الفصل الأول: إِشَارَةُ الْبَدْءِ تَحْتَ نُورِ الشَّمْسِ. — بدء_العداء.
(إعدادات القراءة)
- الجزء 1
كاتدرائية القديس جورج في لندن.
بدت أكبر من أن تكون كنيسة وأصغر من أن تكون كاتدرائية. وكأنها -على نحوٍ- تتعمّد التواري عن الأنظار. وفي الداخل، واقفةً بهدوءٍ ووقار المطران لُورا ستيوارت، وهي رأس الأنجليكانية {الكنيسة الإنجليزية التطهيرية}.
قارب الوقت التاسعة صباحًا بتوقيت اليابان، لكنّ الساعات في إنجلترا -المعيار العالمي للزمن- كانت قد دقّت لتوّها منتصف الليل. وعلى كونها عاصمة البلاد، خيّم على الشوارع صمتٌ يكاد يكون مهيبًا، إيذانًا بانقضاء النهار مع قدوم ظلمة الليل وصفاء الهواء.
كُلُّ شموع الكاتدرائية قد أُطفئت، وبقيت لورا. وضعت كرسيًا أمام منضدة القراءة وجلست. كانت ترتدي ثوبًا رهبانيًا بلونٍ أبيض ناصع، طُرِّزت عليه خيوطٌ سوداء وحمراء وخضراء وأرجوانية وذهبية وفضية — كل الألوان المقرَّة للزيّ الرسمي. وقد صنعت هذه الألوان مجتمعة تباينًا أخّاذًا. وفوق ذلك كلّه، ارتدت الرداء الزخرفي المخصّص لرجال الدين من ذوي المناصب الرفيعة. وبعبارةٍ أخرى، كان زيًا رسميًا كاملًا.
لم يكن مجتمع الصليبيين فريدًا في هذا الجانب؛ فمعظم الثقافات تعرف أن اللباس يدلّ على المنصب والمكانة. وقد يبدو تشبيهنا وتفسيرنا هذا رسميًا وغامضًا بعض الشيء؛ أنَّ الزيّ المدرسي وارتفاع قبعات الطهاة يقومان على المنطق ذاته. فالراهبات أمثال لورا، بخلاف رجال الدين الأكثر اعتيادية، يكثرن من حضور المناسبات العامة. ولذلك احتجن عددًا لا يُحصى من الأثواب ليتلاءم مع الفصل والوقت والمكان والمراسم والظروف والغاية. فقد يكون أحدها مثلًا زيًا متعمّد الانخفاض في الرتبة لاستقبال ضيوف معيّنين، في حين يكون آخر متعمّد الارتفاع في الرتبة ليُظهر الغضب والسخط عند حضور اجتماع أو مؤتمر. وكانت آداب اللباس معقّدة ومحبِطة على مستويات كثيرة.
(نحن جميعًا متساوون إخوةً وأخوات، أبناءً للرب... ومع ذلك هكذا نكون.) ما عسى المطران إلا أن تشمئز من حديث المناصب والرتب. ولكن إنّ مثل هذه التفاصيل البروتوكولية البسيطة لم تكن سوى أمرٍ تافه للورا؛ فقصاصات القماش لا يمكن أن تطغى على بهاء جسدها.
وأبرز ما فيها كان شعرها الذهبي الطويل، الذي بلغ طوله ضِعفَي طولها ونصف. عادةً ما كانت تجمعه بمشابك شعر فضية، لكنّ شعرها الآن هذه اللحظة كان منسدلًا. انسدلت الخصل التي لا تعد ولا تحصى فضفاضةً وانسابت من كتفيها حتى زحفت أطرافها على الأرض تتدلى.
وعلى حِجر لُورا أمشاطٌ من ذهبٍ وفضة.
لكلٍّ منها طول أسنانٍ وسُمكٌ وتباعدٌ مدروس، تَتَأمّلُها بعناية قبل أن تلتقط أحدها. ثم وكأنما تنتف أوتار قيثارة بحذر، مرّرت المطرانُ المشطَ بدقّة متناهية خلال شعرها المديد، جزءًا بعد جزء. ولأن شعرها أطوَلُ من قامتها، كانت ذراعاها أقصر من أن تصلا إلى أطرافه؛ فكانت تسحبه ببطء نحوها، تمشّطه، ثم تعيده إلى الأرض. بدت خصلاتها الذهبية كشاطئ بحرٍ، أمواجٌ تنكسر ثم تنحسر.
وبعد أن تفرغ من تمشيط شعرها كلّه، سوف تأخذ مشطًا آخر، ثم ثالثًا بعد أن تفرغ — دورةٌ كأنها لا تنتهي، بدا أنّ حتى ترتيب الأمشاط يحمل دلالةً عميقة.
إنّ الأضواء الوحيدة التي انعكست على شعرها كانا ضوء القمر المتسلّل عبر النوافذ الزجاجية الملوّنة...
...وضوء شاشة العرض المثبّتة على منضدة القراءة {حامل الكتاب المقدس}.
إنّ الشاشة ومعدات الاتصال قد وَضعتها هناك مؤقتًا جِهَةٌ ما موالية لمدينة الأكاديمية. في الظروف العادية ستكون هذه مهمةً لستيل ماغنوس، لكنه ليس في إنجلترا حاليا. كانزاكي كاوري قد تعلمت ما يكفي لتستخدم جَوّالًا محمول. لكنها حين سُئلت عن كيفية إعداد جهازٍ بهذه الحداثة، تجمّدت في مكانها، ودخلت في مواجهة تحديق مع دليل الاستخدام. وفي النهاية اكتفت بأن نظرت إلى المطران نظرة جروٍ مهجور.
『ما تفعلين؟』
جاء صوتٌ خشنٌ مُشبّكٌ من الشاشة. ما استطاعت لورا أن تحدد إن كان لصوت رجلٍ أم امرأة، لطفلٍ أم بالغ، لقديسٍ أم آثم. ولم تكلف نفسها عناء النظر؛ فهو ذلك "الإنسان" نفسه، طافيًا رأسًا على عقب داخل الصورة على أي حال.
ذلك "الإنسان" هو أليستر، رئيسُ مجلسِ المدينة الأكاديمية.
تحدّثت لورا بهدوء وهي تُسدل شعرها الكثيف فوق كتفيها.
「أما ترى؟ إنني الساعة أعتني بشعري. وأرى في نفسي أنّ الرجل، في حياته وأحواله، لن تتاح له فرصة أن يرى آنسةً تُحسن الاعتناء بجسدها كما أفعل الآن」 ثم قهقهت وأكملت. 「وتلك أعظم فضيلة لدى سيدات إنجلترا في القرن الثاني عشر وهي صنع شَعرٍ كأشعّة الشمس وذلك بحرق ضوء الشمس أو ضوء القمر فيه وغرسِهِ حتَّى يَتَغَيَّر لُوُنُه. أَوَلَيَس ذلك أَرَقَى بكثير ما إذا قيس بأصباغ الشعر الفجّة؟ أم تُخالفني الرأي؟」
كان في صوتها عِزّةُ نَفْس، لكنّ الشاشة لم تُبدي أي ردّ. فأمالت رأسها قليلًا، من غير أن تنظر إلى شاشة العرض.
「تفضّل، ما عندك؟ الصمتُ لا يُجيب ولا يُقدّم الحديث.」 بنبرةٍ يشوبها الارتياب.
حتى الآن لم يصلها أي رد. ثم حينَ بدأت تشعر بريبة الأمر، فتح ذلك الركام من الآلات فمه وتكلّم،
『نعم... نويت أن أقولها منذ مدّة』
「فقُل」
『بصراحة تامّة، لغتك اليابانية... غريبة. أو ربما تسخرين منّا. أيّهما؟』
تجمّدت حركات لورا. وارتجف المشط، وقد علق في شعرها البهيّ.
「أ-أ-أ-أحتجُّ على هذا الحديث! ماذا ترمي؟! ليس عليّ واجبٌ أن أظهر العطف لمن لا يؤمن بسُلطان الربّ! إنّ هذا الأسلوب السوقي في الكلام أكثر من كافٍ لأمثالك!!」
『ليكن... حسنًا، إن كانت هذه الطريقة الـ... (الفريدة) في الحديث نابعة من اختيارك، فليكن. إنما قلت لنفسي ربما أعطيك تذكرة التحاق دورة في اللغة اليابانية إن كان الأمر يزعجك. فأنا أحكم مدينةً للعلماء』
「مَه! لستُ مُنزعجة البتة! يا لسفاهة القول هذ— ولماذا يُطلب منّي أن أُضنك نفسي للغةٍ كريهة لا يتكلّم بها سوى بلد واحد في أقصى الشرق؟!」
صرّ المشط وهو يمرّ سريعًا عبر شعرها. ومع غياب أي ردّ من الشاشة، لم يبقَ في الكاتدرائية الخالية سوى صوت تمشيط الشعر.
وبعد برهة، تكلّم أليستر وكأنه أراد تغيير الموضوع. 『ومع ذلك، أتساءل لماذا تمشّطين شعركِ أمام ضيف. ألا يكون عادةً أن تتجهزي قبل أيّ لقاء؟』
عادَ إلى نبرة لورا وسلوكها شيء من الهدوء تدريجيًا—إمّا أنها أحبّت الحديث عن الشعر، أو أنها ارتاحت لإنهاء الموضوع السابق. 「كُلّه عن التوقيت. ففي مثل هذا الوقت المتأخّر من الليل، تكون السيدة عادةً في غرفة نومها تعتني بشعرها. وأرجو منك أن تتغاضى عن مجرّد تمشيط」
『همم، سأفترض أنّ ثمرة جهدكِ تكون في ذلك الشعر المشابه لأشعّة الشمس، كما وصفتهِ آنفا. أمّا مسألة ضوء القمر فليست سوى خرافة، لكن الأشعة فوق البنفسجية في ضوء الشمس يُمكن أن يكون لها أثرٌ في إزالة اللون. وربما كنتِ قد لاحظتِ التلميحات من مظهر الكتب القديمة، لكنني أحذرك... سيأتيك الصلع』
「...يا للقول المشين، أهكذا تُجري الدبلوماسية يا أليستر」 التفتت لورا. وكان شعرها يغطي الأرض كالسجاد، يلمع بانعكاس ضوء شاشة الـLCD. وكان قد اكتسب لمعانًا ذهبيًا وفضيًا بعد تمشيطه بعناية، ثم ظهرت فيه الآن ألوان حمراء وزرقاء غنيّة.
「مشين،」 تمتمت بها مرّةً ثانية. 「على أيّ حال، أرى أنك على درايةٍ بسبب اتصالي بك في مثل هذه الساعة، لكنني إنما أردتُ التأكّد. وأشكرك على تلبيتك النداء في هذا الوقت المستغرب」
『لا تشغلي بالك بفارق التوقيت. في مثل هذا الوقت أكون قد بدأتُ عملي أصلًا』
「بل إنَّهُ مشينٌ أنني قطعتُ عليكَ ساعة العمل ما أقصد!」 حدّقت لورا في الضوء المنعكس في شعرها. 「ولقد لمحتُ عندكم مراسم تجري، هِه؟ أنت الحاكم، فكنّا نتوقّع منك أن تخرج وتُلقي كلمتك لأهل المدينة وضيوفها」
『...تحسبينني أظهر أمام الناس على هذه الهيئة؟』
「هِه هِه. لاه، لا أحسبك. إنّ مظهرك لا يعرف الآداب」
للمرّة الأولى، نظرت لورا إلى الشاشة الموضوعة على حامل الكتب. أظهرت الشاشة أنبوبًا أسطوانيًا مملوءًا بسائلٍ أحمر، وفي داخله إنسانٌ يطفو مقلوبًا رأسًا على عقب. ذلك الإنسان يرتدي ملابس جراحية خضراء—وهي صورة لا تصلح قطعًا أن تُعرض على العامة، مهما حاولت. وفوق ذلك، ويفترض أنّه قادر على حفظ هذه الهيئة لألف سنة أخرى {أو هكذا على الأقل فَهِمَتْ لورا—إذ لم تحمل كل التفاصيل}. ومن البديهي أنّ الناس سيبدؤون بالتشكك والبحث إذا واصل أليستر الظهور أمام العامة على تلك الهيئة. وبالطبع، لا بدّ أنّ ثمّة وسائل كثيرة لتغيير الاسم أو الوجه إن أراد المرء ذلك.
وبالمثل، لم تكن لورا ستيوارت بالسنّ الذي يوحي به مظهرها. لكنّها من النوع الذي ينفجر ضاحكًا على نقائص الآخرين أكثر من سعيها إلى إصلاح عيوبها.
「إذن، اسمح لي أن أباشر. نعم، وقتي هنا يضيق، لذا سأوجز الحديث وأختصر」
زفر الوجه الظاهر على الشاشة. 『الدخيل موجود في مدينة الأكاديمية، ها؟』
「نعم」 أومأت لورا. 「وأنا على علمٍ بأنكم تستقبلون حاليًا حضورًا عامًا—ولا بدّ لكم من تخفيف إجراءاتكم الأمنية من أجل ذلك」
كانت لورا قد خاضت تجربةً مماثلة. فلو أُنشئ نظام أمني محكم تمامًا يهدف إلى حماية الشخصيات المهمّة حمايةً مطلقة، فإنّ التجمعات الكبرى كالمواكب أو أعياد الميلاد ستؤدّي إلى تباطؤ وسائل النقل الجماعي إلى حدّ الشلل، وهو ما ينعكس سلبًا على الجدول التشغيلي نفسه. لا بدّ من ترك قدرٍ من "الهامش" في الشبكة الأمنية كي لا يُعاق تدفّق الناس بأكمله.
「لقد تسلّلت ساحرة عبر تلك الثغرات وبادرت إلى التحرّك ضدّكم. وقد أكّدت مصادر معلوماتنا اثنين لا ثالث لهما: مسؤولًا رفيعًا في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، ومهرّبة تعمل لحسابها」
『مهرّبة... حتى أؤكد—هذا يعني أنّها ليست عنصرًا تسعى لإحداث صراع أو دمار؟』
「نعم. اسم المهرّبة أوريانا تومسون، ومشغّلتها لِدُفيا لورِنزتّي. وهدفهما -في الجوهر- إتمام صفقةٍ تتعلّق بغرضٍ معيّن」
التقطت وثيقةً ورقية موضوعة بجانب الشاشة ولوّحت بها عبثا أمام عدسة الكاميرا. كانت الأحرف عليها صغيرة نسبيًا، لكنها كانت تتحدّث إلى ممثّل مدينة الأكاديمية، مستخدم شتّى أنواع التقنيات المجهولة. فلا عساها تجزم أنّ أليستر يعجز عن قراءتها.
「نبدأ بأوريانا تومسون. وكما يوحي اسمها، قد وُلدت في إنجلترا، وهي—أو يفترض أن تكون—مواطنة إيطالية. إنّها أشهر مهرّبة في عالم السحر، وتُعرف بلقب "روت دِستورب" [مُشَبِّكة المسارات]. فهي لا تفلت من أعين الملاحقين وحسب، بل قادرة أيضًا على التخلّص منهم حتى لو كُشف أمرها」
بتعبيرٍ أدقّ، أوريانا ستفعل أيّ شيء لإبعاد من يطاردها. ولهذا كانت تحرّكاتها عشوائية تمامًا، حتى لو وُضعت خطّة تعتمد على معلومات مسبقة، فيا سهلاً عليها أن تُخفي آثارها. أوريانا تومسون أسقطت الجسور وخلّقت بحارًا من اللهب ونصبت عددًا لا يُحصى من الفِخاخ تاركةً "هدايا وداع" وهي تنفلت من مطاردٍ تلو آخر. وكان لتلك الساحرة طيفٌ واسع من الوسائل تحت تصرّفها. وهي جميلة، بجمالٍ قد تستغلّه أحيانًا للتلاعب بالمشاعر.
كما يُتوقّع نظرًا لمكان مولدها، قد اشتبكت أوريانا مع الكنيسة الأنجليكانية مرّات لا تُحصى أثناء عملها في لندن. وفي تلك المناسبات، حاولت منظمة النِسِسَريوس تعقّبها، لكنهم كثيرًا ما يجدون أنفسهم معرقلين بما كانت تسمّيه "صديقها الصغير"، وهو أمر لا علاقة له بالسحر. ولم تكن مجرّد عاشقة للقتال؛ بل كانت تستخدم كذلك جدرانًا بشرية من المدنيين لتندمج بسهولة في الحشود.
「أما عن لِدُفيا لورنزتّي. هي شخصية غريبة الأطوار حتى داخل الكنيسة الرومانية، كما تُعرف بلقب "ماردي غرا"—أي بمعنى؛ آخِرُ ثلاثاءٍ قبل الصوم. هي متخصّصة في العمل التبشيري مع أولئك الذين يجد المجتمع صعوبة في تقبّلهم؛ بحق إنها عذراء توّابة」
وعلى خلاف أوريانا، كانت لِدُفيا مؤمنةً حقيقية بالكنيسة الرومانية الكاثوليكية، قادمةً مباشرةً من الكرسي الرسولي. وعلى الرغم من أنّها شغلت منصبًا رفيعًا إلى حدٍّ ما هناك، فقد قيل إنها كرّست حياتها لنشر تعاليم الرب في أرجاء العالم، ولذلك لم تسعَ يومًا إلى امتلاك [مقعدٍ] ثابتٍ لنفسها. وكانت هي الأخرى امرأةً تفعل أيّ شيء—ما دام في سبيل الدعوة. وقد مُنحت ذات مرّة ملابس حريرية وعصًا من البلاتين من يد البابا نفسه مكافأةً لخدماتها الجليلة، لكنها لم تُضِع ثانيةً واحدة حتى راهنت بها وأخذت المال في دعوتها.
كانت لِدُفيا تجمع عددًا كبيرًا من أصحاب المواهب "لتنقذهم" أو "تدعو بهم كلمة الرب عند الناس"، وكانوا جميعًا عباقرة لم يشهد العالم أمثالهم. وأكثر ما يلفت النظر في أمر لِدُفيا أنّهم كانوا جميعًا أناسًا عانوا البلاء في المجتمعات، كمرتكبي الجرائم البشعة وأتباع الطوائف المتعصّبة. إنهم من النوع الذي تتوقّع إعدامه قبل أن يُستقطَب على هذا النحو. ولم تكن قدرتها على استشعار هؤلاء أمرًا يُستهان به. وذلك يعني أيضًا أنّها بارعة في ضبط أولئك المتحمّسين المنفلتين ثم تسيطر عليهم.
الكنيسة الرومانية الكاثوليكية معروفة بإعدام الخطاة وحرق الهراطقة على الخوازيق، لكنهم لن يعاقبوا من سُجِّلَت توبتهم. وبالنسبة لبعض [كبارهم] الذين بغضوا غير المنسجمين مع النظام، كانت أفعال لِدُفيا شوكةً في خاصرتهم. وإن لورا، مطران الكنيسة الإنجليزية التطهيرية، تجد التعامل معها صعبًا بدورها.
بوسع لورا أن تُظهر معارضةً صريحة لو كانت أوريانا تُدرِّب السحرة على المرأى، أمّا إذا لم تكن تُرى إلا وهي تصلّي وتوزّع الأناجيل على المنكوبين، فإنّ أي محاولة لعرقلتها لن تعود إلا بالسوءة على من يوجّه الاتهام.
『إذن، في عالمكم هما ثنائيٌّ لا يُستهان به. لن أفهم ذلك تمامًا، لا ريب، لكن مع مَن ينويان إتمام هذه الصفقة؟』
「لم نؤكد بعد حقيقةً. في هذه المرحلة، أكثر المشتبه بهم هو نيقولا تولستوي من الكنيسة الأرثذكسية الروسية. ومن المرجّح أن يكون المعنيّ برتبة الأسقف」
لم يكن نيقولا يملك النزعة الهجومية لأساليب الكنيسة الرومانية في استئصال الوثنيين، لكنه عُرِف بدهائه؛ من ذلك النوع الذي يجني الفوائد في صمت حين تنشغل جماعتان أخريان بالاقتتال.
『حسنٌ، أمّا الغرض الذي تنقله المهربة وصاحبتها... أمِن مانعٍ يمنع إطلاعنا على ماهيّته؟』
「إيه، على الأقل لا بد ليّ أن أخبركم باسمها ووصف شكلها، وإلّا فكيف تكون لديكم وصف للتعقب؟」 صرفت لورا نظرها عن الشاشة الموضوعة على حامل الكتب، ثم رفعت إلى يديها جسمًا كان على الأرض من غير أن تنهض من كرسيها.
『سيف؟』
「نسخة مقلَّدة. استعرته من المتحف البريطاني. يُشابِهُهُ في الشكلِ—ولا يملك خصائصه السحرية」
كان في يدي لورا سيفٌ من الرخام. بلغ طوله المتر والنصف، أمّا عرضه... أو بالأحرى، كان واقيه بعرض خمسةٍ وثلاثين سنتيمترًا من كل جانب، ليكون المجموع سبعين سنتيمترًا. وكانت سماكته نحو عشرة سنتيمترات، وبالطبع لم يكن له حدٌّ قاطع. إنما طرفه وحده كان مشحوذًا على نحوٍ بدائي، كأنه قلم رصاص.
「يُدعى سَيْفَ الطَّعن. قد لا أستطيع شرح خصائصه كلها، لكن قيل عنه أنّه قادر على اختراق حتى جلد التنانين فيثبتها على الأرض. إنّ قيمته السحرية وتأثيره كلاهما هائل. ولو استُخدم ضدّنا، لوجدنا أنفسنا جميعًا في مصيبة. ولربما يجرّ المملكة المتحدة بأسرها إلى الحرب」
كان سيف الطعن سلاحَ روحٍ قادرًا على تدمير بعض "الأعمدة" التابعة لمذاهب الكنيسة المختلفة بضربةٍ واحدة. فإذا استُهدف مذهبٌ بعينه ودُمّرت "أعمدته"، سترى الفِرق المعادية القريبة ذلك الضعف وقد تشنّ هجومًا جماعيًا دفعةً.
تلك "الأعمدة" هم ما يُعرفون بالقدّيسين في الكنائس الصليبية. وهم مشهورون في أوساط السحر، وتضاهي قوّتهم القتالية الأسلحة النووية. وكان [سيف الطعن] قادرًا على محو وجودهم ذرّةً ذرّة.
『همم. أظنّ أنّه نضير الأسلحة التكتيكية في عالمكم السحر』 حدّق أليستر في السيف عبر الكاميرا. 『هلّا تُوَضّحي نوع الأزمة التي قد نواجهها لو استُخدم داخل مدينة الأكاديمية؟ فبحسب الوضع، قد نضطرّ إلى تغيير مسارات الحضور أو إجلاء المدنيين』
「لا داعي. فهذا السلاح لا يُستخدم إلا في عالم السحرة. ولن يكون له أي تأثير إن استُخدم في عالمكم」
『أفهم. كنت آمل أن نضع إجراءً مضادًا لو حظينا بشرحٍ أكثر تفصيلًا لآلياته』
「أوه، يدهشني أن يتمكّن أهل عالم العلم من التخطيط ضدّ السحر. لا أظنّكم تأوون أي سحرة في الداخل، لا؟」
『...』
「...」
ساد الصمت بينهما. وامتدّت خيوطٌ رفيعة حادّة من التوتّر في الأجواء، مشدودةً إلى حدّ أنّ نَفَسًا واحدًا كفيلٌ بقطعها. ومع ذلك، لم يبدُ أيٌّ منهما مضطربًا. بل كان الشعور أشبه بأنّهما يستمتعان بهذا الوضع.
وكانت لورا أول من تكلّم، بصوتٍ مشرق كأنّها تنقر تلك الخيوط المشدودة بإصبعها. 「فلنضع جانبًا هذا الاستطلاع العقيم. وقتنا يضيق،」 قالت وهزّت رأسها. فتمايل معها بساط خصلاتها. 「إنّ المسألة الأشدّ إلحاحًا هي أنّ صفقة [سيف الطعن] ستُعقَد داخل مدينة الأكاديمية」
『والعدوّ على الأرجح على علمٍ. لكننا لن نسمح بدخول سحرة الأنجليكان إلى أراضينا على سبيل الاستثناء』
فلو مُنحت الكنيسة الإنجليزية استثناءً خاصًا، لبدأت الكنائس والمنظمات الأخرى بالمطالبة بالإذن ذاته. ولن يكون جميعهم في صفّهم. ولا شكّ أنّ بعضهم سيستغلّ الفرصة للتسلّل إلى المدينة فيقوم بمختلف الأنشطة التخريبية.
كان الوضع فوضويًا بما فيه الكفاية أصلًا—ويمكن لأيٍّ كان أن يتخيّل كيف سيتفاقم الأمر إن أُضيفت إليه شرارات جديدة. وهذا دون حتى احتساب مهرجان دايهَسي الحالي. كانوا يرغبون في تجنّب أي قدرٍ من الفوضى قدر المستطاع، ولا سيّما في ظلّ وجود عامة الناس ووسائل الإعلام داخل المدينة. وقوع الحوادث أو الكوارث لم يكن خيارًا مطروحًا.
وضعٌ مشابه قد حدث في مطلع أغسطس حين استولى خيميائي على مدرسة ميساوا التحضيرية. فقد جرى آنذاك استدعاء الكنيسة الإنجليزية والكنيسة الرومانية إلى المدينة لوقف هياج أوريولُس إزارد، لكنّ الظروف الآن مختلفة، إذ كان هناك عددٌ كبير من المدنيين القادمين من خارج مدينة الأكاديمية لحضور مهرجان دايهسَي. ولأليستر الحق على التصلّب بأن يقول "نحن أهل المدينة ونحن من يقرّر حل المشكلة"، لكن عندئذٍ قد يردّ طرفٌ قائلًا "عندكم ضيوفٌ من بلدنا، لذا نحن سنحمي مواطنينا"، فيشعل نار الفوضى أكثر فأكثر.
وبطبيعة الحال ثمة تفاوتٌ في القوّة بين المنظّمات.
فمدينة الأكاديمية كانت تتربّع على رأس فصيل العلم، وكانت على مستوى مختلف تمامًا من حيث القوّة قياسًا بفصائل السحر ومختلف الجماعات صغيرة النطاق. وهذا يعني -بديهيًا- وجود فوارق شاسعة في مدى تأثير الأصوات، لكنّه لم يكن وضعًا يسمح لطرفٍ بفرض إرادته على الباقي.
فلو أُهمِلَ رأي جماعةٍ من فصيل السحر، لاتّخذت قوّةٌ أعظم ضمن الفصيل ذاته ذلك ذريعةً للتدخّل. وحتى لو غُلِبُوا وتراجعوا، لتدخّلت منظّمةٌ أكبر شأنًا بعد ذلك. وهكذا تبدأ المشكلة في التفاقم خارج السيطرة، إلى أن تنتهي بنزاعٍ شامل بين عالمي العلم والسحر.
وطبعا، كان مهرجان دايهسَي موضع أنظار العالم أجمع.
ولعلّه لن يمرّ أقلّ من يوم واحد على اندلاع أزمةٍ ما حتى تبلغ نقطة اللاعودة.
「ومع ذلك، ستغدو مشكلةً أخرى لو أنّ أحد المدينة الأكاديمية هزم ساحرًا داخل حدودها」
كان عالما العِلم والسحر كُلٌّ يلتزم بإقليمه، بما يضمن مصالحهما ومسؤولياتهما كلٌّ في مجاله. فأن تقوم قوات أمن المدينة الأكاديمية بالقبض على ساحرٍ بطيشٍ فيه خطرُ تجاوزٍ لتلك الحدود.
『أولئك التافهون قد أحسنوا التفكير. كِلا جانبينا رَصَدَ خللًا غير طبيعي، ومع ذلك في هذا الوضع لا يسع أيًّا منّا أن يمدّ يده على الدخلاء بتهوّر. لا أحد منّا يستطيع أن يلعب أوراقه. وهذا يعطيهم راحة بال أن يُتمّوا الصفقة』
「لكن لا نستسلم إن عجزنا عن لعب أوراقنا」 نهضت لورا واقفة. ظلّ شعرها الطويل جدًّا منبسطًا على الأرض؛ فلم يكن من السهل تحريك تلك الكتلة الهائلة. وسقطت الأمشاط الذهبية والفضية التي كانت على حجرها، لكنها لم تلتفت إليها حتى. 「أعلم أنّكم تستقبلون العامّة في الداخل. ولا بدّ أنّكم ترحّبون بمن يأتي إلى هناك حتى لقضاء العطلة」 قالت لورا بجدّية، وهي ترتسم ابتسامة ماكرة على شفتيها وهي تنظر إلى الشاشة.
『همم. حتى لو أخفيناهم في صورة عطلة، إنّ وجود مجموعة من الأنجليكان هذا وحده سيظلُّ إشكالا. فإذا نُظر إليه أنَّه تحرّك جماعيٌّ خُطّط له ونُفّذ من طرفٍ واحد، فمن الطبيعي أن يفسّره الآخرون على أنّ [منظّمةً ما] نجحت في التسلّل إلى مدينة الأكاديمية وأجرت فيها العمليات بحرّية. أمّا لو اقتصر الأمر على فردٍ واحد... وإذا صادف أن يكون صديقًا قديمًا لشخصٍ يُقيم في مدينة الأكاديمية، فلعلنا نخدع الأعين،』 قال أليستر بنبرةٍ لطيفة واثقة.
ثم أضاف خاتِمًا،
『...وهذا يعني أنّه لا خيار أمامنا سوى أن نُعَيّن ذلك الصبي مرشدًا سياحيًا له』
- الجزء 2
في 10:30 صباحًا.
أخيرًا، انتهت مراسم الافتتاح.
「ول، الجو حااااار...」
طالب الثانوية العادي كاميجو توما يقف داخل ملعب كرة القدم. يبدو أن هذا المرفق تابعٌ لمدرسةٍ رياضية تُولّي أنشطة الأندية أشدّ الاهتمام. كانت الحرارة لافحة إلى حدٍّ يوحي أنّ العشب الصناعي المصنوع من الراتنج قد يذوب، ومع ذلك استمر موكب الفتيان والفتيات بملابسهم الرياضية المتنوعة في المرور عبر المخرج ثم انقسموا إلى مجموعات صغيرة وتفرقوا.
بلغ عدد المشاركين في [مهرجان دايهسَي] أكثر بقليل من مليون وثمانمئة ألف شخص. ورغم أن الملعب مطابق للمواصفات الاحترافية، فإنه كان من المستحيل أن يتسع للناس كافة. ولهذا السبب أُقيمت مراسم الافتتاح في أكثر من ثلاثمئة موقع في الوقت نفسه.
「...وإلى الآن أظن أن في هذه المدينة عدد مفرط من مديري المدارس،」 تمتم كاميجو تَعِبًا.
فـ"القصص الصغيرة" التي يرويها المديرون كانت دائمًا طويلة، ولا بد من الجلوس لسماع عدد كبير منها تحت هذه الحرارة الشديدة. ولأسباب متعددة، إنّ كاميجو فاقدٌ للذاكرة، لكنه شعر وكأنه يعيش حياة ثانية في منتصف المراسم. وبالطبع، مجلس الإدارة هم من يختارون بعناية المديرين المتحدثين؛ وإلا لانقضى اليوم الأول بأكمله من المنافسات قبل أن يُنهي كل مدير مدرسةٍ كلمته.
بنظرةٍ حوله، رأى طلابًا من مختلف المراحل الدراسية يشاركون في [مهرجان دايهسَي] لكن معظمهم بدا وكأنهم يشعرون بشعور كاميجو. كانوا عمومًا يرتدون قمصانًا قصيرة الأكمام وشورتات. وبحسب المدرسة، قد يرتدي بعضهم جوارب ضيقة أو قمصان ألعاب القوى بلا أكمام {إتب}. أما المدارس الأكثر تميزًا، فقد يرتدي طلابها زيّ [الدوغي] الخاص بالفنون القتالية مثل الأيكيدو، بنطال كارغو بنقشة مموهة، أو حتى دروعًا واقية {من دون طاقة كهربائية} مصنوعة من مواد خاصة. باختصار، كل شيءٍ ممكن. والخيط الوحيد المشترك فيهم جميعًا هو أن كل طالب عَصَبَ جبينه بعصابة رأس حمراء أو بيضاء.
كان [مهرجان دايهسَي] في جوهره منافسةً بين المدارس؛ تُضاف النقاط وتُخصم بحسب الفوز والخسارة لكل مدرسة. وقُسِّمت المدارس إلى فرقٍ حمراء أو بيضاء، ويُجمّع مجموع الانتصارات لكل فريق، وتُضاف النقاط إلى كل مدرسة على حِدًا. أحمر ضد أبيض، مدرسة ضد مدرسة؛ كل ذلك اندمج ليكوّن مجموعًا نهائيًا، وفي النهاية تُرتَّب المدارس بحسب مجموع نقاطها الختامي.
الشجار الذي دار بين كاميجو وميكوتو قبل مراسم الافتتاح حول من سيفوز ومن سيخسر كان قائمًا على هذا النظام. فالمدرسة التي تحلّ في مرتبة أعلى من الأخرى بين جميع المدارس تُعدّ الفائزة. أو كما وصفتها هي: "ش-شوفني...! لَتندم على تحديك إياي في لعبة العقاب التي يفعل فيها الفائز ما يشاء!!"
「...ربما تأخرت في السؤال، لكن تُراها ماذا ستفعل بي؟ ل-لحظة. أتمنى ما تُجبرني على أن نلعب التقاط الكرة بريلغنها {وأنا طبعا أكون المدافع} حتى تغرب الشمس، لا؟! يا ربي ما عدت أطيق حتى لفظ كلمة (المدافع)!!」
نظر إليه الطلاب من حوله قرب مخرج الملعب بنظراتٍ غريبة وهو يصرخ دون أن يشعر بنفسه. فانتبه إلى حاله وانسلّ مبتعدًا عن ساحة دوران الحافلات أمام الملعب.
(ولكن، إيهٍ)...
حتى هذه اللحظة، كان كاميجو يرتجف خوفًا من رؤيته البشعة للمستقبل، لكن كل ما عليه هو ألا يخسر، صح؟ صحيحٌ أنها من مدرسة نخبوية، لكنها ليست سوى مدرسة إعدادية—وفوق ذلك مدرسة بنات. صحيح أن استخدام القدرات مسموح في المنافسات، لكنها {أو هكذا يُفترض} ليست سوى امتداد بسيط لحصص التربية البدنية. وبصراحة، كان يشك في أن فتياتٍ نشأن على الدلع والترف والرعاية قد ينافسن فريقًا من طلاب الثانوية المتعرقين بصورةٍ مبالغ فيها في أوج قوتهم الرجولية. وحتى لو خسر مباشرةً أمام توكيواداي في إحدى الألعاب، فما زال عنده مخرج؛ طالما تَهزِمُ مدرسته بقية المدارس، سيُعَوّض الفارق.
「توما!」
فجأةً، خاطبته من كانت بجانبه.
التفت فإذا بفتاةٍ تقف متميزةً بين حشود الملابس الرياضية، ترتدي رداءً أبيضَ ناصعَا تَزَيَّن بتطريز من خيوط الذهب. اسمها إندِكس. الفتاة الإنجليزية ذات الشعر الفضي والعينين الخضراوين والبنية النحيلة، لكنها تمتلك أيضًا ذاكرةً كاملة استخدمتها لتخزّن 103,000 كتابًا سحريًا في عقلها. وبصراحة، كانت أخطر حتى من إسبرٍ غير متمرس.
كانت إندكس متراخية، تحتضن بين يديها قطًا صغيرًا ملوّنا.
「توما... مت من الجوع」
「من الآن؟! ما زلنا في الصباح! وتفطّرنا من ساعتين!!」
「مغـه... أدري، لكن أشم روائح لا يسعني وصفها تأتيني من كل مكان!」
وبينما تتكلم، انتصب أنف القط وماءَ سعيدًا.
قرّر كاميجو أن يستنشق بنفسه ليتأكد فالتقط أنفه رائحةً خفيفة ومميّزة لصلصة الصويا والمايونيز يُطهَيان. نظر باتجاه مهبّ الريح فرأى شارعًا كاملًا تصطفّ على جانبيه الأكشاك من ذلك النوع التي تباع فيه أطعمة منزلية كما في المهرجانات.
وعلى الرغم من سعة رقعة المنافسات الرياضية، لم يكن الطلاب محصورين في الفعاليات طوال ساعات اليوم كافة. طالما يَصلون إلى الملاعب التي ينبغي عليهم الذهاب إليها في الأوقات المحددة لهم، فهم أحرار في التجوّل. لهم أن يشجعوا المدارس الأخرى، أو لهم البحث عن تذكارات برفقة عائلاتهم، أو حتى يقفوا داخل متجرٍ صغير ويقرأوا المانغات على راحة.
وأنّ مدارس فنون الطهي والتدبير المنزلي، مثل المدرسة التي تدرس فيها تسوتشيميكادو مايكا، قد نصبت أكشاكها وأجنحتها وتعمل بكل ما أوتيت من حماسة لكسب دخلٍ إضافي ولو بسيط. حقيقةً، لم تكن هناك فعاليات كثيرة يشارك فيها جميع طلاب المدرسة في الوقت عينه؛ إذ كانوا يُقسَّمون بحسب الصف الدراسي وطبيعة المسابقة، ولذلك تجد دائمًا متفرغًا هنا وهناك. يُفترض أن الذين يديرون الأكشاك كانوا يشجّعون مدارسهم الآن، لكن يبدو أن مراسم الختام ستكون أكثر بهرجة إن نجحوا في جني بعض المال من الأكشاك. ومع وجود عائلات أكثر من مليونٍ وثمانمئة ألف طالب هنا، كان احتمال تحقيق أرباحٍ كبيرة واضحًا تمامًا.
「آاه، ممم... ثقافة الطعام في اليابان كأنها كرةٌ واحدة ضخمة من الإغراءات!」 قالت الراهبة التي خنقت القط فجأة.
لطالما كانت إندِكس تندفع لالتهام أي طعام يوضع أمامها، وحتى الروائح البعيدة كَفَت أن تجعل اللعاب يسيل من فمها إن طال الوقت. كاد كاميجو يربّت على ظهرها إعجابًا بقدرتها على ضبط نفسها ألّا شنّ هجومًا يائسا على أكشاك الطعام.
「طيب...أنتِ متفرغة باقي اليوم، فإذا وجدتُ أنا الوقت لاحقًا فلنذهب ونتمشى معًا」
أومأت إندكس موافقة، ثم تجمّدت فجأة على كلمة. 「...لاحقًا؟؟」
「نعم. أول مسابقة تكادُ تبدأ، ويجب أن أشارك. خذي هذا الكتيّب. عَلّمتُ فيه مقاعد الملعب الخاصة بالمسابقات التي سأشارك فيها اليوم. هيّا ذهبنا!」
「وااه، لااا! لماذا تتصرّف اليوم وكأنك رجل أعمال يا توما؟!」
صرخت إندكس بشيء من الاعتراض، لكنه قد تأخر قليلا. تَمنّى لو يزور كشكًا أو اثنين على الأقل، لكن لو أُطلقت الفتاة الجائعة على سجيتها، فلن يكفيها طعام الشارع كله أبدَا. كان متيقنا. هي لن ترضى حتى تزور كل كشكٍ واحدًا واحدا على طول ذلك الشارع.
التقى بمايكا وهي تمرّ لبيع الطعام، واشترى منها أحد صناديق الغداء الخاصة بالخادمات {1200 ين؟ هذه سرقة...} بعد أن ساومها حتى خفّض السعر إلى النصف، ثم دسّه بين ذراعي إندكس وانطلق معها نحو الملعب. وكان صندوق الغداء هذا يحتوي، على ما يبدو، أطعمة يابانية عادية تمامًا. (بس؟ بهذا السعر؟) تذمّر في نفسه. لكن مايكا كان لها رأيها في الأمر:
「اليابان هي عاصمة البينتو في العالم! هذا التقليد غير موجود أصلًا في معظم الدول الأخرى. ففي بلدان الإنجليز يلفّون الوجبة كلها في كلمة "غداء" ويأكلون أي شيء. والبسكويت تقريبًا هو الطعام المحمول الوحيد في الحضارة الغربية، ولهذا ركّزتُ بكل جهدي على المطبخ الياباني. وأنت تتدلع القول غالي غاالي، لكنه صُنع خصيصًا لبداية المهرجان ولمن جاء للمشاهدة، لذا فهو منتجٌ عالي الجودة! لقد خفّضتُ سعره بالفعل إلى نحو عُشر ما قد تكلفه وجبة أودون في مثل هذه المناسبة. بل أظن أن من التقاليد الصحيحة استخدام أفضل المكونات فقط وصنع صناديق بينتو خاصة بمهرجان دايهسَي يدويًا」
لم يكن لأيٍّ من ذلك معنى واضح، لكنه بدا منطقيًا تمامًا في نظرها. ومع بينتو الخادمة في يده، توجّه نحو حرم مدرسته الثانوية. رغب حقًا أن يرافق إندكس حتى مقاعد المتفرجين، لكن للمتسابقين والجمهور مداخل مختلفة. وهكذا افترقا، وتوجّه هو إلى مدخل المتسابقين. الحرم لا يزال قيد التجهيز في تلك اللحظة، حيث كان بعض المعلمين يرشّون الماء بالخراطيم هنا وهناك لمنع الغبار من التطاير.
وبالونٌ إعلاني ذاتي التحكّم يحلق في السماء الزرقاء، في شاشته الرفيعة والفريدة المعلقة عموديًا منه تعرض العبارات التالية: قسم مدارس الثانوية في المنطقة 7 — الفعالية 1 — الإطاحة بالعمود. 00:10:23 متبقية حتى بدء اللعبة.
(لا أدري ما الذي ستجعلني ميكوتو أفعله إذا خسرنا أمام إعدادية توكيواداي في التصنيف العام، فالأفضل أن نبدأ بأقوى حماسٍ ونكسب النقاط!)
إنّ [مهرجان دايهسَي] يمتد على مدار سبعة أيام، لذا يكون الإيقاع الذي تسير عليه طوال الأسبوع مهمًا جدًا لتحديد الترتيب النهائي. والأمر يعتمد على استراتيجيتك، وهناك عدة طرق للعب. فَلَكَ أن تُحاول التقدم سريعًا منذ البداية وتكسب كثيرا من النقاط، أو أن تدخر طاقتك للنصف الثاني من الأسبوع وتسبق المدارس المتعبة.
كاميجو فاقدٌ للذاكرة، لذا فهذه ستكون أول مرة يختبر فيها الفعالية. ومع ذلك ما لم تكن طالبًا في مدرسة رياضية جيدة، فلا يقدر أحد أن يفكر بهدوء في ترتيب المدارس ويحفظ قدرته على التحمل. صحيح، كلهم جميعًا ذوو قدرات خاصة، لكنهم في النهاية طلاب. ستؤثر عليهم نتائج الفعاليات عاطفيًا. وحتى لو كانت هناك فرصة نظرية للفوز، فإن التأخر بفارق كبير سيكسر معنوياتهم ويقضي على أي أمل في التعويض.
وكان كاميجو يفضّل بذل الجهد الفوري.
(على طاري، التحضيرات مع صفي كانت سلسلة من الحشو والهراء. يمكن كل المدرسة هكذا. إيه، واثق أنهم جميعا متحمسون. ولا أحد يحب الخسارة. بصراحة، يُخوّفني أكثر ما قد يسببون من مشاكل حتى يكسبوا الفوز).
وبأملٍ يغمر قلبه حول تضامن صَفّه غير المفيد، خَطَى نحو منطقة انتظار المتسابقين على جانب الحرم، وتقدّم إلى دائرة زملائه في الصف.
ثم التفت إليه صاحبه أزرق الشعر أَوْغامي الذي بدا وكأنه من محبي مثل هذه المهرجانات المجنونة وقال:
「أوووووعع... مالي خلق تعبااااان...」
وجد كاميجو نفسه يسقط على الأرض بوجهه.
نظر من حوله وبدا بقية زملائه في الصف على نفس الحال تقريبًا؛ كأنهم على بعد شعرة من الإصابة بضربة شمس.
「هـ-هيه، مهلا مهلا يا جماعة. كيف اختفت طاقتنا قبل بداية الفعالية حتى؟」 تمتم كاميجو مرتجفًا.
التفت أوغامي بسرعة وقال: 「هِيه؟ يعني، أمس تونّست{استمتعت} طول الليل حتى ما أخذت لي حضن من فراشي! وقبل المراسم، كلنا تضاربنا على أي استراتيجية ناخذ لنا حتى نكسر المدارس الثانية، والحين طاقتنا كلها صفر!」
「كلّكم؟! كل واحدٍ منكم—ألم تسمعوا مرةً أن تضعوا العربة قبل الحصان؟! على أي حال، تهانينا، هيميغامي! أنا سعيد جدًا أنك اندمجتي مع باقي الصف!」
أشار إلى هيميغامي آيسا الواقفة على بُعد قصير. بشرتها فاتحة وشعرها أسود يصل إلى خصرها، وكانت تمتلك قدرة فريدة تُسمّى ديب بلود—لقتل مصاصي الدماء. حول عنقها تعلّق صليب، مختفيًا عند صدرها تحت القميص قصير الأكمام. قد انتقلت إلى صف كاميجو في بداية هذا الشهر.
كان شعرها الطويل الأسود يرفرف في الرياح بطريقة توحي باليابانية الأصيلة، على أن تسريحة الشعر بدت أكثر غرابة هذه الأيام.
「الفعاليات المدرسية...」 قالت بحدة. 「هكذا تكون في الأساس. لا يعطوننا مدربين. ولا حصص تدريب」
「أوه، "هكذا تكون في الأساس"؟!」 (والله خسرنا!)، كما فكر كاميجو وهو يمسك رأسه يائسًا.
ثم كما لو كان ثوابًا له على جهوده قال أحدهم: 「نيا. لا تفقد الأمل يا كاميان. أعني، مراسم الدخول كانت عبارة عن خمسة عشر مديرًا يهاجموننا بخطاباتهم، ثم عاصفة هوجاء من خمسين رسالة احتفالية قصيرة. بصراحة أُثنيهم على نجاتهم...」
هذا [تسوتشيميكادو موتوهارو]—جاسوسٌ يعمل لصالح عدة منظمات، ملمّ بالسحر والعلم على حد سواء. شعره الأشقر القصير مشوّك، ويرتدي نظارات شمسية فاتحة اللون، وتصدر الإكسسوارات الذهبية حول عنقه جلبة. أما أكمام قميصه القصيرة وشورته فكانت تتنافر بشدة مع بقية مظهره.
「ح-حتى مهووسا البدنية عندنا صاروا شبه أموات... ل-لحظة، إذا كان حال خصمنا هكذا، فلدينا فرصة!」 صرخ كاميجو، متشبثًا بأمل أخير.
「انسى كاميان! الظاهر أنّ عدونا مدرسة رياضية نخبوية」
「غيياااااااااااه!」
أغطس كاميجو رأسه في التراب. أمكنه أن يتخيل بالفعل الجحيم الذي ستجلبه له ميساكا ميكوتو بعد خسارته. ومع انتشار القشعريرة في جسده كله، وصلت إحدى فتيات الصف متأخرة.
「...م-ما هذا؟ ما بالكم جميعًا على هذا التعب؟!」
「ها؟」 نظر كاميجو أعلاه ولا يزال على الأرض.
مثل زملائه الآخرين، كانت ترتدي قميصًا قصير الأكمام وشورت، لكنها كانت أيضًا ترتدي سترة خفيفة على كتفيها. وعلى صدر السترة كُتِبَ: اللجنة الإدارية لمهرجان دايهسَي—قسم الثانوية. وربما كان الشيء نفسه على الظهر أيضًا. كانت طويلة مقارنة بالصف، ومظهرها حسنٌ. (ما أكبره)، هي ما خطرت له لمّا لمح لمحة سريعة إلى قميصها. وكان شعرها الأسود مفروقا ليغطي أذنيها؛ كاشفا معظم جبينها.
فُكيوسَي سَيْرِي.
المعروفة أيضًا بالجدار الطوبي: جميلة بلا مثيرة.
وبينما تتفقد الصف في حالة من الدهشة، وقعت عيناها أخيرًا على كاميجو، الذي كان على الأرض وحده.
「هَئ! لا تخبرني أن كَسَلَك المفرط قد أصاب باقي الطلاب يا كاميجو... كيف ستصلح وضعهم؟!」
「هاه؟ مهلا، أمرهم ليس ذنبي! لتوّي وصلتُ منذ دقيقة!」
「إذن لهذا السبب يبدو عليهم التعب الشديد—لأنك تأخرت؟」
「أحقًا تُحمّلينني اللوم؟! أصلاً، أنتِ وصلتِ بعدي!」
「كنت أقوم بأعمال اللجنة الإدارية يا أحمق!」
(أبهذه السرعة ينعتوني بالأحمق كلهم!؟) كاد كاميجو أن يصرح؛ "اتركوني وشأني! لا أريد لا أريد. واجهني الواقع والنحس ضربني، والآن حتى قدمي خارت وخذلتني!"
「يا للكسل. تعاني من فقر دم طفيف لأنك نسيت الفطور، لا من ضررٍ نفسي. إذن هاك اشرب مشروب كله ماء ومعادن وستعود إليك العافية كما حصل معي، فانهض فورًا يا كاميجو توما!」
مع صوت طقطقة، أخرجت فُكيوسَي زجاجة بلاستيكية صغيرة من جيب سترتها.
「آاااه! منطقك هذا لا يرضي إلا مهووسي المنتجات الصحية! وأصلا في هذه الحالة ليس الماء أو المعادن ما ينقص، بل الكالسيوم، أم أنني أتخيل؟!」
「ما تقول؟! السمك الذي أكلته على الفطور أعطاني ما يكفي منه!」 شزرت فيه فُكيوسَي. 「أكره من يستسلم عن تغيير حياته لأسباب سخيفة كالنحس وسوء الحظ. إذا تكاسلت، فلن يرغب أحدٌ آخر في القيام بأي شيء. فانهض مستقيمًا—من أجلنا جميعًا!」
اضطر كاميجو أن يتراجع بعيدًا عن سيل ملاحظات فُكيوسَي سَيري المستمر. لكنه كلما تراجع، اقتربت منه عضو اللجنة الإدارية أكثر. حاول التراجع أكثر، لكن وراءه كانت أحواض زهور تعيق مساره.
ثم، ظهرت على وجوه زملائه تعابير الفرح.
「و-وُااه. فُكيوسَي، أنتِ مذهلة! أنتِ الدرع المثالي ضد العنصر الكاميجوي!」
「وعادةً كانت الفتيات لتكتفين بالقول: آه، كاميجو، أنت بخير؟!」
「وهو سيشكو من نحسه ولا أي شيء بينما هو في الواقع مسيطر بالكامل على الموقف المثالي!」
「أملنا وأمل البشرية جميع. يمكن نقدر نقلب كاميان لو درسنا فكيوسيه سيريه!」
(الحمقى ما يظنون بي؟!) تراجع كاميجو منهكًا.
ثم...
فجأةً، اصطدمت قدمه بشيءٍ خَرْخَرَ. بإحدى خراطيم المطاط لرش الماء على الزهور. كانت المرشات للحفاظ على الحد الأدنى من الرمال والغبار قبل الفعالية {مع أنها لم تنجز المهمة تمامًا}.
ومن بعيد، تمتم أحد المعلمين الذكور العاملين في الحرم 「هممم؟」 يحتار، يحدق في الخرطوم الذي لم يعد يخرج منه الماء.
وفي لحظتها...
انفجر الماء الذي كانت قدم كاميجو تحجزه. بدأ الخرطوم الموصول بصنبور المرشات المدفون تحت الأرض يتأرجح بعنف، ممطرًا بالماء في كل مكان.
ومن كان الأقرب إلى الصنبور...
「ف-فُكيوسيييي؟! اللعنة عليك، عنصر الكاميجو! كانت هي قلعتنا الأخيرة!」
「رحنا فيها. وحتى وهي صارمة، التدخل في عنصر الكاميجوي جعلها ضحية أخرى—لمأساة قميصٍ ابتلّ...」
「لحظة اتضح أنها تلبس أظرف الملابس الداخلية، وتبدأ هنا الكوميديا الرومانسية المعتادة...」
「بدأ يأسنا ويأس البشرية جميع... ها لحظة، إذا ما قدرت فُكيوسيه، مَن يقدر؟!」
(حقًا، ما تظنون بي؟! وأنتِ، فُكيوسَي سَيري، وربي أنا آسف!)
كان كاميجو يتأرجح بين الغضب والاعتذار. والآن، بعد أن ابتلت تمامًا، كان زيها الرياضي يلتصق ببشرتها، كاشفًا عن جلدها وملابسها الداخلية. تناقض هذا جدًا مع صورتها، بمربعاتها الصفراء والبرتقالية، والتصميم الظريف للغاية لملابسها الداخلية. ولكن، لم تُغيّر فُكيوسي تعبير وجهها لحظةً واحدة.
「...عندكَ قول؟」
(البتة!!) انحنى كاميجو على الفور معتذرا. ومع صوت "همف" أدارت وجهها بعيدًا وأغلقت مقدمة سترتها، ثم أخرجت علبة حليب ورقية وبدأ تشرب الحليب من خلال القشة. أخذت مزيدًا من الكالسيوم لتهدئ من غضبها ألّا تنفجر.
بدأ الطلاب الذكور القريبون في سد صنابير المرشات بإبهامهم، وأطلقوا الماء مثل مدافع الليزر على الآخرين. كانوا بالفعل منهكين وواعين لحالة فُكيوسي المبتلة، لكنهم بدا وكأنهم يحاولون إظهار روحهم المهذبة لإقناعها بأنهم لا يمانعون وأن كل شيء على ما يرام. بدا عليهم البراءة، لكن مع انغماسهم أكثر في لعبة الماء المجنونة، أصبح واضحًا أن أعينهم لا تبتسم.
راقبهم كاميجو في دهشة. العمل الجماعي لم يكن موجودًا حتى في مفردات زملائه. (ل-لا أحد سيلعب فعالية الإطاحة بالعمود هكذا!! خلاص خسرنا. هذا الصف فوضى من كل ناحية).
تجول إلى جدار الصالة الرياضية حيث مدخل المتسابقين، وصدفةً سمع رجلًا وامرأة يتحدثان. كانا مخفيين في ظل الصالة، يتجادلان.
『...هذا مستـ... لا يمكن!』
『...سُخفٌ... هو واضحٌ على الكل أنّ...أم لا؟』
(ماذا الآن...؟) ضغط كاميجو بجسده على جدار الصالة وأدار رأسه حول الزاوية ليرى.
في الظل الخلفي للصالة، رأى معلمة صفه، تسوكيومي كوموي. كان طولها 135 سنتيمترًا، ولن يلتفت أحد لو أنها ترتدي حقيبة طالب في الصف الثالث. أما اليوم ارتدت تنورة بيضاء قصيرة مطوية وإتب أخضر فاتح—كأنه زي التشجيع. أتُشجِّعَهُم؟
واجهها رجلٌ لا يعرفه. ربما كان مدرسًا من مدرسة أخرى. حتى أعضاء هيئة التدريس يرتدون قميصًا جاهزًا أثناء مهرجان دايهسَي، لكن لسبب ما كان الرجل يرتدي بدلةً ضيقة وربطة عنق.
كانت المعلمة كوموي والمدرس يتجادلان.
في الواقع، بدا الأمر وكأن المعلمة كوموي هي هدف ازدراء المدرس.
『قد أعترف أن مرافقنا وفصولنا ليست مثالية، لكن! هذا خطأنا—الطلاب لا علاقة لهم بالأمر!』
كانت المعلمة كوموي تلوّح بذراعيها تصرخ، لكن المدرس لم يكترث. 『هاه. مرافقكم غير مثالية لأن طُلابكم أدنى من الموجود، لا؟ المجلس العام يعطي مكافآت مالية للمدارس التي تحسن العمل. هَئ! وبالطبع، مدرسةٌ تنتج تيارًا مستمرًا من الراسبين لن تتمكن حتى من التقديم. نعم يا أستاذة كوموي، سمعت أن قياسات القدرات في الفصل الأول كانت فظيعة، ها؟ أشفق عليكِ أن تتعبي بالتعامل مه هؤلاء الفشلة』
『ل-لا يوجد نجاح أو فشل مع الطلاب! لكل طالبٍ فَرْدِيَّتُه! كلهم يبذلون الجهدَ! فكيف... فكيف لنا نحن المعلمون أن نفكر حتى في التخلي عنهم لراحتنا؟!』
『「أهذا عذرك لتخفين عدم كفاءتك؟ هِئهِئهِئ. يا لها من نظرةٍ حالمة. هل أدمرها بالحقائق؟ صفّي أنا الذي صنعتُ فيهِ النُّخبة سيسحق الراسبين في صفّك. نعم، الفعالية الأولى هي الإطاحة بالعمود، صح؟ حسنًا، أنصحكِ يا ممثلة المدرسة المنافسة أن تُكلّمي لجنة التحضير حتى تقللي عدد الإصابات إلى الحد الأدنى』
『ما...؟』
『لقد سببتِ لي إحراجًا كبيرًا في الاجتماع الأخير—وسأردّ ذلك الآن. في ملعب يُبَثّ للعالم كله. أنوي إظهار الرحمة، لكنّي لا أدري ما سيحدث إن كانت فشلتكُم وراسبوكم أضعف من الحد حتى. هَئهَئهَئ』 ضحك وهو يمشي مبتعدًا.
(إذن هو من المدرسة العدو؟) فكّر كاميجو وقد فهم الفكرة العامة. كان بالفعل صفري المستوى، لذا لم يكن لقب الفاشل أو الراسب مؤذيًا له كثيرًا في هذه المرحلة، لكن...
『...أنت مخطئ』 تمتمت المعلمة كوموي فجأة لنفسها.
وحيدة تمامًا—بلا أحد—برأس منخفض—وبصوت مرتجف.
『لستم بالفشلة... لستم كذلك، لستم...؟』
بدت كَتِفاها الصغيران وقد انكمشا.
وكأن كل هذا التحرش حدث بسبب "فشلٍ" من جانبها.
رفعت عينيها نحو السماء وتوقفت، كأنها تحدق في شيء.
『...』
صمت كاميجو للحظة.
ثم استدار. ورأى جميع زملائه واقفين خلفه بصمت.
كلمهم كاميجو توما وأكّد لهم أمرًا واحدا.
「يا جماعة! سمعتم؟ كلكم تذمَّر من التعب والكسل وأنكم لستم أهلاً...」
أغلق عينًا وقال.
「...لكن أطرح عليكم السؤال مرة أخرى. هل ما زلتم كسلى؟」
- الجزء 3
ميساكا ميكوتو جلست في مقاعد الطلاب.
على عكس مقاعد الجمهور العادية، لم تكن فيها مظلّات تحجب أشعة الشمس. كانت عبارة عن مجرد قطعة قماش زرقاء موضوعة على الأرض، لم تكن مقاعد فعلية. (كأنها جلسة الحدائق)، كما فكرت ميكوتو متنهدة. كانت بدائية، همجية في معيارها—لكن أعطتها انتعاشًا لطيف.
نظرًا لجدول الفعاليات التي ستشارك فيها اليوم، كانت مشاهدة فعالية صف كاميجو بالكامل أمرًا خطيرًا نسبيًا. ولكنها لم تستطع أن تكبح فضولها، فها هي هنا. وبالطبع لم تكن هناك غيرها من ترتدي زي توكيواداي الرياضي.
(ولا أظنهم يقدرون على هزيمة مدرستنا...) تنهدت لنفسها. كانت توكيواداي مدرسة نخبوية تُقدِّر القدرة العملية فوق كل شيء، ففيها اثنتين من المستوى 5، وسبعٌ مستوى 4، وباقي الطالبات كنّ من المستوى 3 وهن الأدنى. ولكن هناك مدرسةٌ أخرى بالكاد غلبتهن العام الماضي في المهرجان، أكاديمية ناغاتِنجوكي. وبصراحة، كانت هذه أيضًا واحدة من "أكبر خمس مدارس" في المدينة الأكاديمية والتي تنافست على القمة في كل سنة. ولو جاءت مدرسة غريبة فقلبت عليهم هذه المعادلة، ستدخل ترتيب الخمسة الكبار.
يعرف الجميع في مدينة الأكاديمية هذا، فلماذا يتحداها هذا التحدي الجنوني؟ لم تعرف. فكرت لحظة وقررت أن ذلك الغبي لم يكن يحاول الفوز أصلا.
(لكن...) دائمًا ما كان يُحدِثُ المفاجآت. مفاجأةً تقلب كل شيء، بما في ذلك التصنيفات الموضوعية للمستوى صفر والمستوى 5. مثل المرة التي حطّم فيها أقوى مستوى 5 في مدينة الأكاديمية فقط بقبضته اليمنى... حين شد أسنانه ونهض مرةً بعد مرة من أجلها...
بدأت أفكارها تتغيَّم. (آه، لا، كفى يا أنا! ما بي أحمرّ فجأةً هكذا؟!)
رفرف رفرف! بقوة هوّت ميكوتو نفسها بمروحة ورق يابانية لتبرّد وجهها المحمر. هزت رأسها—ولحسن الحظ لم يكن أحد من مدرستها موجودًا ليرى حالها.
ثم نظرت...
...وإلى جانبها مباشرة فتاةٌ راهبة ذات شعر فضي مستلقية على بطنها على الأرض.
「؟!」
ارتعشت كتفا ميكوتو. لا بد أن هذه هي الفتاة التي رافقت ذلك الغبي في أول أيام المدرسة. دعاها "إندِكس"—أكان لقبًا؟ لم يبدو وكأنه اسم حقيقي البتة. تساءلت ما الذي جاء بها، لكن الإجابة أتت بعد لحظة: أكيدٌ أنها جاءت تُشجعه.
في قبضتها اليمنى تمسك بعصا الأكل، وبجانبها صندوق غذاء فارغ. تساءلت ميكوتو إذا كان هذا هو الغداء المدرسي الذي تبيعه تسوتشيميكادو مايكا. وبينما كانت الفتاة مستلقية على الأرض، تكلمت:
「...جه... جوعانة...」
「لتوّك وصلتِ وأكلتِ الغداء!!」 صرخت ميكوتو عفويًا. ثم عدلت تفكيرها—ماذا لو لم تظهر متعبة من جوع بل من ضربة شمس؟ أخذت مشروبًا رياضيًا في زجاجة بلاستيكية من القماش أمامها ومدته للفتاة. نهضت إندكس على الفور وشربت نصفه وعادت تقول "شكرًا" قبل أن تنفد محتويات الزجاجة. ثم بعد لحظة، انهارت مرة أخرى.
「......أرى أن ملء معدة فارغة بمشروب كانت خطة خاوية...」
「حقًا جائعة أنتِ...」 وضعت ميكوتو يدها على جبينها وتنهدت. انسلّ قط ملوّن من بين إندِكس المستلقية والأرض، وكأنه يقول بصوت عميق؛ "يا أهلاً يا آنستي الحلوة. أرى أنها سببت لكِ المتاعب. همم؟... آه. غريبٌ هذا الشعور." وتحركت عيون القط بسرعة مقلقة.
قدرة ميكوتو تُسمى ريلغن—مستخدمة خارقة للكهرباء. وهي تصدر باستمرار مجالًا كهرومغناطيسيًا ضعيفًا حتى لو لم ترغب، لذا لم تميل الحيوانات عادةً إلى حبها كثيرًا.
حدّقت في الأخت المسترخية بالزي الأبيض. 「هيه يا أنتِ. هل رأيتِهِ اليوم؟ هل بدا غريبًا لكِ؟」
「مم؟ رأيتُه؟ تقصدين توما؟ بدا كعادته...」
كادت ميكوتو أن تفجر؛ "أنتما معًا طوال الوقت؟" لكنها فكرت أفضل. إذا لم ينخفض نشاطًا أو أي شيء، فلعله ربما يعني أنه لم يهتم كثيرًا بالفوز؟ (هذا يعني أن مدرستنا ستفوز بأيّ حال، إذن... لحظة، ماذا أفعل به إذا فزنا؟) فكرت للحظة، ثم هزت رأسها بقوة.
نظرت الفتاة المنهارة إليها بريبة. 「هيه يا قصيرة الشعر」
「...أهكذا تكلمين من قدّمت لكِ مشروبها؟」
「هيه يا قصيرة الشعر الكريمة」
「هذا لا يجعلها أفضل!!」 صرخت ميكوتو، وارتفع إحدى حاجبيها.
وما بدا على الأخت أنّها انتبهت. 「ماذا تفعلين هنا يا قصيرة الشعر؟」
「هاه؟ م-ماذا؟ أنا، أعني...」
「تشجعين توما؟」
「ها، آه، هذا سخيف! لماذا أشجع ذلك الغبي أساسا؟」
「لا؟」 قالت الفتاة بالزي الأبيض مُنهيةً الموضوع. وبدا على ميكوتو أنها سَرَّعت من وتيرة مروحتها.
ثم بدأ نظام الصوت في المدرسة بالإعلان عن دخول اللاعبين.
إنّ الفعالية الأولى هي "إسقاط العمود"—عمودٌ لكلٍّ من الفريقين بارتفاع سبعة أمتار. الهدف هو أن تسقط عمود الفريق الآخر وتحمي عمودك، على ما يبدو. جاء صوت متشقق عبر مكبرات الصوت ليشرح أن طلاب الصف الأول الثانوي هم من سيشاركون في الحدث.
وهناك طواقم تلفزيونية، لكنها كانت في الأساس مجرد منافسة رياضية مدرسية. والتعليق لمحطات التلفزيون يُبث من مكان آخر، لذا لم يبدو الأمر غريبًا. وبالطبع، مجرد مشاهدة الناس على التلفاز أحدث فرقًا كبيرًا في أجواء المكان ومزاجه. واضحٌ أنه من المستحيل أن تصوّر لقطاتٌ مقرّبة لكل طالب من الطلاب الـ1.8 مليون، لكن بعض الطلاب وجد ذلك مرهقًا.
رغم جنون هتاف الطلاب، ومن الغريب نوعًا ما، شعرت ميكوتو بنوع من الهدوء في داخلها، هدوءٌ يخفي التوتر. في تلك اللحظة أدركت تمامًا أن هذه فعالية عامة، عالمية المستوى.
ومع ذلك...
「ج-جو... جوعااااانة...」
انهارت الأخت مستلقية على بطنها على الأرض، محطمًة بشكل لا يرحم الجو المشحون بالتوتر. تبدو بائسة بحق، حتى أخذت ميكوتو بسكويت لوح الطاقة {بنكهة الشوكولاتة} ومدّتها لإندكس. رفعت الأخت بلا حماس رأسها وفتحت فمها الصغير. وعندما حملت ميكوتو البسكويت بين أطراف أصابعها إلى فم الأخرى، بدأت الأخت على نحو مفاجئ تأكلها ممتثلة.
(حتى ولو، لا أظن ذلك الغبي يتوتر أو يتحمس بكل هذا... في الواقع، أخاف أكثر أن يتجاهل كل هذا تمامًا كما لو لا يهمه).
ثم، مدفوعة بإعلان إذاعة المدرسة، نظرت ميكوتو بشكل عابر نحو الملعب. الفريق المعارض لفريق كاميجو كان من مدرسة نخبوية تركز كثيرًا على الرياضة، ويبدون على مستوى المهارة—بل أنّ خبرتهم حتى تكاد تُشم من خلال تمارين إحماءهم البسيطة. ووجوههم مشدودة؛ كأنهم اعتادوا المباريات العامة.
تَجَمَّع كلُّ صفٍّ في خيمته وبدأوا ينصبون الأعمدة القوائم. (ستكون كارثةً لو تقاتلوا مباشرة)، فكرت ميكوتو وهي تهز رأسها وتنظر إلى صف كاميجو. وفقًا للكتيب، لم تكن مدرسته مدرسة تحضيرية أو شبيهة؛ بل مجرد مدرسة عادية تمامًا، بلا أي مميزات—أو هكذا ظنّت.
لكن ما شهدته بعد ذلك كانوا مُحاربين.
「هـ... هاء؟」 شكّت ميكوتو في عينيها.
رغم الجو المخيف الغريب القادم من مجموعتهم، لم يسخروا أو يسبوا الخصم. بدلا من ذلك، شكلوا خطًّا صامتا في جانبهم، وكان كاميجو في الوسط. لم تكن قضية إسقاط أعمدة وحسب—بل بدا وكأنهم يصطفون لمعركة من العصور الوسطى. وأما أعمدة الفريقين بدت مثل رماح الجنود أو الفرسان تشحذان بعضها. لم يكن توترا جاء من معرفة أن الكاميرات مصوبة نحوك؛ بل ما كانوا يرونه الآن هو جيشهم ضد جيش العدو.
(غرررررر)... جاء صوت غريب منهم. كانت قدراتهم الخارقة تعد بالمئات، وكانت هالتهم تتصارع قبل المعركة، مقشعرةً حتى الهواء.
「ما...؟」 هذا التوتر الغريب كاد أن يُصرخ ميكوتو "ما تلك العزيمة الغير منطقية؟! حتى أنه أخرج هالة غبية لشيء غبي في فعالية غبية كهذه؟! أي-أينوي الفوز حقا؟! ألهذه الدرجة مصمم على هزيمتي؟! ما الذي تخطط لفعله بالضبط بعد الفوز؟؟!"
كل هذا صار بسبب أن كامل الصف اكتشف إهانة المعلمة كوموي، لكن مُحالٌ مُحال أن تعلم ميكوتو بذلك.
شحوب وجهها جاء مع إعلان بدء اللعبة. ومع ارتباك قوات العدو بسبب الفجوة في أساليب تفكيرهم، وغيوم الغبار في أعقابهم، اندفع كاميجو وبقية المحاربين نحو صفوف العدو.
- الجزء 4
اللاعبون المشاركون في لعبة إسقاط الأعمدة انقسموا بطبيعة الحال إلى مجموعتين: مجموعة تثبت العمود وتدعمه، وأخرى تسحب عمود الخصم وتسقطه.
اختار كاميجو الثاني.
فما خرجت إشارة بدء المباراة حتى انطلق يركض نحو صفوف العدو.
「أووووووووووووهههههههههههههه!!」
وعلى ركضته زئر.
قد يظن المرء أنها مجرد مباراة عادية في لقاء رياضي... لكن هذه هي مدينة الأكاديمية، معظم طلابها من الأسابر الذين أيقظوا نوعًا من القوى الطبيعية. والآن مئةٌ من هؤلاء الأسابر يتصادمون. فلا أحد يدري ما الذي سيطير نحوه—نار، ماء، أرض، ريح، برق، ثلج، أو أي عدد من العناصر الأخرى—وهذا جعل الحماس والتوتر أعلى من المعتاد بكثير.
قرابة الثمانين مترا تفصل بين معسكري الخصمين. ومن مقدمة صفوف العدو الأفقي تلألأت سلسلة من الأضواء. وكأنها وميض كاميرات الجمهور، لكنها لم تكن. أطلق الطلاب هجمات إسبرية بعيدة المدى—ربما انفجارات من النار أو مُفعّلات نارية. وبالإضافة، كانوا يغطيونها باستخدام قدرات الضغط ليخلقوا جدرانا صغيرة غير مرئية تشكّل شكل الرصاصات. هذه العملية جعلت "الغلاف" الشفاف للرصاص المتفجر يُغيّر طريقة انكسار الضوء عبر الهواء المشوه؛ فهي تعكس الضوء كما لو ضربت أشعة الشمس بالونًا شفافا. التعاون بين عدة أسابر لإنشاء نوع واحد من الهجوم كان من النوادر، وقد لا تُرى إلا في مهرجان دايهسَي.
حسب تقديره الكاميجوي العشوائي، أدرك أنّ كل رصاصةٍ تنفجر تُطلِقُ الضغطَ الداخلي فتُفَجِّر موجاتٍ صادمة في كل اتجاه. وعلى كل انفجارٍ فُجِّرَ مِن رصاصة؛ تلحقه مجموعة ضخمة من الرماح الرملية الصغيرة تُطاره فتُصيب. كانت هذه هجمات تحريكا عن بعد {تلك القوة الخارقة التي تجعل الجسيمات تتفاعل مع قوة خفية}. لم يكن لهذه القوة لون أو شكل أصلي، لكن جزيئات الرمل في الهواء تفاعلت مع القوة الخفية—مثل رقائق الحديد التي تصطف مع المجال المغناطيسي.
اصطدمت الرصاصات المتفجرة بالرماح التحريكية في منتصف الطريق بين كل فريقين وانفجرت. تصاعدت صيحات الفرح والدهشة من المدرجات بينما اجتاحتهم الرياح الفجائية وكأنهم على متن أفعوانية.
(إيه إيه... بالنسبة للمشاهد )بالتأكيد (هذا) أمتع!! مع ارتعاشه قليلًا من أصوات الانفجارات، واصل كاميجو التقدم.
بدت مدرسة العدو مليئة بخبراء الرياضة ووضعت جهدًا كبيرًا في تطوير القدرات. على الأقل، لم تكن هذه الهجمات بخطورة الريلغن أو أكسلريتر—فهذان يقتلانك بضربة واحدة—لكنها كانت مخيفة على أي حال.
في يد كاميجو اليمنى قدرة تُدعى الإماجين بريكر. كانت قدرة عظيمة، تلغي أي سحر أو خوارق أو حتى المعجزات الإلهية بلمسة واحدة... لكنها في النهاية محصورة في يده اليمنى. ما عساه يدافع بالكامل ضد القدرات الموجهة نحوه من جميع الاتجاهات كهذا الآن.
وبينما يفكر في ذلك، وما زال يركض نحو صفوف العدو، رأى أحدًا يركض بجانبه. ذو الشعر الأزرق أوغامي. 「يلا يا كامي-يان! هذول المتعفنين المتكبرين النخبة—تحس بهالة الوسامة والجمال تفوح منهم من بعيد. تابعني وأنا -عبقري الكوميديا- أطحنهم طحن وأحوّلهم لمليون قطعة! واه-هاهاهاهاها!!」
انطلقت بعض الرصاصات المتفجرة التي لم تصدها نيران العدو نحوهم، لكن أوغامي ضحك ورقص حولها كراقص باليه، متفاديًا كل طلقة بسهولة.
اقتربت الفرق الآن حوالي عشرين مترًا من بعضها. لم يكن بمقدورهم المخاطرة بالنظر بعيدًا، لكن كاميجو وجه كلامًا لأوغامي بيرس وهو يركض بجانبه؛
「هيه، ما بك فرح؟」
「هاء؟ كاميان، اسمه الحب—الحب أقولك!」 رد بلهجة كانساوية مزيفة. 「بنات الرياضة الحيويات المتعرقات الباكيات وقلوبهن العابرة تنسج شكل سادي من الحب قدّام التلفزيون الوطني—لا، إلا قدّام البث العالمي! بالحب كل شي يتحقق، ومستحيل أرفض روت الهاريم!!」
استمر يضحك ويصخب، وكلما ارتفعت معنوياته ازدادت سرعته في الحركة.
「مهلاً، آه... أذلك الصبي الغاضب بتسريحة كرو كت جزء من الحب؟ انظر احمراره—و أوف على جرأته يأتي بمثل هذه الوسادة، هِه؟」
「صدق جوكر أنت—لحظة وساد-؟، غيااااااه؟!」
بفضل تنبيه كاميجو الهادئ، أدرك أزرق الشعر ما كانت عليه "محادثة الوسائد" وتوقف في مكانه. بعد ثانية، أطلقت رصاصة متفجرة أرجعته إلى الخلف. نظر كاميجو إلى الوراء مندهشا، لكن أحد حلفائهم أمسك به في الهواء بقوة التحريك الخفية.
هتفت المدرجات وصفقت.
(ول من رعب هذه الأشياء وقوتها، شكرا لكني سأتخطى هذا الكرنفال! والآن )صار الجمهور متفاعلًا لأنهم يظنون أن هذا هو هدف مهرجان دايهسَي!! رفع عينيه عن أزرق الشعر الطائر ونظر أمامه مرة أخرى.
هناك فريق العدو. على بعد حوالي عشرة أمتار قبل التصادم الآن.
قبض كاميجو توما يده اليمنى بهدوء.
وبعد لحظة، دخل مباشرة إلى صفوف العدو.
- الجزء 5
وانتهت القصة بفوز صف كاميجو في اللعبة.
لقد كانوا على يقين من أن مواجهة مباشرة ستنتهي بالهزيمة الكاملة، لذلك وقبل أن يصطدم الفريقان، أطلق صف كاميجو كُلَّ القدرات المتاحة لديهم على الأرض حتى خلقوا شاشة ضخمة من الغبار مما حجب رؤية العدو واستخدموا أسلوب الهجوم الخاطف البليتزكرينغ كما في الحروب. قد رشّت الإدارة الماء على الأرض مسبقًا لمنع انبعاث الرمال كما الآن، لكنهم لم يحسبوا حساب الهجمات المتتابعة. وصاحبة الفكرة —فُكيوسَي سَيري— قَسَّمت الصف بأكمله إلى أدوار بينما هي تثبت معطفها على صدرها؛ مجموعةٌ تطلق على الأرض وتنشئ السحب الغبارية؛ أخرى تتسلل عبر السحب فتطيح بعمود العدو؛ وأخرى للقراء النفسيين يصدرون الأوامر للحلفاء يحذرونهم من موقع الغبار. وعلى رأس كل هذا أخذت فكيوسي القيادة على العملية بأكملها.
ولكن ركّز، تلك الرسائل الذهنية التحذيرية المنقولة لم تصل إلى طالب واحد، لسوء حظه كان يلغي كل القدرات تلقائيا حتى المفيدة. كان في طليعة الهجوم فطبيعي أنه تلقى نيران حلفاءه قبل أعداءه ثم أكل الضرب من العدو حتى كاد يُغشى. ولكن ما يهم هو النتائج.
غادر المحاربونَ بجراحهم وكدماتهم الساحة من مدخل المتنافسين دون التفكير إطلاقًا في ما إذا كانوا قد انتزعوا النصر من بين أيدي الهزيمة أو في الجروح التي أصيبوا بها في مسعاهم. وعلى طريقهم جاءت المعلمة كوموي، والدموع في عينيها، تحمل إسعافات أولية.
「ل-لماذا؟ لماذا بالغتم جميعًا وتهورتم من أجل الفوز؟! مهرجان دايهسَي هو مهرجان المرح والمشاركة في الألعاب! لا يهم إذا فزنا أو خسرنا! أنتم، اُنهِكتُم، وأنا، أنا... هذا لا يسعدني إطلاقا...!!」
رغم شكاواها، بدأ طلابها يتفرقون إلى مجموعات من اثنين أو ثلاثة وغادروا المكان، كأنما يُبيّنون أنّ الصمت أبلغ من أي قول. ومعهم غادر كاميجو أيضا منطقة انتظار المنافسين وتوجه إلى قسم التشجيع يبحث عن إندكس.
أو هناك يفترض أن تكون. عادةً يمنع على أي شخص غير الطلاب الدخول، لكنه تردد في إحضارها إلى مقاعد الجمهور العادية. وفي عقلها تمتلك 103,000 كتابا سحريًا مخزن. تلك الكتب أكثر قيمة خارج هذه المدينة من داخلها.
「إندِيييكس؟ عجيب. أين ذهبت؟」
لسوء الحظ عندما ذهب للتحقق من قسم تشجيع الطلاب لم يَرَها في أي مكان. لم تكن هناك مقاعد فعلية أيضًا—فقط قطعة من البلاستيك الأزرق موضوعة على أرضية الحرم. ولا شيء يحجبهم عن الفعالية... لكن على أي حال، إنّ المكان مزدحم أشد الازدحام. والطلاب هنا وهناك شكّلوا جدارًا واستصعب عليه البحث.
غاص في الحشد ومشى من أول قسم التشجيع إلى آخره ولم يجدها. عاد على نفس الطريق ولم يظهر لها أثر.
(همم... زيّها الأبيض كان ليبرز كثيرًا، حسبتني سأراها فورًا). غمس يده في جيب شورت الرياضة ونظر نحو مبنى المدرسة البعيد قليلًا وأكمل يفكر. (أعطيتها جَوّال بلا رصيد، لذا أن أتصل به لنلتقي سيكون الأسرع... أذكر أنني تركته في الصف ربما؟) حقيقة أنه لم يرَ إندكس تستخدم الجوّال من قبل أقلقته كثيرًا، لكنه قرر أن هذا أهون الحلول.
طُوِّقَت العديد من المدارس خلال مهرجان دايهسَي. ففيهم مرافق لتطوير القدرات، لذا لم يُسمح للغرباء أن يروها. لا مانع لطلاب المدرسة مثل كاميجو. هناك أطباء وممرضون في غرف التمريض في حال حصلت إصابات، وكانت غرف الاستحمام وما شابهها مفتوحة للاستخدام أيضًا.
على أي حال، توجه كاميجو نحو المدخل. رأى هناك اثنان من الأنتي-سْكِل يرتدون الأسود في غرفة خزائن الأحذية. كان المشهد غريبًا أن ترى مُعلّمو التاريخ أو الرياضيات يحملون الأسلحة.
「عذرًا! كنت أبحث عن صديقٍ ضاع في الحشد لكنني نسيت جوّالي في الصف. هل أدخل لآخذه؟」
「مباشر وصريح كالعادة، كاميجو. إذا فقدتَ الإشارة واحتجت هاتف من هواتف المدرسة، فاتصل بنا. هذا كل شيء. استمتع بالمهرجان」
كان في ردّ معلم الرياضيات بعض الانزعاج، لكنه نقل كل النقاط الضرورية—من الواضح أن الرجل مدرّب.
تخطاهما كاميجو ودخل المدرسة. بدّل حذاءه بالنعال وتوجه إلى السلم. كانت المدرسة فارغة وهادئة إلى حد ما—وطبعا هذا دون تردد الإعلانات التي تُبث في المكان عبر السماعات. ما أزعجها.
صعد السلالم. صَفّه كان على بُعيد خطوات على طول الممر. وصل إلى الباب وفتحه. (سعيدٌ أنّ هيميغامي اندمجت مع الصف. المهم، سأخذ جوّالي واتصل بإندكس. ولو كانت هيميغامي فاضية، سآخذها )معنا ونتمشـ—
وبعد لحظة، تعثر وسقط.
عضو اللجنة الإدارية، فُكيوسَي سَيري، هناك جالسة، وقد عُرِّيَت من كل ملابسها.
لم يُدرك أن الستائر مغلقة بالكامل حتى فتح الباب. الآن، في الصف المظلم، جلست بمفردها على مكتب قريب وكانا يواجهان بعضهما البعض. لم يكن عليها سوى قطعة واحدة من الملابس الداخلية. حقًا قطعة واحدة فقط—لم ترتدي حتى حمالة الصدر. لا شك أنها كانت تغير ملابسها بعد أن ابتلت سابقًا بماء الخرطوم. بدا أن السروال الداخلي الحالي من أحدث الأنواع، ووضعت الملابس المبتلة، بما في ذلك الملابس الداخلية السابقة، في حقيبة بلاستيكية عند قدميها. وباق ثيابها لا بد أنها في حقيبة الرياضة المجاورة.
حدّقت فُكيوسَي سَيري دون أن ترمش في الدخيل.
「...............................................................」
مع ذلك، وبوجهها الذي ظل جامدًا بلا تعبير، مدت يدها نحو كرسي قريب.
ارتجفت كتفا كاميجو. 「ل-لحظة لحظة فُكيوسَي! جئت فقط أبحث عن جوّالي لأعثر على صديقي الضائع—أقسم ليس لدي أي نوايا شريرة!! ويجب عليك حقًا أن تقرأي دليل استخدام كراسي الصف قبلما ترميها! ربما تقتليني فعليًا لو ضربتيني بها!!」
وهش!! وجد كاميجو نفسه على الأرض متوسلًا في خُمس الثانية. نظرت إليه فُكيوسَي وتنهدت، ثم تركت الكرسي. أخرجت معطفًا جديدًا من حقيبة الرياضة عند قدميها وارتدتَه مؤقتًا. 「طيب، طيب. انقلع من الصف لدقيقة」
「...ألن تغضبي؟」
「أنت تبحث عن صديقك، لا؟ تعرف، لا داعي أن تنتحي وتتوسل كالمعتوه هكذا—لكن لا ترفع رأسك، كاميجو توما!」
ارتدت المعطف، لكن تحت ذلك كانت عضو اللجنة الإدارية ترتدي فقط سروالا. وربما من نفاد صبرها، بدا أنها لم تستطيع إغلاق المعطف كاملا. وعلى خوفه الشديد، كاميجو لم يلحظ ارتجاف يديها.
واصل كاميجو رصَّ وجهه على الأرض كجندي أمام سيد إقطاعي، ثم قرر الزحف للخلف نحو الباب. 「...أأنتِ حقًا لستِ غاضبة؟」
「لا، انقلع!」
أخذت صندوقًا ورقيًا كان على المكتب وألقت به نحو رأسه فقفز هو مسرعًا خارج الغرفة. أغلق الباب خلفه، جلس في الممر، وأخذ نفسًا عميق.
(آه... ول، خوّفتني...)
بعد أن هز رأسه، نظر إلى الأسفل ولاحظ الصندوق الورقي في الممر، بحجم علبة سجائر تقريبًا. وتساءل إن كان هو نفسه الذي رمته فُكيوسَي توًّا فالتقطه ونظر إليه.
وعليه كُتب؛
حار حار يا خرّوفي—جهاز علاج بالأشعة تحت الحمراء الأسطورية يمكنك استخدامه بتوصيله بمنفذ أسفل الجوّال المحمول. يعمل على أي شيء ويصلح أي ضرر، من تشنجات الكتف إلى الإرهاق الجسدي!!
وعندما أعاد النظر إلى الصندوق، بدا الجهاز نفسه كأنه سيكون على شكل خروف صغير مشوّه وجميل لو فتحه. ربما كان من نفس فئة الشخصيات الرمزية مثل الضفدع غيكوتا على شنطة ميكوتو.
「...إكسسوار يُوَّصَل بالجوّال؟ "من تشنجات الكتف إلى الإرهاق الجسدي"؟ استخداماته ضيقة. ما عرفت أنّ الناس على هذا الكوكب قد يعشقون منتجات النصب... لحظة؟ هو هذا نفسه الذي كان يعرض في التلفزيون آخر الليل؟」
طبعا، كان التلفاز في الغرفة التي تنام فيها إندِكس، وبحلول وقت عرض البرامج الليلية، ستكون في الغالب في عمق النوم. فربما كان يتابع قنوات التلفاز من محموله بما أنه يهجع أيامه هذه في الحمام {مؤقتا}.
أما فُكيوسَي، ما كانت لتبدو مهتمة بشكوى كاميجو.
『كاميجو، جوّالك في مكتبك؟』
「أوه، أظنه عند الحقيبة على سطح المكتب...」
『بعد أن أبدّل، سأحضره لك، انتظر مكانك!』
「شكرًا، فُكيوسَي. سأستبدله بهذا المنتج الغريب الذي شاهدته على التلفزيون. تَرى، ما حسبتك من النوع الّي يشترى ما في الاعلانات」
سمع صرخة قصيرة مفاجئة من داخل الصف. لا بد أنها لم تدرك ما الذي رمت به تجاهه. بعد لحظات، عاد صوتها من الجانب الآخر للباب.
『م-ما لهذا علاقة الآن، أسكت. وتَرى حتى لو كنت أتفرج على برامج التسوق وفي يداي دفتر ملاحظات وأنا مستلقية على سريري أقرأ المجلات، ما الخطأ في ذلك؟!』
「لا، لم أقصد أنه خطأ. إنما تفاجأت...」
بدت فُكيوسَي ماهرة في الردود السريعة والمستفزة، لكنها أيضًا ترتبك عندما يُوجه إليها الكلام. ظنّ كاميجو أن ما قاله مقبول، لكن الكلمات رُدّت من اتجاه صفه أسرع منه.
『هااااء؟ لا تدري كم تفيدني أدوات المطبخ الغريبة التي ألقاها في المجلات، أو هكذا تبدو لكن عندما أشتريها لا تبدو مميزة، غالبا أستخدمها مرتين أو ثلاث ثم أرميها على عبث، وأيا يكن هذا ليس من شأنك!』
「أبهذا السوء؟ فكّري مرتين قبل أن تشتري!」
كان يقصدها نصيحةً لزميلة، لكنه تلقى رداً جنونيًا.
『أعني، ألا تبدو المقلاة ذات السطح المحفور خيالية؟ قالوا عنها أنها تلتقط ثلاثين بالمئة من دهون اللحم. لكن بما أن سطحها غاطس، لن يمكنك حتى أن تصنع بيضا مقلي على الوجهين!』
قرر كاميجو التوقف عن المحاولة. حدّق في الصندوق مرة أخرى، جهاز الخروف بالأشعة تحت الحمراء في يديه.
「تشنجات الكتف، ها...؟」
『ما بك تبدو متشككًا؟ حتى في هذا العمر قد تصيبني تشنجات وهذا طبيعي!』
「لا، ليس هذا」 نظر إلى السقف ولا يزال جالسًا في الممر.
「...إنما فكرت، ربما تصيبك تشنجات في الكتف من كبر صدرك... آك! قصدي—」
وبعد لحظة...
صدمت حقيبةٌ رياضية الباب المنزلق وارتطمت بكاميجو. وجَوّاله كان موجودًا بداخلها كمكافأة—إنّ فُكيوسَي سَيري حقًا عضو لجنة طيبة وكريمة.
- الجزء 6
「توما... مه؟ كأنك تبكي؟」
「ما عليك...」
أمالت الفتاة ذات الزي الأبيض رأسها إلى الجانب بطريقة ظريفة، لكن كاميجو أجاب بصوت مرتعش. كما قرر ألا يخبرها عن المغامرة الملحمية التي وقعت قبل أن يجدها. وفوق كل ذلك، كان جوّال إندكس ذو صفر يَنّات بلا شحن {ولم تكن تفهم معنى كلمتي الشحن أو الطاقة في هذا السياق}. لقد اضطر أن يعتمد على زيها الأبيض اللافت جدًا ليعثر عليها.
عادا إلى مقاعد تشجيع الطلاب. وقد تحركت إندكس عبر الحشد لتصل إلى كاميجو، ولسبب ما احتضنت زجاجة بلاستيكية فارغة في ذراعيها مع القط الكاليكو. لم يبدُ القط متفاعلا معها؛ فقد تثاءب بكسل وكأن خوف القطط من الزجاجات البلاستيكية مجرد خرافة.
「...المهم، معدتي خَوَت، وأحتاج على عجل شيء آكله... توما!」
「ماذا؟! ماذا حدث للبينتو؟! لماذا تبدين كالشبح الغاضب الجائع؟!」
「التقيت أم شعر قصير قبل قليل، وأعطتني شراب وبسكويت... لكنهما لا يُشبعا...」
「لا يُشبِعا؟! التهمتي أكلا إضافي وهذا ما تقولين؟ ومن أم شعر قصير؟! لا أهتم، لكنكِ قلتِ شكرًا، صحيح إندِكس؟!」
لم تبدُ إندكس متفاعلة كثيرًا مع صراخه. غالبًا ما تمتلك الفتيات معدة منفصلة للحلويات، لكن معدة إندكس تبدو مصممة لتتعامل مع كل نوع من الطعام منفصلا. فكّر كاميجو أنه إذا لم تشبعها علبة الطعام، فسيتعين عليهم الذهاب إلى كشك آخر للطعام مهما حدث. حاليا، نظر إلى الكتيب السميك الذي أعطاه لإندكس مسبقا. لا وقت لديهم كثير قبل الفعالية التالية، لعبة دحرجة الكرة.
「أيا يكن. لنخرج من مقاعد التشجيع. هناك جبال من الطعام عند تلك الأكشاك التي كنا عندها」
عندما سمعت إندكس ذلك، التفتت بسرعة لتنظر إليه.
「جبال؟!」
「ل-لا، انظري، قد تكون هناك كمية كبيرة، لكن السيد كاميجو لم يقل أن محفظته تكفي لكل شيء! كُفّي عنك لألأة العيون هذه، الذنب، آآآآآعع، الذنب...!!」
بعد صرخته، أخرج المحفظة من جيب شورت الرياضة وتحقق من الداخل. فيها البعض، لكنها خصصت لسبع أيام مهرجان دايهَسي. إذا أنفقه كله في اليوم الأول، فلا شك أن نهايته مأساوية.
قلقًا حول كيفية السيطرة على إندكس هذه المرة، قرر التوجه إلى الأكشاك الآن. بجانبه، انصرفت أفكار إندكس نحو ذلك القصر الخفي من الطعام مما جعل عينيها وشعرها وبشرتها—أو كلها بالأصح—تتألق. قد سَمِعَ مرة نظريةً عن علم النفس تقول إن نشاط عقل الإنسان قد تؤثر على بدنه. وبدا أنه يعيش لحظتها.
اقترب كاميجو وإندكس من ممر مشاة كبير. توقفا هناك عند إشارة حمراء. عادةً، لا يُسمح بحركة المدنيين في مدينة الأكاديمية أثناء مهرجان دايهسَي، لكن مركبات الأعمال مثل الحافلات الآلية، وسيارات الأجرة، وشاحنات التوصيل كانت ما تزال على الطرق. لذلك لم يستطيعوا تحويل المكان إلى ما يسمى "جنة المشاة" رغم تدفق الناس الكبير حولهم.
كانت أكشاك الطعام على بعد قليل بعد الجانب الآخر من الممر. بدأوا بالفعل في شم الروائح الخفيفة للصلصات المطهية من على بعد الشارع. تحولت الإشارة إلى اللون الأخضر، وكانت مستويات تألق إندكس تصل إلى أعلى مستوى لها خلال العام...
...ثم—— قعقعة-قعقعة-قعقعة.
جاء أحد ضباط الأنتي-سْكِل، المكلف بحفظ السلام في المدينة، حاملًا لافتة عدم عبور في وسط الطريق.
「آه، اعذرني يا ولد! مجموعة كبيرة من أندية آلات النفخ ستبدأ موكبها بعد قليل. سنغلق حركة المرور الآن لهم طيب؟」
يبدو أن الضابطة كانت نفسها المرأة التي ساعدته في حادثة الغولم قبل حوالي أسبوعين. على ربطة شعرها الأسود ذيل الفرس، كانت معلمةً جذابة مخيفة. لم تكن ترتدي القميص الأخضر المعتاد؛ بل زيها الرسمي الأسود الغالب. وبدون الخوذة—ربما حتى لا تعطي انطباعًا مخيفا للناس العاديين؟ لم يعرف كاميجو سبب عدم ارتدائها ملابس أكثر عادية بدلًا من القمصان والدروع القتالية.
بدت صورتهم الخارجية أهم شيء بالنسبة لكبار المسؤولين في مدينة الأكاديمية خلال مهرجان دايهسَي هذا. في الواقع، كانت الاستراتيجية للحفاظ على المظاهر ربما نصف الهدف كله هنا. مدينة الأكاديمية -كما معروف- بيئةٌ مغلقة، لكن حتى هذا له حدوده. كان الغرباء يعرفون على سبيل المثال أن البحث في علوم غريبة ومجهولة يتم في مرافق سرية تمامًا ومحاطة بالكامل بالحواجز. وبطبيعة الحال قد يشعرون بالاعتراض على ذلك. ولهذا السبب تُفتح المدينة أبوابها بهذه الطريقة عدة مرات في السنة.
وبالطبع، كانت الإجراءات الأمنية في مناطق البحث أشد بكثير من المعتاد—فلم يريدوا أن يصل أحد إلى أسرار تطوير القدرات. أن يُجعل هذا المستوى الصارم من الأمن يبدو طبيعيًا للمدنيين كان لابد أن يكون من عمل محترفين حقيقيين. ولعلّ زي ضابطة الأنتي-سْكِل كان جزءًا من الاستراتيجية. وظهور وجهها الجميل أعطاها انطباعًا أفضل من تغطية كل شبر من الجلد بالدروع العنيفة.
نظر كاميجو بين لافتة عدم العبور ووجهته. 「مم، نريد الذهاب إلى هناك. هل من طريق آخر؟」
「آع. الموكب الكبير أغلق حوالي ثمانية كيلومترات على طول هذا الطريق. أظنه كان في الكتيب. همم...」 نظرت ضابطة الأنتي-سكل حولها. 「لا توجد ممرات مشاة قريبة أيضًا... هذا سيكون الأقرب أظن؟ هناك مركز تسوق تحت الأرض على بعد ثلاثة كيلومترات في الغرب. إذا دخلت من U04 وخرجت من V01، ستعبر الممر تحت الأرض...」
(ثلاثة كيلومترات...؟!) ذُهل كاميجو. نظر إلى جانب إندكس، أوحى وجهها أنها لا تستطيع المشي كل هذه المسافة وأنها ستخسر المعركة مع معدتها الفارغة. انهارت على الأرض بلا كلمة.
- الجزء 7
ركضت ميساكا ميكوتو في الشوارع.
ليست داخل استاد مغلق، بل عبر الطرق المزدحمة بالناس. لم تكن هناك قيود على دخول المباني أو أي تجهيزات للطريق أيضًا.
مع ذلك، ميكوتو حاليًا في منافسة. نظرت إلى الجانب فرأت عدة عَدّائين آخرين على الأرصفة المقابلة للطريق.
لم يكن هناك قيدٌ على وجود غير المتنافسين في الطريق—في الواقع، هذه الفعالية هي الوحيدة التي يكون فيها وجودهم ضرورة.
سباقُ البحثِ عن الكنز.
ولكن، كانت الفعالية تقام عبر ثلاثة أحياء أكاديمية كاملة في المدينة: الأحياء 7 و8 و9. كان استخدام وسائل النقل مثل الحافلات ذاتية القيادة والمترو ممنوعًا بالطبع. الأمر أشبه بنسخة أكثر تفصيلاً وتعقيدًا من الماراثون، حيث ينطلقون من الاستاد، يبحثون عن العنصر المحدد، ويعودون به. وإنّ الجانب العقلي من هذا مهمٌ؛ فكان عليك بناء أقصر طريق في ذهنك. وليس وأنت منكس على مكتبك قلقًا، بل في وضع يتطلب استهلاك طاقتك في سباق طويل المدى. كانت الفعالية مشهورة دائمًا لاحتواءها عناصر يصعب العثور عليها بسبب مساحة اللعبة الكبيرة.
(إف! هذا تخصص كُروكو—هي المتنقلة الآنية! على الأقل اجعلوا الأمر أسهل بأن يكون في مكان خالٍ من السياح!)
كانت قدرتها قوية للغاية، لكن في المناطق المزدحمة بالمارة؛ صعبٌ عليها التحكم. وبالنظر إلى المدنيين، حددت اللجنة العامة لمدينة الأكاديمية الحد الأقصى للتداخل بالقدرات عند المستوى الرابع. ولكن، قدرة ميكوتو تتجاوز الحد بكثير.
اقتربت من نقطة تزويد بالماء، لكنها تجاهلت المشروبات الرياضية الموضوعة هناك واستمرت تركض. لأن شرب كمية كبيرة من الماء في السباق الطويل قد يبطئك. فتحت مجددًا الورقة المطوية في يدها وتحققت مرة أخرى من اسم العنصر المحدد المكتوب عليها. (سحبت أعفن ورقة من جديد... منحوسة يا أنا!!)
بينما تجري عبر الحشد، لمحت فجأة الهدف "العنصر" على مرماها.
هذه إحدى الشروط:
(إذا كان العنصر المحدد بحوزة طرف ثالث، فعند الحصول على إذن منه، يجب العودة إلى الاستاد وهو أو هي معك).
(فهمت!!) انطلقت ميكوتو بإحدى نعال حذائها مرتفعة الارتداد وغاصت في جبل البشر.
وضع كاميجو يده على كتف إندكس وهي تبكي تتشبث بلافتة عدم العبور. 「يلا، إندكس. إذا بقينا هنا، الرائحة ستزيد في إغراءك. الكتيب يحتوي على فروع تلك الأكشاك. لنذهب ونبحث عن غيرها، طيب؟」
صرخت باكية؛ 「لكنها قريبة قريبة أكاد ألمسها لكنني لن أصل إليها أبدًا!」 بدا على ضابطة الأنتي-سكل التي وضعت اللافتة شعور الذنب، لكن القوانين قوانين. لن تسمح لهم بالمرور. 「ت-توما... إذن أين أقرب كشك غير تلك؟」
「مم؟ همم... أظن هذا،」 قال وهو يتصفح الكتيب عشوائيًا. 「ثلاثة كيلومترات إلى الغرب... لحظة، هذا هو بالضبط مدخل المركز التجاري تحت الأرض الذي قالت لنا أن نسلكه!」
「ويييه...」
「همم... لكن إذا مشينا إلى هناك، قد لا أصل إلى فعاليتي التالية. وماذا عن الحافلات... آه. كل المركبات متوقفة حول هذا الشارع خلال الموكب أيضًا. يا ربي. آسف يا إندكس، لن نذهب. تحملّي حتى انتهاء فعالية دحرجة الكرة」
「{... قخ}」
「م، ماذا؟! لا! لا تغضبي مني! أنا، كاميجو توما، أعلن أنني لا دخل لي بمواقع الأكشاك أو برنامج الفعاليات أو مسارات الحافلات!!」
إندكس، التي لم ترغب في الاستماع إليه، فتحت فمها اللطيف وقفزت عليه قفزة وحش وانقضت. كانت سريعة جدًا لدرجة أن ضابطة الأنتي-سْكِل لم تستطع التفاعل. (والآن تأكلني!!) كما فكر كاميجو ولم يستطع إلا أن يتأرجح خوفًا...
...حين اختفى فجأة بسرعة الضوء.
كخئ!! عضت إندكس الهواء الخالي بأسنانها.
نظرت إلى الأعلى متسائلة عما حدث. كانت دقة هجومها—ونسبة قتلها—100%.
لكن من الطبيعي أن تخطئ—من جهة اليمين، جاءت ميساكا ميكوتو تجري بسرعة البرق، أمسكَت بقفا كاميجو، ثم اختفت بسرعة نحو اليسار.
「مسكتك!! يا جائزة النصر! مواهاهاهاها!!」
「ا-انتظري...! لا أتنفس! ع-على الأقل اشرحي...!!」
اختفا كلاهما بين الحشد أمام إندكس المذهولة. سقطت على الرصيف منهكة، وقدمت لها ضابطة الأنتي-سْكِل، غير قادرة على تركها وشأنها، أكلةً غذائية تبدو كالبسكويت.
- الجزء 8
كاميجو الذي بدا الآن مجرد خرقه متسخة ومبللة بالعرق دَخَلَ الاستاد برفقة ميساكا ميكوتو وقطعوا شريط النهاية.
كان هذا الاستاد في عالم مختلف تمامًا عن ذلك الذي جرت فيه فعالية دحرجة الأعمدة. يبدو أنه تابع لجامعة متخصصة في هندسة الرياضة. ورأى هناك خطوط بيضاء على مضمار من الأسفلت البرتقالي، مثل تلك المستخدمة في مسابقات المضمار والميدان الرسمية. كما تم ترتيب المقاعد على طبقات مثل ملاعب كرة القدم العالمية، وكان هناك عدد أكبر بكثير من المراسلين المزودين بالكاميرات وتواجد أمني أكبر بكثير.
وإحدى طالبات لجنة الإدارة في المدرسة الثانوية تنتظر ميكوتو عند النهاية، وبعد أن عبرت ميكوتو خط النهاية، وضعت على رأسها منشفة رياضية كبيرة. كان تقديم المشروبات واستخدام أسطوانة الأكسجين الصغيرة تتم بطريقة فخمة وسريعة، ليس فقط من الناحية العملية، بل أيضًا مع مراعاة وجود الكاميرات. كان من المقرر أن تجرى مراسم توزيع الجوائز ومقابلة بسيطة بعد ذلك. ولذا هي الآن تنتظر في مكان آخر حتى ينتهي بقية المتسابقين.
(هذا مختلف بالمرة... تتحرك هذه العضوة في اللجنة مثل مدربةٍ شخصية خبيرة).
ثم بعد أن اعتنت طالبة اللجنة بميكوتو، نظرت نظرةً مريبة نحو كاميجو. توتر قليلًا غير مدركٍ السبب، ثم بدأت تهمس.
「{...كاميجو توما؟ نعم، هو بالتأكيد "العنصر" الخاص بسباق البحث عن الكنز، لكن يبدو أن لكَ علاقة كبيرة بالفتيات، هاااء؟!}」
「{...هذا الصوت... لحظة، فُكيوسي؟!}」
نظر كاميجو إليها عن قرب، وكانت بالفعل فكيوسي سيري. ترتدي قميصًا بأكمام قصيرة وشورت، مع سترتها الرقيقة على كتفيها. تجمدت للحظة، لكنها الآن في عمل، فلم تسمح لغضبها بالتصاعد.
「{...آسفٌ جدًا، جدًا لما حدث سابقًا، بسبب قلة حذري وانتباهي، ولتسللي إليك أثناء التبديل!}」
「{...أنا أحاول جاهدة أن أنسى، فانساه أنت أيضا، كاميجو توما!}」
「{...أوه، أنا حقًا آسف. بالمناسبة، فكيوسي، هل ذلك الجهاز من التلفزيون الخروف بالأشعة تحت الحمراء فعلاً مريح؟}」
「{...أردتَ واحدًا؟}」
「{...ل-لا، فقط الفضول! لم أقل إنني أريد واحدًا!}」
「{...اسكت. الكل يجتهد في عمله، فلا تعرقلني في متابعة الفعالية والرياضيين!}」
دون رغبة أخرى في الاستماع لكاميجو، التقطت فكيوسي لوحة كتابة من الأرض بجانب صندوق المشروبات وبدأت تدوّن ما يبدو أنه نتائج السباق بقلم حبر جاف. لم يلاحظ أحد ميكوتو بجانبه يبدو عليها علامات الحنق قليلًا.
الآن بعد أن أدرك كاميجو أن فُكيوسي لم تعد ترغب في الكلام، التفت نحو ميكوتو، التي كانت قد جرته كل هذا الطريق رغمًا عنه.
「بالمناسبة ميساكا. جعلتِني أركض كل هذا حتى ابتللت عرقًا، وساقاي أشعر وكأنهما على وشك الانفجار. يبدو أن القواعد تقول إنه يجب الحصول على إذن الشخص أولًا. أم تراني أرى الأشياء بشكل خاطئ؟」
「آه، هذا؟ نعم نعم، أنت ترى الأشياء خطأ. على أي حال، لم تُكتب قاعدة في أي مكان أنه لا يمكنني الحصول على "الإذن" بعد الفوز!」
「...」
「هيا، لا تجلس هكذا. تكسر الخاطر. وتبدو كسول!」 وضعت المنشفة الرياضية التي كانت على رأسها على رأس كاميجو، ثم وضعت يديها فوقها وبدأت تمسح العرق عن وجهه بعنف. كان الأمر أشبه بتجفيف شعر طفل صغير مبلل. تحرج كاميجو قليلاً، لكنها فعلتها بقوة شديدة حتى لم يستطع إبعاد يديها. تخبط ذراعيه أبدتْهُ أكثر شبهًا بالطفل، فقرر الصمت وتركها تفعل ما تشاء.
بعد ذلك، بدا أن ميكوتو كادت تُسلّمه زجاجة مشروب بها شفاطة، لكنها نظرت فجأة إلى الشفاطة وتوقفت. اتجهت عيناها إلى فُكيوسي وهزت الزجاجة قليلاً. فُكيوسي، وهي تكتب شيئًا على لوحة الكتابة، رفعت رأسها وهزته. بدا أن القواعد تقول إنه يُسمح بمشروب واحد فقط لكل متسابق، ولا أكثر.
「.......................................................................................」
وقفت ميكوتو ساكنة لبضع لحظات، لكن في لحظة غير مناسبة لابد أن بعض الغبار قد دخل حلق كاميجو لأنه بدأ يسعل بشدة وكأن رئته اختنقت من الغبار. ارتجف، ثم هز رأسه لبضع لحظات قبل أن تستلم ميكوتو؛ 「آاخ، طفل أنت! لا أتحمل منظرك! خذها! خذها!!」
「بععغ!!」
دفعت ميكوتو جانب زجاجة المشروب على وجنته؛ ظن أنه رأى بعض السائل يخرج منها، لكنها لم تكن تراقب. كان وجهها أحمرَ متورِّدَا وهي تبتعد عنه تذهَبُ نحو مكان إقامة مراسم توزيع الجوائز. كانت المراسم بسيطة نسبيًا عندما تكون الألعاب بين الفصول أو السنوات الدراسية، بسبب العدد الكبير من المشاركين، لكن في الفعاليات الفردية يُكَرَّمُ الثلاثة الأوائل أحسن تكريم. وبما أن ميكوتو حصلت على المركز الأول، كانت منهم.
إلى جانبه، بقيت فُكيوسي صامتة، وهي تصدر صوت نقر بلسانها "تشه" دلالة واضحة على الاستياء. لا تزال الفعالية مستمرة، لكنها عليها أن تشاهد الفعالية التالية، فابتعدت للتحضير لذلك. وبالطبع ميكوتو كانت الوحيدة التي ستكافئ بشيء. لو كانت هذه مسابقة أكل الخبز، لكان هو الخبز نفسه. لا فائدة من استمرار وجوده بعد انتهاء الأمور، فرأى المغادرة أفضل له.
(وهذا ملح على الجرح... هذه الفعالية برمتها هي أكثر إزعاجًا للمساكين العشوائيين منها لأولئك المتنافسين الفعليين! وأليس الرياضيين المشاركين محصورين على وتيرة سرعة الناس العاديين؟) كاميجو أخيرًا وصل إلى نهاية تساؤلاته، لكن لم يكن هناك أحد ليجيب عليه. وبينما كان يشرع في احتساء المشروب الذي قُدم له، تساءل عما إذا كانت إندكس لا تزال تنتظر عند لافتة منع العبور.
فجأة، طار إليه شريط ورقي على الريح. بدا وكأنه الشيء الذي يوضح ما يحتاجون للعثور عليه في سباق البحث عن الكنز. ما عاد في الاستاد رياضيون آخرون—ميكوتو كانت قد حسمت المركز الأول بسهولة—لذلك لا بد أن هذا كان خاصًا بها. وفُكيوسي قد انتهت أيضًا من الكتابة المزدحمة على لوحتها، فلم يعودوا بحاجة إليه. حتى لو تركوه هنا، ستأخذه روبوتات التنظيف، لكنه قرر أن يلتقط هذه القمامة القابلة للاحتراق وينظر إليها.
(ماذا...؟)
وفيها كُتِبَ.
شرط الفوز؛ طالب ثانوي قد شارك بالفعل في فعاليته أو فعاليتها الأولى.
(استهبال...؟ أعني، الحقيقة، لتوّي انتهيت من مسابقة الأعمدة. لكن لا شك أن يكون هناك على الأقل مئة ألف صبي غيري يندرج ضمن هذا الشرط... فلماذا... لماذا أنا...؟)
فجأة شعر بالإرهاق، كأن سندانًا يضغط على ظهره. تدلت كتفاه وشق طريقه إلى المخرج. وبينما هو يمشي، بدأ فجأة يتساءل كيف كانت ميساكا تعرف حتى أنه قد أنهى مسابقة دحرجة الأعمدة أصلا؟
- الجزء 9
كان الطريق طويلاً بين الاستاد والمكان الذي ترك فيه إندِكس، فقرر كاميجو أن يستقل الحافلة.
سبعون بالمئة من الحافلات العاملة حاليًا كانت ذاتية القيادة، كاملة الأتمتة. ضغط كاميجو على زر مؤقت مثبت على جانب موقف الحافلات، فانزلقت حافلة كهربائية إلى جانبه دون أي صوت محرك.
كانت تقنيات القيادة الذاتية للطائرات والقطارات والسفن قيد التطوير، لكن السيارة كانت أصعبها جميعًا. فكل وسيلة—برًا وبحرًا وجوًا—تتطلب تحكمًا واتخاذ قرارات شديدي التعقيد. ولم يُسمح باستخدامها إلا في أوقات مثل مهرجان دايهسَي، حيث كانت هناك قيود مرورية سارية بالفعل.
فُتح باب الحافلة تلقائيًا وصعد كاميجو على متنها. لم يُسمح بالسيارات الخاصة في المدينة، فكانت الحافلة مزدحمة. وهناك مقعد للسائق، لكن حامي زجاجي مقوى يشبه كشك الهاتف يفصله عن الركاب. كان من الرائع مشاهدة عجلة القيادة والدواسات تتحرك بسلاسة دون وجود سائق.
الحافلة لا تستخدم الوقود، فكانت هادئة جدًا أثناء توصيل الناس ونقلهم مرات عدة قبل أن تصل بكاميجو إلى وجهته.
نزل عن المركبة. وما يزال هذا ليس المكان الذي ترك فيه إندكس—فالمكان يبعد قليلًا. الطريق مغلق من موكب فرقة الآلات الهوائية، ولذا تغيرت مسارات الحافلات مؤقتًا.
نسَّل مستعجلا {العدْو الخفيف} حتى بدأ يسمع إذاعة المنافسة مختلطةً بضوضاء الحشد. كل ما يُبث عبر مكبرات الصوت في الاستادات كان يُعرض أيضًا على شاشات كبيرة على جدران المتاجر، وجوانب المنطادات، وفي مسارح خارجية مؤقتة.
「بخصوص نتائج سباق العَقَبَات للرجال السابق، اتُخِذَ القرار بأنَّ—」
「هذه هي الفعاليات التي ستبدأ خلال الساعة القادمة. بمجرد بدء الفعالية، لن يُسمح بدخول المزيد من المتفرجين، لذا يُرجى—」
「سباق البحث عن الكنز للمدرسة الرابعة لم يخيب ظن أحد، حيث فازت ميساكا ميكوتو من مدرسة توكيواداي الإعدادية بفارق كبير. عبرت خط النهاية بفارق سبع دقائق كاملة عن أقرب منافس لها—」
「تنبيه، لدينا طفل مفقود. إذا كان هناك السيد تشارلز جونكور قادم من سانت تروبيه، يُرجى العثور على أقرب روبوت أمني والتحقق من وجهك وبطاقة دخول مهرجان دايهسَي الصادرة عن مدينة الأكاديمية. ما إن نؤكد موقعك، سنقوم على الفور بإحضار طفلك إليك. Veuillez l’entendre. Nous vous annonçons un enfant manquant」
بينما يستمع للبث، تصاعدت الأصوات بسرعة ثم مرت بجانبه، فنظر حوله. (حسنًا. لا أظنها ستتجول في أي مكان وتضيع، صح؟)
يا ليت لو يستطيع أن يتصل بها، لكن للأسف، ما فائدة جوّالها بلا بطارية. ويبدو أنها تمتلك ذاكرة كاملة وتستطيع حفظ كل طريق مَشُوه، لكنه ظل قلقا. بينما يشق طريقه تحت الشمس الحارقة، فكّر؛ (علّي أذهب إلى أحد الأكشاك وأشتري لها أكلة أو اثنتين). لكنه لن يستطيع العودة الآن. الفعالية التالية تقترب. وحاليا سيجد إندِكس ويهرع إلى الاستاد حيث ينتظره فصله. زاد من سرعته...
...ثم توقف فجأة.
تعرّف على أحد بين الحشد.
شعر طويل مصبوغ بالأحمر. أقراط. خواتم فضية؛ واحدةٌ في كل إصبع. سيجارة في زاوية فمه. وشم باركود تحت عينه اليمنى. كاهن ما هو بكاهن.
سُتَيْل ماغنوس.
ساحر حقيقي ينتمي إلى فرع من فروع الكنيسة التطهيرية الإنجليزية المعروف باسم النِسِسَريوس، كنيسة الشرور الضرورية.
(؟؟؟ ماذا؟ هل جاء ليرى إندكس؟)
ستيل كان من جانب السحر—كاميجو لم يتصور أن يهتم بالمهرجانات. ربما كان من المنطقي التفكير أنه جاء لرؤية إندكس، زميلته السابقة، التي بالكاد يراها الآن. لم يكن لدى كاميجو سبب يمنعه من ذلك، ووجود شخص يعرفه مع إندكس سيطمئن قلبه. قرر أن يتركه يعتني بها أثناء الفعاليات بينما كان يقترب عفويا...
...لكن يبدو أن ستيل كان يتحدث مع شخص ما. 『...إذن... هكذا الأمر... أظنه ممكنا...』
سمع صوتًا. مع من يحادث؟ اقترب كاميجو ليتحقق—ورأى زميله تسوتشيميكادو موتوهارو واقفًا هناك.
عميل متعدد—جاسوس متخفٍ في كل من مدينة الأكاديمية والكنيسة الأنجليكانية. على الظاهر، تراه ودودًا، لكنه كان يتحدث بصوت منخفض حتى لا يسمعه الآخرون.
『صحيح. أنت... جهز... لها... هذه... الفرصة الوحيدة』
شعر كاميجو بشؤم حيال اجتماعهما. كانا يبتسمان، وهذا وحده أدمجهما في حشد دايهسَي... لكن في الأمر غرابة. لم يبدُ عليهما المرح بأي حال من الأحوال. كانت ابتساماتهما مصطنعة—لم تولد من مشاعر إيجابية بل من مشاعر سلبية. وهذا فصل وجوههما بوضوح عن باقي الاحتفالات الضخمة.
اقترب أكثر فأكثر، على أمل التخلص من هذه الأفكار...
...ثم قال ستيل ماغنوس بهدوء شيئًا.
「لهذا علينا أن نتولى أمر الساحرة التي تسللت إلى المدينة. بأنفسنا」
وفجأة، تحول عالم كاميجو، المبني بالكامل على العلوم...
...إلى عالم آخر تلون بألوان السحر.
- ما بين السطور 1
هناك طالبة تُدعى شيراي كُروكو.
كانت فتاةً صغيرة القامة، تدرس في مدرسةٍ نخبوية لتطوير القدرات تُسمّى مدرسة توكيواداي الإعدادية للبنات، وكانت تحب أن تصفّف شعرها البني على ذيلين جانبيين {أم قرنين}. هي متنقلة آنية، وصُنّفت مستوى 4، ما يضعها في مرتبة عالية نسبيًا حتى داخل توكيواداي، ومع ذلك لم تكن تشارك في مهرجان دايهسَي هذا العام. فقبل عدة أيام، خلّف حادثٌ معين إصاباتٍ لم تلتئم بعد، وكانت لا تزال مغطّاة جزئيًا بالضمادات.
ومع ذلك...
رغم أوامر الطبيب بالبقاء في السرير، تسللت من المستشفى إلى أحد الشوارع الرئيسية في مدينة الأكاديمية. ترتدي زي توكيواداي المعتاد، لكنها الآن مقعدة على كرسي متحرك. لم يكن من النوع العادي، بل نموذجًا رياضيًا بعجلات تميل إلى الداخل من الأعلى كهيكل سيارة فورمولا واحد.
لم تكن شيراي كُروكو هي من تدفع الكرسي. خلفها كانت ويهارو كَزاري تمسك بالمقابض. هما زميلتان في الجدجمنت، وهي جهة لحفظ السلام في مدينة الأكاديمية إلى جانب مهام أخرى، مكونة من طلاب.
ويهارو ترتدي قميصًا أبيض قصير الأكمام وطماق أسود ضيق كأي فتاة رياضية عادية، لكن الزينة على رأسها المصنوعة من ورود الكرز وأزهار الكركديه ناقضت مظهرها كليا. كان عدد الأزهار الصناعية كبيرًا إلى حد أنك سترى إكليل الزهور من بعيد.
دفعت الكرسي الرياضي مبتسمةً بإشراق.
「إيه، بما أننا كنا نكدح تحت الشمس الحارقة، عندما أتخيلك جالسةً وحدك في غرفة مكيّفة تستريحين، قلت في نفسي عليها أن تساعدنا قليلًا. تيهيهي」
「...أقدّر عطفك وصداقتك كثيرا. ما إن أتعافى، سأنقل آنيا كل ملابسك وأترككِ عارية تمامًا. فهيا تتطلعي إلى ذلك」
بدا رد شيراي مرهقًا، لكنها بصراحة مَلّت من الاستلقاء وحدها خلال حدثٍ كبير كمهرجان دايهسَي، لذا في نفسها كانت سعيدةً نوعا ما أنّ ويهارو أجبرتها على الخروج. لكنها ستفضل الموت على أن تعترف بذلك لأي أحد.
لم يكن هذا أول مهرجان دايهسَي لها بالطبع، لكنه لا يُقام إلا مرةً في السنة، لذلك ظل حدثًا مميزًا. الطرق هي نفسها المعتادة، لكن مجرد سماع التعليق على المنافسات والألعاب النارية كان يكسو كل شيء بلونٍ جديد. بعض المارّة—وليسوا من سكان مدينة الأكاديمية، بل من الغرباء—كانوا ينظرون إليها بفضول، وهو أمر مزعج إلى حدّ ما. ومع ذلك، كانت شيراي تعلم أنها تمتلك قوى، فرأت سلوكهم منطقيًا بطبيعة الحال.
تلفّتت قليلًا من على كرسيها الرياضي.
「إذن، هل حدثت أي مشكلة في مهرجان هذا العام؟」
「حتى الآن، لا شيء كبير. فقط قبضنا على جاسوس شركة متنكّر في كشك حبار مقلي حاول أن يسرق خرائط الحمض النووي من لعاب الطلاب، وهذا كل شيء. لكنه أول مهرجان أعمل فيه مع الجدجمنت. الآخرون يقولون إن الأمور هذا العام كانت سهلة نسبيًا」
「نعم، هذا بالتأكيد هادئ مقارنة بمحاولة تدمير مروحية غير مأهولة من قِبل متطرفين معادين للذكاء الاصطناعي، أو محاولة تفجير الاستاد من قِبل دعاة الثقافة الروحية」
جاء ردّها بسلاسة شديدة لدرجة أن ويهارو عبست لا إراديًا. تلك الحوادث لم تُعلن للعامة قط، فدخلت في حالة من الدهشة؛ {"أمثل هذه حدثت فعلًا العام الماضي؟!"} أما شيراي، فلو كانت تعمل في الجدجمنت خلال ذلك المهرجان، لكانت مستعدة للتورط في مشكلات من هذا النوع.
ثم التقطت أذناها تعليقًا قادمًا من أحد الاستادات، وأدركت أنه صادر من شاشة كبيرة مثبتة على جدار متجرٍ كبير. لم يكن البث مباشرًا، بل لقطاتٍ مختارة من فعاليات سابقة. وواصل صوتٌ رجولي واضح الشرح:
「لم يُخيب سباق البحث عن الكنز للمدرسة الرابعة المجمّعة أيًّا من التوقعات؛ إذْ فازت ميساكا ميكوتو من مدرسة توكيواداي الإعدادية بفارقٍ ساحق. لقد عبرت خط النهاية متقدمةً بسبع دقائق كاملة عن أقرب منافسيها—」
ظهرت على الشاشة صورة لاستاد ألعاب قوى.
الكاميرا قد التقطت وجه المتسابقة، وظهر اسمها على الشاشة أيضًا. وبغض النظر عمّن كانت، فمن المفترض أن تصبح مشهورة عالميًا، بما أن البث يُعرض في أنحاء الكوكب... أو هكذا قد يُظَن، لكن الواقع لم يكن. فقد كان هناك أكثر من مليون وثمانمئة ألف مشارك، ورغم أنها أحرزت المركز الأول، فإن هذه المنافسات لم تكن بمستوى الأولمبياد حيث تُخلّد أسماء الفائزين في التاريخ. كان من الأسهل اعتبارها أشبه بدوري صغار لم يُكتشف لاعبوه بعد للمستويات الكبرى. وفي مثل هذا الوضع، يستحيل تذكّر أسماء ووجوه جميع الرياضيين، فيحتفل بهم الناس ثم ينسونهم—وهذا هو السلوك المعتاد للجمهور.
لهذا السبب، لم تُبدِ شيراي كُروكو اهتمامًا كبيرًا بما على الشاشة الكبيرة، لكن...
「اللاعبة ميساكا ميكوتو التي أحرزت المركز الأول بقيت واقفة حتى بعد انتهاء السباق وبدا أن لديها طاقةً فائضة أكثر من كافية」
استدارت شيراي نحو الشاشة بسرعةٍ خاطفة، حتى إن ويهارو التي كانت تدفع كرسيها تجمّدت في مكانها هلعًا.
「آه، أختي... أختي الرائعة الفذة... آه، أونيه-ساما {هايكو}! فزتِ مجددًا! انتصارٌ كامل لا تشوبه شائبة، أطرافك الشابة المفعمة بالحيوية معروضة أمام الجميع! أرجوكِ، أرجو عفوك أنّي ما استطعت رؤيتك مباشرة وعلى عجزي من تسجيل ذلك! إنني فاشلة!!」
تألّقٌ تألّقٌ تألّقٌ تألّقٌ تألّقٌ تألّق!!
تلألأت عينا شيراي، لكن...
「وكانت لفتتها تجاه من تعاون وركض معها لافتة للإعجاب أيضًا. تلك هي النزاهة التي يُتوقَّع وجودها في نخبة توكيواداي الإعدادية」
(...ماذا؟) فكّرت شيراي، وقد ظهر فوق رأسها علامة استفهام. مـ ـماذا...؟! لا...؟!
وبعد لحظة، رأت—
رأت "الذكر" الذي كانت ميساكا ميكوتو تمسك بيده وتركض نحو الملعب.
ورأت كيف مسحت جسده بمنشفتها الرياضية "بعرقها".
ورأت كيف ناولته مشروبًا رياضيًا كانت قد "شربت" منه.
(القرد اللعين...!! أ-أ-أمسك يد أختي وجعل نفسه مرافقها، واستغـلّ نزاعةَ أخلاقها الإنسانية لتجفّف عرقه كله، و-وحتى تجرّأ ولمس مشروب النعيم الذي شربته توا!!)
ارتجف جسد كُروكو بأكمله وهي تحدّق في ذلك الطالب الذكر المحظوظ فوق كل الحظوظ.
مهلا. إنها تتذكر ذلك الصبي تمامًا. في الواقع، كانت قد صادفته قبل أيام قليلة. قفزت من كرسيّها المتحرّك بكل ما أوتيت من قوة، مُحدِثةً جلبةً عالية.
「أ-أنت ميت! لا تظنّ أنك ستخرج من هذا حيًّا!! وجعلتَ حبيبتي أختي تحمرّ خجلًا أمام الجميع! الإحباط لا يصف حتى جزءًا مما أشعر به الآن!!」
「ا-انتظري، شيراي!! أرجوكِ اهدئي! انتظري، كيف استطعتِ الوقوف أصلًا مع تلك الجروح الخطيرة؟! هذا ليس وقت إظهار روح القتال كما في مانجات الشونين!!」
وبينما كادت شيراي كُروكو تبكي، وقد اشتعل غضب روحها، وكانت ويهارو كزاري تصرخ بها من على بُعد بضع بوصات، لم يزد ذلك مهرجان دايهسَي إلا حيويةً وصخبا.



اختر اسم وأكتب شيء جميل :)