-->

الفصل الثاني: مَلْعَبُ السَّحَرَةِ والْأَسَابِر. — "سيف_الطعن."

(إعدادات القراءة)

انتقال بين الأجزاء

  • الجزء 1

الفعالية التالية هي دحرجة الكرة.

قد وصل كاميجو توما وبقية طلاب صفّه إلى ساحة الملعب. وفي فناء المدرسة الصغير نسبيًا والمعبَّد بالإسفلت، اصطفّ كل فريقٍ مقابل الآخر، وقد وقف زملاء الصف على جانبيهم.

كانت القواعد غير مألوفة. عند اطلاق مسدس الإشارة، يتعيّن على كل فريق دفع خمس وعشرين كرة عملاقة لتجاوز خطّ المرمى الواقع خلف الفريق الخصم. وأيُّ فريقٍ ينجح أولًا في إدخال ما لا يقلّ عن نصف كراته وراء خطّ المرمى يُعدّ فائزًا.

الفارق الأكبر بين هذه المسابقة وألعاب دحرجة الكرات المعتادة أنّ الكرات هنا تكون كبيرة إلى حدٍّ يجعل تصادم كرات الفريقين أمرًا لا مفرّ منه مرةً واحدة على الأقل. وما إن استوعب أحد الفريقين سهولة الاصطدام؛ صاروا يعرقلون خصومهم بكراتهم أو حتى بالقدرات.

كاميجو وعدد من زملائه وضعوا أيديهم على إحدى كرات فريقهم الأبيض والتي بلغ ارتفاعها قرابة المترين. وكانوا يشمّون رائحة العرق والغبار. وقد لسع جلودهم الهواء المشحون بالترقّب قبيل انطلاق مسدس الإشارة. على الرغم من أنّ الأمر لا يعدو كونه لعبًا وتسليّة، فإنّ الأجواء السائدة أوحت على نحوٍ ما بمصيبة قادمة.

ومع ذلك ظلَّ كاميجو، حتى في هذا الموقف، منشغل البال بأمرٍ آخر؛ بما قد حدّثه تسوتشيميكادو وستَيْل قبل أقلّ من عشرين دقيقة.

『الأمن في مدينة الأكاديمية الآن منخفض حتى يدخل كلّ هؤلاء الناس، ها؟』

『وهذا يعني أنّ السحرة سيخترقون الثغرات بسهولة』

قد خُصِّص لصفّ كاميجو ما مجموعه ثلاث كرات: واحدة للبنين، وأخرى للبنات، وثالثة مشتركة للجميع. وكاميجو هو المسؤول عن كرة البنين. وهيميغامي آيسا، عند مجموعة الكرة المجاورة، تنظر نحوه بين الحين والآخر في صمت، كأنّ لديها ما تريد قوله، لكنّه كان غارقًا في أفكاره إلى حدٍّ لم يلحظها.

『لكن لماذا؟ ليختطفوا إندكس مجددًا؟ إذن سـ—』

『اهدأ يا كاميجو توما. على الأرجح ليست هدفًا هذه المرّة. لو وضعوا أيديهم عليها لانتهى الأمر بمزيدٍ من المتاعب والمعاناة لهم』

『هاه؟ ماذا تعني؟』

『أشرح لك بعدين يا كاميان. أما الآن لندخل صلب الموضوع؛ عمَّ يريد السَّحَرَة داخل المدينة أساسًا』

خرجت من مكبّرات صوت المدرسة عبارة "جاهزين".

حبس الجميع أنفاسهم، وانحنوا قليلًا. ألقى كاميجو نظرةً إلى الجانب فرأى تسوتشيميكادو موتوهارو بنظارته الشمسية المميّزة وقد وضع يديه على الكرة مع بقية زملائهم.

『مهلا... سَحَرَة؟ أكثر من واحد؟』

『وقد أكدّنا على اثنتين: لِدُفيا لورنزتّي من الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، وعامِلَتُها أوريانا تُمسون، [مُهرّبة] وُلدت في إنجلترا. كما يُفترض وجود فردٍ ثالث على الأقلّ يسعيان لعقد صفقة معه، لكننا لم نحدّد هويته بعد. ويقال إنّ نيقولا تولستوي من الكنيسة الأرثذكسية الروسية مثيرٌ للريبة، لكن لا تأكيد لدينا』

『مهرّبة؟ صفقة؟ ماذا ينوون؟』

『كما يبدو تمامًا يا كاميان! سيجرون مقايضة على [عنصر روحي] تابعٍ للكنيسة، هنا في هذه المدينة』

طووه! انطلق مسدس البدء. وكان كاميجو شارد الذهن فتأخّر لحظةً عن البقية.

『لكن لماذا هنا...؟ مدينة الأكاديمية هي الأقلّ ارتباطًا بالغرائب في العالم تقريبًا، أليس كذلك؟』

『صحيحٌ نيا! بل هذا هو السبب بالذات. فالأنتي-سكِل والجدجمنت لا يستطيعان اعتراض من في الجانب السحري واعتقاله كما هو متّفق. وفي المقابل، لا يستطيع الصليبيون والنِسِسَريوس من الجانب السحري أن يدخلوا مدينة الأكاديمية بسهولة أيضًا. بعبارة أخرى، هذا المكان صعب على أيٍّ من الطرفين أن يتحرّك فيه بحرّية. ولوْلا تراخي الأمن خلال مهرجان دايهَسي لما أمكنهم التحرّك أصلًا. أمّا الآن، فعليهم استغلال هذا التراخي ليكونوا جريئين ويغتنموا الفرصة』

بدأ كاميجو يركض على عجل كي لا تبتعد الكرة عنه. تردّدَ عبر الأرضِ وقعُ أقدام لا يُحصى وصوت تدحرج الكرات العملاقة، وانتقل الاهتزاز إلى قدميه. الكرات مجوّفة من الداخل، فلم تكن ثقيلة الإحساس. لكنّ ذلك جعلها في المقابل سهلة التأثّر بالرياح، وأيّ خطأ بسيط كفيلٌ أن يجعلها تنحرف جانبًا.

『لكن ستيل هنا. ألا تنادي ببساطة عدد من رفاقك في النِسِسَريوس سرًّا وتقبض عليهم؟』

『دخلت تحت ذريعة أنّني على معرفةٍ بك وجئت سياحة. لا يمكننا استدعاء سحرة آخرين. ولو نُسب هذا الأمر إلى الكنيسة الأنجليكانية منظمةً، لتطلّعت سائر الفصائل السحرية التي تراقب من بعيد إلى التدخّل أيضًا. أتظنّهم جميعًا على ودٍّ مع مدينة الأكاديمية؟ لا شكّ أنّ هناك من سيحاول التخريب. وهل تظنّ أنّ أحدهم سيسعى حقًّا إلى حماية هذا المكان الذي يعارض كلّ ما هو غرائبي؟』

『مدينة الأكاديمية هي معقل العلوم، ولها وزنٌ أكبر بكثير من منظمةٍ واحدة من الجانب السحري لم يسمع بها أحد-نيا. لكن لو تجاهلت مدينة الأكاديمية آراء الجماعات الصغيرة، فإنّ مجتمعات السحرة الكبرى ستبدأ بدورها في الجدال والنزاع. مشكلة لِدُفيا وأوريانا دقيقة للغاية يا كاميان. والوضع أصلاً مزعج بما يكفي. إذا استدعينا أكثر ممّا نحتاج فستغرق مدينة الأكاديمية في فوضى عارمة. فكّر بالأمر هكذا: الوحيدون القادرون على التحرّك الآن وإيقاف هذا هم السحرة "الودودون" الذين جاءوا إلى هنا في سياحة. ثم إنّ عدد السحرة الذين لهم صلات بمدينة الأكاديمية قليلٌ أصلًا؛ ومن البديهي أن يلتزموا بنخبةٍ محدودة』

تدحرجت الكرات وانقلبت، ببطءٍ في البداية، ثم ازدادت سرعتها بثبات. وأنّ الكرة التابعة لمجموعة كاميجو تقدمت عن بقية كرات فريقهم، ما يعني أنّهم كانوا في خطرٍ حقيقي من أن يكونوا أوّل من يصطدم بكرات الفريق الخصم.

『؟؟؟ لكن ألن تندرج كاوري كانزاكي ضمن تلك الفئة؟ وهي قوية حدَّ الجنون؟ هي قدّيسة، أو أيا كانت. ألا نحتاج كل ما نجد من المساعدة؟』

『لا يمكنهم استخدام كانزاكي. بل خصوصًا هذه المرّة—نظرًا [للسلاح الروحي] الذي سيتم تبادله』

『هاه؟ ماذا يعني ذلك؟』

『كاميان، يُقال إنّ اسم [السلاح الروحي] هذا هو [سيف الطعن]. وهو يَقدر على...』

كانت الكرة كبيرةً إلى حدٍّ صعبت على كاميجو رؤية الأمام. صرخ أزرق الشعر أوغامي اقتربت اقتربت، فشدّ كاميجو تركيزه.

『...قتل أيَّ قدّيس في الوجود』

سمع صوتًا من خلفه يصرخ؛ "انتبهوا!"

في تلك اللحظة، قفز جميع زملائه الآخرين مبتعدين عن الكرة العملاقة دفعةً واحدة.

(هاه؟ حسبت أنّ أمامنا بعض الوقت قبل أن نصل إليهم...)

لكن بينما كان كاميجو يتساءل عن ذلك...

...ارتطم به شيءٌ من الخلف.

「بعغغ!!」

كانت كرة زميلتهم قد تجاوزتهم بسرعةٍ مذهلة، مبتلعةً كاميجو وأكملت تتدحرج. وإلى جانبها، اندفعت الكرة المشتركة للبنين والبنات ماضيةً هي الأخرى.

صرخت فُكيوسَي سَيري ببرود: 「ماذا تفعل يا كاميجو توما؟!」

ونظرَت إليه هيميغامي آيسا تلك النظرة التي تقول وكأنّها تريد أن تضيف: 「مرةً أخرى... سوء حظّك المزعوم مع النساء يظهر جليًّا」

  • الجزء 2

قِدّيس

「تَعرِفُها. هي الكلمة التي تصف من امتلك صفاتًا شبيهة بابن الإله في الديانة الصليبية. فإذا نظرتَ إلى نظرية الأصنام، تجد أنّ النُسَخ المقلَّدة من الصليب الذي صُلِب عليه ابن الإله تحتفظ بجزءٍ من قوة الأصل، تذكر؟ وإذا طبّقتَ ذلك على ابن الإله والبشر، فإنّ بعض الناس ينالون قدرًا من قوة ابن الإله نفسها. أولئك القلّة المختارون يُسمَّون [قدّيسين]. وهم يمتلكون قوةً لا يمكن تصوّرها. باستثناء...」

كان حديثهم هذا بعد انتهاء فعالية دحرجة الكرات (والتي انتهت -لحسن الحظ- بانتصار مدرسة كاميجو مرةً أخرى)، وبعد أن غادروا الساحة. وبينما كانوا يرتشفون مشروباتهم الرياضية—التي أوصت بها عضوة اللجنة الإدارية فُكيوسَي سَيري ("تفضلوا، هذا يحتوي على أحماضٍ أمينية، اشربوه! وهذا فيه خلٌّ أسود وإيزوفلافونات!")—واصلوا حديثهم وهم يسيرون في الطريق.

「لدى القدّيسين نقطة ضعف واحدة」

「لديهم؟ صدقًا، كانت كانزاكي قوية إلى درجة أنها قاتلت ملاكًا حقيقيًا على قدم المساواة」

نطق كلمة "ملاك" لم يبدو واقعيًا تمامًا على مسمع كاميجو، لكنه كان قد رأى واحدًا بالفعل والهيئة. وحتى حقيقة أنه رآه حقًا بدت غير معقولة. ذلك [الملاك] سَمّى نفسه ميشا كرويتزف، وكان قويًا إلى درجة أنه يستطيع تدمير العالم بإصبعٍ واحد. ومع ذلك، قاتلته كانزاكي بمهارةٍ لم يكن كاميجو ليأمل يومًا أن يقترب منها.

لكن تسوتشيميكادو تابع الكلام وهو يرتشف شرابه؛

「لقوّتهم ثمنٌ يدفعونه. اسمع، القدّيسون بشرٌ امتلكوا سماتٍ مشابهة لسمات ابن الإله. والقوة التي تُمنح لهم تُضاف إليها الصفات والخصائص الخاصة بابن الإله نفسه. وهذا يعني...」 وتوقّف لحظة. 「بعبارةٍ بسيطة، إنّ القدّيسين وَرَثوا مَعَ قوةِ ابنِ الإلهِ نقاطَ ضعفِهِ أيضا

「اء...」 تردد كاميجو.

「لقد مات ابن الإله مرةً. قد يكون قد بُعث من جديد وصعدَ السماء، لكن حقيقة أنه قد مات مرة لا تتغيّر. فهل تعرف كيف مات ابن الإله تحديدًا يا كاميان؟」 نظر إليه تسوتشيميكادو وابتسم ابتسامةً عريضة. 「طُعِنَ حتى الموت. ثُبِّتت يَداهُ وقَدَماه على الصليب بمسامير من حديد، وفي النهاية طُعِنَ جنبه بِحَربة. اختلف اللاهوتيون في ما إذا كانت الحربة لإجهاض أنفاسه الأخيرة أم للتحقق من موته، لكن هذا لا يغيّر حقيقة أنّ جميع تلك "الهجمات" كانت طعناتٍ أودت بحياته-نيا」 ثم جرع مزيدًا من شرابه. 「يَستخرِجُ [سيف الطعن] الدلالةَ الدينية التي تضعها المسيحية على [إعدامات الشهداء] و[طعنِ] يَسُوعَ عَلَى الصليب—ثم يُضخّمها ويُكثّفها ويُركّزها في سلاحٍ يُقال إنه قادر على اختراق جلد التنانين وتثبيتها على الأرض. إنه لا يضر البشر العادي شيئا، لكنه قويّ إلى حدّ أنه يرسل القدّيس إلى قبره بضربةٍ واحدة، ومن أي مسافة كانت؛ ما دام طرفه مصوبًا على الهدف

ارتعد كاميجو.

「مخيف، ها؟」 تابع تسوتشيميكادو موافقًا. 「حالما يُفعَّل [سيف الطعن]، لكَ أن تحتمي في ملجأٍ نووي، أو في نهايات العالم، أو حتى على بلوتو، لكن ما إن يُوَجّه طرفه إليك سيقتلك. حتى أسلحة الليزر لا ترقى إلى هذا المستوى من القسوة والسهولة. ويُقال إنه صُنع أصلًا لقتل القدّيسين الذين استبدّ بهم الطمع والطموح-نيا」

「وهم يقايضون به مقابل شيء؟ ما الذي يخططون له السحرة الملاعين؟」

「الحرب، بالطبع. فالقدّيسون هم -عمليًا- النسخة السحرية من الأسلحة النووية. إذا استطعتَ اغتيال قدّيسي العدو بدقّة وحافظت على قدّيسك، فإنّ كل شيء في الحرب سيتغيّر」

حرب.

بالنسبة لطالب ثانوي عادي يعيش في اليابان الحديثة، لم تكن الكلمة ذات وقعٍ كبير. لكن كاميجو كان قد شهد من قبل جزءًا ضئيلًا مما قد تعنيه. معركة ثلاثية بين الكنيسة التطهيرية الإنجليزية والكنيسة الكاثوليكية الرومانية والكنيسة الأماكسية حول [كتاب القانون] والأخت التي قيل إنها تحمل مفتاح فكّ شفرته أورسُلا أكوينس. لكنّ تسوتشيميكادو حين قال "حرب"، فهل كان يقصد شيئًا أوسع من ذلك بكثير؟ شيئًا يمكن أن يجرّ إليه أناسًا لا علاقة لهم من شتى أنحاء العالم، ويعيد رسم الحدود السياسية؟

「لكن هناك الكثير من السحرة الذين ليسوا قدّيسين. أظن أن نِسِسَريوس تستطيع القتال حتى من دون كانزاكي」

「كاميان، يا كاميان. ما هي هذه المشكلة. لا يهمّ إن كانت الفصائل الأخرى قادرة على الفوز أم لا. كل ما يحتاجونه هو وهمُ القدرة على الفوز كي تندلع الحرب. فالقدّيسون رموزٌ للقوة، وإذا ماتوا، ليس صعبًا أن تتخيّل الانهيار التام لنظام مجتمعات السحرة. الأمر يشبه انتشار اليأس في أمةٍ بعد مقتل العائلة المالكة-نيا. ما إن يرى أحدهم فرصةً حتى ينتهي كل شيء. من يظنّ أنه قادر على الفوز سيلقي بنفسه مباشرةً في بحر الحرب—وإن لم يرى النتائج البائسة التي تنتظره

نطق تسوتشيميكادو كلماته بلهجةٍ مرعبة أرسلت قشعريرةً في عمود كاميجو. وربما كان ذلك لأنه يعمل جاسوسًا، ويعرف عن كثبٍ مدى هشاشة هذا العالم.

「إنّ الدول والجماعات التي يختلّ توازن قوتها الدينية بسبب القتل العبطي لقدّيسيها ستتعرّض لمختلف أنواع الهجمات من الفصائل السحرية، من الداخل والخارج على حدّ سواء، وفي النهاية ستنهار. قد لا يظهر ذلك للعيان، لكن تلك الدول، بل والعالم بأسره سيتعرّض لدمارٍ حقيقي. وإذا أشعَلَ اختلالُ التوازنِ في موضعٍ ما شرارةً، فقد تبدأ مواضع أخرى بالتخطيط لتغيير موازين قواها هي أيضًا، وهذا قد يقود إلى حرب. ولهذا السبب لا تستطيع [الأبرشية الصفرية الأنجليكانية النسسريوس] أن تتغاضى عن هذه الحادثة الصغيرة، فَهُم وكالة وطنية لحفظ السلام تحارب السحرة-نيا」

وعلى الرغم من أنّ كلمات تسوتشيميكادو كانت في جوهرها تأكيدًا على عزيمته الشخصية، فإنه أنهى حديثه بقدرٍ كبير من الخفّة. وكان كاميجو مبتدئًا أكثر من اللازم ليحدّد ما إذا كان ذلك يجعل عمله الجاسوس سهلًا ومريحًا، أم أنّه ببساطة يضبط مشاعره بإحكام كالمحترفين.

واصل شربه من المشروب الذي صار فاترًا الآن.

「لكن إذا كان الأمر خطيرًا إلى هذه الدرجة، أفلا تطلبوا المساعدة من إندكس؟」 نعم—لم تكن إندكس هنا. فبعد أن شرح له ستيل وتسوتشيميكادو الأمور، جُرَّ إلى ساحة المدرسة للمشاركة في مسابقة دحرجة الكرات من دون أن تتاح له فرصة اللقاء بها مجددًا. تلك الفتاة عبقرية في السحر موثوقةً للغاية. بل إنّ كاميجو على حدّ علمه لم يكن يعرف أحدًا يفوقها معرفةً.

لكنّ تسوتشيميكادو رفض الفكرة رفضًا. 「لا. لن نستخدم فهرس الكتب المحرّمة هذه المرّة. لا يجوز أن نُقرّبها من هذه الحادثة، ولا أن نخبرها بأيّ شيءٍ عنها أيضًا」

「...ولِمَ لا؟」

「همم. الوضع معقّد نوعًا ما-نيا. أظنّني سأبدأ من البداية، فأنصت جيدًا」 حكّ رأسه وكأنّ كل هذا عبءٌ مزعج. 「كما قلتُ لك، لا يستطيع جانب العلم التدخّل كثيرًا في شؤون جانب السحر. وفي الوقت الراهن، مدينة الأكاديمية غارقةٌ في مشكلاتٍ داخلية وخارجية... هل تفهم ذلك؟」

「هاه؟ نعم، لأنّ الأنتي-سْكِل والجدجمنت لا يستطيعان فعل شيءٍ مباشرة ضدّ السحرة」 شعر كاميجو أنّ ستيل سبق أن شرح ظروفًا مشابهة عندما سيطر أحد الخيميائيين سرًّا على مدرسة ميساوا. كان كلٌّ من جانب العلم وجانب السحر يحتكر تقنياته الخاصة، وبهذا وحده ظلّ العالمان في سلام. ولو حاولت جهةٌ أمنية من مدينة الأكاديمية اعتقال ساحرٍ في مثل هذه الظروف، فقد يؤدّي ذلك إلى تسرّب معلومات وتقنيات السحر إلى العلم. 「فمثلا، سيكون الأمر أشبه بسقوط مقاتلةٍ نفّاثة متطوّرة في أرض العدو فيستولون عليها، صح؟」

「بالضبط. وفوق ذلك، إنّ دخول عدد كبير من السحرة إلى مدينة الأكاديمية دخول المنظمة سيكون أمرًا سيئًا. وهذا يعني أنّ السحرة الموجودين هنا الآن لإتمام صفقتهم يتمتّعون عمليًا بحرّية الحركة في الوقت الراهن-نيا. بل إنهم بصراحة قد يتمكّنون حتى من البدء بقتل الناس」

والآن عندما فكّر، بدا هذا الوضع برمّته عبثيًا في نظر كاميجو. الجميع يطارد الهدف نفسه، ومع ذلك وبسبب كل هذه القيود، لا يستطيع أحدٌ فعل أيّ شيء.

「ولهذا السبب نحن—الاستثناءات الخاصة: أنت وأنا وستَيل—من نتحرّك...」 ابتسم تسوتشيميكادو. 「لكن هناك جماعاتٍ لم تتقبّل ذلك بسهولة. إنهم يرمون شِباكهم في كل اتجاه، محاولين اكتشاف ما إذا كانت هناك طريقة للتسلّل إلى مدينة الأكاديمية لأيّ ذريعة كانت. بعضهم يريد حلّ الوضع، وبعضهم يستغل. وهم يستخدمون تعاويذ شبيهة بالرادار خارج المدينة لرصد تدفّق المانا بحيث يتمكّنون من اقتحام المكان فور حدوث أيّ شيء-نيا~」

「هاه... أهكذا الوضع دائمًا؟」 لم يجد كاميجو ما يقوله غير ذلك. فهو بصراحة لم يكن لديه تصوّرٌ واضح عمّا يعنيه "تدفّق المانا" أصلًا. 「لكن ما علاقة رصد المانا بإندِكس؟ هي لا تستطيع استخدام المانا، لا؟ وحتى لو استخدموا تعويذة رادار، فهذا لا يعني بالضرورة أنّ علينا إبعادها عن كل هذا」

كان كاميجو فاقدًا للذاكرة، لذا كان فقط يعرف المعلومة ولا يتذكر اكتسابها؛ أنَّ إندِكس ليست قادرة على استخدام أيّ سحرٍ على الإطلاق مقابل امتلاكها إمكانية الوصول إلى 103,000 كتابٍ سحري. ويُقال إنّ ذلك مجرّد إجراءٍ وقائي لمنعها من استخدام تلك الكتب لأغراضها الخاصة أو إذا اهتاجت، لكن...

「هذا ما نسمّيه اختلافًا في وجهات النظر. اسمع يا كاميان. لقد وقعت حولك حوادث سحرية كثيرة خلال الأشهر القليلة الماضية، وقد أنهيتها كلّها ببراعة. لكن في عالم السحر، اسمك لم ينتشر كثيرًا بعد-نيا~」

「ح-حسنًا، سيبدو الأمر غريبًا لو انتشر. ولماذا يهم؟」

「أعني أنّ اسم إندكس، مقارنةً باسمك، أكثر أهميةً بكثير. فمعظم الناس في عالم السحر لا يفكّرون قائلين؛ "كل تلك الحوادث حدثت حول كاميجو توما". بل يقولون؛ "تحدث الكثير من الحوادث حول مَن تُدير 103,000 كتاب سحري—فهرس الكتب المحظورة"」

(آه، فهمت الآن)، فكّر كاميجو.

「إذن فمعظمهم يعملون على افتراض أنّه إن حدث شيءٌ ما، فستكون هي في مركزه. ومن الطبيعي تمامًا أن يفتّشوا المناطق المحيطة بإندكس، لا؟ ولسوء حظّهم، لا توجد تعويذة تسمح لهم بمراقبة مدينة الأكاديمية بأكملها في كل الأوقات. وحتى لو استخدموا تعويذةً جماعية، مثل الجوقة الغريغورية، فلن تتجاوز دائرة المراقبة قطر كيلومترين تقريبًا-نيا. لذلك، إذا أبعدنا إندكس كثيرًا عن مكان الأحداث، فسنتمكّن من جذب انتباههم إلى مكانٍ آخر. وهذا يعني أيضًا أنّهم على الأرجح سيتغاضون عن معركةٍ سحرية أو اثنتين تقعان في مكانٍ مختلف-نيا~. أمّا لو استدعيناها إلى قلب كلّ شيء، فقد يعلمون」

「تقول إنّه مطلوب منّا أن نتعامل مع كل هذا من دون أن تلاحظ إندكس أيّ شيءٍ من السحر أو أي شيء؟」

قد يبدو الأمر بسيطًا، لكنها في الحقيقة مشكلةٌ صعبة للغاية. فإندكس في الأساس حفظت تلك الكتب السحرية الـ103,000 حفظًا كاملًا بغرض التصدّي لأيّ ساحرٍ موجود. ولن يفوتها أدنى مؤشر، وما إن تلتقطه حتى تتحرّك تلقائيًا. لكن لو شرحوا لها الوضع مسبقًا وطلبوا منها البقاء في مكانها، فمن المرجّح أنّها لن تقبل. فالشيء الذي تكرهه أكثر من أيّ شيءٍ آخر هو تورّط الآخرين في الحوادث المرتبطة بالسحر، ولذلك لن ترضى بأن يحلّ أحدٌ محلّها.

بينما كاميجو يقلب الأمر في ذهنه، هزّ تسوتشيميكادو علبة مشروبه الفارغة.

「ومع ذلك كاميان، أرى هذا مجرّد مثال آخر على حظّك العفن-نيا~. بعد كلّ ما فعلته ومع ذلك ينسبون كل الفضل إلى إندكس ها؟ مسكين」

「يا أحمق. أنا قلق عليها. لا أصدق. كان لديها أصلًا أسبابٌ كثيرة تجعل الآخرين يلاحقونها، والآن هذا...」 نقر لسانه وغاص في أفكاره أكثر. ابتسم تسوتشيميكادو بخفة وهو يراقبه—ابتسامة صغيرة، بلا سخرية ولا استهزاء.

「على أيّ حال-نيا~. سنترك مسألة إندكس لكَ كاميان! أعني، ما عليك إلا أن تعدها أن تتنزهوا في مكانٍ ما وتُبعدها قدر المستطاع عن أيّ مكانٍ تتوقّع أن يبدأ فيه السحر بالتطاير هنا وهناك」

「هاه؟ ماذا؟! تتحدّث وكأنّ الأمر في غاية السهولة...」

「ما عليك! قد رفعتَ عدد هائل من الرايات بالفعل. ستكون سهلة السهولة!」

「كدّست كومة هائل من الثقة غير المبرَّرة! وماذا بشأن الفعاليات؟ ستجنّ فوكيوسي إن تغيّبنا عنها من دون أن نخبرها بشيء! ولن يجرؤ أحدٌ حتى في النظر إلينا بعد أن تنتهي منّا!!」

「عندك رايات كثيرة مرفوعة—استعملها في شيء! إندكس الأهمّ الآن. هي فهروسة للكتب! جرب تعطيها أي أكلة وستعطيك ما تشاء-نيا~. وإن ساءت الأمور، ما عليك إلا أن ترمي حلوى في الاتجاه المعاكس للمكان الذي تقع فيه الحادثة-نيااا!」

「لو سمعتك إندكس تقول هذا، قد تعضّ جمجمتك كلّها. تصدق، ما أظنّ أنني رأيتها تعضّ أحدًا غيري...」 قال كاميجو بتعب، بينما ربّت تسوتشيميكادو على كتفه بضع مرّات.

  • الجزء 3

ما أحرَّ الشمس والإسفلت.

تلك هي الفكرة التي خطرت ببال إندِكس الجائعة وهي ممدّدة على الرصيف بلا حراك.

بعد انتهاء العرض، وما إن أزالت ضابطة الأنتي-سْكِل يوميكاوا آيهو لافتة منع العبور حتى لم تعد قادرة على تجاهل الفتاة أكثر. فأوقفت عملها وحملت إندكس بين ذراعيها حَملَ الأميرة. وربما لم يكن في المقعد أيّ تأثيرات تبريد علمية، لكنها وضعتها عليه على أيّ حال، تحت إحدى الأشجار المصطفّة على جانب الطريق. أمّا القطّ الملون الذي كان مع إندكس فقد تتبع يوميكاوا خطوةً بخطوة وقفز بدوره فوق المقعد.

ثم وصلت أخيرًا زميلتها المعلّمة تسوكويومي كوموي بعد أن اتصلت بها. ويُفترض أنّها أكبر سنًّا من يوميكاوا، لكنها الآن ترتدي زيّ مشجّعات؛ إتب {قميص بلا أكمام} بلونٍ أخضر فاتح وتنورةً بيضاء قصيرة مطويّة. لعلّها ارتدته لتشجّع صفّها مع بقية الطلاب، لكن يوميكاوا تنهدت؛ فكَونُ هذا الزيّ يبدو مناسبًا لها في مثل هذا العمر لم يكن أقلّ من أمرٍ مرعب.

「م-معلمة يوميكاوا! قلتِ إنكِ وجدتِ إحدى معارفي، و— وآه!」 نظرت المعلمة كوموي إلى إندكس وصرخت. 「أ-الأخت؟! ل-لماذا تبدو كخضار ذابل متروك في الجمعية؟! أ-أرجوكِ لا تقولي إنها كانت تعاني ضربةَ شمسٍ منذ قبل أن أصل!!」

جعل صراخها القطّ الملون يموء باستياء وينفش فراؤه.

(يا ربي...) فكّرت يوميكاوا وهي تنظر إلى إندكس الممدّدة على المقعد. فبنظرةٍ سريعة قد يظنّ المرء أنّها مصابة بضربة شمس. فهي منهارة تحت الشمس الحارّة، مرتديةً ثوبًا دينيًا من قماشٍ سميك نسبيًا. وأن الاعتقاد بأنّ الحرّ قد أنهكها حُكمٌ معقول على الأرجح.

「أستاذة تسوكويومي، اسمعي! هيّا، اهدئي، زين؟」

「ك-كيف لي أن أهدأ؟! قد لا تكون هذه الأخت من طالباتي، لكنها ما تزال طفلةً عليّ أن أحميها!!」

「نعم نعم، فهمتُ، يكفي خطاب الأستاذة المثالية. ليست ضربة شمس، طيب؟ هي فقط جائعة」

「ها؟」 نظرت المعلمة كوموي إليها في حيرة. ثم قالت؛ 「و-ومع ذلك، كيف لي أن أهدأ؟! سوء التغذية أمرٌ خطير بحدّ ذاته!!」

「يا ليل. أظن أنه عليّ أحترم زميلتي الأقدم لأنها لم تفقد ذرة من حماستها. لكن، تَرى، لتوّي أعطيتها ثلاث بسكويتات من مؤونتي المحمولة، والتهمتها كلها بشَرَه」

عند صوت يوميكاوا ماءَ القطّ براحة كأنه يقول؛ "نعم، وأعطتني بعضًا منها أيضًا". وحول فمه علق فتات.

「...إذن فليست جائعة، بل ممتلئة إلى حدّ الألم؟! لكنكِ معلّمة أيضًا، فلا بدّ أنكِ تعرفين كيف تُحافظين على التغذية السليمة...!」

「أو أقول لك؟ لمَ لا تسمعين منها مباشرة؟」

أشارت يوميكاوا بإصبعها إلى المقعد. وبينما دفعت المعلمة كوموي يدها تقول "عيب أن تشيري إلى الناس"، عادت لتنظر إلى إندكس.

قالت الفتاة المنهكة بالثوب الأبيض بصوتٍ واهن؛ 「جه-جوعانة... أ-أما وصل توما بــــــــعــــد...؟」

「حقًا أنتِ جائعة؟!」

「كما قلت! زين، عادي أتركها معك؟」

أومأت المعلمة كوموي بانحناءةٍ وكلمة شكر، استدارت يوميكاوا وانطلقت مبتعدةً بخطواتٍ خفيفة ولوّحت بيدٍ واحدة من خلفها. كان ردًّا لا مباليًا، لكنها فعلت ذلك لأنها كانت تعلم أنها لا تحتاج إلى التردّد معها.

نظرت المعلمة كوموي مجددًا إلى إندكس. ممدّدة على المقعد، منهكة، وقليلاً ترتجف.

「أ-أشمّ صلصة... إن شممتُ المزيد فسيُقضى علي...」

وأخيرًا، استرخَت كتفا المعلّمة (لا من التعب بل من الارتياح—وهو ما كان طبعها)، ثم انتبهت إلى كلمة "صلصة" التي نطقت بها إندكس فجأة. فأخذت تشمّ الهواء.

「همم؟ تقصدين أكشاك الطعام؟」

نظرت حولها. وعلى الجانب الآخر من الطريق، حيث كانت يوميكاوا آيهو قد وضعت لافتة منع العبور، هناك ركنٌ تصطفّ فيه أكشاك طعامٍ منزلي الصنع، تمامًا كأنّه مهرجانٌ ثقافيّ يديره الطلاب.

「يا حضرة الأخت، اشتريتُ لكِ طعام!」

نظرت إندكس إلى ما اختارته المعلمة كوموي عشوائيًا من الأكشاك، ثم قفزت قائمةً على المقعد.

「و-و-وااااااااااهه...」

صوتها كان يشبه صوت عالم آثار اكتشف لتوّه أطلالًا جديدة. وشاركها القطّ بين ذراعيها الصوت نفسه.

「لم أعرف ماذا تحبين، فاشتريتُ ياكيسوبا، أوكونومياكي، نقانق ساخنة، وتاكوياكي... آه، أنتِ أجنبية، ها؟ أتمانعين أكل الأخطبوط؟ ما رأيك بالفطيرة اليابانية؟」

「سآكلها! جعتُ إلى درجة أنّني قد آكل حتى الفاصولياء المخمّرة أو الإسقمري المجفف!」

نظرت إلى الطعام الملفوف بالبلاستيك الشفّاف، وهو من صنع الطلاب وجودته ليست عالية، لكن عيني إندكس كانتا تتلألآن بشهوةٍ للطعام. وبدأ القطّ الملون يرتجف قليلًا بين ذراعيها هو الآخر، وكأنّ ولعها بالطعام قد أيقظ غرائزه الحيوانية.

ارتسمت على وجه المعلمة كوموي ابتسامةٌ متألّمة.

「آه، آهَهَهَهَا. حسنٌ إذن، هذه فرصة. لنستغلّها في تعليمك كيف تمسكين بعيدان الطعام صحيحًا بدل القبض عليها بقبضتكِ و— آااه!」

إندكس قد بدأت تلتهم أهدافها قبل أن تسمع الشرح. (قضم قضم، مضغ مضغ، بلع بلع!) كان جبل الطعام يختفي بسرعة. أمّا القطّ الملون فلم يتراجع وانقضّ على الياكيسوبا، لكن امتلاكه لسانَ قطٍّ كان عائقًا قاتلًا أمام الطعام الساخن.

تدلّت كتفا المعلمة كوموي بخيبة أمل.

「لا... ظننتُ أننا أخيرًا... أخيرًا حصلنا على فرصة لأعلّمكِ شيئًا عن الثقافة اليابانية...」

「قضم قضم... هاه؟ قلتِ شيء كوموي؟」

وبينما ابتلعت آخر قطعة من الأوكونومياكي، رمشت بضع مرّات ببلادة. جبل الطعام الضخم قد سُوِّي بالأرض تمامًا.

بحكم أنها معلّمة شغوفة، كان لدى المعلمة كوموي نقطة ضعف؛ فهي تُصاب بالاكتئاب إذا سُلبت منها فرصة التعليم. لكن إندكس -الممتلئة والراضية تمامًا- لم تلاحظ ذلك.

وبينما كتفاها الصغيرتان ترتجفان،ٍ قالت؛

「أ-أنا لم أقل شيئًا مهمًا أصلًا! لستُ محبَطة لا! ولن أبكي بسبب أمرٍ سخيف كهذا!」

「؟؟؟ آه، لم أشكركِ. شكرًا جزيلًا على الطعام! مهلا، هل قلتُ شيئًا خطأ؟ لماذا تبدين وكأنكِ على وشك البكاء، كوموي؟」 أمالت إندكس رأسها إلى الجانب. 「...على أيّ حال، أتساءل أين ذهب توما. تكاد تكون ساعة الغداء」

「...مم، ساعة الغداء... بعد ك-كلّ هذا...؟」 تمتمت المعلمة كوموي، لكن إندكس لم تكن تصغي.

「أتساءل حقًا أين ذهب توما... لقد قضيتُ اليوم كلّه على هذا الحال... أتساءل إن كنّا سنظلّ منفصلين باقي اليوم...」

عندها اشتعلت شعلة روح المعلّمة من جديد. هذه الأخت لا تبدو منتميةً إلى أيّ مدرسة. وهذا يعني أنّه سيكون من الصعب عليها البقاء مع كاميجو توما خلال مهرجان دايهَسي. كانت هناك بعض الفعاليات التي يشارك فيها سكّان غير طلاب، لكنها دائمًا مواجهاتٌ بينهم وبين الطلاب. ولم يكن بوسعها أن تنافس إلى جانبه فعليًا.

كانت المعلمة كوموي تفهم شعورها إلى حدٍّ ما. فأن تُترك وحيدًا في فعاليةٍ بهذا الحجم قد يبدو أمرًا بسيطًا، لكنه قد يكون مدمّرًا أيضًا. لكن من ناحيةٍ أخرى، لو استطاعت المشاركة بأيّ شكلٍ كان، مهما كان، فستحصل على شعورٍ بالقرب والرضا. (آهخ كاميجو-تشان لا يفهم)(،)( أن يترك هذه المسكينة وحدها...) فكّرت وهي تهزّ رأسها مستاءةً من طالبها السيّئ، وتفكّر في خياراتها المتاحة.

ليس حلًّا وسطًا، بل حلًّا كاملًا. 「لا بأس! هناك طريقة يمكنكِ بها المشاركة!」 وجدت جوابًا. (سأكون معلمةً فاشلة إن لم أستطع مساعدة طفلة تبدو حزينة ووحيدة إلى هذا الحد)، فكّرت وهي تضحك بخفّة.

「ها؟ م-ما هي؟」

「قلتُ إنّ هناك طريقة لتستمتعي بمهرجان دايهَسي مع كاميجو-تشان! لن تضطري إلى أن تكوني وحدكِ بعد الآن!」

في البداية، تفاجأت إندكس بنبرتها المفرطة في البهجة، لكنها سرعان ما نسيت جوعها ولانَ تعبيرها. أمّا القطّ الملون فلم يهتمّ؛ تمدّد وتثاءب.

「م-ما هي؟ ماذا يجب أن أفعل؟」

「هذا!」 قالت المعلمة كوموي وهي تشدّ صدر قميصها بلا أكمام مبتسمة. كانت ترتدي زيّ مشجّعات. 「إيهيهيهي. لن تستطيعي المشاركة في الألعاب فعليًا، لكن لكِ أن تشجعيه. وأن تصيري مشجعة في الملعب هي الطريقة المثالية. إذا شعرتِ بالحرج من فعل ذلك وحدكِ، فلا تقلقي! المعلمة كوموي ستكون إلى جانبكِ!」

ابتسمت المعلمة كوموي، وظلّت تبتسم. طاقة التعليم النشط فاضت إلى السطح، فأشرقت وجهها. وبدأت إندكس تشعر بقليل من الحذر تجاه هذا. 「ل-لماذا تبدين سعيدةً هكذا يا كوموي؟」

「كفّي عنك تصرفات ليلى ذات الرداء الأحمر وطرحك كل هذه الأسئلة. إيهيهي، أهو لأنني سعيدة بفرصةٍ مفاجئة لأعلّمكِ التشجيع؟ إيه-هيه-هيه، أم لأنني سأجعلكِ تعوّضينني عن ضياع فرصة تعليمكِ استخدام عيدان الطعام؟ إيه-هيه، إيههيهي، لا أفكّر في أيٍّ من هذا!」

تجمّدت إندكس في مكانها بعدما رأت هذا الجانب الجديد من شخصٍ ظنّت أنّها تعرفه. واعتبرت المعلمة كوموي ذلك أمرًا حسنا، فأمسكت بيدها وقادتها إلى مكانٍ ما.

  • الجزء 4

عاد كاميجو توما إلى المكان الذي مُنعوا فيه سابقًا من عبور الطريق، ولكنه لم يجدها. اختفت لافتة منع العبور تمامًا، ولم يكن لضابطة الأنتي-سكِل أي أثر.

وِفقًا لتسوتشيماكادو:

『البحث عن لِدُفيا و أوريانا مهم، لكن التأكّد من أن إندكس لا تكتشف ما يجري في مدينة الأكاديمية الآن لا يقلّ أهمية. كاميان، أنا أتحقّق من جانب أمن المدينة وأبحث عن أي آثارٍ للسحر، وأنتَ قابل إندكس على فترات منتظمة ولا تدعها تشكّ في شيء. إن راودها أي شكّ حول ما نفعله، فغالبًا ستفسد خططنا وتغرس نفسها في قلب الحادث مباشرة』

هذا ما قاله، لكن ما عسى كاميجو أن ينجح في هذا.

(لا أحد لأسأله عن مكان إندكس، ولا أيّ خيط يدلّ عليها. وبطارية جوّالها فارغة فحتى الاتصال لا يفيد... أتُراها تاهت؟)

لم يرَ كاميجو الأمر خطيرًا فهو اعتاد على شوارع مدينة الأكاديمية، لكن لو علم أحد—مثل ستيل—أنها ضاعت لقال: "آه، عادي عادي ولا يهمك. في هذه الحالة، ما رأيك لو أخوزقك بنيران سيف إينوكينتوس؟".

(إع... أين كانت لتذهب إندكس؟)

ألقى نظرةً حوله ثم تثبّت نظره على شيء. على الجانب الآخر من الشارع الرئيسي هناك منطقة تصطفّ فيها أكشاك طعام من صنع الطلاب، تمامًا كمهرجانٍ ثقافي.

「م-محال... هل تغلّب عليها الجوع فانجرفت إلى هناك على يأس؟! إن كان، فهذا يعني أنّ زاوية الشارع بأكملها قد دُمّرت بكارثة الفتاة الجائعة...!!」

شحُب وجه كاميجو. الإيماجين بريكر، القوة في يده اليمنى، قادرة على محو أي قدرةٍ خارقة أو سحر أو حتى معجزة إلهية بلمسة واحدة، لكن أمام تلك المفترسة كان مجرد عاجزٍ صفري المستوى. ومع ذلك، عليه إيقافها بيديه. شدّد عزيمته واتجه نحو منطقة الأكشاك.

لكن شيئًا ارتطم به من الجانب. استدار فرأى هيميغامي آيسا بقميص قصير الأكمام وشورت، وتسوتشيميكادو مايكا تبيع علب البينتو من فوق روبوت تنظيف، وكلتاهما تحدّقان فيه. بدا أنّ هيميغامي رافقت الخادمة ببساطة وصارت تبيع معها، تتحدّثان وهما تتجوّلان في الشوارع.

「وجهك... كأنه وجه بطل عدالة على وشك أن يواجه الزعيم الأخير. ما بك؟」

「بل كأنه سيسقط ويموت على الأرض حالًا! جوعان؟ تأكل بينتو؟」

لمّا كان على وشك الاندفاع إلى ساحة المعركة، أفسدت نبرتهما الهادئة كل عزيمته.

「هيه! اسمعا! تركتُ إندكس جائعة ووحيدة عندما دخلتُ الفعالية السابقة. والآن عدتُ ولم أجد لها أثر. وأقرب مكانٍ فيه طعام هو منطقة الأكشاك تلك، ولربما تكون قد عاثت فيها فساد، وأنا...!!」

صرخته التي كادت يكون بكيةً فاجأت البنتين.

「تقصد الأخت؟ ذهبت هناك」 قالت آيسا وأشارت في الاتجاه المعاكس تمامًا لمنطقة الأكشاك.

「وأظنّني رأيت تلك المعلّمة الصغيرة الشهيرة من اختطفتها」 قالت مايكا من فوق روبوت التنظيف، ترفع نظرها وكأنها تتذكّر.

「؟؟؟ اختطفتها... لا، مستحيل. المعلمة كوموي تعرفها. فماذا؟ هل أخذتها في جولة داخل المدينة؟ طيب، ليكن. شكرًا على المعلومة. سأبحث عنها الآن」

وبهذا انطلق كاميجو في الاتجاه الذي أشارت إليه هيميغامي. ومن خلفه، تمنّت له مايكا الحظّ بصوتٍ عالٍ، بينما بقيت هيميغامي صامتة. (همم... منذ متى تصاحبتا؟ يعني، لا أستغرب وهما كانا في مسكني عندي خلال العطلة الصيفية، ربما تعرّفا حينها؟)

وبينما كان يفكّر في كلّ ذلك، وصل إلى طريقٍ واسع نسبيًا. كان الناس الزوار ذهابًا وإيابًا يحدّقون بدهشة في كلّ شيء—مثل العَنَفَات {توربينات الرياح}—كذلك كاميجو شعر بأنّ هذا المنظر جديد عليه بدوره.

وفجأةً ماءَ قطٌّ من قريب. وقد اعتاد على خصائص ذلك المواء—كان من سفينكس، قطّهم الملون الكاليكو.

「إندِكس؟」 توقّف ونظر نحو مصدر الصوت. هناك متنزّهٌ صغير تحيط به المباني. سياجه المعدني أعلى من المعتاد ما منحه مظهرًا مهيبًا ينفّر الناس. وكان المدخل مغطّى بالنباتات، فصعُب عليه رؤية الداخل. ضعف الرؤية زادت من إحساس المحظورية.

(آه، لا أستغرب،) كما فكّر في نفسه. لم يكن مكانًا حديقةً بالمعنى الدقيق. السياج المعدني يحمل لافتةً مُسمَّرة كُتب عليها: مِلْكُ مدرسةِ علمِ النباتِ بجامعةِ تاداياما. كان المكان مخصَّصًا لزراعة النباتات وجمع البيانات عنها. وبالنظر إلى تشديد الإجراءات الأمنية خلال مهرجان دايهَسي، وإلى عدم وجود أيّ دوريات في المنطقة، بدا وكأنه مفتوح، لكنه في الحقيقة ليس مكانًا يُراد للغرباء أن يدخلوه.

ثم أطلّ القط الكاليكو برأسه من بين الأحراش. وحين رأى كاميجو، سحب رأسه سريعًا وعاد أعمق إلى الداخل. (القط...؟ لا، ما كانت )(إندِكس لتدعه يخرج عن ناظريها بهذه السهولة. لا شك أنها في الداخل أيضًا. همم... إذا كانوا يزرعون التفاح أو فاكهة في المكان، لعلها جاءت )(هنا).

هو يعلم أنها ستثور عليه لو سمعته يقولها. على أي حال قرّر أن يتفقد المكان من الداخل. دخل بحذر، متجنبًا كسر أغصان الأشجار التي تسدّ الطريق.

「إندِيييكس؟ إن كنتِ هنا، فيا ليت لو تَرُدّين...」

تقدّم أكثر، وحين تجلى مجال رؤيته...

...وجد إندكس.

وهي تبدّل ملابسها، لسببٍ ما.

「..............................................................................」

تلاقت عينا كاميجو وإندِكس، وتجمّد الاثنان.

فوق ذلك، كانت المعلمة كوموي مرتديةً زيّ التشجيع تقف قِبَلَ لإندكس، وظهرها إلى كاميجو لذلك لم تنتبه إلى وجوده.

(غريب...) فكّر في نفسه. كانت أحدث صورةٍ لإندكس في ذاكرته أنها ترتدي زيًّا يشبه فنجان الشاي، أبيضَ اللون مطرَّزًا بالذهب. لكن ذلك الزيّ لسببٍ ما صار مطويًّا بعناية على الأرض— فلماذا؟ ولماذا كانت هناك سراويل داخلية بنفس اللون موضوعة فوق زيّها؟

ومن أين أتت تلك التنورة البيضاء القصيرة المطوّاة، وذلك الإتب الأخضر الفاتح، كأنهما من أزياء المشجّعات؟ حاليا ترتديهما حتى تماثل المعلمة كوموي.

لكنّ إندكس لتوّها قد أمسكت الإتب تحاول شده إلى الأسفل. ولا يزال صدرها بالكاد يبرز من أقصى طَرَفِ طَرف القماش. وفوق ذلك، كان التوقيت هو عين اللحظة التي كانت فيها المعلمة كوموي في منتصف تلبيسها السروال الداخلي الخاص بالتشجيع (وربما كانت هي نفسها التي ترتديها النساء في رياضة التنس).

قد وصلت حتى أحد فخذيها، وكانت على وشك إدخال قدمها الأخرى فيها عندما تجمّدت في مكانها. وطبعا، في تلك الحالة، ما فائدة التنورة. فملابس التشجيع أساسا لا تمتلك فائدة تُذكر في "الستر" على أي حال.

ونعيد، كان زيّ إندكس الرهباني مطويًّا بعناية وموجودًا على الأرض.

وفوقه السروال باللون نفسه.

ولولا رأس المعلمة كوموي وهي منهمكة في رفع السروال الجديد، لكان قد لمح شيئًا سيظلّ يندم عليه طويلاً.

「...آه...」

بعد أن تجمّدت إندكس لحظةً من شدّة المفاجأة، بدأ تعبير وجهها يتبدّل ببطء إلى غضبٍ واضح، غضبٍ يقول؛ "سأقضم روحه الآن". أمّا كاميجو فكان بطبيعة الحال يتصبّب عرقًا من شدّة التوتر، عاجزًا عن الحركة. وقد أنهت المعلمة كوموي بالفعل تبديلها إلى زيّ التشجيع، وكانت الوحيدة التي لم تدرك ما يجري بينهما. كَلَّمت إندكس بنبرةٍ عفوية.

「أنا آسفة! القواعد نصّت أنّه لا يُسمح باستخدام غرف تبديل الملابس الرسمية إلا للطلاب. لم أرغب أن تبدّلي ملابسك في مكان كهذا، لكن... ها؟ إيييكك!」

لم تُصغِ إندكس إلى كل ما كانت تقوله. ومع بقاء ملابسها غير مرتّبة كما هو واضح، اندفعت بعنف نحو كاميجو توما.

「تومااااا!! فكّر مع نفسك كم مرة تسببت فيها بهذا!!」

「كيااه! أنا مستعد للاعتذار، لكنني لن أسمح لكِ بأن تفلقي رأسي أكثر مما فعلت!!」 بالكاد تمكن كاميجو أن يَلوي نفسه مبتعدًا ليتفادى هجوم إندكس. تخطت يداها رأسه وأمسكَ جسدُها جسده وعضّت عضّتها، لكنها أبكرت العض وأخطأت هدفها قليلًا.

فارتطمت إندكس بخدّه.

「هِه...؟!」

شعر بملامستها القريبة منه على نحوٍ مفاجئ فارتبك بشدّة.

「أ— ما— إندِكس؟!」

「...」

صرخ كاميجو واحمرّ وجهه، لكن لم يصله جواب.

فجأةً ابتعدت إندكس عنه بسرعة دون أن تنطق بكلمة. كان يتوقّع منها أن تصرخ عليه، لكنها بقيت صامتة، مطأطئة الرأس إلى حدٍّ لم يستطع رؤية وجهها—لكنّ احمرارها بانَ من أذنيها. لعلّها بدأت تفكر في أفعالها وعضّها له من بعد ما كانت تقضم رأسه بلا تفكير كل يوم. وربما فقدت رباطة جأشها؛ إذ لم تكن قد انتبهت حتى إلى حالتها غير المرتّبة.

نظر كاميجو إلى المعلمة كوموي، وجدها تضع يدها على خدّها، تتمتم بكلمات غير مفهومة. ما عساه يعوّل عليها.

「أ— حسنًا، آنسة... آنسة إندكس؟ لا بأس، كان حادثًا! مجرّد حادث! لن نعدّه شيئًا مهمًّا، فلا داعي أن تأخذي الأمر على محمل الجدّ... مهلاً، ما؟! انتظري إندكس، لماذا تحوّل وجهك فجأة من الخجل إلى الغضب؟! هل قلتُ شيئًا لا ينبغي؟!」

تراجع بضع خطوات وهو ينظر إلى الفتاة التي بدأت ترتجف صامتة، وفي تلك اللحظة...

「...كاميجو」

صوتٌ امرأة بارد اخترق ظهره. ومع بقائه حذرًا من حالة إندكس غير المتوقّعة، استدار ببطء.

فُكيوسي سيري.

ترتدي معطف لجنة الإدارة الخفيف فوق ملابسها الرياضية.

「كنت أبحث عن المعلمة كوموي لأمرٍ يخصّ اللجنة، وحين سمعتُ أصواتًا أتيت...... يا راسي

نظرت أولًا إلى كاميجو وإندكس المرتبكة؛ ثم إلى المعلمة كوموي التي احمرّ وجهها؛ ثم إلى الملابس الموضوعة بعناية على الأرض؛ وأخيرًا عادت بنظرها إلى إندِكس.

「ألهذا السبب تغيبت عن تشجيع مدرستنا؟ أيا الخائن!」

وبضربةٍ واحدة من قبضتها، من دون أي قدراتٍ خارقة، أسقطت كاميجو توما أرضًا.

  • الجزء 5

الآن وقد امتلأ جسده بالخدوش والكدمات، غادر كاميجو توما الحديقة (أو بالأحرى، المختبر النباتي) الآن. في الواقع، كان الأمر أشبه أنَّ فُكيوسي سَيري جَرّته خارجًا بدافع غضب عادل. لا من يده، بل من ياقة قميصه الخلفية. وهناك في الداخل، ربما أكملت إندكس تبديلها بمساعدة المعلمة كوموي.

「أقسم لو، ألا تبذل ولو قليلًا من الجهد لإنجاح هذه المنافسة؟ أعلم أنني عضو في اللجنة الإدارية ويجب أن أتحمل معظم العمل، لكن رؤية طالب عديم الحافز مثلك تُجنِّنُني!」

وأثناء حديثها، أخرجت علبة كرتونية إضافية من الحليب من معطفها وبدأت تشرب. لا بد أن مستوى الكالسيوم لديها قد انخفض من غضبها. لكنها لم تكن متسندرة من نوع "أنا أكرهك يا كاميجو توما"؛ بل على العكس، كانت تعبّر عن مشاعرها الصادقة بلا رحمة.

وبينما تجرّه من ياقة قميصه أصدر صوت احتكاك خافت وتمكن كاميجو من أن يقول؛ 「فُـ... فُكيوسي، هل... هل مدرستنا في مباراة الآن...؟」

「ولماذا لا تتذكّر ذلك بنفسك؟ هل ينقصك الغذاء في دماغك؟ آه فهمت فهمت. إذن على أولويتك الآن أن تتغذى ببعض السكر!」 ثم رمت علبة الحليب في سلة المهملات، وأخذت تفتّش في جيب معطفها قبل أن تُخرج عود سكر يُستخدم للقهوة وتهديه إياه.

「هاه؟! هذا سكر صاف! دون أي شيء!」

ارتعشت كتفاه متفاجأةً وحاول الهرب، لكن في لحظتها وضعت فُكيوسي ذراعها حول عنقه، ثم أكملت المشي بحركة الخنق بذراعها اليمنى فقط مدخلةً رأس كاميجو تحت إبطها.

「حاليا، أيقِظ دماغك النائم. وإن لم تستطع فلنجرب حقنة من الإيزوفلافون المستخرج من فول الصويا. وأتمنى ألا تمانع بودينغ الصويا!」

「أعع! لو تكرّمتِ وأعطيتِني بودينغ صويا من البداية لكنتُ مدينًا لكِ مدى العمر! حتى في تلك سكر!」

تخبط كاميجو بينما تحاول فُكيوسي إجبار عود السكر على النزول في حلقه. لكن بما أن رأسه تثبَّت تحت إبطها، فإنه لم يتحرّك فعليًا من مكانه. ومع ذلك، استمر يقاوم. وفجأة، شعر بشيءٍ ناعم يلامس خده الأيمن.

إحدى نهديها العِظام.

(أعف؟!) عندها بدأ كاميجو يقاوم بقوة تعادل ثلاثة أضعاف ما كان عليه. ويبدو أن فُكيوسي لم تلاحظ، إذ اكتفت بأن تعبس وهي تنظر إلى عود السكر في يدها.

「ته، تمهلي! حتى لو بلّعتني هذه لن تصلحي غبائي!!」

「...ولا تستحي أن تقول عن نفسك؟」

「البتة!」 ردّ كاميجو بصوتٍ بائس وهو يحاول سريعًا أن ينحرف في اتجاهٍ آخر. لكن ارتداد صدرها ازداد حينها، فتصلّب جسده كله. تنهدت فُكيوسي، وما تزال تبدو متشككة، ثم أطلقت سراحه من حركة الخنق.

「نجوت،」 قالها زافرًا، لكن بعد لحظةٍ واحدة، أمسكت بياقته مجددًا وبدأت تجرّه معها مرة أخرى.

「مدرستنا تُقيم الآن فعاليتين: فتيات الصف الثاني في شدّ الحبل، وفتيان الصف الثالث في ثلاثية أفضل اختيار. أيهما نذهب لنشجع؟ أكيد فريق الفتيات، ها؟ وما غيرها يختار كاميجو!」

「كلماتكِ—توجع! كيف تكونين باردة العصب هذا الحد؟! قد صنعتي دعايات عند كوولبيز؟! 」

「لا تستهبل. تحتاج أكثر من هذا حتى تخترق دفاعاتي!」

(دفاعاتكِ أثلج من وورمبيز)، كما ردّ كاميجو في نفسه، لكنه علم أنها لن تضحك على ذلك فآثر الصمت.

「بالمناسبة فُكيوسي، ما أحوال عملكِ في اللجنة الآن؟」

「...ليس عليك أنّ تقلق بشأن كل صغيرة وكبيرة تخصّني」

「ياه، هذا ما يعنيه الرفض التام... فكيوسي، أليس عمل اللجنة متعبًا؟ أعني، لا أعرف بالضبط ماذا تفعلين، لكنني كنت أتساءل إن كان لديكِ حقًا الوقت لتضيعيه مع غبيٍّ مثلي」

من إعداد المسابقات والتحكيم فيها، إلى الإعلان عن بداياتها وأواسطها ونهاياتها، والتعامل مع الأطفال الضائعين، وإعطاء الناس إرشادات بسيطة—أُوكِلَت إلى اللجنة الإدارية مجموعة واسعة من المهام خلال مهرجان دايهَسي. وفوق ذلك، كان عليهم أن يشاركوا كرياضيين أيضًا، لذا كان وقت فراغهم أقل بكثير من الطلاب العاديين.

لكن فُكيوسي رمقته بنظرة جانبية حادّة. 「لا بأس. لقد أخبرتُ المعلمة كوموي. ثم إنني حرصتُ على أن يكون في جدولي مرونة حتى أتعامل مع مواقف غير متوقعة كهذه، لذا لا مشكلة!」

「ضيّعتِ الوقت. كان عليكِ أن تتركيني هنا وتذهبي لتتجوّلي بين أكشاك الطعام مع أصحابك أو شيء」

「لكلٍّ طريقته في صنع ذكريات لا تُنسى. وهم يوافقون على ذلك أيضًا!」 وللحظة وجيزة، تلاشى حدّ التعبير في وجهها ليصير أكثر طبيعية.

تنهد كاميجو، ولا يزال مجرورًا منها.

「طيب، طيب... أيا يكن، لكن هلّا تتوقفين عن جريّ؟」

「ماشي، أعطني يدك،」 قالت، وأفلتت ياقة قميصه بسهولة غير متوقعة، ثم مدّت يدها نحوه. بدا كفّها ناعمًا، كأنها استخدمت كريمًا لليدين؟ لعلّه أحد تلك المستحضرات التي تحتوي على مرافق الإنزيم Q10 أو إحدى صيحات الصحة التي لا تتوقف الإعلانات التلفزيونية عن الترويج لها.

「آه، طيّب... مم، نعم. شكرًا」 تردد، ثم قرر أن يأخذ يدها على أي حال. توقع أن تكون باردة، لكنها كانت أدفأ مما ظن. خفق قلبه بخفة من مجرد هذه الحقيقة البسيطة.

نظرت إليه فُكيوسي نظرة سريعة وقالت؛ 「بطيء المشية أنت!」

「...」

تنهد كاميجو توما، وتساءل عمّا الذي كان يثيره إلى هذا الحد، بينما بدأت فُكيوسي سيري الصارمة غير السعيدة تجرّه من يده.

  • الجزء 6

سارا عبر المدينة بينما تجرّ فُكيوسي كاميجو.

كان الازدحام شديدًا كثير في هذه المنطقة. يبدو أن السبب هو تكدّس عدة مرافق نقل في مكانٍ واحد، مثل محطات القطار ومحطات الحافلات الآلية. والناس يتوجهون في كل اتجاه، يتنقلون من القطارات إلى الحافلات، أو من خط حافلات (أ) إلى خط حافلات (ب).

لاحظ أنهما ابتعدا كثيرًا عن المكان الذي افترقا فيه عن إندكس. بدا أن فُكيوسي تريد من كاميجو أن يذهب لتشجيع مدرستهم، لكن في هذه اللحظة، كان عليه أن يتحرك فورًا إذا وصلته أي أخبار من تسوتشيميكادو أو ستيل، اللذين كانا يتعقبان أوريانا بشكل منفصل. (يا ويلي، لا أدري ما أفعل)، قالها في نفسه بقلق.

「هيه كاميجو، أترى مهرجان دايهَسي يبعث على الملل؟」 فجأة قالت فُكيوسي، وهي ما تزال تمسك بيده.

「هاه؟」 عبس كاميجو.

「تبدو مشتتًا، وكأن ذهنك شُغل بشيء آخر تمامًا!」

ابتلع ريقه.

رأت فُكيوسي ذلك وتابعت؛ 「حسن، لا أخبرك أن تُركّز على المهرجان وحده، ولن أوقفك إذا أردت الانسحاب...」

لم يكن يبدو عليها أنها تشك في وجود أمرٍ آخر يجري خلف كواليس المهرجان. كانت فقط تشك في اتجاه تركيز كاميجو.

「مع ذلك، وقد تراه أنانيًا مني، لكن بما أنني عملتُ بجد أخطط لهذا اليوم، فأنا أريد من الجميع أن يشاركوا فيه ويقضوا أمتع الأوقات حتى يتذكرونه بحب لاحقًا. إن كان الجميع سعيدا، فأنا راضية... لكن إن شعرتَ أن اليوم كان مملًا، فهذا يعني أنني لم أستعدّ له كما يكفي، ولا أكثر」

「...إحساسك بالمسؤولية قوي. لا عليك، لا أراه مملًا. الأحداث المجنونة كهذه تكون أفضل إن جننتي معها أيضًا، صح؟」

لا يعرف كاميجو لماذا كانت فُكيوسي في اللجنة الإدارية للمهرجان. لكن بدا أنها لم تُجبر على ذلك، بل رشّحت نفسها بنفسها، وكان لديها سببٌ لرغبتها في إنجاح كل شيء. سببٌ جعلها تمكث حتى وقتٍ متأخر بعد انتهاء الدوام المدرسي، وتتنازل عن وقت فراغها مع أصحابها.

لكن كان هناك شيء هِيَ لا تعرفه. في المدينة دَخَلَ سحرةٌ يحاولون استغلال تلك المشاعر بالذات. لم تكن تعرف شيئًا عن محاولاتهم السرية لعقد صفقة بشأن [سيف الطعن]، ولا عن اختلاف الآراء والأهداف المتصادمة داخل أسوار المدينة وخارجها.

(سأبذل قصارى جهدي. فُكيوسي ليست الوحيدة. جميع أعضاء اللجنة الإدارية يحاولون إنجاح المهرجان. والطلاب هنا وحتى القادمون من خارج المدينة للمشاهدة—كل ما يريدونه هو ذكرى يتذكرونها بمحبة. لذلك، يجب أن أبذل أقصى ما أستطيع.)

تفحصت فُكيوسي وجهه بنظرة متشككة. 「...آهخ ما عساي شيء إن كنتَ تفكر في أمورٍ أخرى」

「ماذا؟ لا، ليس هذا! بل أنا أفيض حماسة! أنتِ تدخلين طور الغضب دون سبب يا فُكيوسي!!」

كانت فُكيوسي تفقد بريقها سريعًا، ليحلّ محله انزعاج ساخط. وما تزال ممسكة بيده، تقدّم كاميجو المرتبك أمامها، ونظر في عينيها، وكان على وشك أن يجيبها...

...حين اصطدم به طالبةٌ من الخلف.

كان الرصيف مزدحمًا إلى درجة أن كتف أحدهم لا شك أنه ارتطم به.

(آء!) لم يستطع أن يتفاعل مع الأمر فورًا، فتقدّم خطوةً دون قصد. وهذا قرّب وجهه كثيرًا من وجه فُكيوسي.

في الواقع، لم تكن المسافة بين وجهيهما قبل لحظة سوى نحو ثلاثين سنتيمترًا.

「أء...!!」

「هاه...؟!」

في أقل من لحظة بعد تأتأةٍ منهما، تقلّصت المسافة إلى الصفر. وبصوت ارتطامٍ واضح، رَطَمَ الجَبينُ جَبينًا. كما لامست أطراف الأنوف بعضها. عدا الشفاه لم تتلامس، لكنه شعر بنَفَسها الخفيف على وجهه.

(ما...؟)

كتم كاميجو تنفّسه لا إراديًا.

「ابتعد عني يا كاميجو توما!」

وبعد لحظة، نطحته فُكيوسي نطحة رأسٍ قوية.

「كخ— وااهخ؟!」

تراجع الجزء العلوي من جسده كله إلى الخلف. وانفلتت يده التي كانت في يدها منذ قليل. شعر بسخونة تتصاعد إلى وجهه. لم يتغير تعبير فُكيوسي كثيرًا، لكنه طُليَ تدريجيًا باحمرار الغضب.

「...يبدو أن كاميجو توما يظل كاميجو توما حتى عندما يحادثه الناس بجدية」

「ل-ليس هذا! حتى أنا كنتُ أحاول التفكير بجدية!!」

「هذه من إحدى تلك الحالات، ها؟ مهما طال الزمن لن تجد عندي الوقت لأفتح لكَ قلبي لك」

تأوّه وقال، 「وكأن برودة فُكيوسي هي من دمّرتني!」 صرخها دون قصد. فجاء كفّ يدها مباشرة إلى قفا رأسه تصفعه. (ردودها تفتقر بالمرة كلّ إحساسٍ بالمودة!!)، فكّر ورأسه يدور في الأرجاء، عندها تمامًا...

...بففف.

هذه المرة، هبط رأسه على مهبط ناعم. في نَفْسِه قيّم الموقف بهدوء، وما رآه كان صدر امرأة.

「أواااه؟!」

ابتعدَ بسرعة. (ما الذي يحدث؟!) فكّر وقد فوجئ مرة أخرى. أما المرأة التي اصطدم بها فقالت؛ 「وي،」 ولم تبدُ منزعجة كثيرًا. وسمع فُكيوسي بصوت يكاد لا يسمع؛ 「كا، ميـ، ـجو~...」 وكأنه صدر من فمٍ مشعوذة تطرد الأرواح الشريرة.

المرأة التي اصطدم بها ترتدي زيّ عمّال بسيط، وتبدو في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة. علّها في عمر كانزاكي كاوري. وكانت أطول من كاميجو أيضًا. قد يَصدُق عليها وصف "طويلة بالنسبة إلى يابانية"، لكن شعرها الأشقر الفاتح وعيناها الزرقاوان جعلا هذا التقييم مشكوكًا فيه. كانت فُكيوسي سيري جميلة لافتة بين زميلاتها، لكن جاذبية هذه المرأة فاقت جمال الأخرى بكثير. ملامحها الجسدية البسيطة، كصدرها وخصرها، كانت ملفتةً رائعة، لكنه شعر بنوع من الأخذةٍ الفتّانة تُحيط بها.

شعرها الأشقر الطويل بدا وأنه ثُبّت بكمية لا بأس بها من الشمع أو بمكواة تجعيد أو ما شابه. وعمومًا، كانت تسريحتها عبارة عن خصلات رفيعة لُفّت بمكواة التجعيد ثم جُمعت في ثلاث خصلات سميكة تتشابك وتلتف في نهاية الأطراف. وهناك أجزاء أخرى من التسريحة لكلٍّ منها طابعها الخاص، مما صَعَّب كثيرًا أن يُصَنّف هذا الأسلوب. ومع ذلك، لم تكن تضع أي إكسسوارات. بل كان شعرها الأشقر نفسه هو الزينة.

وعلى أنحاء زيّها طلاءٌ جاف عالق، وكأن لها علاقة بالفنون والرسم. وحملت لوحة تحت ذراعها بالكاد تُمسك يداها إلى أطرافها.

المهم...

「أوف...」

...لم يكن هو من تمتمها دون قصد؛ بل فُكيوسي.

كان في زيّ العمل أزرار أمامية، لكنه كان مفتوحًا على مصراعيه. بعض الناس يرتدونها مع فتح الزرين العلويين فقط، أما هي—فالزر الوحيد المغلق كان الثاني من الأعلى. ذلك مَنَحَ رؤيةً واضحة صارخة لسُرّتها وشق صدرها. فكّر كاميجو أنها بدت أشبه بملابس سباحة -لو فكرنا بإيجابية-.

وكان بنطالها واسعًا أيضًا، كأنه تشبث بحياته على وركيها. لم يُرِد أن يلتف خلفها ليرى، لكن بدا وأنّ جزءًا صغيرًا من مؤخرتها -ربما- كان ظاهرًا من مدى انخفاض حافة البنطال.

إنها تكشف كثيرًا من جسدها، وذلك وضع طبقةً إضافية من نوعٍ آخر من الخطورة، كأن أي حركة خاطئة بسيطة قد تُطيّر ملابسها. كانت واثقة من جسدها، وهذا—بالنسبة لكاميجو على الأقل—وضعها في فئة مختلفة عن ضابطة الأنتي-سْكِل الكعوبة ذات الزي الأخضر الرياضي.

استخدمت المرأة الرسامة يدها الحرة لتؤدي إيماءة اعتذار، وقالت بيابانيةٍ طَلِقَة مفاجئة؛ 「اعذرني يا ولد! آسفة. لم أعتد هذا النوع من الازدحام! متوجّع؟ آه، أيؤلمك رأسك؟」

「لا بالمرة، لكنكِ لطيفة إلى درجة مُعدية، ربما أكذب وأقول إي متوجع...」

أغلقت فُكيوسي سيري إحدى عينيها على رده الدامع، وأنزلت قبضة أخرى على قفا رأسه. وبذلك، أرسلته من جديد ليغوص في صدر المرأة الرسامة. لم تصرخ أو شيء؛ بل استخدمت يدًا واحدة لتبعده عنها ببطء.

「هيّا. أنت بخير؟ لا تتعاركا أنتما. فالمهرجانات ما تأتينا كثيرًا، لذا من الحكمة أن نستغل هذا الوقت لصنع الذكريات، لا؟」

انفجر تعبير كاميجو كله إلى ما يشبه البكاء؛ 「طيبة القلب! ما عساي أقارنك حتى بفتاةٍ عَضّاضة معيّنة أو هذه الفتاة الضَرّابة! أود أن أغرق في لطفك!」

「يآه. عباراتك الغزل تحتاج تطويرًا—أن تقول أنك تحبني بعد أول نظرة لا يفيدك」

قالت عينا فُكيوسي، (هذا المعتوه)، وهي تشزره. ابتسمت المرأة الرسامة ابتسامة خفيفة وانحنت قليلًا معتذرة. 「أوه، عذرا. أعتذر لكِ أنتِ أيضًا」

بدت فُكيوسي متفاجئة؛ 「ل-لماذا تعتذرين؟」

「آه، لأن ربما أنني تسببت في هذا بشكل غير مباشر، أظن؟」

تقلّصت الفتاة قليلًا أمام تلك الكلمات المريحة أكثر من اللازم، والناضجة أكثر من اللازم. وفكّر كاميجو في نفسه؛ (انظري—هكذا تكون المرأة! أرأيتِ؟ تعلّمي! اجعليها مرجعًا لكِ وكُفّي عنكِ هذه الصلابة!!)

وبعد لحظة، نفّذت فُكيوسي حركة رمي من الأيكيدو وغرسته في الأرض.

نظرت إلى الصبي المثبّت على الأرض وإلى الفتاة التي أسقطته ثم قالت؛ 「أم... أرى أنك بخير؟ يا لحيوية الشباب」 ثم مدّت يدها مُصافِحَة. 「أعتذر عن اصطدامي بك. أظنكم في اليابان تنحنون، لكن من حيث أنا، نكتفي عادةً بهذا」

「هاه...حقًا؟」

「أم تفضّل قُبلة؟」

كاد كاميجو ينفجر. وبعد أن ارتجف الصبي البريء لثوانٍ قليلة قال؛ 「نعم! أود وأتمنى ذلك!!」

لم تكد الكلمات تغادر فمه حتى هزّت فُكيوسي سيري صدغه بقبضة. دارت الدنيا برأسه. ابتسمت المرأة الرسامة، ومدّت يدها مرة أخرى.

تساءل كاميجو في نفسه وهو يمسك يمينها بيمينه، (ليت إندكس تكفّ عن العضّ وتتعلم أسلوبًا ألطف وأكثر تهذيبًا مثل هذه.)

طخبووه!!

صدر صوت غريب كصوت شيءٍ ينكسر.

「هاه؟」 ولم يخرج هذا من كاميجو ولا المرأة، بل من فُكيوسي سيري التي كانت تراقبهما. وأما المتصافحان فهما يعرفان تمامًا ما الذي حدث توًّا، لذلك لم يقولا شيئًا.

انشغل كاميجو توما بما دَمَّرته القوة التي في يده اليمنى.

وانشغلت المرأة الرسامة بما تدمر عندها.

「وي!」 حاولت أن ترسم ابتسامة جافة، لكنها فشلت حتى في ذلك. 「تأخر وقتي وعليّ حقًا أن أعود إلى عملي. اسمحا لي」

ثم انصرفت دون أن تنتظر ردًا. لم يكن هناك شيء مختلف في طريقة تصرّفها أو حركتها، لكن ذلك الإحساس الذي كان يعطي انطباعًا بالهدوء والاتزان اختفى.

مالت فُكيوسي برأسها، وما تزال يدها ممدودة في الهواء تنتظر.

「...هاه؟ ولا مصافحة لي؟ ما رأيك كاميجو توما؟」

「...هَه؟ ربما لم تُعجبيها و— قعع؟!」

ردّه السريع جلبت له نطحة رأس بكامل قوتها.

أطلقت فُكيوسي تنهدًا ثقيلًا ثقيل، ثم همّت بالإمساك بيد كاميجو لتجرّه إلى مكانٍ آخر من جديد، لكن في تلك اللحظة بدأ رنين جَوَّالها. بدت أنها نغمة تخصّ اللجنة الإدارية، وخرجت من فم فُكيوسي كلمات رسمية جافة. ومن طريقة حديثها الخافتة، بدا أن هناك مشكلةً ظهرت. نظرت إلى كاميجو، ثم إلى شاشة الوقت في الجَوّال. وتركته بعبارة لجنة إدارية بامتياز؛ 「سباق أكل الخبز هو التالي، إياك وأن تتأخر!」

راقبها وهي تغادر والجوال في يدها، ثم فرك خده الذي ضُرب قبل قليل.

ثم فكّر، ماذا الذي أبطله؟ خارقةً؟ أم سِحرا؟ وبعد تفكيرٍ قصير قرر أن من غير المرجح أن تكون قدرة خارقة. فالأسابر جميعهم من مدينة الأكاديمية، وهم طلاب. أما تلك المرأة فبدت كعاملة من خارج المدينة، بالنظر إلى زيّ عملها الملطخ بالطلاء، وشعار الشركة المصنعة عليه حسم الأمر—لقد رأى الاسم مرةً في التلفاز. وبالطبع، ما كان لطالبةٍ في المدينة وسيلة للحصول على مثل هذه الملابس. وهذا يعني...

أخرج كاميجو توما جَوّاله. نظر حوله ليتأكد من أن فُكيوسي غادرت. رأى أن سؤالها عن الأمر لن يجدي إذ إن تدخل الأنتي-سكل أو الجدجمنت قد يزيد المشاكل. فاتصل برقم تسوتشيميكادو موتوهارو.

『حيو، كاميان. مشغول بخداع إندكس-نيا؟ نحن نبحث عن أنسب الأماكن والغير محصّنة حيث قد تُتم أوريانا الصفقة، لكن العدد في المنطقة 7 أكثر مما توقعنا. لو تُبعد إندِكس عن تلك المنطقة مؤقتًا فسيكون هذا رائعـ—』

「انسَ ذلك. أسألك عن شيء، تسوتشيميكادو」

خفّض تسوتشيميكادو نبرته وقد التقط استعجال كلام كاميجو.

『...ما الأمر؟』

「ما اسمه مجددًا؟ ذلك السيف، الأداة السحرية. نحن نحاول منعهم من إتمام الصفقة به، صحيح؟」 نظر كاميجو إلى الحشد. ما زال يرى ظهر ملابس العاملة البسيط.

『[سيف الطعن]. وهو ليس أداة، بل [سلاحٌ روحي]. ولماذا تسأل؟ بدأتَ تتراجع يا كاميان؟ أنت تعرف أننا لن نحصل على أي دعم هنا』

أهو صحيح؟」

『...لا أدري ما تعنيه كاميان』

استقام كاميجو، متأكدًا من ألا يضيع المرأة من نظره. ثم انعطفت عند زاوية.

「صافحتُ امرأة والإماجين بريكر دمّر شيئًا. لا أعرف ما هو. لكنها لا تبدو كطالبة. ملابسها توحي بأنها ليست من المدينة」

『تمهل. كاميان، يجب أن أسأل. هل كانت تحمل شيئًا كبيرًا؟ [سيف الطعن] طوله متر ونصف، وكل جانب من الواقي يمتد خمسة وثلاثين سنتيمترًا. أي شيء قد يُخفي سيفًا ضخما كهذا...؟ لا أعرف ما قد يكون، لأنني لا أظن أنه سيدخل في حقيبة...』

شحُب وجه كاميجو.

「كانت تحمل」

『ما هو؟』

「لوحة إعلانات؟ كانت مثل... تلك اللوحات الكبيرة، ملفوفة بقطعة قماش بيضاء—」

『كاميان، أين أنت الآن؟』

「ها؟ آه، أمم... أنا أمام بنك إيتشيزاي」

『ابقَ مكانك،』 قالها، ثم أُغلق الخط.

حدّق في الجوّال. هل يتبع المرأة أم ينتظر تسوتشيميكادو؟ فكّر قليلًا، ثم انطلق راكضًا في الاتجاه الذي ذهبت فيه المرأة الرسامة. لو انتظر تسوتشيميكادو، فسيضيعونها بالتأكيد.

جاءه إحساسٌ غامض—شيءٌ ما بدأ.

وهو يعلم أنه لن يكون شيئًا احتفاليًا على الإطلاق.

  • الجزء 7

وباللافتة الكبيرة تحت ذراعها، شقت طريقها المرأة الشقراء مرتديةً زيّ الرسامة بين الحشود بخفة. رأت أنها على حافة. وكانت تظن أنها تختار تحركاتها وتصرفاتها بعناية. لكن ولسوء الحظ، لم تَقدِر أن تسيطر تمامًا على مشاعرها بعد أن حدث أمرٌ فُجائي.

أدخلت يدها الفارغة في جيب بنطالها. نَزَل بنطالها قليلًا عندما فعلت، لكنها لم تنزعج. وأخرجت من جيبها حَلَقَةً تتدلى منها بطاقات صغيرة تشبه بطاقات الملاحظات. لم يُكتب عليها شيء. كانت مجرد بطاقات بيضاء من الورق المقوّى، معلّقة في حلقة معدنية.

「همم...」 عضّت إحدى البطاقات فمزّقتها من الحلقة. ثم ظهرت عليها كتابة كما يظهر اللون على ورق عباد الشمس. كُتب عليها بخط إنجليزي مائل وذهبي؛ WATER SYMBOL.

[رمز الماء] تفاعل مع الحبر الذهبي وبدأ بالدوران.

أعادت حلقة البطاقات إلى جيبها، ثم أخرجت البطاقة من فمها وضعتها على أذنها كأنها صدفة بحر.

「اختبار! ألو؟ هنا أوريانا تومسُن. تسمعين؟ لو تسمعين فسأكون ممتنة بالرد」

وردًا على حديثها مع نفسها، تحدّثت البطاقة الملتصقة بأذنها بصوتٍ لا يهزّ الهواء.

『رجاءً امتنعي عن استخدام اسمك. خذي بعين الاعتبار الخطر المحتمل في حال تسرّب صوتك الحقيقي وسُمِع. لو كُشفت هويتك فلربما نجد أنفسنا في وضعٍ صعب』

كان الصوت مهذبًا ومؤدبًا للغاية.

مؤدبًا جدًا. ابتسمت المرأة المدعوة أوريانا ابتسامة جافة.

「لقد وقعتُ في مشكلة. أعترف أنني أجد الارتجال الكوميدي مشهي أكثر ومثير هيهي، لكن لا أظن هذا خبرا مفرحا لكِ، لا؟ لِدُفيا لُورنزتّي」

صمتت من كانت تخاطبها، لكن للحظة فقط.

『رجاءً امنعي عنك هذه التعابير الفاحشة. فلقد تلقيتُ أوامر صارمة بمرافقتك لأسباب دينية، ولا أريد لَعِبًا』

「آه صحيح. تعذيب أنفسكن بالحرمان هو ما تحبه الراهبات أكثر من أي شيء، هَهَئ. اعذريني بالغت في كلامي. بالمناسبة، هل سمعتِ؟ علميًا، يُمكن أن تكون رؤى القديسين المستشهدين للملائكة في لحظاتهم الأخيرة تجلّيًا لنشوةٍ مازوخية」

『...』

「هوه؟ يبدو أنكِ لستِ من محبّي الأحاديث العلمية. لم أظنكِ من أولئك اللواتي يغطين آذانهن إذا بدأ حديث علوم النفس」

『...ليس هذا ما يقلقني...』 قالت الأخرى قبل أن تسكت، بنبرة توحي بالانزعاج.

وأخيرًا، بدأت أوريانا تشعر بالإحباط. لم يكن من المجدي الاتصال بها على هذا النحو.

「كأنني عبثت معك أكثر من اللازم يا حلوتي الصغيرة. أعتذر إن أسأت إليكِ」

『أظن أنكِ أصغر مني...』

「نعم نعم، ولكنكِ ما زلتِ آنسة حلوة صغيرة، مهما كان عمرك. أن تكبري وأنتِ ما تزالين آنسة—أليس هذا طموح جميع الراهبات؟」

『كرّستُ عمري لعيشة الفقر، ولذا أرى الألقاب مثل "سينورينا" لا تليق بي. وأنتِ، ألم تؤمني بالكتاب المقدس؟ عندما يدخل حَمَلٌ إلى رحمةِ أبونا، فيجب على الراهبة—』

(يليل، نفس المحاضرة)، تنهدت أوريانا. كانت لِدُفيا لورنزتّي تلميذةً مثالية للكاثوليكية الرومانية. غالبًا ما تتحمّس أثناء الصلاة أو نشر التعاليم. استمعت أوريانا بفتور، وانتظرت فرصة للمقاطعة.

「آه، عن المشكلة التي أواجهها—」

『يُعدّ الزنا جريمةً بحق ربنا وأنفسنا، فإن الراهبات جميعًا هنّ عرائس ابن الرب... آه، خرجتُ عن الموضوع—』

تجاهلت أوريانا ذلك وتحدثت.

「باختصار، تلك التعويذة التي استخدمتها على نفسي قد تحطمت」

تلك التعويذة.

كان اسمها سايلَنت كُيِن.

استخدمتها أوريانا نوعًا من التأمين. تعويذةً تستنزف طاقة كلّ من يحاول ملاحقتها. وما كانت لتؤثر إن كانت أوريانا نفسها منخرطة في محادثة مع الشخص. لكن ما إن تُدير ظهرها، ستجعل الشخص يظن أن مناداتها "لا تستحق العناء" أو قد يأجلها إلى مرة أخرى. ولن يناديها بعد ذلك تحت أي ظرف. كان هذا السحر تشكيلًا لتعويذة الإبعاد التي تعمل على مبدأ مشابه لحاجز الرون الأوبيلا.

طالما أن التعويذة نشطة، بإمكان أوريانا أن تُظهر كرات من اللهب في كفيها أو تفعل أي شيء آخر، ولن يشعر أحد بالحاجة إلى مناداتها أو استجوابها. ولهذا كانت تستخدمها—لتُنهي هذه "الصفقة" دون قلق. لكن... لأسباب متعددة، لم تستطع أوريانا إعادة بناء التعويذة بعد أن تحطمت.

『أوه... وما كان سببها؟』

「لا أدري」

『إذن، ماذا علينا أن نفعل حيال ذلك؟』

「لا أعلم」

『...』

「آه، لا تُغلقي الخط! لا أحب المعاملة الصامتة」

『إذن أود أن أسمع خطتك البديلة لما ينبغي فعله في هذه المرحلة』

「دعيني أرى،」 قالت مبتسمة.

「...أولًا، سأتخلّص من ذاك الصبي الذي يتبعني」

  • الجزء 8

بينما يراقب كاميجو توما المرأة ذات زيّ الرسامة—والتي يُرجَّح أنها المهرِّبة أوريانا تومسُن—استدارت فجأة عند زاوية أحد الشوارع.

(...هل لاحظتني؟!)

مع ذلك، الأهم هو ألا يُضيّعها. أوقف كاميجو محاولته البائسة في تتبعها خفية، وبدأ يركض بين الناس وحولهم. لحسن الحظ لم يكن على مساره تجمع كثيف—ربما كانت هناك كاميرات تلفزيونية منصوبة في مكان آخر.

اندفع حول المبنى عند التقاطع.

كان شعرها الأشقر يتطاير بعيدًا أكثر مما توقع. زاد من سرعته متجاوزًا أطفالًا يحملون بالونات وأزواجًا يمسكون بأيدي بعضهم. (يا حظي أنني أرتدي هذا الزي الرياضي)، كما فكّر. لم يكن مصنوعًا من مواد عالية التقنية أو ديناميكية هوائية خاصة، لكنه كان أسهل بكثير للحركة من الزي المدرسي العادي.

ورغم أنه يركض بأقصى سرعته تقريبًا، لم يلفت أنظار الناس بشكل غريب. ربما ظنّوه يشارك في سباق بحث عن كنز أو شيء. وبينما يفكر بذلك، زوّد من سرعته تدريجيًا. كان قد ابتعد الآن قرابة كيلومتر كامل عن المكان الذي اصطدم بها فيه أول مرة وعن المكان الذي افترق فيه عن فُكيوسي. ناهيك عن المختبر النباتي حيث كانت إندكس تغيّر ملابسها. ذلك المكان بات بعيدًا جدًا الآن لو حاول العودة إليه مشيًا.

ثم سمع نغمة جوّاله من جيبه. التحدث أثناء الركض سيستهلك طاقة كبيرة. فكّر كاميجو في ما إذا كان سيجيب بناءً على هوية المتصل، لكنه رأى الاسم تسوتشيميكادو موتوهارو فردّ بسرعة.

『كاميان، أين أنت؟! لماذا لم تنتظر في مكانك؟!』

「آسف! كنتُ لأضيعها لو فعلت!」 وبينما يتكلم، اختفى زيّ الرسامة عند زاوية أخرى تبعد عنه نحو عشرين مترًا. اندفع بكامل سرعته نحو الزاوية.

『تبًّا. إذن أين أنت الآن؟』

حين استدار كاميجو عند المنعطف تأوّه. كان الطريق ضيقًا وينقسم إلى ثلاثة مسارات مختلفة. أنصَتَ جيدًا، ثم ركض خلف صوت خطوات سمعها—إلى الأمام مباشرة.

「أنا... لا أرى مَعْلَمًا واضحًا هنا! أرسل لك GPS الآن. تولّى أنتَ البحث!!」

الجَوّالات المحمولة الحديثة تزودت بنظام تحديد المواقع توفر خدمة لمعرفة أماكن الأصدقاء. لكن لابد أن يرسل الشخص المراد تعقبه رمزًا خاصًا عبر رسالة نصية. وكان هذا الرمز يتغير كل ثلاثين دقيقة. بعد أن أرسل الرمز اللازم إلى جوّال تسوتشيميكادو ليحدد موقعه، أنهى المكالمة. وأبقى الجوال يعمل بالطبع ليواصل الـGPS عمله.

ركض في الطريق الضيق لفترة. كان أطول مما توقع. والفجوات الصغيرة بين المباني تضيق أكثر فأكثر إلى درجة أنه لم يعد يرى ما بداخلها. ومع استمراره، بدأ أخيرًا يسمع وقع أقدام وأصوات حشد.

「واااهـ!!」

عندما خرج من الممر الضيق وجد نفسه في شارع رئيسي آخر. مسح محيطه بسرعة ووجد أوريانا تركض من اليسار إلى اليمين عبر ممر مشاة فوق الطريق. (بعيييييد، على بعد خمسين مترًا؟) سريعةً كانت على نحو غير معقول، خاصةً وهي تحمل تلك اللافتة الكبيرة تحت ذراعها (أو أيًّا كان الشيء الذي ربما تخفيه).

اندفع كاميجو خلفها.

ولحسن الحظ، كانت اللافتة العملاقة تبرز بين الناس، فلم تستطع أن تندمج في الحشد فورًا. ومع ذلك، فإن احتمال أن تختفي عن الأنظار في أي لحظة جعل كاميجو يركز عليها بالمعنى المطلق، حتى إنه كاد يتعثر بأصغر نتوءات الطريق، فضلًا عن مراقبة المارة من حوله.

「تبًّا!」

صرخ، ودفع نفسه للركض أكثر، وعندها—بام!—صفعه شيء على ظهره.

تسوتشيميكادو موتوهارو ومعه ستيل ماغنوس.

لقد وصلا بسرعة.

لم يأتيا من خلفه، بل من طريق صغير يقطع الطريق الرئيسي عرضيًا. لا بد أنهما رأيا مكانه، وتنبآ بالاتجاه الذي يتحرك فيه ثم سلكا طريقًا مختصرًا.

「أي واحدة، كاميان؟ قلت إن [سيف الطعن] مُخبّئ على هيئة لافتة، صحيح؟」

كان كاميجو يلهث ويلتقط أنفاسه. 「تلك... المرأة الشقراء التي ترتدي زيّ الرسامة،」 قال وهو يشير بصعوبة.

انطلق تسوتشيميكادو وستيل معًا وتركاه خلفهما—كأنهما يقولان له إن هذه صارت مهمة المحترفين الآن. ولكنه مع ذلك، ومن دون أن يتوقف ليلتقط أنفاسه، ركض خلفهما.

(يا ليل...!)

نظرت أوريانا خلفها ونقرت لسانها حانقة. بينهم فارق خمسين مترًا، لكنه لم يكن أكثر من ذلك. لقد بذلت جهدًا كبيرًا لاختيار طرق صغيرة يسهل التيه فيها لتُضيّعهم، لكن ذلك لم يكن ذا جدوى إطلاقًا.

زيّ الرسامة الذي كانت ترتديه حاليًا، مع "اللافتة"، أعطى الآخرين انطباعًا بأنها في رسامة جَوّالة. لو لم تكن تحمل اللافتة، لكان بإمكانها دخول فندق أو متجر كبير أو مطعم، وسيظن الجميع أنها في استراحة... لكن إن دخلت من الباب الأمامي لأي من تلك الأماكن، فمن المرجّح أن العاملين هناك سيقولون شيئًا. ولن تستطيع شرح سبب فرارها حتى لو سألوها، واضطرارها للتخلص من موظف تلو الآخر سيُبرزها أكثر وأكثر.

ومع ذلك، لو أرادت الدخول من باب الموظفين الخلفي، فستحتاج إلى مفتاح أو بطاقة تعريف. كل ذلك يعني أنها مضطرة لاستخدام الطرق العامة—وهو أحد الأسباب التي جعلت من الصعب عليها التخلص من المطاردين. لكن حقيقة أنها ما زالت تُلاحَق رغم المسافة التي بينها وبينهم بدت غريبة بعض الشيء.

وبحلول الوقت الذي لاحظت فيه ذلك، لاحظت أيضًا أن عدد مطارديها صار ثلاثة، لا واحدًا.

من طريقة مطاردة الأول لها، لا شك أنه كان هاويًا. لكن بعد انضمام الاثنين الجديدين، صارَ أسلوبهم أدق بكثير. على الأرجح هم محترفون. يحاولون قراءة أفكارها، والتنبؤ بالطرق التي ستسلكها للفرار.

(سمعتُ أن المدينة الأكاديمية وحتى الكنيسة بأكملها لا تستطيعان فعل شيء في هذه المدينة الآن، لكن يبدو أن الواقع أعقد من ذلك...أوه!)

توقفت أوريانا فجأة في مكانها. كأن في الأمام كاميرات تلفزيونية، لأن الحشد كان أكثر كثافة بكثير. لن تستطيع المرور من خلالهم وهي تحمل "اللافتة العملاقة". ستعلق في جدار البشر، وستتوقف. وبالطبع، التخلي عن "اللافتة" والغوص في الحشد سيكون تصرفًا عكسيًا تمامًا.

نظرت حولها.

(سيكون صعبًا، لكن المرور من هناك سيكون الأأمن، كما أظن...)

فكّرت وحسبت وقلّبت الأمر، ثم قررت الانحراف جانبًا وسلوك طريق آخر.

كان تسوتشيميكادو الأسرع بينهم، يليه ستيل، ومتأخرهم كاميجو، وهو أكثرهم تعبًا من الركض—مع أنه في الظروف العادية قد يتفوق على ستيل في السرعة.

توقفت أوريانا فجأة عن الركض على بُعد نحو ثلاثين مترًا منهم في وسط الطريق، نظرت حولها، ثم دخلت طريقًا آخر. عبس تسوتشيميكادو وهو يركض.

「هذا مختلف تمامًا عن أسلوبها السابق-نيا... هل غيّرت رأيها؟」 قالها بصوت عالٍ، من دون أن يبدو عليه التعب كثيرًا. كان يجري بسرعة بحيث إن كاميجو سيخرج من السباق لو تعثّر ولو خطوةً واحدة. أجبر ساقيه على الاستمرار وتتبّع أثر تسوتشيميكادو.

وعندما وصلوا إلى المكان الذي توقفت فيه أوريانا، لاحظوا وجود كاميرات تلفزيونية أمامهم. صوتُ المراسل تسلل عبر الحشد، يقدّم شرحًا متحمسًا يعلم أيّ شخص محلي أنه بعيد عن الصواب. كان الناس متكدسين حوله كما في قطار ساعة الذروة. لا بد أن أوريانا غيّرت طريقها خوفًا من أن تُحتجز هناك.

نظر كاميجو في الاتجاه الذي ركضت فيه. 「...ما هذا؟ محطة حافلات؟」

أمامهم مكان مغطى بالإسفلت.

كانت ساحةً مسطّحة مربّعة الشكل، محاطة بالمباني من جميع الجهات. بدا كأنه مكان سُوّيَ على عجل، وكأن أحدهم فكّك مبنى غير ضروري لتلبية أحد متطلبات مهرجان دايهَسي.

كان عرضه نحو ثلاثين مترًا ويمتد لعدة مئات من الأمتار إلى العمق، ومع ذلك لم يبدُ "واسعًا" أو "مفتوحًا" على الإطلاق—إذ كانت عشرات الحافلات الضخمة محشورة في المكان كما لو كانت تستعد للتحميل على ناقلة عملاقة. لم يتمكنوا من رؤية نهايته من هنا، لكن بدا أن هناك ما بين خمسين إلى سبعين حافلة مصطفّة. وفي عدة مواضع أعمدة معدنية منصبة؛ تربط المنشأة كلها بسقف هائل من صفائح معدنية مجلفنة أو ما شابه. وكانت أذرع آلية معدنية معلّقة من السقف في كل مكان، شبيهة بتلك المستخدمة في مصانع السيارات لتجميع المركبات.

جميع هذه المركبات كانت حافلات آلية بلا سائق. على الأرجح كان هذا مرفق خدمة مؤقتًا للحافلات المزوّدة بوحدات القيادة الذاتية. فحتى هذه الحافلات لا بد لها من مغادرة مواقعها من حين لآخر للصيانة، سواء للتنظيف أو لإعادة التزوّد بالوقود. كانت هذه الحافلات ببساطة تنتظر على الهامش أثناء خضوعها للإصلاحات.

لم تكن تُستخدم إلا خلال مهرجان دايهَسي، وقد شُيّد هذا المرفق الضخم لهذا الغرض وحده. هذا جعل كاميجو يدرك من جديد مدى ضخامة هذا الحدث.

مرّت بجانبهم حافلة، كُتبت على شاشتها عبارة [خارجة عن الخدمة]، وسارت بصمت شبه تام نحو عمق المنشأة. أمسك تسوتشيميكادو بمؤخرة الحافلة التي كانت تتحرك ببطء، واستخدمها للدخول إلى الداخل بنفس الصمت تقريبًا. لكن في اللحظة التي وطئت فيها قدمه الداخل...

طوووم!!

فجأة، اندفع لهب انفجاري أزرق شاحب من السقف إلى الأسفل.

اللهب ذو اللون غير الطبيعي يهوي مباشرة نحو تسوتشيميكادو، كما لو كان موجّهًا عبر أنبوب غير مرئي. كان هجومًا سحريًا على الأرجح—وبالتأكيد ليس من صنع ستيل، رغم أنه يستخدم النيران كثيرًا. فمن أطلقه؟

「تبًّا، قرَّرَت أن تنصب فخا لسحقنا بدل الهرب! انبطح كاميان!」

قفز تسوتشيميكادو إلى الخلف فورًا وحاول دفع كاميجو إلى الأرض، لكن...

「هيّا، أليس هذا دورك」

...قبل أن يتمكن من ذلك، أمسك ستيل قفا كاميجو وقذفه إلى الأمام.

「ها؟」 رفع كاميجو رأسه ليرى عمود اللهب يهبط عليه كالمقصلة.

「هاااء؟! مهلاً، مهلا! أتمزح معي!!」 دفع قبضته اليمنى للأعلى بهلع كما لو يوجّه لكمة صاعدة. تشتّت عمود اللهب الأزرق الشاحب في جميع الاتجاهات، وتلاشى دون أن يحرق شيئًا.

اهتزت السيجارة في زاوية فم ستيل. 「عليّ أن أقول، رفيق لعبِ ممتازٌ أنتَ. هكذا يكون الفريق. كلٌّ ومجاله هِئ」

「أ-أنت... آانت...!!」 ارتجف كاميجو، وكاد يخنق الكاهن ذي الشعر الأحمر.

「هيّا، أكمل عملك」

باخ! وجد كاميجو نفسه يُركل إلى الأمام مرة أخرى.

هووش!! شقّ الهواءَ صوتٌ حاد. كتلة من التراب بحجم كرة بيسبول مرت تحت هيكل الحافلة الآلية التي كانت تتقدّم أمامهم ببطء. ثم -مع صوت معدني- خرجت منها عشرات الأشواك الحجرية، فأصبحت أشبه بقنفذ بحري. قفزت فجأة نحو الأعلى، متجهة إلى ذقن كاميجو.

「مهلًا، لحظة، ما الذي يحدث؟!」 مدّ يده اليمنى فورًا، فتحطمت الرصاصة الحجرية كالجليد وتلاشت في الهواء. كان تسوتشيميكادو وستيل قد قفزا كلٌّ إلى جانب، مستخدمين الحافلات الآلية المتوقفة جُدرانا. أما كاميجو، وقد بدأ يطوّر مشكلات ثقة بسرعة، فلم يتردد في الاندفاع إلى جانب تسوتشيميكادو.

نظر تسوتشيميكادو وهو يسند ظهره إلى جانب الحافلة؛ إلى ستيل الذي كان مضغوطًا بدوره إلى جانب الحافلة المقابلة عبر ممر الصيانة.

「ستَيْل، انشر بطاقات الرون وابقَ هنا-نيا. أنا سأتقدم وأطيح بالمهرّبة」

「حسنٌ. هل أستخدم أوبِلا؟」

「نعم. لا أريد نشر مانا في الجو أكثر مما نحتاج، لكن سيكون أسوأ إن انتشر الأمر أكثر من اللازم. ما دامت إندكس لا تتجه إلى هنا، فيفترض أن نكون بخير」

بدأت الشكوك تتسلل إلى كاميجو بينما كان المحترفان يتحدثان فيما بينهما. 「ألا يكون أسرع لو لاحقناها جميعًا؟」

「كاميان، مع كل هذه العوائق، قد ينتهي الأمر نسلك الطريق الخاطئ. عند المطاردات، من التكتيكات الأساسية أن تُغلق أكبر عدد ممكن من المخارج」

「أوه」 أخيرًا فهم كاميجو قصده. لم تكن معركة تبادل ضربات—هذه كانت معركة لاصطيادها قبل أن تهرب. هدف مختلف يستدعي تكتيكات مختلفة.

نظر إليه تسوتشيميكادو. 「ماذا ستفعل، كاميان؟ أرى من الآمن لك أن تبقى هنا...」

ابتسم ستيل ابتسامة جانبية. 「يعجبني ذلك. أوافق—سيكون أأمن بقيتَ هنا. ليس لسلامتك، بل سلامتي」

رمى كاميجو علبة فارغة عند قدمي ستيل، ثم قرر التقدم مع تسوتشيميكادو. تطلّع حول جانب الحافلة إلى ممر الصيانة، ثم انطلق بأقصى سرعة. تبعه كاميجو مباشرة، معتبرًا أن الإماجين بريكر يضعه في المقدمة درعًا.

لكن—طاخ!! من الأمام مباشرة، انطلقت رماح نارية صفراء نحوهم. كانت على بعد عشرة أمتار، وقد ظهرت فجأة حيث لم يكن سوى الفراغ قبل لحظة. عندما مدّ كاميجو يده اليمنى، جاءت نحوه مقصلة مصنوعة من هواء مضغوط بشدة من الفجوات بين الحافلات على الجانبين.

「؟!」 تردد للحظة، فأمسكه تسوتشيميكادو من ياقة قميصه. ثم، وهو يجرّه خلفه، اندفع إلى الأمام، مراوغًا المقاصل الجانبية ويزرق من بين ألسنة اللهب المقوّسة. وعندما أفلته قال؛

「كاميان، لا تواجه كل شيء! ما هذه إلا محاولات لكسب الوقت. إن ضيعت وقت معها كلها فستفلت!!」

「حسنًا، أفهم، لكن...!!」 خَمسُ كتل جليدية ضخمة بحجم بالونات الإعلانات سقطت عليهم من السقف. كافح يائسًا ضد رغبته في استخدام يده اليمنى، وواصل الجري للأمام فقط. شعر بزئير واهتزازات الكتل العملاقة وهي تتحطم على الأرض. قشعريرة سرت في عموده الفقري.

اندفعوا متجاوزين صفًا من الحافلات. ظهرت أمامهم عدة آلات غسل عملاقة للحافلات. كانت بارتفاع مبنى من طابقين، وتضم جميع المعدات اللازمة لغسل المركبات من الداخل. وبدلًا من الفُرَش الدوّارة التي تراها في محطات الوقود، كانت تستخدم ألواح إسفنجية عملاقة تعتمد على اهتزازات فوق صوتية.

وحين وصلوا خلفها، لمحوا لمحة من شعر أشقر طويل يتطاير.

「ها هي!!」 ما إن وصل كاميجو خلف الحافلات حتى انفجرت الأرض أمامه فجأة، مكوّنة حاجزًا بينه وبين آلات الغسل. امتد الجدار الترابي إلى ارتفاع خمسة أمتار، ثم انهار نحوهم الثلاثة كأنه انهيار ثلجي. الجدار امتد من أحد طرفي منشأة الخدمة إلى الآخر. لم يكن بالإمكان تفاديه، وإن اختبؤوا خلف الحافلات، فسيسحقون معها. والأسوأ من ذلك، إن تحطمت الأعمدة المعدنية الداعمة للسقف، فقد ينهار المكان كله فوق رؤوسهم.

「كاميان، دورك! هذه مادة مؤقتة، مثل الإكتوبلازم—يدك ستمحوها بسهولة!!」

وبينما يصرخ تسوتشيميكادو، قفز كاميجو إلى الأمام. شعر بأسنانه تصطك أمام هذا الخصم الهائل، لكنه لم يستطع الهرب باكيًا في هذا الموقف. اندفع نحو جذر الانهيار الطيني وغرس يده اليمنى فيه دون تردد.

بصوت مدوٍّ لتحطم الزجاج شششش!!، سقط الجدار الترابي البالغ ارتفاعه خمسة أمتار متداعيًا. وكأنه ذاب في الهواء الرقيق، وبعد أن اختفى لم يتبقَّ شيء. عاد الإسفلت تحتهم إلى طبيعته أيضًا. قبل أن يتمكن كاميجو من سحب ذراعه اليمنى، اندفع تسوتشيميكادو بجواره واختفى خلف آلات الغسل الكبيرة. تبعه كاميجو، متجاوزًا العقبات دفعةً.

ثم توقف. لم تكن أوريانا هناك.

كل ما تبقى كان قطعة من الورق السميك بحجم عود علكة، مثل الورق الموجود على حلقة بطاقات التدريب، معلقة على جدار آلات الغسل. تجاوز كاميجو تسوتشيميكادو الذي توقف ونظر حوله. رأى مخرجًا صغيرا مخفي في ظل آلات الغسل. على بُعد خطوات قليلة، كان غطاء فتحة البالوعة مفتوحًا—إضافة إلى أن نوافذ المبنى كانت مكسورة. باختصار، محال أن تجد طريقة لمعرفة أي طريق استخدمته للهروب فعليًا.

「أوريانا تومسُن، روت دِستورب... اللعنة!!」

مزّق تسوتشيميكادو الورقة عن الجدار، تعبير غضبه بَيَّن لكاميجو الهاوي مدى خطورة الموقف.

وها نحن ذا. آمل أن يكون هذا قد شتّتهم... أوريانا تومسُن ألقت نظرة خلفها بينما تمشي على الطريق الرئيسي. توقفت عن الركض ما إن ضيّعت أثر مطارديها تمامًا. إذا كانوا قد فقدوا أثرها أيضًا، فالأهم الآن هو ألا يُكشف أمرها مرة أخرى أكثر من كسب مسافة إضافية. الركض بأقصى سرعة سيكون حماقة. ستبرز بين الحشود كمسمارٍ بين الحصير.

ومع ذلك، بدأ الأمر يرهقها. وهي تحمل "اللافتة" الملفوفة بالقماش الأبيض تحت ذراعها، نظرت خلفها مرة أخرى... (علّي تخلصت منهم مؤقتًا، لكن هذا لا يعني أن الأمر انتهى. ربما من الأفضل أن أستعد للتحرك التالي... وي!)

بالها غاب عن محطيها تُركز فيما وراءها لدرجة أنها اصطدمت بشخص يمشي أمامها مباشرة. الإحساس الذي شعرت به عبر سُرّة بطنها المكشوفة لم يكن جلدًا بشريًا، بل معدنًا. اصطدمت بطالبين من لجنة المهرجان الذكور يحملان عمودًا به سلة في نهايته ستُستخدم في لعبة الرمي العالي—العمود الآن على الأرض.

「أوه، السموحة يا أولاد!」 اعتذرت بخفة وغادرت المشهد. لاحظ طالبٌ جزءًا من صدرها وتصلب قليلًا، مقدمًا ردودًا محرجة. يا زين الصغار، هيهي، هذا يعني أن "الحيلة" لهذا الغرض نافعة. ربما أوقعهما في مشكلة يسيرة.

بعد ذلك، أخرج تسوتشيميكادو الجَوّال واتصل. بدا أنه يُكلّم ستيل. كلاهما سحرة، لكن تسوتشيميكادو لا يستطيع استخدام السحر. أو يعني، بصراحة يمكنه، لكنه أيضًا يمتلك قدرات إسبرية؛ استخدام السحر سيؤدي إلى استجابة رفضية وقد يخلق انفجارات صغيرة داخل جسده.

بعد أن طلب منه الحضور فورًا، أعاد تسوتشيميكادو الجَوّال إلى جيبه.

نظر كاميجو إلى قطعة الورق السميكة في يد تسوتشيميكادو.

「هيه، ما هذا بالضبط؟」

「هاه؟ هذا [العنصر الروحي] التي استخدمته أوريانا-نيا~」 أجاب بصوت متضايق قليلًا، وأراهُ الورقة. فيها حروف زرقاء مكتوبة—بخط إنجليزي متصل، لذا استصعب قراءتها بدايةً، لكن كُتب عليها SOIL SYMBOL. درجاته في اللغة الإنجليزية سيئة فظيعة، فليس لديه أدنى فكرة عما تعنيه.

ترجمها له تسوتشيميكادو؛ 「أتعرف كيف في ألعاب الـRPG وما شابهها توجد العناصر الخمسة الكبرى؟ نارٌ وماء وأرض وهواء؟ إنها من هذا النوع」

「...إذن هذه مثل تميمة الأرض؟ لا أفهم」

「لا، ليس هذا كل شيء. اللون المخصص للأرض هو الأخضر، لكنها كتبت الكلمة باللون الأزرق، صحيح؟」 دار تسوتشيميكادو الورقة. 「الأزرق هو اللون المخصص للماء. عادة، لا يمكن استخدامه للسحر الأرضي. إذا أرادَت استخدام الأرض، لاستخدمت الأخضر أو القرص، لأنها أكثر توافقًا. مثلما يستخدم ستيل البطاقات الحمراء للتحكم في النار」

「...فهل أخطأتْ؟」

「بالطبع لا. بل تعمدت. وضعت ألوانًا غير صحيحة عَمدًا، ثم حولت الارتداد الناتج عنها إلى قوةٍ هجومية. بالنسبة لمفهوم وُو شينغ—العناصر الصينية التقليدية الخمسة—هي تستخدم ترتيب التَغَلُّب: الأرض تغلب الماء. التوافق السيء يولد نتائج سيئة، باختصار」

أثناء حديثهم، جاء ستيل يجري إليهم من الجزء الآخر من منشأة الخدمة.

لوّح تسوتشيميكادو بالورقة أمامه. 「تلقيت إشارة المانا. إذا كانت تتحكم عن بُعد أثناء الجري، فالغالب أنها كانت تنقل المانا ذهابًا وإيابًا. أود أن أستغل ذلك لصنع تعويذة تتبع. فهلّا تساعدني-نيا؟」

  • الجزء 9

لم يكن جسد تسوتشيميكادو يسمح له باستخدام السحر. أو بالأحرى، إذا حاول، فإن الأمور ستنفلت عن السيطرة. جسد الإنسان لا يُقاس بأرقام كما في ألعاب الفيديو، فلا يوجد عدد محدد من المرات التي يمكنه فيها استخدام السحر وتحمله. أحيانًا قد يستطيع الصمود لأربع أو خمس مرات، وأحيانًا يموت من المحاولة الأولى.

الأمر أشبه بلعبة الروليت الروسية. ما لم يكن متأكدًا تمامًا من أنه يستطيع إنهاء الأمور بضربة واحدة، بدا أن تسوتشيميكادو يمتنع تمامًا عن استخدام السحر. فالجميع يعرف ما سيحدث إذا أصيب بعجز في ساحة المعركة. لم يكن هو الساحر المراد أن يستخدم تعويذة التتبع.

وضع البطاقة التي تركتها أوريانا على الأرض. ثم اكتفى برسم دوائر حولها ووضع أوراق الأوريغامي بألوان مختلفة بالقرب منها. وكان من الواضح أن وظيفة ستَيْل هي تفعيل السحر فعليًا.

「اسم التعويذة هي [أربَعُ طُرُقٍ حَق]... يا رجل، تمنيت لو استطعنا استخدامها وقت سقوط الملاك-نيا. لقد كنت منهارًا منهكًا من التعويذة الدفاعية التي استخدمتها للهروب من آثار التبادل، ونيه-تشين فظيعة في رسم الحواجز. كانت مصيبة! وبالطبع، ليس مسموحا لي أن أعلّم التعويذات لفرد من الطائفة الروسية الأرثذكسية...」

「لماذا لا تستخدم يديك بدلًا من فمك؟ ألم تقل إن نطاق البحث لا يتجاوز ثلاثة كيلومترات؟」

「أوه، صحيح. نعم، كاميان، ابتعد قليلاً. لن نستفيد شيئًا إذا أفسدت يدك اليمنى السحر」

تراجع كاميجو متفاجئًا بضع خطوات. وبعد أن وضع تسوتشيميكادو علامات على الأرض هنا وهناك، تراجع أيضًا ووقف بجانبه.

على الأرض دائرة سوداء قطرها حوالي خمسون سنتيمترًا. في وسطها البطاقة التي لصقتها أوريانا على جانب الغسالة. أربعة قطع من الأوريغامي حديثة الصنع كانت تقع على زوايا قائمة داخل الدائرة—أزرق وأبيض وأحمر وأسود—مقسمة الدائرة إلى أربعة أقسام. بدا وكأنها تحدد الشرق والغرب والجنوب والشمال.

ركع ستَيْل بجانب الدائرة التي رسمها تسوتشيميكادو، ثم وضع يديه معًا وأغلق عينيه كما لو يصلي. وانحدرت قطرة صغيرة من العرق على جبينه.

「IITIAWHAIICTTPIOA. (تَحمِلُها الريح، ولا الهواءُ يَحكُمُها، بل يفضح أيَّ موقعٍ جاءت منها」

وبكلماته تحركت قطع الأوريغامي الأربع رغم عدم وجود أي ريح. وكأنها دمى يتحكم بها عرّافٌ غِر، ارتفعت في الهواء. ووقف كل ورق ملون منتصبًا ثم توقف فجأة. كانت حوافها توحي بصور شفرات حادة.

「تعمل الرونات بالتلوين وإزالة التلوين」 قال تسوتشيميكادو وهو يراقب الدائرة على الأرض، 「تُنقش الرموز ذات المعاني، وتتفعل التعويذة بتلوين الأخاديد بالقوة، ثم تُلغى بتفريغ اللون. يستخدم ستَيْل بطاقات قد لونها مسبقًا—باستخدام الطابعة—لذلك فهو سريع جدًا في تفعيل التعويذات. بالإضافة إلى أنه يمكنه حرق البطاقة فيتجاوز عملية إزالة اللون تمامًا-نيا. هذا يعني أنه يمكنه استخدام التعويذات التي "لونها" مسبقًا فقط، لكن...」

رقصت الأوراق الأربع فوق الدائرة. وكلما رسمت خطًا سلسًا عبرها، ترسم على الأرض خطًا منحنيًا من نفس اللون. خَش، خَش، خَش، خَش. ضاقت الدائرة تدريجيًا، متجهة نحو البطاقة التي تركتها أوريانا في الوسط.

「طالما تتبع القاعدة الأساسية للتلوين وإزالة التلوين، يمكنك أن تبتعد كثيرًا عن الأبجدية الرونية، الفوثارك، ومع ذلك سيظل السحر يعمل-نيا! قد نطلق عليها جميعًا رموزًا رونية، لكنها تأتي بأنواع مختلفة حسب الحقبة الزمنية التي تنظر إليها」

—تبقى خمسة عشر سنتيمترًا فقط حتى تغلق الدائرة في الوسط.

راقب كاميجو قطع الأوريغامي الأربع تدور بسرعة.

「إذا استخدمنا هذا، سنعرف مكان أوريانا بالضبط؟」

「بالأحرى، سيحددها على مدى ثلاثة كيلومترات-نيا. أما إذا كانت خارج هذا النطاق فلن نحصل على شيء」

「...ثلاثة كيلومترات. هذا بعيد نوعًا ما. حتى لو وجدناها على مسافة تقارب الثلاثة كيلومترات تمامًا، فستنتقل إلى مكان آخر بينما نحاول اللحاق بها」

「هناك تفصيل آخر. بعد استخدام "أربَعِ طُرُقٍ حَقْ"، تحتاج إلى نحو خمس عشرة دقيقة ليبرد قبل أن تتمكن من استخدامه مرة أخرى-نيا! وهذا لا يمثل مشكلة إن نجحنا من المحاولة الأولى-نيانيا~」

بدا تسوتشيميكادو واثقًا، لكن ماذا لو فشلوا؟

「خمس عشرة دقيقة... قد تبدو مدة قصيرة، لكنها ستكون كافية لهروبها إن استخدمت قطارًا أو حافلة」

「لا يهمنا كيف تقرر الفرار. هل نسيت يا كاميان؟ أنا ساحر أيضًا. لا أستطيع استخدامها إلا مرة، لكن لديّ [المراسم الحمراء] إن احتجنا」

—بقي عشرة سنتيمترات حتى مركز الدائرة.

نظر كاميجو إليه بنظرة متجهمة. 「مهلا... أليست تلك ما استخدمتها لتدمير منزلي من البيت الشاطئي حتى توقف سقوط الملاك؟ ولكن ربما تفيدنا إذا استخدمت تلك المدفعية السخيفة ل...لكن لحظة! إذا استخدمت السحر علنا في المدينة الأكاديمية، ألن يتخذ السحرة الآخرون المنتظرون في الخارج ذلك ذريعة لاقتحام المكان؟」

「لا، لن يستطيعوا كاميان. ذريعتهم يجب أن تكون أنهم يتصرفون لحماية المدنيين من الساحر الشرير الذي تسلل إلى المدينة. لو أنهيتُ الأمر كله بهجوم واحد، فلن يكون أمامهم إلا أن يقولوا هذا ليستولوا على بقايا [سيف الطعن]: انتهت الأزمة، ولم نعد بحاجة إلى أيٍّ منكم-نيا~」

—بقي خمسة سنتيمترات حتى مركز الدائرة.

ابتسم تسوتشيميكادو لكاميجو. 「لكن حلّ حادثة كساحر تحت الأضواء أمر سيئ لأسباب كثيرة. لهذا لديّ [المراسم الحمراء]. لا [المراسم السوداء] القائمة على الماء، وهو تخصصي-نيا. إذا سأل أحدهم عمّن استخدم السحر، يمكنني ببساطة أن أقول إن ستَيْل هو من أطلقه، فالنار تخصصه」

「...يا لجرأتك. هل سيخدعهم ذلك حقًا؟」

「بالطبع! لدى نِسِسَريوس مكتبةٌ بها مئة وثلاثة آلاف مخطوطة محفوظة، أليس كذلك؟ لن يكون غريبًا لو أنهم درسوا سحرًا غير صليبي-نيا. ثم إنّ رونات ستَيْل لا علاقة لها بالصليبية أصلًا. نعم، قد أضطر أيضًا إلى تهذيب المانا على الطريقة الغربية بدل الطريقة الشرقية」

「...」

「لا تنظر بعين دهشة هكذا! على أي حال، إن استطعنا تحديد موقع أوريانا، نفوز. وإذا أمكن، أريد أن أقبض عليها بنفسي وأجعلها تخبرنا بمكان لِدُفيا والطرف الآخر في الصفقة. أما الآن، فإيقاف صفقة [سيف الطعن] هو الأولوية-نيا! وبعدها لنفجر [سيف الطعن] إلى الفضاء الخارجي أو نمزق جسد أوريانا لتحقيق ذلك أو أيًّا يكن」

—صفر سنتيمتر حتى مركز الدائرة.

لامست قطع الورق المطوية الأربع البطاقة التي تركتها أوريانا. دوّى صوت فرقعة جافة عندما ارتدت الأوراق الملونة مبتعدة. ثم، وبسرعة مذهلة، بدأت ترسم خريطة دقيقة على الأرض. في البداية كانت صورة ضبابية ككاميرا غير مضبوطة التركيز، لكنها أخذت تتضح تدريجيًا.

طرق، مبانٍ، أشجار على الأرصفة، مقاعد، آلات بيع، عَنَفَات الرياح، وحتى علبة فارغة—لم تكن خريطة رمزية مبسطة بقدر ما كانت صورة قمر صناعي فائقة الدقة من الفضاء.

والموقع -حين اتضح أخيرًا- كان...

رفعت أوريانا تومسُن رأسها فجأة.

مدّت عنقها وهي تمسك بالجسم المشابه للوحة الإعلانات المغطى بقماش أبيض؛ وقد تسبب ذلك في زيادة الضغط على الزر الثاني من زيها—وهو آخر جنديٍّ صامد.

كانت ألعاب نارية من الدخان الأبيض تنفجر في سماء أواخر سبتمبر، وهناك نسمة باردة منعشة رغم استمرار موجة الحر الصيفية. والسحب البيضاء المرقطة تنجرف بكسل في الاتجاه نفسه، مانحة المشهد مظهر سلام وطمأنينة مطلقة.

ومع ذلك، شعرت أوريانا بوخز من التوتر على جلدها... كالإحساس الذي يسبق اقتحام مبنى يتحصن فيه سارق بنك.

فكرت أوريانا تومسن لحظة فيما هو قادم.

「IITIAWHAIICTTPIOA. صح...؟ كـ ـشَفْـ ـتُـ ـكُم」

ثم ابتسمت بخباثة.

「غراااهه، غاااااااااااااااااااهههههه؟!」

فجأة، ربض ستَيْل كما لو تلقى ضربة قوية في بطنه.

ومع صوت تصدع عالٍ، تفرقت خطوط الخريطة المرسومة على الأرض في جميع الاتجاهات. كأن أحدهم عطس على صورة مرسومة بالرمل. وتبعت ذلك طقطقات وتصدعات كثيرة لأشياء تنكسر. ولحظةً، ظن كاميجو أنها عظام ستَيْل.

「صوت تشوّه الفضاء بسبب خروج المانا عن السيطرة—إنه مجرد صوت شَبَحي بسيط! كاميان، أُلكم ستَيْل! هذا سيوقفه!!」

أُخذ كاميجو على حين غرة بكلامه. في تلك اللحظة كان خائفًا لأنه لا يفهم ما يجري. اندفع نحو ستَيْل وصفع ظهر الفتى المنحني على عجل محاولًا أن يفعل ذلك بسرعة دون التفكير في ضبط قوته.

اندفع الهواء بصوت فرقعة.

ثم، وكأنه أنهك تمامًا، سقط ستَيْل على الأرض. ومع ذلك، بدا أن الوضع قد هدأ؛ فلم يعد يسمع تلك الأصوات الغريبة. تنفّس ستَيْل بصعوبة لبعض الوقت، ثم مشّط شعره المبتل بالعرق بعيدًا عن وجهه.

「ما... كان هذا...؟ تعويذة دفاعية... تحسبًا لأيّ تعقّب...؟」

اقترب تسوتشيميكادو والتقط إحدى قطع الأوريغامي الثابتة. وضع أصابعه عليها، وبدأ يطويها هنا وهناك.

「لو كانت، لكان من المفترض أن يحدث لي شيء عندما أعددت دائرة سحر "أربع طرق حق"... لكن لا أثر لذلك」 لوّح بالورقة المطوية بعناية. 「أظن أنها قرأت مانا ستَيْل، وربما أعدّت [تعويذة اعتراضية] تتفعل عند اكتشاف ماناك أنت تحديدًا. اللعنة. رأيتها تهاجمنا فجأة بالفخاخ فظننتها مذعورة، لكن هذا كان هدفها طوال الوقت. انتظرتنا نستخدم السحر فقرأت المانا ثم لابد أنها أعدّت دائرة سحر لتتصدى ذلك أو شيء من هذا القبيل-نيا!」

تجهم كاميجو عند كلمات تسوتشيميكادو بينما كان يعبث بالأوريغامي، ثم مدّ يده نحو ستَيْل. دفع ستَيْل يده بعيدًا ممتعضًا، وتعثر واقفًا على قدميه.

「تعويذة اعتراضية لإيقافي بعد أن تعرفت على نمط ماناي؟ أرى هذه معضلة شديدة」

「...ماذا تقول؟ أنها أعدّت هجومًا محددًا عليكَ يا ستَيْل؟」 بدا على وجه كاميجو تعابير عدم الفهم لنصف ما كانوا يتحدثون عنه.

تنهد تسوتشيميكادو؛ 「نعم، تختلف المانا في الجودة والكمية حسب طريقة ضبط المستخدم لها... لكن لا أظن أن ذلك وحده كان كافيًا لتمكينها من تنفيذ اعتراض مثالي كهذا-نيا~」 وقال، وهو يمد يده إلى جيب شورته ويخرج قلمًا أحمر دَبّوس... قلم الخطوط الفخمة ومثلها.

وفقًا له، السحر يشبه البنزين: يأخذ الوقود الخام؛ وهي قوة حياة الشخص، ثم يستخدم "مصفاةً" سواء كانت أسلوبه أو دينه لصقلها.

「لكن على سبيل المثال إذا استخدم ستَيْل [المتمرس في الرونات] طريقة [أزتك] لضبط ماناه، فستكون المانا الناتجة مختلفة تمامًا في طبيعتها. كأنك تصنع زيتًا ثقيلًا أو خفيفًا بدل البنزين، نيا~」 الأشخاص مثل كانزاكي كاوري، قديسة الأماكسا، كانوا خبراء في البوذية والشِنتوية وكذلك الصليبية، وكان بإمكانهم استخدام أي نوع من المانا يناسب الموقف بحرية.

إذا أرادت أوريانا اعتراض ستَيْل بمفردها، لكان عليها معرفة كل نوع من المانا الذي من المحتمل أن يصنعه. وكان رأي تسوتشيميكادو أنها لم تكن لتظن نفسها في أمان إذا اكتفت بختم أحد أنماط المانا التي صقلها ستَيْل في منشأة الخدمة. أوريانا لم تكن لتفهم مدى قوة ستَيْل الحقيقية، لذا كان عليها التفكير في احتمالات لا تشمل قوته الحقيقية.

「مممم، إذن، ماذا تفعل أوريانا؟」

「هنا المربط... أظن أنها فعلت شيء مثل هذا،」 قال ستَيْل ولا يزال متمايلًا. 「المانا نفسها لها عدة أنماط مختلفة. لكن هذا ليس الحال مع حالتها السابقة. تختلف طريقة صقل المانا حسب الدين والتقنية وقوة الحياة. ومن بعدها، الأمر مجرد مسألة رياضية. يمكنك إيجاد الحل باتباع الأرقام」

على سبيل المثال، لنقل أن عندنا [عشرين نقطة] من نوع المانا A، و [طريقة صقل] المانا B. قارن بينهما، ثم اسأل؛ كم عدد نقاط قوة الحياة اللازمة [لصقل] [عشرين نقطة] من المانا A باستخدام طريقة B—بهذه الطريقة يمكنك حساب قوة الحياة الأصلية المستخدمة.

غاضبًا، أخرج ستَيْل سيجارة جديدة من العلبة وألقى بنظرة على تسوتشيميكادو. كان مشغولًا برسم نوع من الرموز على الأوريغامي الذي يمسكه، مستخدمًا القلم الأحمر للخط الدبوسي. ثم أسقطه أمامه، قائلاً لكاميجو إنه يرسم دائرة لإخراجهم من الوضعية الحرجة.

نظر ستَيْل مرة أخرى إلى كاميجو؛ 「المانا لا تختلف في السمات، لكن قوة الحياة بالطبع تختلف. ولا بد أن أوريانا اكتشفت ذلك. اللعنة. ما كان يجب أن أضع الرونات دون تفكير... مع ذلك، كنت لأفهم لو استخدمت منشأة كبيرة لحجز السحرة، مثل برج لندن أو قبو قلعة وندسور. لكن أن يكون هناك شخص قادر على اكتشاف قوة الحياة فيحللها ويعكس هندستها ويطبقها ثم يعترضها بمفرده... لا أتوقع أقل من هذا من الشهيرة [روت دِستورب]」

قالها بحنق. ثم، بفعل غير معتاد، أخرج عود ثقاب وضربه على نعل حذائه. ربما كان حذرًا من استخدام السحر لإشعال النار. ربما لهذا كان ينتظر تسوتشيميكادو لإنهاء الإعداد بدل الرد الهجومي فورًا. حقيقة أن رجلًا بمثل هذا الكبرياء الحاد يتوخى الحذر أعطت كاميجو فكرة عن مدى مهارة أوريانا.

الآن، بعد تفكير، تيقن من ذاكرته أن الوحيد الذي استخدم السحر بوضوح في المعركة السابقة في منشأة الخدمة كان ستَيْل.

「لو أنها حسبت التعويذة نفسها، حينها كان تسوتشيميكادو ليتعرض للضرر بدلا مني، لأنه رسم دائرة [أربع طرق حق] على الأرض. لكنه لم يتأذى، ما يعني أنها تفاعلت مع قوة حياتي」

「أتقول أنّ أوريانا كانت تحلل ماناك أو قوة حياتك أو أيا كانت أثناء جريها؟」 نظر كاميجو إليه مستغربًا، لكن ستَيْل نفث الدخان بغضب. ربما فقد هدوءه المعتاد بسبب الضرر الذي لحق به، أو ربما شعر فقط أنه من المتعب شرح أساس من أساسيات السحر لغِر هاوي.

「إذا كانت تستطيع فعل ذلك... فسيُنظر إليها على أنها أكثر قيمة حتى من يدك اليمنى」 استنشق دخانًا كاملًا. 「تعويذتها الاعتراضية... كانت تعويذة من المستوى الجراحي، بمستوى برج لندن. ستحتاج إلى دائرة سحرية—لا، ستحتاج إلى السيطرة على منشأة أكبر بكثير. وما يعنيه ذلك هو أن أوريانا لم تستخدم تعويذة واحدة فقط. لقد بنت منشأة كاملة من أجل ذلك. والأساس أن ما فعلته على الأرجح هو أنها حصلت على حاسوب فائق السرعة ليقوم بالتحليل نيابة عنها. بهذه الطريقة كانت تستطيع التركيز على الهرب. ومع ذلك...」

「ومع ذلك؟」

أجابه ستَيْل بصوت مرير؛ 「...لا، علّه خيال. أشعر كأنني رأيتُ مثل هذه المعالجة الآلية من قبل... لكن هذا محال. أوريانا قد تكون قوية، لكنها لا يمكن أن تمتلك واحدة من تلك...」 كان في الحقيقة يتحدث إلى نفسه في هذه اللحظة.

وما فعل كاميجو إلا أنه تجهم واحتار، لكن فجأة توقف تسوتشيميكادو عن كتابة الأوريغامي بجانبه وابتسم.

「لا يا ستيل. حتى أنا فكرت في نفس الشيء」

「أأنت جاد؟... ولكن، إن كان لديها واحدة من تلك، فسيكون من المنطقي أن تتمكن من تشغيل منشأة منفصلة تلقائيًا. لكن إن كان هذا هو الحال، فهذا يجعلها مشعوذة، لا ساحرة」

「نعم، ربما هي كذلك-نيا! من وجهة نظري، هناك بعض الأمور حولها غير مستقرة. إذا كانت حقًا مشعوذةً كاملة، يجب أن يكون لديها تابع من الساحرين تُعَلّمهم. أظن أن دور ذلك سيكون للِدُفيا-نيا~」

وبينما تسوتشيميكادو يتحدث، استمر يعلّم على أوراق الأوريغامي بالمزيد من الرموز بقلم الدبوسي، واضعًا رموزًا فوق الرموز القديمة.

「؟؟؟ عن ماذا تتحدثان أنتما؟」 استرسل الساحران في الحديث متناسيان الهاوي كاميجو في ظلام تام.

ابتسم تسوتشيميكادو وقال؛ 「صحيح، صحيح. أظن أنك لم ترَ واحدة حقًا، كاميان! لكن لا شك أنك تعرف عنها. هل المعرفة المتعلقة بالسحر والمخزنة في "الداخل" تُفعِّلُ نفسها كدائرة سحرية بغض النظر عما يريده المرء؟ وتظل فعّالة شبه دائمًا لأنها تعزّز قوتها قليلًا بما يتسرّب إليها من قوة الحياة وخطوط الطاقة الأرضية؟」

تعمّقت ابتسامة تسوتشيميكادو، وانعكست على عدسات نظارته الشمسية الزرقاء وهجٌ صارخ. 「ألم تفهمها بعد؟ كاميان، لا أظن أن هناك من هو أقرب إليها منك-نيا. بعد كل شيء، إندِكس معك، ولديها 103,000 نوع منها!」

103,000 نوع.

إندِكس.

لم يفهم كاميجو كل ما قاله تسوتشيميكادو، لكنه فهم ما يشير إليه.

「أنت... مميكون...」 تلعثم.

「صحيح كاميان」 قال تسوتشيميكادو بخفة، وهو يلوح بالأوريغامي في يديه.

النسخة الأصلية من الجريموار

نسخة أصلية.

تحتوي الجريموارات على معرفة تتعلق بالسحر. بحد ذاتها لم تكن كثيرة، لكن قيل إنه إذا حاول إنسان عادي قراءتها، فإنها تدمر عقله. بالإضافة إلى ذلك، فإن جمل الجريموار وعباراتها وحروفها تتفعل بنفسها تَفعُّلَ دائرةٍ سحرية، مكونة نظام اعتراض شبه دائم ضد من يحاول تدمير الجريموار.

تلك النسخ الأصلية من الجريموارات غير قابلة للتدمير، ولهذا السبب لجأوا إلى الطريقة المؤقتة لختمها بدلًا من تدميرها. كان لدى إندِكس 103,000 جريموار مخزنة في ذهنها، وكانت أورسُلا أكويناس تحاول تحليل النسخة الأصلية من [كتاب القانون]—كلاهما، مع ذلك، يفعلان ذلك لمواجهة الخطر الذي تمثله الجريموار.

كان كاميجو مبتدئًا أساسًا في السحر. لم يرَ أي كتابٍ سحري حقيقي من قبل. ومع ذلك، كانت الغرائب المتعلقة بالسحر والجريموار تظهر دائمًا بالقرب منه، ولم يُعطى إلا المعرفة لمواجهتها.

تنهد تسوتشيميكادو ورسم رمزًا على قطع الأوريغامي الأربع. 「ذلك لأنه من الناحية الأساسية الدوائر السحرية والجريموارات لها خصائص مشابهة-نيا. أعني، الأثر الجانبي الأساسي للنسخ الأصلية هو في النهاية دائرة سحرية」

تجهم كاميجو. لم يحمل أدنى فكرة عما يقصده تسوتشيميكادو. وكان هناك مشكلة حتى قبل ذلك. 「كيف يكونان متماثلين؟ الجريموار هو كتاب قديم، والسحر مثل خرائط النجوم التي ترسمها في ألعاب الـRPG، أليس كذلك؟」

رُدَّ سؤاله بنظرة غاضبة من ستَيْل. 「...مجددا أنت وتشبيهاتك الطفولية. إنها [نجم داوود]. وليست قطعةً واحدة فقط—بل دائرة سحرية وسيطة تكون جزءًا من دائرةٍ أكبر」 ثم ألقى نظرة نحو يَدَي تسوتشيميكادو. 「نعم، أظنني سأشرح الدوائر أولًا... الحالة الأولية للدائرة السحرية هي مجرد دائرة بسيطة. مثل هذه」 ربض إلى الأرض والتقط صخرة، ثم رسم دائرة بعرض خمسين سنتيمترًا. وعلى الرغم من أنها كانت مرسومة باليد، إلا أن الدائرة كانت مثالية بشكل مخيف. فوجئ كاميجو، لكن تسوتشيميكادو لم يرفع نظره عن الكتابة على ورق الأوريغامي. ربما كان من المهم للسحرة أن يكونوا ماهرين ليتمكنوا من رسم الدوائر والرموز بأنفسهم.

「حتى المبتدئون أمثالك يعرفون النجوم الخماسية والسداسية لهذا الغرض. تُستخدم للتأثيرات الإضافية. لتضخيم تأثيرات الدائرة الأساسية، تضع فوقها أختام سُلَيمان أو داوود」

زفر ستَيْل بعض الدخان واستمر يرسم نجمة خماسية داخل الدائرة. وكانت هذه أيضًا نجمة متساوية الأضلاع تمامًا، مفصولة بدقة داخل الدائرة. كانت الخطوط مستقيمة تمامًا.

(لكن ما علاقة هذا بالجريموارات؟) تساءل كاميجو.

عندما رأى ستَيْل ارتباكه، ضغط على لسانه لنفسه. كان انزعاجه ليس فقط من كاميجو ومن الضرر الجسدي الذي تعرض له، بل أيضًا من طول مدة إعداد تسوتشيميكادو لهذه الخطة التي كان يفكر فيها (على ما يبدو على أي حال). 「ثم ننتقل إلى المرحلة المتأخرة من الدائرة السحرية」 توقف ستَيْل. 「لا أريد أن أشرح هذا مرة أخرى، فراقب جيدًا」 حرك الصخرة الصغيرة قليلًا. 「في المرحلة المتأخرة من الدائرة السحرية، تضيف أشياء أخرى على السطح. هذه هي الحروف. في معظم الحالات، تكتب اسم الملاك الذي تريد استعارة قوته من حول حافة الدائرة، لكن...」

بينما يتحدث، بدأ بكتابة شيء على طول الدائرة. كانت دائرة سحرية رهيبة، فكان يظن أن ستَيْل سيكتب حروفًا مجهولة هناك، لكنه كتبها بالإنجليزية فقط.

خَش، خَش. نقش حجر ستَيْل على الإسفلت. 「تكتب اسم الملاك الذي تريد استعارة قوته أولًا، هكذا. حسنًا، هذا يمثّل نوع القوة التي تريدها، مثل النار أو الريح. تحدد نوع الطلسمان—القوة الملائكية—وكمية ما تحتاجه منها. أي نوع تحتاج هو أمرٌ بديهي، لكن الكمية مهمة جدًا. لو كانت قليلة، لن تعمل التعويذة بوضوح، ولو كثرت، فإن الفائض سيفعل ما يشاء بإرادة حرة منه. من الصعب جدًا تحديد الكمية المناسبة」

لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا قبل أن تكمل الحروف الإنجليزية دورة كاملة حول الدائرة. ومع ذلك، واصل ستَيْل، مستمرًا في كتابة النص على خط آخر خارج الأول.

「بمجرد حصولك على الكمية اللازمة من الطلسمان بالنوع الصحيح من بعد آخر، تكتب كيف تريد استخدامه. يمكنك وضعه في عصا لتغليفها بتأثير خاص، أو استخدامه لقوى دفاعية حول الدائرة السحرية. أشياء من هذا النوع. وعندما تفعل...」

من السطر الثاني إلى الثالث ثم الرابع، واصل تمريراته، والحروف تتلوى حول بعضها مثل لفائف سويسرية.

قد تكون هذه من أجل دائرة سحرية تحمل رموزًا، لكن...

...كأنها صفحةٌ من كتاب، أليس كذلك؟

نفث ستَيْل دخانًا على الدائرة على الأرض.

وهي فعلا بدت كذلك. الطريقة التي كتب بها الحروف كانت غير منتظمة بحد ذاتها. لم يكتشف أي قاعدة، ولا نص أفقي أو عمودي عادي كما في كتاب عادي. ومع ذلك، خطوط الحروف حول الدائرة—ماذا لو وضعتها أفقيًا؟ إذا كانت توضح نوع القوة وكمية ما تحتاجه، وكيفية بناء الدائرة السحرية، وما تأثيراتها... أليس هذا في الأساس وصفة لتعويذة؟

وصفة تعويذة.

فما غير هذا يكون الجريموار؟

「بالطبع، هناك عيب في استخدام الدوائر السحرية بهذه الطريقة. كلما زاد تعقيد الرسم؛ صَعُبَ التحكم في الدائرة. فمثلا، الكلمة الإنجليزية front يمكن أن تشير إلى مقدمة شيء، لكن في ظروف معينة يمكن أن تعني "ممشى". لو كان هناك أي سوء تفسير بين ما يفكر فيه الساحر وما هو مكتوب على الدائرة السحرية، يمكن أن تخرج التعويذة عن السيطرة بسهولة وتؤذي المستخدم」 توقف لحظة. 「مع ذلك، أن تخطئ في معنى كلمة كتبتها على الدائرة السحرية هو أمر غبي جدًا بالنسبة للساحر」

نهض ستَيْل ببطء. وألقى بالحجر الذي استخدمه. رآه تسوتشيميكادو فقال؛ 「عندما يُقال كل شيء، كمية المعلومات في الدائرة السحرية مرتبطة مباشرة بقوتها. الحروف الإضافية التي تكتبها في أنماط معقدة ليست أكثر من خدعة صغيرة لتساعد. ونفس الشيء ينطبق على الأوريغامي الذي استخدمته لتعويذة [أربع طرق حق]. إنها مثل الإكسسوارات التي تزود بالمعلومات من خلال الألوان الأربعة في كل اتجاه. وإذا كان هذا هو الحال، فكم من المعلومات يجب أن تحتويه الجريموار، مع اعتبار أنها كُتُبٌ كاملة من هذا النوع؟ يمكنك القول إن النسخ الأصلية من الجريموار هي دوائر سحرية فائقة الضغط. كثيفة لدرجة أن السحرة المحترفين لن يعرفوا ماذا يفعلون بها-نيا~」

توصل تسوتشيميكادو إلى هذا الاستنتاج بعد أن غطى أوراق الأوريغامي التي في يديه بالكامل بالرموز باستخدام القلم الدبّوسي.

صمت كاميجو للحظة، ثم قرر طرح السؤال الذي كان يدور في ذهنه. 「إذن... ماذا؟ تقول إن أوريانا حصلت على النسخة الأصلية من الجريموار فقط لتتمكن من إنشاء تعويذة اعتراضية آلية لمهرجان دايهسي؟」

كان هذا تفكيرًا مخيفًا. فقد تورط كاميجو نفسه في معركة حول جريموار يُدعى "كتاب القانون"، وسط ثلاث فصائل سحرية منفصلة. بالطبع، ربما تختلف الجريموارات أيضًا في القيمة والرتبة، لكن هذا لم يبدو منطقيًا له. لم يكن مجرد أمر مهم—كان يبدو وكأنه مهم جدًا وأوريانا تضيع النسخة الوحيدة التي لديها.

ومع ذلك، لم يوافق ستَيْل على رأيه. 「...هل يمكنها فعل مثل هذا؟ الخيميائي أوريولُس إزارد عرف عنه تأليفه للجريموارات، وكان يُعتبر الأسرع بين الكاتبين في الكانسلاري—لكن حتى بدون راحة أو نوم، كان سيستغرق ثلاثة أيام على الأقل لكتابة جريموار واحد. الجريموار الأثخن كان ليستغرق شهرًا. لا أعتقد حقًا أنها كانت لتجمع نسخة أصلية من الجريموار أثناء الهرب. ولا نعرف حتى إن كانت تمتلك واحدًا أصلاً...」

「أنت مخطئ. كتابة الكتاب من البداية للنهاية ستستغرق على الأقل كل ذلك الوقت-نيا. لكن هذا ليس ما تسعى إليه أوريانا」 قال تسوتشيميكادو بنبرة مرحة. 「بالنسبة لها، التأثيرات الناتجة عن تحويل الجريموار إلى دائرة سحرية هي المهمة. فهي لا تهتم بصيغة الكتاب. هو أشبه بمذكرة سريعة، لم تهتم إن قرأها الآخرون أم لا، صح-نيا؟」 وأشار إلى أوراق الأوريغامي الحمراء بالكامل في يده.

「...إذن نسخة مختصرة؟ ما زلت لا أعتقد أنها تستطيع فعل ذلك، لكن... لا يهم. علينا التفكير في كل الاحتمالات الآن」

نظر كاميجو للأسفل وتأمل فيما كان يقوله الساحران، ثم رفع رأسه في النهاية. 「لا يمكن لأحد تدمير النسخ الأصلية، صحيح؟ إذا كان بإمكان الناس نسخها بسرعة لكل معركة، ألن يكون العالم مليئًا بالجريموارات؟」

「أنت على الطريق الصحيح-نيا. نِسِسَريوس لم تتلق أي تقرير بهذا الخصوص أيضًا. ما هذه إلا تكهنات، لكن النسخة المختصرة لأوريانا، أو لِنَقُل شورت هاند، ربما ليست مثالية. الجريموار الحقيقي يُحول صفحاته إلى دائرة سحرية ويظل شبه فعّال بشكل دائم. لكن أظن أن كتابتها المختصرة ستنهار بسرعة من تلقاء نفسها」 أجاب تسوتشيميكادو بسلاسة، واستمر يكتب بقلمه فوق الأوراق المملوءة بالفعل. وقال بابتسامة جافة؛ 「المظهر ليس كل شيء، المهم كثيرًا هو ترتيب كتابة الأختام وكيفية تراكبها. الكثير من السحرة جربوا كتابة جريموارات خاطئة في الماضي وماتوا عندما خرجت عن السيطرة-نيا. ربما تحافظ أوريانا على النسخ المختصرة بحيث ستدمرها عند الرغبة. هذا يجعل استخدامها أسهل على الساحر. تقنية مختلطة، تمزج بين الجريموار والساحر... ليست لحفظ المعرفة أو المهارات للأجيال القادمة، بل لتستخدمها فورًا وتتخلص منها بعد لحظة. شيء من هذا القبيل-نيا؟」

「همم」 قال كاميجو وهو يربّع ذراعيه، 「ما زلت لا أفهم كل شيء عن النسخ الأصلية للجريموار والدوائر السحرية」

قال ستَيْل، عابسًا ووجهه لا يزال شاحبًا من إصابته: 「...حقًا، لماذا أزعجت نفسي بالشرح أصلا؟」

「الآن وبعدما هي اعترضتك، هل يعني هذا أنك لا تستطيع استخدام السحر ضدها؟」

「لا. لا أظن أنني أستطيع استخدام أي سحر إلى أن نفعل شيئًا حيال [تعويذتها الاعتراضية]. أنا شبه متأكد أن تعويذتها ستكتشف محاولتي استخدام أي شيء وستعترضه. هي لا تهتم بسبب محاولتي إطلاق التعويذة، ولا جدوى من إضافة أوامر مزعجة كهذه」

كان ستَيْل قد اعترف لتوّه بنقطة ضعف، لكن نبرة صوته كانت مريرة، لا تحمل أي شعور بالوهن. كان يبيّن أن الأمور لم تنتهِ بعد.

「إذن ماذا نفعل؟ ستَيْل لم يعد قادرًا على استخدام السحر، وتلك... تعويذة "أربَعُ طُرُقٍ حَق"؟ لا يمكننا استخدامها لتحديد موقع أوريانا بعد الآن، أليس كذلك؟ وتسوتشيميكادو لا يستطيع استخدام السحر أصلًا」

「ليس تمامًا」 قال تسوتشيميكادو وهزّ رأسه. كانت أوراق الأوريغامي في يده مغمورة بالحبر الأحمر؛ مبللةً إلى حد يبعث على الاستغراب لكونها لم تتمزق. 「هذه تعويذة اعتراضية آلية تستخدم [شورت هاند]، تذكر؟ كل ما علينا هو كبحها. إذا سارت الأمور على ما يرام، يمكننا صنع تميمة كإجراء مضاد، لكنها ما تزال تملك تلك النسخة الأصلية وإن كانت غير مكتملة. قد يكون من الأسهل تحطيم هذه التعويذة حتى يمكن لستَيْل أن يستخدم السحر مجددًا-نيا~」

ألقى كاميجو نظرة إلى يده اليمنى. قيل إن النسخ الأصلية من الجريموارات لا تُدَمّر بالمعنى المطلق، لكن الإماجين بريكر قد يقدر على ذلك.

زفر ستَيْل الدخان. 「لنا أن نحطم مخطوطتها المختصرة—الشورت هاند، لكن أليس من الممكن أن تهرب أوريانا إلى خارج نطاق بحث [أربع طرق حق]؟」

「بلى. لكن لو كانت واثقة إلى هذا الحد من قدرتها على الهرب سريعًا، لما أعدّت تعويذة اعتراضية صح-نيا؟ مثل هذه التعاويذ تأخذ زمنا لصنعها. وهي أساسا مضغوطة بالوقت، فلا ينبغي لها عادةً أن تزيد العبء على نفسها」

「همم」 عقد ستَيْل ذراعيه.

تجهم كاميجو. من حيث الهدف الأساسي، هذا يكفيهم، لكن... 「إذن أين نجد الشورت هاند بالضبط؟」

「أظنه مخبأ في مكان ما」

「لا تستطيع أوريانا حمله معها؟」

「لا نعرف الشروط الدقيقة لاستخدام شورت هاند، لذا لا أجزم-نيا. لكن هكذا طريقتها؛ نَصَبَت فخاخًا ثابتة في منشأة الخدمة هذه لتعرف نمط [قوة حياة] ستَيْل. ثم أنشئت دائرة آلية تلتقط تلك [القوة] وتنقلها إليها. أظن أن آخر حلقة في سلسلة تعاويذها ستكون من النوع نفسه—تعويذة ثابتة—ألا تظن ذلك-نيا؟」

「إذن أنت تعرف أين وضعت جريموار الشورت هاند؟」 بطبيعة الحال، من دون معرفة الطريق الذي سلكته في هروبها، ما كان بإمكانهم تحديد مكان جريموار الاعتراض أيضًا.

「هذا ما سنكتشفه-نيا~」

「كيف؟」 سأل كاميجو، لكنه لم يتلقَّ جوابًا.

لوهلة قصيرة وبهدوء شديد، شهق تسوتشيميكادو وزفر عميقا. أعاد قلم الخط الأحمر إلى جيبه، ثم أمسك أوراق الأوريغامي المصبوغة والمبتلة بكلتا يديه بحذر.

وتكلّم.

「ستَيْل، لا يهمني أيَّ نوع—استخدم تعويذة. أريد أن أعرف من أين يأتي هذا التشويش」

كانت كلماته باردة.

صُدم كاميجو، وتجمد وجه ستَيْل جامدًا.

「أوريانا استخدمت جريموار شورت هاند لتتدخل في تحركاتنا بعد أن حددت نمط [قوة حياة] ستَيْل. حتى [تعويذة الاعتراض] تلك لا بد أنها تستخدم المانا. سأقيم دائرة استبصار حولك—ستتفاعل مع تلك المانا كما يتفاعل ورق عباد الشمس. ستكون دائرة سحرية غير مستخدمة بعد، لم تمرّ عبرها أيٌّ من مانانا. ستُفعَّل دائرة الاستبصار استجابةً لمانا تعويذة الاعتراض، ثم نحسب الاتجاه والمسافة التي تأتي منها تلك المانا」

بينما يتحدث، أخذ الأوريغامي المصبوغ بالأحمر وجثا على الأرض. ثم حرّك الأوريغامي فوق الأرض كما يمسح طاولة. خلال ثوانٍ معدودة، رُسمت دائرة قرمزية قطرها متران. وبعد أن أنهى عمله، وقف دون أن يبدو عليه أي رضا.

وجد كاميجو نفسه يشك في سلامة عقل تسوتشيميكادو—كيف له أن يقول ذلك بكل هذا الهدوء، وكأنه يقرأ من دليل إرشادات؟ هَرَع وأمسك بكتفيه.

「لا يُمكنه يا تسوتشيميكادو! ألديك أدنى فكرة عمّا سيحدث بالضبط عندما تضربه التعويذة الاعتراضية؟! إن فعلنا هذا مرةً بعد، سينهار ستَيْل!!」

「مرةً بعد؟」 عبس تسوتشيميكادو، وقد بدا عليه الارتباك. 「ومن قال مرة؟ من الواضح أن مرةً واحدة لن تكون كافية. ستَيْل لن ينسحب من المعركة هنا. في أسوأ الأحوال، بعد أن ندمّر [تعويذة الاعتراض]، سأحتاجه لاستخدام [أربع طرق حق] مرة أخرى للعثور على أوريانا. وإذا لم تكشف دائرة الاستبصار الأولى تعويذة الاعتراض، فسأحتاجه أن يستمر في المحاولة حتى نجدها」

اِسْوَدَّ تعبير كاميجو. 「...أنت... هل أنت جاد؟」

نظر تسوتشيميكادو إليه مباشرة في عينيه. 「كاميان، كأنك نسيت شيئًا هامًّا. حتى لو لم تكن أوريانا هنا، وحتى لو لم نتبادل الضربات والتعويذات، فنحن ما نزال في خضم معركة تُراهن فيها الأرواح. قد تتأثر أُمَمٌ بأكملها، بل حتى العالم بنتيجتها」

「لكن...」 ضرب كاميجو الأرض بقدمه. 「كنت لأفهم الأمر لو معنا تأكيدٌ تام بالفوز مقابل إصابة ستَيْل. فلماذا لا تقدر على ضمان ذلك؟! أأنت تقول أنّه من الممكن ألا نكسب شيئًا مهما تكرر أذاه! وفوق ذلك، حتى لو وجدنا التعويذة الاعتراضية ودمّرناها، ستجرّه معك ليكمل القتال؟ هذا هراء!! ولن أقبل به!!」

وفي النهاية، بالكاد ابتلع الكلمات الأخيرة التي كادت تخرج من فمه.

(...إنما أنت تجعل ستَيْل يستخدم السحر لكي لا ت)(ُ)(ضطر)(َّ)( )(إلى ا)(لقتال فتُصاب...)

「فهمت. فلنبدأ إذن،」 قال ستَيْل، قابلًا العرض الجائر بوضوح.

「لكن أنت...!!」

「هلّا كففت وِدّك عنّي يا كاميجو توما؟ هذا يبعث على النفْس قشعريرة. إن كان هذا ما يلزم لإنهاء الأمر، فلا مانع لدي」 ثم رمق تسوتشيميكادو بنظرة حادة. 「في المقابل، من الأفضل لك أن تحدد بالضبط مكان [تعويذة الاعتراض] تلك. سوف نحل هذه المشكلة بأنفسنا. ولن نسمح لها أن تستمر بالثوران أكثر. هل تفهمني؟」

لم يجفن تسوتشيميكادو أمام شزره . 「نعم، فهمت. لن نسمح للأمور أن تتفاقم أكثر—وإلا قد تُجبر إندكس على العودة. سنتأكد من حماية حياتها داخل مدينة الأكاديمية. أما هذا كان شرطك؟」

عجز كاميجو عن الكلام. في النهاية، لم يكن ستَيْل يفكر إلا في كيف يسعد فتاةً ما، حتى لو كان الثمن أن يتأذى. حتى لو لم يكن له وجود في عالمها السعيد ذاك. وحتى لو كان كاميجو توما يقف الآن في المكان الذي كان ينبغي أن يقف فيه هو. لم تكن هذه الحقائق كافية لإيقافه.

الساحر ستَيْل ماغنوس أدار ظهره لهما، وأخرج بطاقة رونية من جيبه الداخلي.

دائرة الاستبصار.

لم يتردد ستَيْل في أن يخطو داخل الحلقة القرمزية التي رسمها تسوتشيميكادو موتوهارو على الأرض.

「كاميجو توما... لستُ مسرورًا بوجودك هنا،」 قال الكاهن ذو الشعر الأحمر بصوت ثابت لا يتزعزع. 「لماذا لست إلى جانبها؟ إن أصابها مكروه، فذلك خطأك

ثم اندلعت نيران رونية—وفي تلك اللحظة، تفعّلت تعويذة الاعتراض.

دوّى صراخ، تلاه صوت جسد ينهار على الأرض.

هكذا اتبع ستَيْل ماغنوس نَهجَهُ حياة.

تعليقات (0)