أن المعرفة التي ستحصل عليها ستجلب السعادة للجميع، وتعهدت بأنهم سيتمكنون يومًا ما من تدمير النسخ الأصلية من الكتب السحرية—مصدر كل الشرور.

لكن طريقة فك الشيفرات، وهي أعز الكنوز في قلبها، لم تستطع شيئًا.

لا في تدمير النسخة الأصلية من الكتاب السحري، ولا في إنقاذ رفاقها من هذا المأزق الرهيب—لا شيء.

「حسب نظرتكم، هذا ربما أحسن لنا. هيه، تُرى لو قلنا لهم إننا لا نعرف كيف نفكّ الشيفرة، يتركونّا؟」

ولَمّا أنهى تاتِميا كلامه، دوّى انفجار واهتزّت أبواب الكنيسة.

「لا أحسبهم يفعلون. ولا أن يتراجعوا خصوصا وقد رأينا كثيرًا مما يحدث خلف الكواليس」 ردّ ستيل بابتسامة ضعيفة على الوضع اليائس.

ليس معهم ما يفعلون.

أملهم ضاع إلى الأبد، ولم يكُ موجودا من البداية.

يجب أن نهرب، فكّر كاميجو وهو يغمره ذعر شديد. توجه ليرشد إندِكس وأورسلا إلى الباب الخلفي، لكنه اصطدم بستيل، وسيفه الناري مستعد. وتناثرت بطاقاته الرونية على الأرض.

طَ باه!! بضربة عالية، تحطّمت أبواب كنيسة المسحة الأخيرة وسقطت على الأرض. بينما تبادل كاميجو والآخرون كلمات قليلة، اجتاحت مئات الراهبات، كلهنّ يرتدين الأسود الداكن ويحملن أسلحتهنّ الدينية، الكنيسة كإنهيار ثلجي لا يُوقف.

  • الجزء 4

مرّت عشر دقائق أخرى.

لم يبقَ في كنيسة النكاح التي غمرها الظلام سوى قائدتهن، أغنيز سنكتس. والأخوات العشر اللواتي كُلفن بحمايتها على وشك أن يتحطمن تحت وطأة التوتر، لذا أعفتهن من مهامهن وأرسلتهن إلى المعركة. وكان خطرًا أن يتوجهن مباشرة إلى ساحة القتال، ومع ذلك أطاعت الفتيات بوجوهٍ مشرقة. لكن لا شك أن الخوف الخفي لا يزال يقيّدهن بقوة.

لا داعي للعجلة. ما بالهن وكل هذا التوتر؟

تنهّدت وهي تسترجع وجوه الجُبن من أتباعها. وهي لا تزال تسمع أصوات الانفجارات واصطدام الأسلحة خارج المبنى، لكن ملامح وجهها لم تحمل أي قلق. فالخبرة تُمكّن المرء من فهم الوضع بالأصوات فقط: فبخلاف ما كان عليه الأمر سابقًا، كانت وحدة العدو الآن مفككة بالكامل، وهم في وضع دفاعي بحت.

ما هذا؟

فجأة، التقطت أذناها صوتًا غريبًا لا ينسجم مع إيقاع المعركة.

كان صوت أقدام منفردة، فَفُتِحت أبواب الكنيسة المزدوجة بقوة.

طاخ!! دوّى الصوت العالي.

وكان الواقِف عند الباب هو كاميجو توما، غير أن ملامح أغنيز سنكتس لم تتغيّر ولو قليلًا. بل بدت وكأنها تبتسم تقريبًا. على عكس المرة السابقة حين دخل بنفس الدخلة، كانت ملامح وجهه هذه المرة مرهقةً تمامًا، وجسده مغطى بالجراح.

「مهما كان الأمر، فمع وجود كل هذا العدد ضدك، ما كان من المفترض أن تتمكن من التحرك بحرية حتى تصل إلى هنا」 أشارت أغنيز، وهي تستند بلا مبالاة إلى عمود رخامي.

ابتسم كاميجو، وهو يلهث بأنفاس متقطعة. 「إيه، نعم... وضعنا خطة صغيرة」

「خطة؟ تقول」 وغمزت عينًا. 「فهمت، فهمت! أهذا ما في الأمر؟ بعد كل ذاك التظاهر بالبطولة عندما دخلت المرة الماضية، آل بك الأمر تستخدم حلفائك طُعْما لتصل إليّ ها؟ صحيحٌ أن قواتنا توزعت وانتشرت لتهاجمكم جميعًا، ولا كان من المفترض أن يتمكن أحد من الوصول إلى هنا، هممم؟」

「...」 ظل صامتًا عند نهاية كلامها المدفون.

ابتسمت أغنيز بمرحٍ ساخر—ويبدو أنها أصابته في شيء. 「كَهْ كَه. أورسلا أكوينس قد قالت شيئا كهذا. أنكم يا قردة تتحركون بالإيمان لا بالخداع. أهَهَهَهَهَه! يا للنكتة. ما كنت حي إلا لأنك خدعت حلفاءك واستخدمتهم طُعْما!」

「لا」 رد على صوتها المتهكم بنقيضه—بابتسامة ودودة. 「بل إني أؤمن بهم—على عكسك. هناك أمور لا يستطيع أحدٌ إنجازها غيرهم. وأنا لا أستطيع القيام بها، لذا سألتهم أن يُعطوني مهمة مختلفة. وهذا كل ما في الأمر」 شدّ قبضته اليمنى. 「مع أنني كنت أتمنى ويا ليت لو أنهم وثقوا بي ولو قليلا. قلتُ لهم ألا يقلقوا، وأنني بنفسي حلّالُها」

「...إذن أخبرتهم أنك ستوقف الهجوم كله إذا هزمتني، أنا القائدة؟ يا ربي، أغرمتني بتفاؤلك العجيب هذا. مع أن الكل يعلم اعتقادا أن قطيعًا من الخِراف بلا راعٍ هو بعينه الخراب والفوضى」 ابتعدت عن العمود الرخامي البارد. ثم ركلت عصاها الفضية على الأرض بطرف قدمها وأمسكت بالسلاح الطائر بيدٍ.

「طيّب طيب. كنتُ أفكر بأي شكل أضيّع الوقت. فالكسل عندنا خطيئة. ولأدمرن لك خطيئةً من أوهامك، وخطيئةً من آمالك—ولتكن لنا أَنَسة!」

تفقد كاميجو توما نظرة حوله.

رأى أنّ بينه وبين أغنيز نحو خمسة عشر مترا. المبنى لا يزال قيد الإنشاء، لذا كان خاليًا من أي عوائق في الطريق. وعلى كل أولئك المتقاتلين في الخارج، لم يكن في هذا المكان المغلق سوى كاميجو وتلك الفتاة الراهبة.

كانت تمسك بعصا فضية في يدها. كان الصنم في طرف العصا الرفيعة مصممًا على هيئة ملاك متكورٍ على نفسه، كتمثال "المفكر" من رودان، وقد أحاطت به أجنحته الستة كالقفص.

طَق طَق، صدرت أصواتٌ صلبة.

خلعت أغنيز سنكتس باطن نعلها السميك ذا الثلاثين سنتمتر ثم قفزت إلى الخلف.

「Tutto il paragone. Il quinto dei cinque elementi, ordina la canna che mostra pace ed ordine!」 (「كامل هذا التشبيه. خامِسُ العناصرِ الخمسة، هو حامل العصا وربها، يُظهر السلامَ ويُطغِي النظام!」)

أمسكت العصا بكلتا يديها، وبعد أن أنشدت كلماتٍ أقرب إلى الدعاء، فتح الملاك في طرف العصا أجنحته متفتحًا كالزهرة. توقفت الأجنحة الستة عند نقاط متساوية على شكل دائرة تمامًا كوجوه الساعة.

「Prima. Segua la legge di Dio ed una croce. Due cose diverse sono connesse!」 (「أول الأمر سنَّ الرب شريعةً وصليبا. وضمَّ النقيضين فالتقيا سرا وارتباط!」)

لوّحت بعصاها بخفة بينما تتكلم.

طَتق، جاء صوت طرف العصا وهو يطرق العمود الرخامي بجانبها.

...؟ عبس كاميجو في حيرة من تلك الضربة التي نُفِّذَت عبثا، فورا—

طِتخ!!

في اللحظة التالية، انقلبت رؤيته تسعين درجة إلى الجانب.

「آه...! أغه؟!」

وقبل أن يستوعب أن شيئًا معدنيًا ثقيلًا أصابه في جانب رأسه، وجد نفسه على الأرض منهار.

هزّ رأسه المترنّح ليثبت رؤيته، فرأى أغنيز تضرب بأدنى طرف عصاها الدوّارة الأرض الرخامية بطَتق.

في اللحظة التي تدحرج فيها كاميجو عن الأرض مرتعشًا من الخوف، ضربةٌ عنيفة أصابت الموضع الذي كانت فيه رأسه قبل لحظة فقط. وصوت ارتطام مكتوم صنع حفرة وكسورًا في الأرض كما لو أن مطرقة ضخمة قد هوت عليها.

هجوم إحداثي...؟ أم قدرة انتقال آني؟

لم يفهم ما حدث، لكن كان واضحًا أنه لا ينبغي له الثبات في مكانه. وفي تلك الأثناء، أخرجت أغنيز سكينًا من بين ثيابها، ثم وكأنها تقشر بصلة أو تنقر على وتر غيتار، بدأت تحكحك عصاها بالسكين.

غررك، غجزهّه، غررق!! ترددت تلك الأصوات الغريبة بينما كان كاميجو يفرّ، وشيءٌ لا يرى قَطَّع الهواء من خلفه.

「العصا...؟!」

「هاها! كان واضحا جدًا. هذه تشبه كثيرًا سحر الخرائط الذي أراد الأماكسا استخدامها. عندما أؤذي هذه العصا، يَخربُ شيءٌ آخر في المقابل. وإذا استخدمتها هكذا...!」

تظاهرت بسحب السكين مجددًا على العصا، ثم قلبت العصا وضربت بها الأرض. ففجأة، جاءت ضربة من الأعلى نحو كاميجو، ولم يكن بوسعه صدّها، فسقطت غير طبيعي على كتفه الأيسر. بام!! ودوّى الصوت الثقيل في أرجاء المبنى.

「...؟!」

كان بإمكانه على الأرجح إبطال هجماتها بالإماجين بريكر، لكن بما أنه لا يعرف أصل هذه الهجمات أو اتجاهها، فليس بوسعه توجيه يده اليمنى نحوها.

حين توقف للحظة، دوّرت أغنيز عصا الملاك مجددًا وضربت بها عمودًا رخاميًا قريبًا بقوة.

...اللعنة...!

قفز مسرعًا إلى الجانب. الأمر الخيّر الوحيد في هذا الموقف أن هجماتها كانت تتأخر جزءًا من الثانية بعد الأمر—ذلك منحه هامشًا بسيطًا للمناورة. لذا، كان يفترض أن مجرد الاستمرار في التحرك يكفي لتفادي الهجمات، ولكن...

كر-طاه!!

الهجمة ما كان يجب أن تصيبه—لكنها انغرست في ذراعه اليسرى وجانبه دفعةً واحدة.

「أغهه...!!」

ضربة جانبية أرسلت كاميجو ينزلق عبر الأرض. من أعماق جسده، انطلقت آلامٌ حادّة تمزق خاصرته. كانت ذراعه اليسرى بين نقطة الضربة وجانبه، ومع ذلك، أصابت الضربة الاثنين معًا. ونتيجة لهذا، ربما خُلعت إحدى مفاصل ذراعه اليسرى إذْ أنه لم يكن قادرًا على تحريكها واختفى الإحساس بالألم فيها. كل ما شعر به هو حرارة متعرقة تنتشر فيها.

ضربت أغنيز بطرف عصاها الأرض.

تدحرج كاميجو فورًا إلى الجانب، لكن الضربة أصابته في صدره مباشرة. انتفض جسده، وانسحب الأوكسجين من رئتيه، ومع ذلك حاول جاهدًا التراجع زحفًا. استغلت أغنيز الفرصة ومزقت عصاها مجددًا بالسكين فتقطَّعَ ظهرهُ بآثار مخلب.

خرررررررب جاءه إحساس تمزق ألياف عضلية.

لسبب ما، سبق الألم الصاعقَ لحظةٌ من الصمت، كما يَسبقُ الرعدَ البرقُ.

「غاااه، باه... آآآآآآآآآآآآآآآآآاااههه؟!」

تلوّى من شدّة الألم الذي مزّق ظهره—وأغنيز لوّحت بعصاها جانبا. وعندما اصطدمت بعمود رخامي، قُذِف جسده عبر الأرض كحجرٍ يرتدّ فوق سطح ماء.

「لن تلبث بمراوغاتك الخافتة」 قالت أغنيز وهي تدوّر عصاها ببرود وخيبة،  「علّك لمحت فارقا زمنيا بسيط بين أمري وتفعيل الضربة، لكن في يدِيَ تسبيقُ حسابي حتى أضمن إحداثيات الهجوم دون خطأ. إذا توقعتُ كيف ستتفادى، وزرعتُ هجومي إلى حيثُ تهرب، فستصطدم به بنفسك! ليس بالسر الكبير. ألم تدرك أن إخفاقاتي السابقة كانت إنما جسًّا للنبض؟」

حرّك كاميجو رأسه، المحترق بالألم، وتمكن من سماع ما قالته. نهض مترنّحًا، منتبهًا إلى الحرق المتأجج في ظهره.

بدت أغنيز واثقة تمامًا من النصر. أسندت خدّها على عصاها مصدر فخرها وقالت، 「السحر الغربي الحديث يستخدم أسلحة ترمز إلى العناصر الخمسة: النار والهواء والماء والأرض والأثير. أكنت تعرف؟ النار يُرمز لها بالعصا، الهواء بالخنجر، الماء بالكأس، والأرض بالقرص. وتُدعى هذه الأسلحة بالأسلحة المنسوبة للعناصر」 ثم ابتسمت بخبث. 「هذه العصا التي أمسكها تُدعى عصا اللوتس، وهي السلاح الرمزي لعنصر الأثير. ولها خصائص مميزة. إنها فريدة لأنها لا تتحكم في الأثير فحسب، بل يمكن استخدامها أيضًا كسلاح لأي من العناصر الأربعة الأخرى」

شويش! لوّحت بالعصا مائلاً إلى الأسفل.

في اللحظة التي اصطدمت فيها العصا بالأرض، شعر كاميجو بقشعريرة وقفز إلى الوراء مباشرة. لكن حتى هذا كان محسوبًا ضمن خطة أغنيز، فقد جاءت ضربة من الأعلى مباشرة وارتطمت برأسه. انهارت ركبتاه تحته واهتز كيانه كله.

أمكنه أن يلوّح بيده اليمنى عشوائيًا كما يشاء—لكن في كل مرة، وكأنها تسخر منه، تصيبه ضربة في بطنه من اتجاه مختلف. بدأت رؤيته ترقص بين الغشاوة والصحوة، وساقه بدأت تنهار.

غه... آغه... تبًّا... أمكنني إلغاء هذا كله لو ألمسه. لو أنني فقط ألمسه. ماذا عساي؟ كيف أرى من أين تأتي هجمات أغنيز؟ ما زاويتها؟ على الأقل أدرك التوقيت، لكن...

ومع ازدياد ملامح اليأس على وجه كاميجو، انفرجت شفتا أغنيز عن ابتسامة تنمّ عن استمتاعها السادي. 「العناصر الخمسة هي التي تُعطي الخَلق شكله. فما تظنه سيحدث إذا طبقنا هذا المفهوم على [نظرية المعبود]؟ تلك المكتبة التي تحتوي على كتب السحر قالت ذلك ذات مرة، لا؟ خريطة تاداتاكا إينو كانت مثلًا على ذلك. رغم أن تلك الخريطة كانت مجرد رابط بين التضاريس والواقع. لكن عصا اللوتس تنطبق على كل شيء. أستطيع تطبيق تلك القوانين على أي شيء. حتى على الفضاء نفسه!」

ضربت أغنيز العمود بعصاها كأنها تزرع وتدًا في الأرض. تأخّر كاميجو في التفاعل، فضربةٌ باهتة أصابت بطنه وأرسلته متدحرجًا إلى الخلف. حاول أن ينهض من جلوسه، وأدرك أخيرًا أن الدم ينزف من فمه.

بصق وتلفظ، 「أغه... قق... لشخصٍ كره كتاب القانون وكل هذا الهراء السحري... أراكِ استغليتيه أحسن استغلال...」

وعلى أن ثرثرتها تمنحه وقتًا ليستعيد طاقته، لم تبدو أغنيز مهتمة. 「آه-هَهَ هَهْ! مه ماه بكيةُ خاسرٍ أسمع؟ العصا الرعوية التي يستخدمها كبار رجال الدين في الأصل تطورت من هراوة كانت تُستخدم في تحطيم دروع الأعداء. فما الخطأ في استخدام الأداة لأصل غرضها؟ كهكه. لكن، أن يجعلون هراوةً فولاذية رمزًا للسلام والنظام؟ هذا يضحكني بحق」

ثم أخرجت لسانها ولعقت جانب العصا بتعبير مفعم بالهوس، فاندفعت قشعريرة غريبة في جسد كاميجو أقفزته إلى الوراء لا شعوريا وفورا. ضحكت أغنيز على تفاعله هذا.

「ثم إنّ،」 تابعت كلامها عفويا، 「السحر الغربي الحديث، الذي تطورت أسسه في القرن العشرين، مليءٌ بحِيَل صليبية ماكرة إن كنت تذكر. كما قال الخيميائي مرةً، إنني إنما أستخدم الجوانب الخفية المستورة من الصليبية!」

ثم أنزلت عصاها نحو الأرض.

حاول كاميجو أن يتفاداها فورًا، لكن قدميه كانتا أبطأ من وعيه. وطَتخّ! دوّت الضربة الثقيلة على مؤخرة رأسه.

「أغهءء... لا يهمني... ما تقولين... أنا لستُ ساحرًا」

「نفس الشيء! لا تصلّي للرب ومع ذلك تنال بركته؟ هذا أمرٌ لا يُغتفر. بالقطع لا يغتفر! نحن نعمل ونكد لمصالحنا. فلماذا تُصرف ضرائبنا على أمثالك ممن لا يعملون؟ إنجلترا والأماكسا كلاهما زنديقٌ نجس. أي تعاليم غير تعاليمنا الكاثوليكية الرومانية ليست بخير تعاليم! بل إنها لا تُعتبر. على أي حال، أنت عبءٌ مزعج. فكُفَّ صخبك هذا وامضِ إلى موتك مثلك كمثل غيرك!」

ها هي...عضّ كاميجو أسنانه.

هجمات أغنيز لم تكن صاخبة أو مبهرة كسيوف ستيل النارية أو ضربات تاتِـميا القاطعة، لكنها مع ذلك لم تكن شيئًا يتحمل تلقيها باستمرار. قدماه ترتجفان، تخبرانه بأن حدوده قد اقتربت.

هو يعرف توقيت الهجمات.

وإن كانت هجمات أغنيز سحرية، فيمكنه محوها بلمسة من يده اليمنى.

لذا، الآن...

إن استطاع فقط تحديد زاوية واتجاه قدومها.

إن تمكن من توجيه يده اليمنى بدقة نحوها...

ها هي!!

انفرج وجه أغنيز، ولوّحت بعصا الملاك كأنها قائد أوركسترا. ومرة أخرى، لم تستطع قدما كاميجو تجنّب الضربة التي كانت قد توقعتها مسبقًا بخطوة. طار جسده إلى الخلف دون أن يتسنى له حتى رفع يده اليمنى، وتدحرج على الأرض، لكنه استغل الزخم ليندفع ويقف من جديد.

طاه! شدّ عضلات قدميه واندفع بكامل قوته إلى الأمام ليكسب خطوة واحدة على الأقل.

المسافة بينهما نحو سبعة أمتار.

وأمكن لقدمي كاميجو أن تقطع المسافة في خطوتين أو ثلاث، لكن وجه أغنيز لم يُظهر أيّ ارتباك. لا شك أنها حكمت بأنه إذا هجم عليها مباشرة، فسيكون من السهل توقّع حركته. قبضت عصا الملاك بكلتا يديها، ثم ضربت بها الأرض كما لو تشقّ بطيخة.

دوّى صوت ارتطام ثقيل.

لو أن الضربة جاءت من الأعلى مباشرة، لانشطرت جمجمته لا محالة.

لكن.

تلك الهجمة...

توقف كاميجو فجأة.

توقعت أغنيز تحركه، وسبقته بخطوة—لذا إن لم يتقدم خطوة أخرى، فلن تصيبه الضربة.

...هذه هي الهجمة التي انتظرتها!!

عندها، قبض يده اليمنى وضرب بها مباشرة الفراغ الذي يبعد عنه خطوة واحدة.

بوب!! دوّى صوت كأن بالونًا قد انفجر. وشعر بشيء، وكأن فقاعة صابون ضخمة غير مرئية قد انفجرت واختفت الهجمة التي كادت أن تصيبه دون أن تترك أثرًا.

「هاه؟!」

كانت المحترفة أغنيز تدرك أكثر من الهاوي كاميجو غرابة ما حدث توّا.

اندفع كاميجو عبر الفراغ الخالي الآن كالطلقة.

وأسرعت أغنيز تدوّر عصا الملاك.

لكنها لم تستطع أن تولّد القوة اللازمة من الوضع المفاجئ...

...ودخل كاميجو مدى الهجوم...

...وأخيرًا، اصطدمت عصا أغنيز بعمود رخامي...

...ارتدّ رأس كاميجو إلى الجانب بصوت رنين حاد...

...لكن رغم ذلك...

...رغم ذلك، لم يخر قبضته ولو مرةً.

طخ!! دوّى اصطدامٌ حاد.

ارتطم ظهر أغنيز سنكتس بالعمود الرخامي خلفها.

تذبذب وعيها.

بدأ عقلها يتلاشى، وبدأت تطفو على سطحه شظايا ذكريات ظنّت أنها قد أغلقتها إلى الأبد.

غه... آه... أنا...؟

حاولت أغنيز أن تمنع تلك الذكريات بشدة، لكن رغبة جامحة في التقيّؤ اندفعت من أعماق معدتها كحمم بركانية تأبى الثبوت.

...أسأعود...؟

تذكّرت زقاقًا خلفيًا في ميلانو. سَرقت المدينة السياحية اللامعة كل ضوء الشمس من حيث كانت الفتاة، وعلى أرضٍ مرصوفة بالطوب كانت الزواحف والناس والجرذان والذباب والرخويات يزحفون معًا. كان تجمّعًا صغيرًا للمعدومين.

أعود... إلى هناك مجددًا؟

انفجرت ذكرياتها. مزّقت شظاياها قلبها. خلف أحد المطاعم. داخل حاوية قمامة. تزيل البزّاقات الزاحفة عن اللحم الفاسد. تنظّف شعر جثث الفئران. تنتزع أجنحة الصراصير المتساقطة. طَرخ... طَرخ. طَرخ... طَرخ. مضغ مضغ مضغ تمضغ الفتاة طوال أيامها.

لا... لا...

عادت الرؤية الباهتة تدريجيًا بعد أن سَمِعَتْ كلماتها.

السلاح الذي كانت تمسكه بدأ يتراخى من بين أصابعها المنهكة التي فقدت كل عزمٍ. إنه السكين الذي حكحكت به عصا الملاك. رمز قتالها، السلاح الذي كانت تهزم به أعداءها، سقط من يدها وارتطم بالأرض محدثًا طنينًا.

لكن.

لكن، حتى دون السكين، لن تترك هذه العصا أبدًا، أبدًا.

لا، لا! على جثتي... لن... أعود... أبدًا...!!

غك. شدّت قبضتها على العصا الفضية بقوة، وكأنها تحاول كسرها.

عاد وعيها.

استعادت إرادتها للقتال.

「「!!」」

شزر كلٌّ من كاميجو توما وأغنيز سنكتس في وجه الآخر.

المسافة بينهما حوالي خمسة أمتار. مسافة يمكن قطعها في غمضة عين، سواء بلكمة قريبة أو ضربة عصا طويلة. نظراتهما المتصادمة ذكّرت بمبارزات السيوف في أفلام الساموراي أو مواجهات المسدسات في الغرب الأمريكي.

تقطّرت حبات العرق ببطء على وجنتيهما...

أعصابهما مشدودة، وعقولهما تحترق بحرارة التوتر...

وقد توقف تنفّسهما في لحظةٍ...

「همف」

ثم، أطلقت أغنيز صوت تنفّس ضيق ينفذ صبره، وفجأة تخلّت عن وضعية القتال. بل إنها أشاحت بوجهها عن كاميجو، ونظرت حولها إلى محيط الكنيسة.

كانت فرصة. لكن كاميجو لم يتحرك بهذه البساطة. كان يبحث عن الخطر الكامن خلف تلك "الفرصة" المفاجئة. عادت أغنيز بنظرها إليه دون أن تحرك عنقها.

「يؤسفني حالك—وأنت تبذل كل السعي الجهد—لكن يبدو أن حرب اليوم قد انتهت」

لم يفهم ما عنته في البداية.

وبعد ثوانٍ قليلة، استوعب.

لم يكن أيُّ صوت. كنيسة النكاح صارت صمتا تام. كل الضجيج انقضى. كما لو أنه يقف وحده في قاعة سينما مغلقة—صمتٌ خانقٌ يخترق الصدر.

ولم يكن السبب فقط أنه هو وأغنيز توقفا عن الحركة.

في الخارج...

راهبات الكنيسة الرومانية الكاثوليكية—عددهن الهائل: 250 امرأة. وقوات التحالف بين التطهيريين الإنجليز والأماكسا، بالكاد تجاوز عددهم الخمسين. أي ما يعادل أكثر من 300 مقاتل خارج كنيسة النكاح... ومع ذلك، اختفت جميع الأصوات والارتدادات والانفجارات من حولهم تمامًا.

تلك الحقيقة تعني...

أنّ...

「......................................................................................................................................................」

اندلعت آلام حادّة في جسد كاميجو بأكمله.

وكأنها تريد أن تضع نهاية أبدية لتلك المعاناة، أعلنت أغنيز سنكتس من جديد، 「يبدو أنكم جميعًا قررتم أن يتولى رفاقك دور الطُعم بينما تأتي وتهزمني أنا القائدة...」 قالت—ساخرةً شامتة، ولربما حتى بنبرة فيها شيء من الشفقة— 「...لكن يبدو أن النهاية كانت أبسط بكثير من الوهم الذي كنتَ تطارده」

سمع كاميجو تلك الكلمات.

أصغى لها، ناسياً حتى أن يتنفس.

خارت قبضته المتوترة. اختفى سبب قتاله. وقف هناك مذهولًا، وكأنه يقول لنفسه إنه لم يعد لديه حتى سبب للبقاء واقفًا.

بدأت وجوه الناس تومض في ذهنه، تمرّ أمام عينيه من الداخل.

ثم، وكأنه يطحنها بأسنانه، أعلن،

「أجل...」

ثم، في النهاية، وبقناعة مطلقة، صرخ،

「أنتِ محقّة. إنّ وَهمكِ قد انقضى الآن، أَغنيز سَنْكِتِس」

ارتسم على وجهها الحيرة، أعبست فيها حاجبيها.

طاهخ!! وراء كاميجو، انفتحت أبواب كنيسة النكاح على مصراعيها بقوة.

رأته أغنيز سنكتس، بل ركزت على ما وراءه من فوق كتفه.

بخوفٍ، مرتجفةٍ، وغير مصدقة رأت ما كان هناك.

الظلال التي دخلت من باب الكنيسة لم تكن ظلال رفيقاتها، بل كانت فهرس الكتب المحرّمة وستيل ماغنوس من التطهيرية الإنجليزية وتاتميا سايجي من الأماكسية الصليبية يحمل أورسلا أكوينس بين ذراعيه ومن خلفه رفاقه الآخرون.

وآخر.

واقفًا بجانب ستيل، وحشٌ بشري يكتسي بلهبٍ برتقالي.

لم تكن أغنيز تعرف هوية هذا الوحش.

أما من يعرفه، فكان ليسمّيه بهذا الاسم،

مَلِكِ صَيْدِ الساحرات — إنوكِنتوس.

وحشٌ ناري هائل، تزيد درجة حرارته عن ثلاثة آلاف درجة مئوية. هو آخر شيء قد يراه إنسان، وحشٌ يعيش في دورةٍ من الانفجار والانبعاث من جديد. يذيب كل هجوم وكل عقبة، ويحوّلها إلى رماد حتى يُبيد العدو أمامه. إنه تعويذة هجومية تخصّ ساحرًا يؤمن تمامًا بأن أفضل دفاع هو الهجوم القاتل.

لكن، حتى من يعرف هذه التقنية، كان ليشكّ في عينيه الآن.

لم يعد ذلك الإنوكنتوس العادي. كانت نيرانه أكثف، وهيبته أشدّ. الأمواج الحرارية المنبعثة من جسده حرّفت الهواء من حوله، فمنحته وهجًا بصريًا يوحي بأن له أجنحة شفّافة لا تُحصى تنمو من ظهره الناريّ.

「عدد البطاقات—أربعة آلاف وثلاثمئة」 قال الكاهن ذو الشعر الأحمر بخفة، وكأنه يغني، 「ليس بالعدد الكبير، من ناحية الكم... لكن مع ذلك، يا للأماكسا، لا يُستهان بهم. لقد صنعوا دائرة سحرية ضخمة باستخدام مواقع بطاقات الرون، وحوّلوا المعنى السحري للمكان بأسره، ثم حوّلوا كنيسة أورسولا بأكملها إلى دائرة سحرية عملاقة. مع أننا استبعدنا هذه البناية من نطاق التأثير، حتى لا تتداخل تأثير يدهُ اليمنى المزعجة... دائرة سحرية متعددة الطبقات، مستمدة من كل شيء مادي هنا—لا أظنني كنت لأتعلم مثل هذه الحِيَل الرخيصة」 ثم نظر ستيل إلى اللهيب المتصاعد أمامه بعينين راضيتين. 「طلبتُ من الجميع مساعدتي في وضع البطاقات. في الواقع، كانت الدائرة شبه مكتملة بالفعل—لم يتبقّ سوى تجميع القطع الأخيرة من أحجية الصور المقطوعة، لا أكثر. أوه، بالمناسبة، لم أُعرّف نفسي بعد، أفعلت؟ أنا لستُ ساحرًا يمهر في الهجمات المتنقلة من موقع لآخر — بل أتقن أكثر أن أُنشئ نقطة سيطرةٍ واحدة وأدافع عنها. بعض الظروف الخاصة قادتني إلى تفضيل هذا النوع من السحر」

كان بإمكانها أن ترى الخارج عبر الأبواب المفتوحة على مصراعيها. لهيب سحري متناثر على ساحة حجرية خالية من النباتات، وعلى أرضها كانت الراهبـات بثيابهن السوداء ممددات، وكأنهن غَطَّين الأرض بأجسادهن.

لكن أجسادهن لم تكن متفحمة أو محترقة.

الانفجارات التي سُمعَت من قبل كانت على الأرجح من الوحش الناري. كان يطلق موجات صدمة باتجاه الراهبات، ويسقطهن عشرات تلو العشرات من كل ضربة.

لكن كل من سقطن كنّ على ما يبدو فاقدات للوعي.

ربما لم يتعدّ عدد اللواتي أُسقِطنَ إلى هذه الحالة سوى خُمس العدد الكامل. لكن ربما هذا ما يدلّ على مدى القوة التدميرية لإنوكنتوس—فالراهبات اللاتي كنّ لا يزلن يحملن أسلحتهن تراجعن للخلف، وصرن يصررن أسنانهن. لا بد أنهن أدركن أن أي اقتراب طائش سيجعل النيران والرياح الانفجارية تلتهمهن.

「ألم أقل لكِ؟ معنا خطة」 ابتسم كاميجو ابتسامة شرسة. 「لم أجعلهم يركضون كالطُعم. كل ما كان عليهم فعله هو إعداد السلاح السري لستيل، ونشر البطاقات في أرجاء الكنيسة... أما طريقة عملها؟ لا أدري لا تسأليني، لستُ بالساحر」

مع الإماجين بريكر في يده اليمنى، لم يكن باستطاعة كاميجو أن يساعد في نشر بطاقات الرون. ولهذا، تولّى وحده مسؤولية مطاردة أغنيز. حتى لا يُفسد هو الرونات الموضعة—أي هدفهم الحقيقي—جعل أغنيز تظن بأنه أتى ليواجهها مستعدًا للموت، وقد استخدم رفاقه طُعما.

حتى دون شرح مفصّل، بدا أن أغنيز قد أدركت ما حصل.

وما ينبغي عليها فعله الآن.

دون تردد، وهي ما تزال ترفع عصاها، صرخت للراهبات في الخارج،

「ما الذي تفعلنه؟! ما زال عددنا يفوقهم بكثير! ما هم إلا حشرات لا يساوون شيئًا أمام وِحدتنا!!」

وهي محقة.

فمن حيث الأرقام، فإن الفارق بين الروم الكاثوليك ومجموعة كاميجو كان ساحقًا. السبب الوحيد في أنهم ما زالوا أحياءً هو الاعتماد على الحيل والخطط الذكية. لو طُوِّقُوا ومُنِعوا من الهرب، ثم شُنَّ عليهم هجوم شامل، لسقطوا بسهولة. حتى لو قُتلت عشرات الراهبات، فهناك أكثر من مئة أخريات سيسحقن كاميجو ومن معه فوق أجساد زميلاتهن.

أما ستييل، الساحر المحترف، فلم يكن يسعى للقتل—وذلك على الأرجح لأن قتل الراهبات قد يُحدث الذعر بينهن، مما قد يدفعهن إلى شنّ هجوم جماعيٍ يائس، مدمّر... أو على الأقل هذا كان السبب المفترض. لأن التحكم بتعويذة كهذه دون أن تقتل العدو، أصعب من قتلهم فعليًا.

والآن...

بالرغم من التفوق العددي الساحق، لم تتحرك الراهبات.

「ما الذي...؟!」

فكّرت أغنيز أن تصرخ في وجوههن، غاضبة لسذاجتهن وعدم فهمهن للمنطق البسيط، لكن في أعماقها كانت قد أدركت الحقيقة هي أيضًا.

الشك.

رغم أنهن كنّ يدرِكن ما هو القرار المنطقي، إلا أن هناك شيئًا في عقولهن لم يسمح لهنّ بالإيمان به. بين القتال والهروب، كانت عقولهن تحدّق في ميزانٍ يتأرجح. لو تحركت واحدة منهن فقط، فسيغيّر ذلك دفق الجماعة بأكملها.

تذكرت أغنيز كلمات أورسولا،

—أولئك الناس... حرّكهم الإيمان...

—يا لَقُبحنا. نحن... لا نتصرف ولا نتحرك إلا... بالشك.

「...أضـ...أضحكتني」

نظرت إلى الأرض، وقد شدّت فكّيها بشدة تكاد تكسّر أضراسها.

إذا كان الميزان في حالة توازن هشّة، فإنما عليها أن تميله بالقوة. ستسحق من كان أمامها—كاميجو ومن معه— وتُري رفيقاتها أنها الأقوى.

لأن استخدامها للراهبات لهزيمة كاميجو لن يظهر تفوقًا ساحقًا. وكذلك بالنسبة إلى كاميجو — إن استعان بأصدقائه لهزيمتها، فسيُظهر بذلك خوفه وارتباكه، بل وهزيمته النفسية. وإذا حدث ذلك، فإن الشكوك في عقول الراهبات ستزول، وسينقضن عليه كالسيل.

بمعنى آخر، المواجهة الآن فردية.

كاميجو توما في زاوية. وأغنيز سنكتس في الأخرى.

على أن أكثر من 300 نفرٍ يحيطون بهما، إلا أنهما في عزلةٍ تامة.

وبينهما خمسة أمتار.

كان كاميجو بالطبع داخل نطاق عصا أغنيز الملائكية. لكن ببذل جهدٍ ضئيل، يمكنه أن يجعلها داخل نطاق قبضته أيضًا. كانت النسبة خمسين بخمسين — أي أن من تصل ضربته أولًا، ينال شرف توجيه الضربة القاضية.

ماذا... أفعل...؟

بدأت أغنيز تتقدم وتتراجع، تقيس المسافة بعينيها، لكن حبة عرقٍ على جبينها فضحت ارتباكها.

هل تصل ضربتها أولا؟

لا ترتبكي، قالت في داخلها محاوِلةً ابتلاع خوفها. قبضةٌ مشدودة ما عساها أبدًا تنافس عصا اللوتس التي تحملها، بتقنياتها العديدة. إن قرأت حركته التالية، ثم وجّهت ضربة كاملة، فسوف تُسقط هذا المدني في ضربةٍ واحدة.

ماذا أفعل...ماذا علي...ماذا...؟

هل أخاطر وأضع ثقلي كله في ضربةٍ واحدة؟ فماذا لو تفاداها؟ وماذا لو صار الأسوأ؛ ماذا لو أخطأت في قراءة حركته؟ لا، عَلّي أرمي عليه عدة ضربات صغيرة وسريعة لأمهّد، ثم أوّجّه الضربة القاضية عندما يتوقف. لكن... ماذا لو لم توقفه تلك الضربات؟ ماذا لو انقضّ مباشرة؟

لكن، ربما، لا — ومع ذلك، لكن، لو أنه... رغم كل شيء...

استمرّت الجمل السلبية تتراكم في رأسها.

وفي النهاية، لم تستطع أن تقرر أيّ حركة تبدأ.

الطريقة... التوقيت... السلاح... الخطوة التالية... أيُّها أختار؟!

أما في المقابل...

ففي المقابل، لم يتردد كاميجو توما لحظةً في اختيار ورقته الرابحة. لقد كان كل تركيزه وقوته منصبّين في قبضته اليمنى، وقد أوكل إليها حياته كلّها — دون ذرة تردّد.

حَمَلَ الإيمان.

إيمانٌ بأنه، مهما تأذى، ومهما اقترب من الموت...

إيمانٌ بسلاحه بيده، إيمانٌ أنه يستخدمه على النحو الصحيح، إيمانٌ أنه سيرى النصر يتحقق، إيمانٌ بذلك المستقبل الجميل المنتظر في نهاية الطريق.

كاميجو توما كان يؤمن—ولهذا استطاع أن يتحرّك.

「انتهى الأمر، أغنيز」 قال بصوت خالٍ من التردد، 「وأنتِ تعرفين ذلك بنفسك، لا ريب. وهمُكِ ذاكِ عن الثقة واليقين—قد تحطّم منذ زمن」

أخرج ستيل السيجارة من فمه وألقى بها لا مباليا.

قوسٌ من الضوء البرتقالي مرّ بجانب أعينهما، وحالما لامست السيجارة الأرض. بدأت المعركة.

طاه!! انفجر خطوات.

شدّ كاميجو قبضته كما لو كانت كرة هدم، واندفع بها نحو أغنيز دون تردّد.

ماذا... ماذا علي أن أفعل...؟ آه... آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآهه!!

شيءٌ ما انفجر في عقل أغنيز سنكتس.

لحظة المواجهة كانت أمام عينيها، لكن ميزان القرار المتأرجح لم ينحسم أبدًا، ولا مرة. أُجبِرت على اتخاذ قرار دون أن تمتلك جوابًا مقنعًا. فوجّهت ضربتها بكل ما أوتيت من قوة، ووجهها يحمل نظرةً كأنها على وشك البكاء.

واحدٌ راهن بكل شيء على ضربةٍ أخيرة. والأخرى ترددت، غير قادرة على تقرير ما الذي تراهن عليه.

فمن منهما كان الأقوى؟ هذه بديهة فلا حاجة لذكرها.

قــش-صــــــــدّٰمّْ!! ارتطام عنيف ضرب وجه الفتاة.

طار جسد أغنيز في الهواء، واصطدمت بعمود رخامي خلفها، ثم ارتطمت بالأرض خائرة.

الضربة العنيفة أطاحت بالعصا الملائكية من يديها، وتدحرج جسدها على الأرض، مترًا بعد متر، ثم توقف في النهاية — وكل الهواء قد خرج من رئتيها.

ثم فقدت وعيها.

وفي تلك اللحظة، اختلّ ميزان القوة بين إندكس وستيل والبقية وراهبات الروم الكاثوليك. إحدى الراهبات — وقد أيقنت عبث الاستمرار — أسقطت سلاحها عند قدميها. ثم تبعتها أخرى وأخرى... حتى أصبح الصوت كموجٍ هادر.

المعركة انتهت.

قبضةُ صبيٍّ واحد أطاحت بجيشٍ قوامه أكثر من مئتي مقاتل.

تعليقات (0)