الفصل الرابع: لَتُنْهِيَنَّ المَعْرَكَةَ مُنْتَصِرا؟ — لَمْ_تُحْسَم.
(إعدادات القراءة)
- الجزء 1
جلس ستَيْل ماغنوس على الأرض داخل مرفق خدمة الحافلات الآلية. ومنذ فترة، كان الفنيون الذين يفحصون آلات الصيانة يجيئون ويذهبون على فترات، لكن ستَيْل بدا وكأنه يقع في نقطة عمياء بالنسبة لهم. لم يلحظه أحد. في الأحوال العادية لم يكن ليقلق من ذلك لو كان قادرًا على استخدام رون أوبيلا، لكنه في هذه اللحظة لم يستطع.
ذهبت ورقتي الرابحة، وهكذا انتهيت؟ يبدو أنني لا أتعلم أبدًا...
زفر بمرارة. عندما استعاد شريط ذكرياته تبيّن أن الأمر نفسه قد حدث حين استخدم إنوكينتوس لمهاجمة كاميجو توما في أواخر يوليو. فما إن يفقد ورقته الرابحة حتى يضعف فورًا. كان قد بذل جهدًا كبيرًا للتفكير في ذلك، لكن ما انتهى إليه في الأساس لم يتجاوز وسائل لمنع فقدان تلك الورقة الرابحة—كاعتماد تكتيكات مراوغة سحرية قائمة على الإيهام، أو تغليف بطاقات الرون ليحميها من الماء. لكنه شعر الآن أنه أغفل التفكير في المشكلات الأعمق والأكثر جوهرية.
هل تستطيع حمايتها بعد استعراضك البائس هذا...؟ لو أنهم استهدفوها هذه المرة، فما كنت لتفعل أيها الساحر الدوني...؟
ثم رنّ الجوّال قاطعًا أفكاره. أخرجه من جيب سترته وضغط زر الرد. المتصل تسوتشيميكادو.
『كاميان حطّم جريموار الشورت هاند لأوريانا. هل تشعر بأي اختلاف-نيا؟』
「تقول ذلك، لكنني لا أشعر بشيء يذكر...」 وببطء وحذر، أخرج ستَيْل بطاقة رون واحدة. أخذ نفسًا عميقًا، حبسه، ثم زفر مجددًا وهو يتمتم لنفسه.
صدرت فرقعة خفيفة، ومعه اشتعل لهب برتقالي عند طرف سبابته. لم تظهر أي علامة [لتعويذة الاعتراض] أو لاستجابة الرفض الكلي للجسد. 「...سحري يعمل. لا أرى مشكلة」
『ممتاز. إذن سأترك لك تعويذة [أربَعُ طُرُقٍ حَق]. لقد جهّزتُ الأوريغامي والدائرة السحرية في الأماكن الصحيحة مسبقًا. هل تعرف كيف تستخدمها؟』
「لا تستخف بي،」 أجاب ستَيْل. عند قدميه كانت الدائرة التي رسمها تسوتشيميكادو، وعلى محيطها أربع قطع أوريغامي موضوعة كل تسعين درجة. وفي المركز قطعةُ الورق السميكة التي تركتها أوريانا. لم يكن يفهم طريقة الترتيب في هذه التقنية الأونميويّة، لكن تفعيل تعويذة مستعارة لم يكن بالأمر الصعب. 「لكن هل كل شيء جاهز لديك؟ قلتَ إن أوريانا وضعت [تعويذة الاعتراض] في وسط ملعب. إذا تسللتَ إلى الداخل فلن تستطيع الخروج حتى ينتهي الحدث، لا؟」
كان التسلل إلى الحدث صعبًا، كما أن الهرب منه لا يقل صعوبة. فإذا حاول شخصان أو أكثر الخروج خلسة، فسيراهم الناس شاءوا أم أبوا.
لكنّ رد تسوتشيميكادو جاء خفيفًا. 『لا مشكلة-نيا! نحن قد خرجنا من الملعب』
「...كيف؟」
『إحدى الطالبات أُصيبت أمامنا مباشرة. قالوا إنها ضربة شمس حادة، وكانَت فاقدة للوعي، فتظاهرنا بنقلها خارج الميدان إلى المستشفى، ثم انسحبنا』
لم يكن في صوته المرح المعتاد. عرف ستَيْل أن ذلك صوت الساحر.
「فهمت، هل جُنَّ كاميجو توما؟」
『إذا كنت تعرف ما عليك، فأترك لك الأمر. نحن نريد شن هجوم مضاد قريبًا أيضًا. إن لم نفعل، فلن نتمكن من مواجهة تلك الطالبة التي سقطت』
أغلق تسوتشيميكادو الخط.
「أجل،」 قال ستَيْل وهو يعيد الجوّال إلى جيبه.
لا أحد كامل. لقد هزمني مرة، لكن حتى هو يفشل أحيانًا.
ثم أردف، 「ولهذا السبب بالذات سيندم على قلة خبرته」
وكان ستيل أكثر من يدرك هذا الأمر—عجزه عن إنقاذ شخص أمام عينيه. لذلك لم يقل شيئًا آخر في هذا الشأن. لزم الصمت وفعل ما ينبغي عليه فعله. لم يدرك ذلك، لكنه كان كمن يحاول ألا يضيف عبئًا آخر على الفتى.
بدأت قطع الأوريغامي الأربع بالدوران، وتفعّلت الدائرة السحرية لتعويذة [أربع طرق حق]... بحثًا عن موقع أوريانا تومسن.
- الجزء 2
أوريانا تومسن تقف في وسط طريق واسع يعجّ بالناس، رافعةً نظرها إلى لوحة إلكترونية لعرض النتائج. لم يكن معظم المارّة يولون اهتمامًا لما يُعرض على الشاشة. وحتى لو التفت بعضهم إليها، فلن يتجاوز الأمر اهتمامًا عابرًا بحدثٍ أُوقِف مؤقتًا بسبب حالة طارئة. وكان ذلك متوقعًا؛ فالأمر لا يعدو كونه خبر شخصٍ واحد في حالة طوارئ، ولا يبدو أنه يوفّر مادة تُذكر لحديثٍ شيّق.
على الظاهر، على الأقل.
「(...ما هذا؟)」 همست، وهي تضم تحت ذراعها جسمًا شبيهًا بلافتة ملفوفة بقماش أبيض. كان جسدها كله—الملفوف بزيّ العمل، مع إغلاق الزر الثاني فقط وظهور سرّتها—يوحي بتوترٍ واضح. 「(تطور غير متوقع...؟)」
ثم صرفت نظرها عن لوحة النتائج وبدأت تمشي. هناك أمرٌ يتعيّن عليها فعله. وغاصت أصابعها أكثر في الجسم الذي تحمله تحت ذراعها.
كان كاميجو توما وتسوتشيميكادو موتوهارو يركضان في الطريق، يدفعان الناس جانبًا في معظم الأحيان. رمقهم المارّة بنظرات انزعاج، لكن لم يكن لدى الاثنين وقت للاعتذار. وبينما يركضان، استمعا إلى صوت ستَيْل الصادر من جوّال تسوتشيميكادو الموضوع على مكبّر الصوت.
『حدّدتُ موقع أوريانا تومسن. إنها قريبة من محطة قطار فوتسوكا في الحي 7. أعطياني وقتا أطول وسأعطيكما تحديدًا أدق』
「محطة فوتسوكا؟! لقد تجاوزناها!」
توقف كاميجو فجأة وانزلق قليلًا، ثم استدار عائدًا من حيث أتى. وبعد لحظات انعطف وقفز إلى طريق جانبي أصغر. كان تسوتشيميكادو هو من يقود المطاردة قبل ذلك، لكن الآن أصبح كل شيء بين يدي كاميجو. جاء دور المحترف ليُسحَب هنا وهناك.
『نحو الشمال... نعم، يبدو أنها تتحرك شمالًا. الطريق... ينقسم إلى ثلاثة، لكنني لا أستطيع تحديد أيّها. دعني أتحقق...』
وقبل أن يكملا الاستماع، خرج كاميجو وتسوتشيميكادو من الطريق الجانبي الصغير. عندها رأيا سلالم النزول إلى محطة القطار، ملاصقة لحافة الرصيف. واصلا الجري شمالًا على الطريق.
『من بين المسارات الثلاثة... هيّا... هَــــيَّا... وجدتها! اسمعا—』
「المسار الأيسر! وجدتها!!」 صاح كاميجو، بينما استدارت المرأة الشقراء التي كانت تسير على بُعد عشرين مترًا أمامهما فجأة.
وما إن رأت الاثنين يشقّان طريقهما بين الحشود، حتى فرّت على عجل إلى شارع جانبي. تبعها كاميجو وتسوتشيميكادو. كان الشارع الجانبي قصيرًا، وسرعان ما خرجا إلى شارع آخر. غير أنه، على خلاف الطرق الرئيسية، لم يكن مشهدًا متلألئًا بالاحتفالات. كانت مساكن صغيرة متلاصقة على جانبيه، حتى إنه لم يكن يبدو مرحّبًا بالزوّار. كان هناك قوس منصوب فوق الطريق كأنه مدخل سوقٍ مسقوف، لكنه لم يزد الأمر إلا صعوبة في الرؤية.
كل المحلات مغلقة بمصاريعها رغم أن الوقت لم يتجاوز منتصف النهار؛ ويبدو أن أصحابها كانوا يعلمون أن الزوّار لن يقصدوا هذا الشارع أصلًا. ولعلهم نصبوا أكشاكًا مؤقتة أقرب إلى الملاعب حيث يكثر المارّة.
انتهى الشارع عند تقاطع على شكل حرف T، يتفرع منه طريق إلى اليسار وآخر إلى اليمين. وكانت أوريانا تومسن بزيّ عملها تركض في الطريق الأيسر. وبينما كان كاميجو وتسوتشيميكادو يلاحقانها، مرّت حافلة آلية من خلفهما. تابعها كاميجو بنظره دون اهتمام يُذكر، لكنه بعد لحظة انتفض فجأة. فحيث هربت أوريانا هناك موقف حافلات.
「وي...!!」 كانت أوريانا تضغط على زرٍّ ما في موقف الحافلة لإيقاف الحافلة الآلية عنده. وبالفعل، تباطأت الحافلة وتوقفت بلا تردد في عقلها الميكانيكي. فتحت أبوابها تلقائيًا فصعدت المرأة إلى داخلها.
لن يلحقا بحافلة ركضًا. كما أن ركوب حافلة أخرى سيجعل ملاحقتها أمرًا بالغ الصعوبة. المركبات العامة ممنوعة من دخول الشوارع طوال مدة مهرجان دايهَسي، لذلك لم يكن بإمكانهما استخدام سيارة أخرى. كما إن كاميجو لا يملك أصلًا مهارة القيادة.
الحافلة الآلية لا تستجيب إلا للأوامر المحددة مسبقًا. ولو كان هناك سائق، وربما لو ركضا خلف الحافلة ولوّحا بأيديهما، لتوقّف ظنًا منه أنه فاتهما الركوب للتو. لكن مطالبة حافلة ذاتية القيادة بمثل هذا كانت ضربًا من المستحيل.
بدأ كاميجو يركض بجنون، لكنه على بُعد عشرين مترًا. وقبل أن يصل، قد انطلقت الحافلة من جديد، بصمتٍ يكاد لا يُسمَع.
「سحقا!!」 وصل كاميجو أخيرًا إلى موقف الحافلة وضغط الزر، لكنه كان قد تأخر. لم تستجب المركبة المنطلقة؛ بل واصلت تسارعها البطيء فحسب.
وصل تسوتشيميكادو بعده بلحظة. نظر إلى الحافلة التي كانت تصغر في الأفق، 「هيه كاميان. لم أرى جيدًا. هل كان في الحافلة التي صَعَدَت إليها ناس-نيا؟」
「هاه؟ وما أهمية ذلك أصلًا؟!」 ردّ كاميجو بانزعاج من نبرته المسترخية إلى حدّ الاستفزاز.
「لا، الأمر في الحقيقة بالغ الأهمية」
「...لا، لا أظنني رأيت أحدًا」
「تظن؟」
「ما رأيتُ أحدًا! نعم، الآن بعدما فكرت، لم يكن هناك أي ركّاب آخرين! على الأرجح أن الجميع نزلوا من الحافلة لمشاهدة التصفيات التمهيدية لسباق التتابع للفئة (A) التي تُقام هذا الصباح في الجوار. يسمّونها ذروة اليوم الأول لأنها تضمّ جميع المرشحين المحتملين للفوز بالمهرجان أو شيء من هذا القبيل. أظن أن ذلك كان مكتوبًا في الكتيّب. لكن ما علاقة هذا؟!」
「أوه، جيّد جيّد... ستَيْل؟」 تسوتشيميكادو لم يكلّم كاميجو هذه المرة، بل يحادث ستَيْل عبر الجوّال. 「ألم تضع بطاقات رون على جوانب الحافلات في ساحة الصيانة؟ إن كانت لا تزال تعمل فأودّ أن أقدّم طلبًا. فجّر البطاقة الموجودة على المركبة ذات الرقم 5154457」
وجاء الردّ فورًا.
دوووم!!
اندلعت ألسنة اللهب من جانب الحافلة التي كانت تتسارع ببطء. وبعد لحظة وقع انفجار داخل المركبة، فانزلقت مؤخرتها على الطريق. وحين صارت عمودية على الشارع، قلبها الزخم على جانبها. ثم تحولت إلى كتلة هائلة من المعدن المشتعل، تتدحرج وترتطم بالأرض. وتصاعدت النيران منها حتى لامست سقف الممرّ التجاري وبدأت بالانتشار.
أغلق تسوتشيميكادو جوّاله القلّاب بيدٍ. وقال بابتسامة قلقة، 「فعّال... بل ربما فعّال أكثر من اللازم-نيا؟」
وقف كاميجو عاجزًا عن الكلام وهو يحدّق في الحافلة المشتعلة. من الواضح أن هدفهم كان إيقاف أوريانا، لكن أليس هذا خارج نطاق معنى "إيقافها" بقليل؟
نظر تسوتشيميكادو إليه وكأنه أدرك ما يريد قوله. 「لا، لا، انظر... كل ما كنت أفكر فيه هو إحداث حريق بسيط، فتتفعّل أنظمة الأمان في الحافلة وتتوقف! اللعنة. ظننتها سيارة كهربائية-نيا. لكنها تبدو هجينة—تستخدم البنزين أيضًا،」 قال ذلك دون أن يبدو متوترًا كثيرًا. 「على أي حال، انظر للأمر هكذا؛ جميع أصحاب المحلات يبدو أنهم يعملون خارج منازلهم اليوم، وسقف الممرّ التجاري يمنع الأقمار الصناعية وتلك المروحيات غير المأهولة من الرؤية. لن تكون مشكلة كبيرة」
「ك-كيف تكون هادئًا إلى هذا الحدّ!! أليس في المكان مطفأة حريق؟! إن لم ننقذها فقد تموت فعلًا!!」
「همم... لستُ متأكدًا من ذلك」
وفجأة، ما إن أنهى تسوتشيميكادو كلامه حتى دوّى هديرٌ عاصف وبدأ عمود اللهب المشتعل يدور حول نفسه. تفرّقت النيران الهائلة كما لو أن إعصارًا نشأ في داخلها ونفخها بعيدًا، ثم اختفت دون أن تترك أثرًا. ما أزاح النار كان ريحًا مشبعة بالرطوبة—ضبابًا كثيفًا. التفت كاميجو ليرى طبقة رقيقة من الماء تغطي حطام الحافلة التي كانت مشتعلة قبل لحظات. بدا الأمر شبيهًا بابتلال الأوراق بندى المساء. فقد غلّفت الرياح الضبابية كل ما في الجوار بطبقة خفيفة من الرطوبة، وهذا الماء—على ما يبدو—لا يتبخر في لهبٍ عادي. فبسلبه كل ما يغذّي النار ويسد طريقها، أطفأها تمامًا.
وفي قلب الضباب والريح وقفت امرأة. شعرها ووجهها وملابس عملها وسرّتها كلها مبللة بطبقة رقيقة من الماء—أوريانا تومسن. وهي تحمل الجسم الشبيه باللافتة تحت ذراعها اليمنى، وفي يدها اليسرى حلقة من البطاقات، بينما تمسك بواحدة من البطاقات بين شفتيها. وكانت الأحرف الزرقاء عليها تكتب بالإنجليزية؛ Wind Symbol.
بصقت البطاقة، وتبعها خيط رفيع من اللعاب، ثم ابتسمت مرتاحة.
「هيهي. اللهب المشبع بالمانا والإرادة شيء، أمّا نار فيزيائية عادية فلا تكفي لتُسخنني أو تُثيرني. يبدو أنني استعجلت قليلًا وبللت نفسي. تودّ أن ترى؟ تبللتُ حتى ملابسي الداخلية」
حتى الآن، لم يخرج من فمها سوى المزاح. ضيّق كاميجو توما عينيه بريبة عند ذلك—ولو قليلًا.
「...لقد آذيتِ شخصًا بريئًا بتلك التعويذة التي نصبتِها. أتذكرين؟ تلك الفتاة التي كنتُ معها حين التقيتُك أول مرة. هل بدت لك وكأن لها أي علاقة بالسحر؟」
「لا أحد في هذا العالم لا علاقة له بشيء. إذا أعددت المشهد له، فيمكن لأي إنسان أن يرتبط بأي شيء」
「أنتِ... أنتِ تفهمينني. ومع ذلك لا تشعرين بالندم؟」 جاء صوت كاميجو مسطحًا.
عبست أوريانا قليلًا حين سمعته. 「لا أريد أن أبدو متذمّرةً الآن، لكن صحيح أنني لم أقصد إيذاء تلك الفتاة. حتى أنا لا أتمنى إيذاء الناس العاديين. على عكس ذاكَ،」 قالت وهي تنتزع بطاقة من الحلقة بأسنانها. فدوّى رنين صافٍ، كصوت اصطدام حافتين زجاجيتين.
وفي تلك اللحظة...
「غاه...!!」 تأوّه تسوتشيميكادو موتوهارو وهو ينحني للأمام. أمسك خاصرته بيدٍ وارتجف بعنف، وشزر في أوريانا.
「تسوتشيميكادو!!」 هرع كاميجو نحوه. الجرح ما يزال يبدو مغلقًا، لكن وجهه كان شاحبًا. لعل الضرر السابق بدأ يؤثر عليه؛ طوال الوقت كان يتحرك وهو مصاب.
راقبت أوريانا المشهد وقهقهت. 「يآه. وكنت أحسبكَ أنتَ من سَيُصاب. ترى هل استخدمتُ هذا بطريقة خاطئة؟」 وبين شفتيها بطاقة كُتب عليها بالأزرق؛ Fire Symbol.
ترنّح تسوتشيميكادو.
ترنّح وبدأ يسقط ببطء إلى الأرض.
ابتسمت أوريانا ابتسامة رفيعة. 「أرى في بك مناعةً... لكنك تحتاج أكثر من ذلك لتقاوم إغوائي」
وما إن قالت ذلك حتى انهار تسوتشيميكادو إذ عجز جسده عن تحمّل المزيد. ثم تلاشت القوة من أطرافه.
「ماذا؟ ماذا فعلتِ به؟!」
「لم أفعل سوى استخدام الأحرف الزرقاء لإلغاء عنصر النار، رمز التجدد والتعافي. الصوتُ يُستَخدَمُ وسيطًا ليدخل الجسد عبر قناة الأذن. التعويذة تُفقد وَعيَ مَن لديه مستوى معيّن من الإصابة. وكان صوت الرنين قبل قليل هو المفتاح لتفعيلها... لكن يبدو أن جروحك يا ولد لم تكن بالقدر الكافي」
لمس كاميجو تسوتشيميكادو بيده اليمنى، لكن ذلك لم يُجدي. بل كان الأمر أشبه بأن التأثير يعود في كل مرة يمحوه. وعلى عكس [تعويذة الاعتراض] السابقة، فإن تأثير هذه التعويذة على الأرجح لن يزول ما لم تُدمَّر البطاقة الأصلية. تعويذة تجعل الشخص يُغمى عليه إذا كان مصابًا على حد معين... أي إن تأثير الإغماء قد يستمر في التفعّل ما دام شرط التعويذة—وجود جروح في جسد تسوتشيميكادو—قائمًا. ولم يكن الإماجين بريكر لكاميجو قادرًا على شفاء الجرح نفسه، لذا فإن لمسه له لن يحرّره.
حدّق في أوريانا. فردّت عليه بنظرة متسلية، وهي تمسك [تعويذة الإغماء] بيدها اليسرى. ثم قذفتها في الهواء، فرفرفت مع الريح. وفي الحال التقطت حلقة البطاقات الرقيقة الهواء وبدأت تطير إلى الخلف.
تَوَرّد وجه كاميجو غضبًا. 「عودي إلى هنا!!」
لكنّ جسد أوريانا كلّه ارتعش، كأن حتى غضبه يبعث فيها شهوة. بللت شفتيها بلسانها. 「إن أردتَ إنقاذه، فاهزمني بأسرع ما تستطيع. وإلا فسيظل منتظرًا إلى أن أقول غير ذلك. مع أنني أتساءل إن كان سيصمد إلى ذلك الحين. علّه يستسلم؟」
اصطكّت أسنان كاميجو—غضبًا. 「لماذا؟」 بالكاد أخرج الكلمة بصعوبة.
تسوتشيميكادو موتوهارو...
لو لم يحدث شيء سيئ، لكان ترك عمله الجاسوس وذهب ليستمتع بمهرجان دايهَسي. ولو لم يكن لديه عمل يؤديه، لكان يستمتع ويُحدث ضجة مع الجميع.
وكذلك ستَيْل ماغنوس...
لو لم تتسبب أوريانا في هذه الحادثة، لما اضطر إلى الاستعداد للقتال. وربما لما جاء إلى مدينة الأكاديمية أصلًا، وحتى لو جاء، فربما كان ليزور صديقته القديمة إندكس بعد غياب.
و فكيوسي سيري أيضًا...
لم يعرف كاميجو ما الذي كانت تسعى إليه من دخولها اللجنة الإدارية للمهرجان. لكن إن لم يكن ذلك أمرًا فُرض عليها—إن كانت تريده فعلًا—فلا بد أن لها هدفًا.
ربما لم يكن أيٌّ من ذلك ذا أهمية كبيرة في نظر ساحرة محترفة. وبالمقارنة مع [سيف الطعن] الذي قد يُلقي بالعالم في الفوضى، لعل ذلك كله لا يساوي شيئًا.
「لا أعرف مدى قيمة هذا الشيء المسمّى [سيف الطعن]. لا أعرف إلى أي حد يمكنه تغيير مجرى التاريخ، أو بأي طريقة يمكنه تغيير العالم. ربما لا أفهم الأمر كما ينبغي」 توقف لحظة. 「لكنني أعرف هذا القدر. ليس من الصواب إيذاء الناس بسبب قطعة قذرة كهذه. إذا كان [سيف الطعن] لا يجلب إلا الأمور القذرة، فسأحطّمه بنفسي!!」
ابتسمت أوريانا تومسن ابتسامة رفيعة عند كلماته. لا جدوى من الاستماع—بل إن مجرد الاستماع كان مضحكًا إلى درجة أنها كادت تسخر. الأمر كما لو أنها تقول إن الذين تورّطوا في هذا لا قيمة لهم لديها.
「يا ليتني لو أقول إنني أفعل هذا لأنه عملي، لكن ذلك سيكون نفاقًا تجاه زبونتي」 في الواقع، لم يكن في صوتها أدنى جدية. 「أما الغاية النهائية، هِيَ تركت لي حرية اختيار الطريق للوصول إليها」
اندفعت حرارة ملتوية تعيث فسادًا في داخل كاميجو. شعر أن أسنانه المطبقة على وشك أن تتحطم. 「لا... تجرؤي...」 قبض يده اليمنى وحدّق في عدوّته.
「...على العبث بأرواح الناس هكذا!!」
قفز إلى الأمام مباشرة. راقبته أوريانا، وواصلت الابتسام—كعادتها مستمتعة.
- الجزء 3
كان كاميجو على بُعد أقل من عشرة أمتار من أوريانا. ومع ذلك، لم تكن قبضته لتصل إليها أبدًا. فبمجرد حركة خفيفة من يدها اليسرى، وضعت بطاقةً في فمها وعضّتها. والكلمات المكتوبة عليها بالأخضر تقول؛ Wind Symbol.
وبعد لحظة، انتشر بينهما جدارٌ من الجليد بسماكة خمسين سنتيمترًا، ممتدًّا عبر الطريق. تلاقت نظراتهما من خلال الجليد الشفاف. كان الجدار هائلًا—بارتفاع ثلاثة أمتار. تجاهله كاميجو ووجّه إليه لكمة بيده اليمنى.
طهوف!! دوّى صوت كسر الزجاج، وتفكك الجدار دفعةً، كأن بارودًا قد زُرع داخله.
لكن أوريانا لم تكن على الجهة الأخرى. بل هي أيضًا بدأت تتشقق مع الجليد، كصورة مرسومة بالزجاج الملوّن تتفتت. شهق كاميجو، ثم أخذ يفكّر فيما حدث للتو. لِمَ الجليد...؟ ثم أدرك الأمر بقشعريرة. حتى تكسر الضوء؟!
اندفعت نحوه من الجانب موجةٌ صوتية. لوّح بيده اليمنى نحوها دون أن يلتفت. فانفجرت شفرة الرياح القادمة كمنطاد أُطلق من ضغطٍ مكبوت. ثم ضيّق عينيه أمام العصف الذي ضربه من الأمام.
وفي تلك اللحظة، سُمِع صوت احتكاكٍ حاد.
كان الإحساس كأن جلد وجنته يُسحب ويُنتزع. بدأت الدماء تسيل على شكل قطراتٍ كبيرة من الجرح قبل أن يصل إليه الألم.
「همم همم. الحِدّة مثيرة مغرية لا؟」
نظر فرأى أوريانا قد قضمت بطاقةً أخرى وفعّلت تعويذة. وثم شفرةٌ حجرية فائقة الرقة قد اندفعت نحوه ومزّقت وجنته.
「هيهيهي. أتذكر حين صافحنا بعضنا أول مرة. يا لهذه المدينة الأكاديمية تضم أطفالًا فريدين」
كانت تشير على ما يبدو إلى يده اليمنى. لكنه لم يستطع الرد. كان الجرح كبيرًا إلى حدّ أنه استطاع أن يتحسس حجمه بإصبعه. وفوق ذلك، أوريانا تحتفظ بتعويذةٍ ستُغميه حتمًا ما إن يسمعها، طالما أنه أُصيب بما فيه الكفاية!
آهخ...تبّـ...!! غطّى كاميجو أذنيه لا إراديًا وقد اجتاحه البرد.
وفي الأثناء، وضعت أوريانا بطاقةً أخرى في فمها.
「التالي [سَيْفُ الظلّ]. لا تدعني أملّ الآن!」
وفي اللحظة التي نزعتها فيها، لوّحت بيمينها فظهر فيها سيفٌ مظلم. ويبدو أنه كان قادرًا على الامتداد والانكماش بحرية، حيث أنه نما سريعًا حتى بلغ طوله سبعة أمتار، ثم طعن ظلّ كاميجو الممدود خلفه على الأرض.
طوووه!! انفجر الظل عند قدميه.
الأمر أشبه بالدوس على لغمٍ أرضي. قذف الانفجار جسده في الهواء. دار حول نفسه كطائرة مروحية من الخيزران، ثم سقط على الأرض وتمكّن بالكاد من هبوطٍ أخرق. خدش الأسفلت ذراعه، وكان ذلك مؤلمًا، لكن هناك ما هو أهم. لماذا؟ لماذا لا تهاجمني بنفس الهجوم الذي استخدمته على تسوتشيميكادو؟! لم يكن شعورًا بالارتياح—بل الحيرة. لم يعد قادرًا على قراءة خصمه. إن كانت تمتلك وسيلة تنهيه فورًا بلا نقاش، فما جدوى عدم استخدامها؟
ثم إن أوريانا—التي كان يفترض أن تكون مسيطرة تمامًا—قفزت إلى الخلف مرةً أخرى لتوسّع المسافة بينهما. وبعد أن رأت ملامح الحيرة على وجه كاميجو، ابتسمت ابتسامةً خفيفة.
「مم. لستُ من محبّي استخدام التعويذة نفسها مرارًا وتكرارًا」
وكانت نظرة وجهها عند هذا الاعتراف دليلًا على مدى استرخائها.
「العناصر الخمسة هي أساسياتُ أساسياتِ [السحر الغربي الحديث]. مثل الكيمياء القديمة، ليست إلا مداعبة—أي شخص يستطيع تعلّمها إن درس الطبيعة. يسهل التحكم بها ويسهل تطبيقها، لكنها تجعل هجماتك مكشوفة وتعويذاتك الدفاعية سهلة القراءة. ما كنت لأحب أن اندفع مباشرةً إلى ذروة النشوة—لا أريده مملاً! ولهذا أحرص دائمًا على أن تكون في يدي شتى البطاقات حتى لا أملّ. ولهذا أيضًا أضطر إلى التخلّص من هذه الجريموارات ذات الاستعمال الواحد بعد استخدامها، مثل تقويمٍ يومي」
تجاهل كاميجو ما كانت تقوله وحاول أن يغلق المسافة بينهما بسرعة. لكنها اكتفت بالوقوف وفي فمها بطاقة. وبعد لحظة، هبّت فجأةً هبّةُ ريحٍ من خلفه، فأضافت إلى جسده اندفاعًا أماميًا أكبر مما يحتمل؛ فتشابكت ساقاه وبدأ يفقد توازنه. وفي تلك اللحظة، كانت أوريانا قد اندفعت نحوه فعلًا، وَجّهت ضربةً صاعدةً عنيفة إلى ذقنه، رافعةً اللافتة الضخمة التي تحت ذراعها اليمنى لتصدمه بها مباشرة.
طُب!! وبصوتٍ أجوف، ارتطم جسده المنحني بالأرض من جديد.
「غُه... آخ...!!」
وقد تعطّل دماغه ورئتاه معًا عن أداء وظيفتهما، فلم يعد يميّز الأعلى من الأسفل. ومع إحساسه وكأن الجهات الأربع ترقص من حوله، تمكّن مع ذلك من وضع يدٍ على الأرض محاولًا النهوض.
「مم」 ثم عضّت أوريانا صفحة بطاقة أخرى. 「يا...عيباه. ما هذه إلا مداعبة. ما أسرعك انتهيت؟」 فعّلت نوعًا من القوة، ثم انفجر بخارٌ ساخن تحت جسده، بين الإسفلت وظهره. وجد نفسه يُقذف في الهواء مرةً أخرى، لكنه هذه المرة لم يستطع احتمال السقوط، فانتهى به الأمر يتدحرج على امتداد الشارع.
استجمع آخر ما تبقى له من وعيٍ كان على وشك الانطفاء، وحاول يائسًا أن يفهم ما يجري. 「أغغ...」 لكن حتى هذه المحاولة كادت تتمزق بفعل الألم. كان الألم العنيف يندفع في جسده. أطبق أسنانه وتكلم بصعوبة؛ 「اللعنة... كيف؟」 ذلك هو السؤال الذي خطر له. 「...قلتِ إنك لن تستخدمي التعويذة نفسها مرتين، فكيف لديكِ هذا الكم من التركيبات...؟」 لم يكن يعرف العناصر الأربعة—أم الخمسة؟—لكن المهم كان تركيبات [اللون] مع [الاسم]. إطلاق تعويذة تلو الأخرى بهذه السرعة كان ينبغي أن يجعلها تنفد من التركيبات منذ زمن.
「هيهي. ليست هذه وحدها ما أُركّبه. تمعن بي وانظر وبحلق، وستفهم!」 رفعت أوريانا يدها اليسرى ووضعت حلقة البطاقات في فمها.
「!」 انتفض كاميجو محاولًا الاستعداد، لكن جسده لم يكن يتلقى طاقة كافية. وعلى الرغم من حالته المكشوفة، لم تهاجمه أوريانا—بل مرّرت لسانها على البطاقة. لحست الورقة المستطيلة أولًا على طول الضلع العمودي القصير، ثم عبر الحافة الأفقية الطويلة.
حدّق فيها كاميجو مذهولًا، ثم وجد الكلمات أخيرًا.
「...الزاوية؟ تقصدين أن زاوية...لعقكِ لها مهمة؟」
「مم-هم. هذه إحدى العوامل. إنه من أساسيات علم التنجيم الغربي. الاقتران، التقابل، التربيع، التثليث، التسديس، التوازي—وغيرها من الجوانب. وتنصّ النظرية على أن العلاقة الموضعية بين الكوكبات والكواكب تؤدي أدوارًا مختلفة بحسب زواياها. أرى أنك تحتاج إلى دورةٍ دراسية لتتعلم كيف ترتبط النجوم والألوان والعناصر أيضًا ها؟」
تبسمت.
「وطبعًا، تعاويذي تتضمن كذلك تفكيك الأعداد الغامضة اعتمادًا على رقم الصفحة، ولذا—وبالمعنى الدقيق—لا أستطيع استخدام التعويذة نفسها مرتين. الماضي مضى ولا يمكن تكراره—وبالمثل، الصفحة التي قلبتها لن تعود أبدًا」
مرّرت زاوية البطاقة—الصفحة—المبتلة قليلًا على شفتها العليا. 「ذلك هو حدّي. حتى حين بذلتُ قصارى جهدي في كتابة الجريمورات، لم تستقر النسخ الأصلية. بل كانت تهيج وتدمّر نفسها مرارًا وتكرارًا. وكانت الجُمل فيها فوضويةً قذرةً لا تُقرأ. ومن منظور الساحرة ومن منظور المشعوذة على السواء، مهاراتي لا تتعدى كونها أنصاف محاولات」
ضيّقت عينيها قليلًا.
「لكنني لم أستسلم قط عن الكتابة الدائمة، وعن خلق تعاويذ جديدة بلا توقف. كنت أعلم ذلك أيضًا: الجريمورات الناقصة التي أكتبها لا تدوم أكثر من ساعة في أحسن الأحوال، وقد تتدمّر ذاتيًا خلال ثوانٍ في أسوأها. أعلم أنني إن توقفت ورضيتُ بالحلول الوسطى فسأخسر—ولهذا سأظل أطمح إلى الأعلى فالأعلى إلى الأبد... ولن أفقد حماسي الأول أبدًا」
بعد أن أنهت ذلك، عضّت طرف البطاقة المبللة. لكنها لم تنزعها. ومع استقرارها على لسانها، واصلت الكلام بصوت مكتوم، من دون أن يتحرك فمها كثيرًا.
「التالي هو [حُفرَةُ الشَّفَرَات]—جريموار يحمل [رمز الرياح] مكتوبًا بالأحمر، وزاويته اقتران عند صفر درجات تمامًا، وعدد صفحاته الكلي خمسمئة وسبع وسبعون. رأيتُ أن أخبرك مسبقًا」
ثم توقفت لحظة.
「إن تحركتَ من مكانك، تموت」
「وإن لم تتحرك، فإن لعبتي التالية ستنتهي باستسلامك. لستَ طفلًا—بوسعك على الأقل أن تختار بنفسك أيهما سيكون」
أمسكت أوريانا البطاقة بفمها، وسحبتها إلى الجانب. فانفصلت عن الحلقة المعدنية التي تضم بقية بطاقات الفلاش، بينما أخذَ قلمٌ غير مرئي يكتب عبارة [رمز الرياح] بحبر أحمر.
...حاول كاميجو أن يضع يده على الأرض ويدفع نفسه للنهوض. لكن توازنه اختل، فلم يستجب جسده للحظة. وكان أقصى ما استطاع فعله هو الركوع على ركبة واحدة. ارتاح في سرّه أنه لا يوجد أحد في المكان. فلو رآهم أحد، لتحول الأمر إلى فوضى عارمة أيًا كان ما سيحدث.
لا أتحرك...؟
وبينما يتذكر كلمات أوريانا، اندفع شيء ما عبر الأرض. ظهرت دائرة قطرها نحو مترين حولها، ثم خرجت من أطرافها نقوش لا حصر لها تشبه أغصان الأشجار. بدت كالشعيرات الدموية في عين محتقنة بالدم. امتدت متجاوزة موضع كاميجو، وانزلقت تحت الدراجات واللافتات والسيارات في الشارع، قبل أن تتوقف على بُعد بضع بوصات من تسوتشيميكادو فاقد الوعي.
إن تحركتُ، أموت؟
فِررر... بدأت الأنماط على الأرض تُصدر صوتًا غريبًا، كأنها تهتز. قلب كاميجو الضعيف يتوسل إليه أن يستسلم. لم يكن لديه أي أمل في تخمين ماهية الهجوم التالي لأوريانا. وهذا يعني أنه لا يستطيع إيجاد سبيل لتجاوزه. وكانت قد قالت شيئًا آخر أيضًا: ضربتها التالية قوية بما يكفي لإيقاف قلبه إن تلقاها بلا دفاع.
وإن لم أتحرك، فستكون لعبتها التالية كش مات.
الفرق بين الخيارين أن الثاني يعني أنها ستنهي الأمر دون قتله. على الأرجح سيُغشى عليه كما حدث مع تسوتشيميكادو، لا أكثر. ثم ستهرب أوريانا مجددًا، وسيطاردها ستيل على الأرجح. سقوط كاميجو الآن لن ينهي كل شيء فورًا. ولن يلوم أحدٌ هاويًا لأنه استسلم للنوم. حتى تسوتشيميكادو المحترف قد سقط. وسيكون من الخطأ مطالبته ببذل المزيد.
فـ... فماذا... وما يهم...؟
ومع ذلك، قبض كاميجو يده اليمنى. شدّها بقوة، وغرس أظافره فيها، وبث فيها من العزم ما جعل كل ما دون معصمه يبدو كجسم واحد. أعاد إصدار الأوامر إلى ساقيه الواهنتين، وثبّت قدميه تحته. كانت المشاعر تعصف بداخله وتتشابك—الخوف، والرغبة في مقاتلة ذلك الخوف—وهو يفكر؛ قد سألتني... فكيوسي سألتني إن لم أكن أريد لمهرجان دايهَسي أن ينجح. فهل سوف تتجاهل كل ما قالته أيها الجبان؟!
صرّ على أسنانه وجدّد عزيمته.
لا يهمني إن كنتُ في مواجهة مشعوذة محترفة. ولا يهمني مدى أهمية هذه الصفقة! لقد قررت فكيوسي الانضمام إلى لجنة المهرجان، وبذلت العرق والدموع في التحضير له، والآن كل ذلك الجهد على وشك أن يضيع! وأنتَ تريد أن تترك ذلك يحدث؟! أنت تعرف أنك لن ترضى عن هذا يا كاميجو توما!!
「ووااه... أُووووووووووووووووووووووووووووووووووههههه!!」
صرخ وانطلق مندفعًا. كان توازنه لا يزال مضطربًا، فركض كمسافر في طائرة أصيب بدوار بسبب الاضطرابات الجوية. لكنه واصل التقدم رغم ذلك.
وفي اللحظة نفسها، بصقت أوريانا تومسن البطاقة التي في فمها إلى جانبها...
...وبعد لحظة، فعّلت التعويذة بكامل قوتها.
- الجزء 4
[حفرة الشفرات]. انتشر النمط الضخم على الأرض حولها في جميع الاتجاهات، كجدار من الطوب، كالشعيرات الدقيقة في العين المحمرة، وقد تفعّلت. بعد لحظة، بدأت شفرة الفراغ دمارها. خطوط لا حصر لها مرسومة على الطريق انطلقت إلى الأعلى كالمقص المعكوس، مصراع الشفرة ارتفع بسرعة. مئتا وثمانية هجمات قَطْع. هذا العالم من الشفرات، الممتد على شكل شبكة عنكبوتية، سيقطع كل شيء موضوع بداخله بلا تمييز.
...! هذا...الأحمق!!
صكت أوريانا تومسن أسنانها. قد تبدو هذه الهجمات عشوائية، لكنها في الحقيقة قد وضعت نفاثات شفرات الفراغ خصيصًا لتجنب موقع كاميجو. لكنه تجاهل ذلك وتقدّم نحوها.
كانت خطتها الأصلية محاصرة كاميجو بستار من شفرات الفراغ الخارج من الأرض لضمان قدرتها على إقصائه بعد أن يصبح عاجزًا عن الحركة. وكان السبب نفسه وراء عدم قتلها لتسوتشيميكادو—لقد قررت أن الذبح المتهور سيعيقها عن أداء "عملها".
عندما خطا كاميجو خطوة إلى الأمام، تنشطت التعويذة. المقصلة الفراغية التي انفجرت من الأرض عزّلت بدلًا من ذلك المنطقة الآمنة الفارغة الآن. منها 208، وقطعت كل شيء مباشرة فوق النمط إلى أشلاء من لافتات ودراجات على حد سواء. وكاميجو بعد أن استبعد نفسه من تلك المنطقة الآمنة؛ غاص في دوامة الشفرات. ليس أمامه مستقبل ينتظره سوى البتر والدم والموت.
ومع ذلك...
「!!」
لم يُقطع جسد كاميجو.
انفجرت شفرات الفراغ مباشرة من نفاثات الهجوم المرسومة على الأرض، 208 مقصلة مزقت كل الهواء حولها—لكن لم تصبه منها واحدة. لقد غاص في المكان حيث كانت كثافة الشفرات فيه أقل. المكان الذي خطا فيه كان في الواقع منطقة آمنة ثانية بجانب تلك التي وضعتها أوريانا. لم تستطع أن ترى إن كانت تلك صُدفةً أم أنه وجد المكان بطريقة ما، لكن...
خذ هذا إذن!! استخدمت أوريانا التعويذة التي أعدّتها. سواء فعلت ذلك بوعي أم لا، فإن أي مكان لم تغطه المقاصل الفراغية كان بالفعل منطقة عزلة محاطة بمصاريع الشفرات. لقد قفز من الخلية وعاد إلى فتحة مختلفة. لا مهرب أمامه.
لكن حتى عندما ظنت أوريانا ذلك، دُحضت مرة أخرى.
「أورراااه!!」
عوى كاميجو، واضعًا قبضته اليمنى في شفرة الفراغ أمامه. وكان هذا منه تهورًا—أوكان يطلب أن تُبتر ذراعه؟ لكن بدلًا من ذلك، كانت الشفرة هي التي تحطمت. وليس فقط الشفرة أمامه—بل كل واحدة تحيط بأوريانا.
وصدى صوت تكسير عالٍ بعد لحظة. بحلول ذلك، كاميجو قد اقترب من أوريانا. تفصلهما ثلاث خطوات. وسيكون فوقها بعد ذلك. ما الـ...؟! كيف ليده أن تفعل هذا...؟! لم تستطع معالجة الوضع أمامها. في الوقت الحالي، ركزت على هزيمة العدو. مزقت بطاقة فلاش أخرى بأسنانها، مسجلةً أمرًا مكتوبًا بحروف صفراء.
اسم التعويذة ذات الاستخدام الواحد [DROP REST]. كان شكلها يشبه الرمح الهوائي المضغوط، لكنها تُحَوِّلُ بالقوة وَعْيَ مَن تُصيبه من العالم الخارجي إلى العالم الداخلي. الهجوم لا يسبب ألمًا—بل يُغشِي المرء فقط. أرادت أوريانا إحاطة كاميجو بشفرات الفراغ ثم إرسال هذا الرمح مباشرة عبر الشفرات وعليه، لكن الأمور انقلبت بشكل غير متوقع.
ومع خيانة توقعاتها، أطلقت أوريانا التعويذة دون تردد. 「خُذهـ—!!」
قبل أن تكمل صراخها، ضرب كاميجو طرف رمح Drop Rest. تحطم الرمح الهوائي وتشتت عبثا حتى اختفى في الهواء. لكن... لماذا...؟! صدمة أوريانا أخطَتْهُ خطوةً أخرى. تبقت خطوتان. وصارت محتارة. الوضع غير مفهوم. عدوها ها هناك، وقد نسيت التعامل معه. كيف صد كل الهجمات؟! قد تكون يده اليمنى مميزة... لكن هذا الشخص العادي لا يقرأ كل تحركاتي! لا... لابد أن هناك شيئًا يستخدمه لاتخاذ هذه القرارات! إنه...
خطوة أخرى. تبقت واحدة.
ثم كصاعقةٍ، خطرت الإجابة لأوريانا. فهمت. أنا لا أستخدم نفس التعويذة أكثر من مرة! بمجرد أن أهاجم مكانًا، لا أستطيع استخدام نفس الهجوم من نفس الاتجاه مرة أخرى! وهو استغل ذلك وتنبّأ...!!
أوريانا تومسن لم تستخدم نفس التعويذة مرتين. إذا هاجمت موقعًا مرة، فلن تُهاجم نفس الموقع مرة أخرى. وبالطبع، أمكنها استخدام سيف اللهب لمهاجمة نقطة معينة، ثم إطلاق رصاصة جليدية هناك. لكن ذلك لأن السيوف والرصاصات لها نطاقات هجوم مختلفة—وكان هذا الاختلاف ثغرة تُسْتَغَل. كان كاميجو يتحرك نحوها عبر المواقع التي هوجم فيها سابقًا. إذا لم يهاجمه نفس الهجوم مرتين، فما عليه إلا أن يقلق بشأن البقية—أيْ أيُّ هجومٍ توجهه له بعد ذلك. وأن يتعامل مع الموقف في تلك المرحلة كان سهلاً. الأمر كما لو أنها أخبرته بأن هجومها التالي سيكون خدعة، أو أن هناك بالتأكيد ثغرة في مكان ما.
هاه. وضعت يدي معًا لأزيل أي نقاط عمياء—فكيف استغل هذا وعرف أنه يشير إلى أسلوب قتالي! هِهِهِئ، يا ولد، أشعلتني! يا حُبّي للرجل الفطن!!
بعد لحظة، صار كل منهما في مدى الآخر. ما كان لأوريانا وقت لاستخدام بطاقات الفلاش. بدل ذلك، أسقطت "اللوحة الإعلانية" تحت ذراعها اليمنى على كاميجو، مستهدفة تاج رأسه.
ولكن...
لفّ كاميجو توما جسده. دار على قدم واحدة دون أن ينحني محور دورانه؛ تحوّل جسده تقريبًا إلى الجانب. وصدر صوت خفيف كششش بجانب طرف أنفه، وذلك كل شيء. تجاوزَ طَرَفُ "اللوحة الإعلانية" الصبيَّ الجانبي واصطدم بالأسفلت.
...!! صُدمت أوريانا تومسن وهي تنظر إلى ما أمامها.
في الوقت نفسه، ومن مدى قريب جدًا، قذف لكمةً صاروخية بيمينه.
「أئئوواا...」 أفرغ كاميجو كل الهواء من رئتيه وزأر. 「...ووووووووااااااااااااااااااااهـ!!!!」
بوضع كل وزن جسده وسرعته في قبضته، ضربها مباشرة في منتصف الوجه. ارتد صدى التأثير إلى معصمه ثم كوعه وصولًا إلى كتفه.
طرركك!!
طار جسد أوريانا بعيدًا. مستغلة كل طاقة كاميجو الحركية من انطلاقته الأولى، سقطت على الأرض وارتطمت وتدحرجت على الطريق رأسًا على عقب.
مع صفير الريح، هبطت اللوحة الإعلانية التي أسقطتها بجانبه مباشرة. شعر بتنملٍ خفيف في أصابعه اليمنى. هل أصبتها...؟ هل يعني هذا أن صفقة العنصر الروحي [سيف الطعن] انتهت؟ في الوقت الحالي، الشيء الذي كانت تحمله أوريانا صارَ بجانبه. كان لا يزال قلقًا بشأن تسوتشيميكادو، الذي لا يزال فاقدًا للوعي، والطرف الآخر المتورط في الصفقة، والذي تسلل أيضًا إلى مدينة الأكاديمية. هل نجا من الأسوأ مؤقتًا؟
「هِه」
ثم وبينما كان واقفًا يفكر، حملت الرياح ضحكةً. وعادت عيناه إلى حيث كان ينظر.
「هيهيء. غليظ، غليظٌ أنتَ. انظر، قد انفتحت زر قميصي」
استلقت أوريانا بظهرها على الطريق، وكأنها استيقظت للتو من قيلولة بعد الظهر، جلست ببطء. وبيدها اليمنى الخالية الآن تُمسك قماش زي عملها عند الصدر—بالكاد كان مفتوحًا.
لم تنجح...؟!
ذُهل كاميجو، لكن أوريانا لم تبدُ مهتمة المرة.
「حسنًا، أنا لست من النوع القوي العضلي، كما تعلم. لم تهجم عليّ مباشرة؛ كان هناك زاوية بسيطة. جسدك تعرض للتلف، وكنت على وشك فقدان توازنك. أظن أن هذا السبب في أن التأثير لم يكن مثاليًا. نعم، لأكون صريحة....」 توقفت قليلاً. 「قبضتك قامت بعمل جيد جدًا. أما أنا، فأعتدت أن يكتشف الآخرون هجماتي ويردوا عليها. أجد أنني ما زلت لم أشعر بالرضا الكامل」 وضعت خاتم بطاقات الفلاش في يدها اليسرى إلى فمها.
اتخذ كاميجو وضعية دفاعية، لكن حينها بدأت كل جروحه الصغيرة توجعه دفعةً. التزامن أوقف لحظة.
「!!」
راقبت أوريانا وجهه يتجهم من الألم وعضت صفحة من بطاقات الفلاش، بوجه لعوبة. ولكن وعلى عكس توقعات كاميجو، لم يكن هجومًا. شعر برياح تهب من قربها، وفي اللحظة التالية، ألقى إعصار صغير جسدها في الهواء. في أقل من ثانية، انزلقت بين الفجوة الصغيرة بين سقف السوق والمباني المتراصة بإحكام، ثم هبطت على أحدها.
لم يهمها اللوحة الإعلانية التي أسقطتها الواقعة عند قدمي كاميجو. ولم تأبه لأهمية [سيف الطعن] للصفقة.
وقفت على حافة السطح وظهرها له، عضت صفحة أخرى من خاتم بطاقات الفلاش وقالت، 『سأترك لك هذا للآن. لكن لا تظن أننا انتهينا من لعبتنا الصغيرة. الآن نُوَلّعها』
صوت أوريانا ناعم—أوكانت تتحكم في موصل الصوت في الهواء؟ لأنه رنَّ داخل أذني كاميجو. نظر بين [سيف الطعن] على الأرض وهي على السطح.
「...لماذا؟」 سأل. كان صوته هادئًا أيضًا، لكن بدا أنه يصل إليها.
『ماذا؟』
「[سيف الطعن] هنا بالضبط. ليس أنني مسيطر على الأمر. ولكن لماذا انسحبت الآن...؟」
ضحكت أوريانا قليلًا. 「فعلًا لمآذا؟ فكّر في نفسك—فيها متعة」 قفزت نحو منتصف السطح لتخرج من مرمى نظر كاميجو الذي كان ينظر للأعلى. اختفت تمامًا من الفتحة الضيقة بين سقف السوق وجدران المباني.
「هيه! ماذا عن التعويذة التي وضعتها على تسوتشيميكادو؟!」 صرخ على الفور رغم أنه لم يعد قادرًا على رؤيتها. سقف السوق حَجَبَ السماء تمامًا. ربما دخلت مبنى، أو ربما قفزت بين المباني.
ومع ذلك، وصله صوتٌ تجاهل الهواء.
『التعويذة تدوم عشرين دقيقة. ستختفي بنفسها، يا حبيبي الإسبر القلق』
نظر كاميجو حوله، ولا أثر لأوريانا أو لصوتها.
- الجزء 5
تسوتشيميكادو موتوهارو على ما يبدو لن يستيقظ لفترة. تردد كاميجو، متسائلاً عمّا إذا كان ينبغي عليه مواصلة تتبع أوريانا، لكنه في النهاية قرر البقاء. ما عساه يترك تسوشيميكادو هنا، و[سيف الطعن] كان موجودًا أيضًا، متخفيًا على هيئة لوحة إعلانية ضخمة. حَملُه سيبطئه، وإذا هاجمت أوريانا بغتةً وسرقته، فسوف يعودون إلى نقطة البداية. لذا قرر الاتصال بستيل.
لسوء الحظ، لم يعرف كاميجو رقم ستيل. وبشعور من الذنب، قرر استعارة جَوّال تسوشيميكادو وأخرجه من جيبه. تفقد سجل المكالمات واتصل.
『طيّب. دمّر [سيف الطعن]. لن تواجه يدك اليمنى أيَّ مشكلة. هذا سيُفسد تمامًا خطة لِدُفيا لورنزتّي للصفقة. لا أعرف الكثير عن قوة الشرطة في مدينة الأكاديمية، لكن مع خبر اشتعال حافلة، لا شك أنه أُبلِغَ عنها. دَمِّر السلاح واخرج من هناك قبل أن يهرع أي أحد إلى المكان』
「هل من المقبول حقًا كسره؟ ألن يغضبوا ويبدؤوا بمهاجمة المدينة؟」
『لو فعلوا، فَهُم من سوف يُحاصَرون. هذه مدينة الأكاديمية—في قلب أراضي العدو، من وجهة نظر الجانب السحري. إذا كانت لِدُفيا قد خططت الصفقة بهدوء، فستغادر بالتأكيد بهدوء أيضًا. إنهم يعلمون أن الجدال مع الطرف الآخر في هذه الصفقة من الأفضل أن يحدث بعد أن يكون الجميع في أمان. هذه القرية هي خطرٌ وسُمٌّ كبير للسحرة』
هذا التفسير—أن مدينة الأكاديمية مكان خطير—لم يبدو منطقيًا تمامًا لكاميجو الذي يعيش فيها. ومع ذلك، قال له خبير في المجال، فقرر أن يسمع. 「نعم. سأتولى أمر [سيف الطعن] بيدي اليمنى」
『عجّل. سأستشير الكبار فيما سوف نفعل من الآن』 قال ستيل وأقفل الخط.
「بدون "رجاء" أو شيء، ها؟」
أنهى كاميجو المكالمة وأعاد الجَوّال إلى جيب صديقه. شعر أن تسوشيميكادو ما يزال مرهقًا. وتقشعر كاميجو لرؤية تسوشيميكادو لا يتفاعل على الإطلاق، لكنه استطاع سماع تنفسه المنتظم كما لو أن صديقه نائم إذا استمع بعناية. لم تبدُ حياة تسوشيميكادو في خطر هذه اللحظة.
قال كاميجو لنفسه، 「حسنًا، هيّا」 وعاد إلى اللوحة على الأرض. كانت كبيرة ومستطيلة ومغلفة بقماش أبيض. ربما ملؤوها بحشو ليحفظوا شكل [سيف الطعن] مستطيلاً. يمكنك تغليفه بالقماش كما تشاء؛ إذا كان شكل السيف بارزًا، سينتبه الجميع إليه. كان يعلم أن استخدام قوة الإماجين بريكر ستدمر السيف. قرر أولًا إزالة القماش، عليه أن يتأكد بصريًا من أنه دمر ما بداخله.
「أععغ...! ما هذا؟ إنه... صلبٌ حقًا」 كان متخفيًا مغلفًا باحتراف شديد. العُقَد تبدو معقدة وتقنية؛ لم يستطع أن يتصور كيفية فكها. لم يكن مصنوعًا من خيط أيضًا، لذا لن يقدر على تمزيقه بيديه. لم يكن أمامه خيار آخر سوى شد القماش. وبعد قليل، شعر بأن التغليف بدأ يلين. ما إن ارتخى جزءٌ واحد حتى فَقَدَ القماش الأبيض كله صلابته. بدأ يُقشّر الطبقات واحدةً واحدة. مهما كان الشيء بداخله، بدأ يظهر أكثر مع كل طبقة تُزال.
الآن وقد فكرت، ما شكل [سيف الطعن] فعليًا؟ فكّر وهو يزيل بقية القماش. وداخل اللوحة، سَيْفُ الطّعن—
لم يكن موجود.
「هآه؟」
تجمدت يداه بعد إزالة القماش الأبيض.
جميع الضمادات قد أُزيلت عن المومياء، وما بداخلها؟ لوحة إعلان عادية طويلة ورفيعة. لوحة مصنوعة منزليًا، مثل تلك التي يصنعها الطلاب ويعلقونها، سطحها المعدني رقيق ومطلي. ربما كانت لكشك يديره الطلاب مخصص فقط خلال مهرجان دايهَسي. وكُتب عليها عبارة ICE CREAM STORE بحروف حلوة ومستديرة.
لكن...
「ما... ما هذا؟」
أهذا يعني أن اللوحة لم تكن تمويهًا على الإطلاق؟ حَمْلُ [سيف الطعن] دون تمويه كان ليكون فاضحًا في مدينة الأكاديمية. ولكن سيكون من الصعب وضع شيء بهذا الحجم في حقيبة. لهذا تنكرت أوريانا على هيئة رسامة، وأخفَت السيف على هيئة لوحة، ولفته بالقماش الأبيض. كانت خطة ابتكرتها لتبدو غير مشبوهة... أليس كذلك؟
لكن إن كانت تحمل لوحةً فعلية طوال الوقت... فَكُلّ افتراضاتهم كانت خاطئة.
أين [سيف الطعن]؟
لماذا ظهرت أوريانا ثم هربت؟
المقدمة أساسُ الأساسية التي كان يتحدث عنها ستيل ماغنوس وتسوتشيميكادو موتوهارو—هل كانت صحيحة أساسًا؟
وفي المقام الأول...
هل كانوا حتى يحاولون إتمام صفقة [سيف الطعن] أصلاً؟
「ما الذي يحدث...؟」 همس كاميجو بدهشة فارغة.
لم يكن هناك أحد ليعطيه الإجابة التي يريدها. الساحر المحترف تسوتشيميكادو موتوهارو ما يزال مغشيا. والتي دبرت كل هذا أوريانا تومسن لم تكن موجودة في المكان. ومع ذلك، كرر كلامه تقريبًا بنفس الكلمات،
「ما الذي يحدث بحق كل شيء...؟!」
- ما بين السطور 3
- الجزء 1
أوريانا تومسن تسير في أرجاء المدينة. والآن وجدت نفسها في مركزٍ للأمتعة أُقيم مؤقتًا قرب متجرٍ كبير معروف. الخزائن الآلية التي تعمل بالعملات المعدنية في المدينة متوقفة عن الخدمة، ربما خوفًا من تفجيراتٍ إرهابية أو ما شابه. وبدلًا من ذلك، كانوا يقدّمون خدمة تشبه إلى حدٍّ ما خدمة الفنادق، حيث تُودِعُ أمتعتك وتسلّمها إلى موظف بشري.
ناولَت أوريانا الموظفةَ الواقفة خلف المنضدة بطاقةً بلاستيكية تحمل رقمًا. بدت الموظفة الشابة تتساءل في نفسها عن سبب استخدام رسّامةٍ لخدمة إيداع الأمتعة. ابتسمت أوريانا وأخبرتها بأنها اضطرت إلى ترك مقتنياتها الثمينة وإلا لتغطّت محفظتها بالطلاء. بدا أن الموظفة تفهّمت. أخذت أوريانا حقيبة يدٍ منها وغادرت مركز الأمتعة.
لم يكن في الحقيبة محفظة، بل ملابس بديلة.
من دون لوحتها الإعلانية، بدت ملابس أوريانا الرسامة غريبةً بعض الشيء. كانت ملابس عمل. ولو تجوّلت في المدينة على مهل، لبدت غير طبيعية. وفوق ذلك، كان الزرّ الثاني من زيّها قد انخلع في المعركة السابقة. كانت قد أغلقت الزرّين الأول والثالث، لكنها في الأساس كَعّوبة {كاعب: ذات ثدي ناتئ}، فكان الجلد يُرى من خلال الفتحة بينهما.
...يا ربي، استخدمتُ عددًا كبيرًا من التعاويذ المختلفة... تمنيت لو أحفظ الكثير منها لوقتٍ لاحق. كان لأوريانا مجموعة واسعة وسخيّة من التعاويذ المتنوعة، لكن عدم قدرتها على استخدام أيٍّ منها أكثر من مرة قَيّدها. كانت دائمًا تفكّر مسبقًا حين تقاتل، وتقتصد في استعمالها. أمّا هذه المرّة، فقد استخدمت تعاويذ مهمّة—اثنتين أثناء المعركة واثنتين خلال فرارها. كان ذلك غير متوقّع. تلك التعاويذ فعّالة للغاية وصُنعت على نحوٍ يرضيها، لذا فإن عدم قدرتها على استخدامها مجددًا أشعرها بوخزةٍ من الوحدة. على قوة أعدائي، لا شك أنهم يستحقون. ياه أيًّا يَكُن، سأعيد التفكير في خياراتي بعد أن أغيّر ملابسي.
راحت أوريانا تتجوّل وتتساءل أين ينبغي لها أن تبدّل ثيابها. كان مظهرها الرسّامة ما يزال يلفت الانتباه قليلًا عندما تدخل المباني. 「لا بأس، أيّ مكان سينفع」 قالتها بلا مبالاة، ثم دخلت طريقًا جانبيًا بعيدًا عن حركة المرور. مضت أعمق في الطريق، وحين وصلت إلى مكانٍ لا يوجد فيه أحد، ألقت حقيبة اليد على الأرض. بدا وكأنها تنوي حقا أن تغيّر ملابسها هناك.
وكذلك رأت أنه من الأفضل أن ترفع تقريرًا أثناء تبديلها للملابس، مزّقت أوريانا صفحةً من بطاقات فلاش بفمها. وضعت عليها قطعةً من الشريط اللاصق وثبّتتها على جدار الزقاق. فجأةً، أضاء الجدار القذر بحروفٍ أفقية برتقالية اللون. تلك الحروف تترجم في الوقت نفسه صوتَ رئيستها، لِدُفيا لورنزتّي، وتعرضه على الجدار.
『هل هذا التقرير عاجل؟ عليّ أن أقول، استخدامك لوسيلة تواصلٍ مختلفة في كلّ مرة يصعب عليّ حياتي』
「هيهي. هذه سياستي يا حلوة. ولا أود أن أكسرها」 وكذلك صوت أوريانا يُحوَّل بدوره إلى حروفٍ ويُعرض على لِدُفيا. وبينما تتحدّث، بدأت تفكّ أزرار مقدّمة زيّ الرسامة. وبذلك، انفتح القميص كزنبركٍ مرتدّ. لم يكن بمقاس صدرها من الأساس. 「على أيّ حال، أردتُ فقط أن أبلّغك بأن المرحلة الأولى انتهت. لقد حدث الكثير، لكنني تجاوزتُ جميع النقاط اللازمة، لذا لا أرى داعيًا للقلق! كما تجوّلتُ في المدينة سياحةً أيضًا」 وبعد تحرّرها من الملابس الضيّقة الخانقة، أطلقت زفرة ارتياحٍ خفيفة. ثم ومن دون تردّد، نزعت قميصها. ولم تكن ترتدي ملابس داخلية، لذا قد انتهت بالفعل من تعرية الجزء العلوي من جسدها.
اختفت الجملة القديمة، وبدأ سطرٌ جديد من الأحرف يتدفّق من اليسار إلى اليمين. 『وما الذي تعنينه بقولك؛ حدث الكثير؟』
「همم؟ أجل... حدث الكثير فعلًا. صبيٌّ لكمَني في وجهي، وكسر زرّي، وكاد أن يرى صدري. هذا كلّ شيء. بصراحة، يمكن رآه؟」
وجملةٌ أخرى. 『...قد أكون راهبةً نذرت نفسها للفقر والعفّة والطاعة، لكنكِ تبدين غير مبالية وفاحشة』 كانت هذه التعويذة تحمي من أخطاء الترجمة بقراءتها كلمات الشخص وأفكاره في آنٍ واحد؛ وأحيانًا كانت تترجم الصمت أيضًا.
「أوه، أتلك إهانة؟ في العهد القديم، تَجوّل آدم وحواء في الأرض بورقة شجرٍ تغطي جسديهما العاري، لا؟ إثارة التعرّي على نطاقٍ عالمي—بالمقارنة مع ذلك، لا أرى أن ما حدث هنا يُعدّ أمرًا كبيرًا」
『...』
وضعت أوريانا يديها على بنطالها، ثم أدركت أنها لا تتلقّى أيّ رد. عَرَضَ الجدار فترةً طويلة من الصمت، ومع استمرارها شعرت بقطرة عرقٍ تنساب على خدّها. 「مهلا... ها؟ ألو؟ ألو...؟ آه، لا تخربي الجو! أعدكِ أنني لن أسخر من الكتاب المقدّس بعد الآن، هيّا لا تبكي」
اختفى الصمت المعروض وعادت جملة قصيرة وغير معتادة. 『ما كنت لأفعل. ماذا عن جروحك؟』
「أوه، ليست بالكثير」 قالت وهي تخلع حذاءها وتخفف حزامها وتفتح سحاب بنطالها وتضع يديها على خصر بنطالها الذي قد كشف قليلًا من أسفل جسدها. 「يعني... ربما ليس كثيرًا؟ وجنتي ليست منتفخة، لكنني أشعر قليلًا وكأن شيئًا قد اخترق أعماقي...」 تمايلت فجأة إلى جانبها. هزّت رأسها لتستعيد وعيها، ثم خلعَت البنطال بكلتا اليدين. بالطبع كانت ترتدي ملابس داخلية. وعندما أخرجت قدميها في ساقَي البنطال، شعرت بتوازنها يتأرجح مرة أخرى.
『هل من تهديد للخطة؟』
「لا، لا أرى. بل إنني في الحقيقة أعلم أنه لن يكون. اتركي كل شيء لي وارتاحي」 لم تستطع لِدُفيا رؤيتها، لكن أوريانا أجبرت نفسها على الابتسام وهي تجيب. انحنت، عارية تمامًا ما عدا قطعة واحدة من الملابس الداخلية، فتحت حقيبتها عند قدميها، وبحثت عن ملابسها البديلة. كانت حركاتها مرنة بشكل غريب إذ استطاعت أن تضع راحتي يديها على الأرض دون أن تثني ساقيها. 「هم-مم. سأرتدي الآن ملابس المعركة! إذا أحسنت فيها، فإن التخلص من انطباع الرسامة سيسهّل عليّ عملي」
أيُّها أختار؟ فكرت أوريانا وهي تبحث في الحقيبة. كانت الأقمشة داخل السحاب المفتوح كلها قطع ملابس صارخة.
أجابت لِدُفيا بجملة مرتبكة. 『تُبدّلين؟』
「أخبرتك. بدون ذلك الزر، كل الناس سيرون صدري تقريبًا—بل أكيدًا. لا أظن أنّه سيكون مناسبًا أن استمر بملابس مكسورة」
『...ولماذا بعد، لماذا أنتِ غير منتبهة وفاحشة؟』
يا ليل من هذا الأسلوب، فكرت أوريانا، ولم تكلف نفسها الرد. أخرجت بعض قطع الملابس المرشحة من الحقيبة. 「أيضًا، نسيت أن ألتقط اللوحة الإعلانية حين هربت. رأيتُ أن رسامةً فارغة اليد ستبدو غريبة」
『...هل يعني ذلك...؟』
「نعم، بالضبط! حصلوا على اللوحة」
『...كيف...؟』
「ولعلهم اكتشفوا ما بداخلها—وأنني كنت أجوب المكان بطُعم」
『...』
「همم؟ ماذا؟ أوه، لا بأس. فقط لأنهم يعلمون بأمر [سيف الطعن] لا يعني أن الصفقة ستتأثر. نقطة ضائعة واحدة لن تخسرنا اللعبة. والمعارك الحقيقية ليست كالألعاب. لنا أن ننتزع النصر إذا استخدمنا النقطة الضائعة لصالحنا」 مرتدية قطعة واحدة فقط من الملابس الداخلية، أخذت قميصها وضغطته على صدرها، مستعرضة جميع التركيبات ومستويات الانكشاف المختلفة. 「سَأُتِمُّ عَمَلي. لن أدع أحدًا يتدخل في هذه الصفقة، وهم لا يستطيعون التدخل بأي حال. خاصة إذا كانت هذه الصفقة ستجعل جميع الأطراف المعنية سعداء」
وتلك العبارة الأخيرة قالتها وهي تنظر إلى السماء.
السماء فوق مدينة الأكاديمية صافية وزرقاء، وهادئةً إلى حد القلق، مع ظهور ألعاب نارية متفرقة بين الحين والآخر.
- الجزء 2
「خدعونا」
بعد أن أنهت حديثها مع أليستر—سَيّدُ مدينة الأكاديمية—ونقلت أوامرها إلى العديد من الأقسام، تنهدت مطران الإنجليزية البروتستانتية؛ لورا ستيوارت. بضع ساعات تفصلها عن ذلك الوقت. ففي اليابان كانت ساعة الظهر، لكن إنجلترا تأخرت بما يقارب التسع ساعات. هنا، في كاتدرائية القديس جورج، لم يكن سوى ظلامٌٍ دامسٌ وصمتٌ وبرودةٌ تتسلل على الأرض.
جلست امرأة على كرسي أمام المنبر؛ شعرها الذهبي ينسدل ضِعف طولها. تنهدت، وأدارت يديها خلف رأسها، ثم أمسكت بجذور شعرها الطويل متطرفًا وحرّكته كقصبة صيد. اهتزّت أطراف شعرها في موجات كبيرة، تتلوى كالحيّة، قبل أن تمسك بها مرة أخرى. استخدمت يدًا لتثبت مشبك فضي في شعرها وأمسكته في مكانه. خلال لحظات، عاد تسريح شعرها إلى شكله الطبيعي المزدوج.
الناس اعتادوا على تسلسلِ أحداث. قد يبدو الأمر فوضويًا عند وصفه هكذا، لكن منه ينبعث جمالٌ رفيع. خصوصًا التموجات الذهبية المتلألئة في ضوء القمر—لقد تحوّل إلى عرضٍ ضوئي حقيقي، يَمنَحُ متعةً حتى لو اكتفيت بالنظر وحده. لقد حَرَّم بولس، أحد الرسل الاثني عشر، مرّةً على النساء أن يتركن شعورهن طويلة، وكان يشجع الأخوات بقوة على قصه أو وضعه تحت خِمار. السبب كان أن الشعر الطويل قد يغري الرجال ويدفعهم إلى الذنب. قد يبدو هذا المنطق سخيفًا في العصر الحديث...لكن شعرها كان لامعًا ومشعًا بما يكفي ليُفتن المرء.
「أهذا الذي كُتِب صحيح؟」 سألت لورا، وهي ترفع الأوراق على حضنها وتلوّح بها. حوالي عشرين صفحة، تحتوي على تقرير من المتحف البريطاني بشأن [سيف الطعن]. كانت الحركة عفوية، لكنها حملت مشاعر واضحة. اسم هذه المشاعر كان الغضب، وحرارتها؛ باردة كالثلج.
بعد لحظات من كلماتها المتمتمة، جاء الرد. بصوت رجلٍ كهل.
『أعتذر. لقد تركتم إدارة هذا الأمر لنا لسنوات عديدة، ومع ذلك لم ندرك إلا اليوم أنّه كان عرضًا خاطئًا...』
「لا يهم. لا حاجة أن تُظهر الخوف، فأنا لا أمانع. مشاعري ليست موجّهةً نحوك. بل حقيقةً، اسمح لي أن أشكرك على قدومك في مثل هذا الوقت」
في أرجاء الكاتدرائية المظلمة، قرب المدخل، شعرت لورا بالرجل يبدو صغيرًا، كما لو كان مضطرًا. وربما، مثلها، كان يوحي بموقفه أن التمتع بنفس ضوء القمر الذي تنعم به هو أمر مثير للإعجاب بذاته.
هذا الكهل يُدعى تشارلز كوندر.
كان كذلك عالِمَ آثار مؤثرًا وحافظًا في المتحف البريطاني. على عكس المحققين الذين يجوبون العالم لجمع القطع في المتاحف، كان موكّلًا بالإشراف على العناصر داخل تلك المتاحف وصيانتها. كونك جزءًا من قسم يسعى أن يسمح للمقالات التي يزيد عمرها عن ثلاثة آلاف سنة وتحمل تاريخًا غنيًا بالبقاء للألفية القادمة يعني أنّك بحاجة إلى موهبة عالمية المستوى؛ إلى عقل عالِمٍ ومهارات فَنّان. إن تشارلز يقترب من أواخر الثلاثينيات من عمره، لكن الآخرين ما زالوا يرونه موهوبًا غِرًّا في هذا المجال. علّ لديه القدرة، لكن خبرته لم تُعترف بها بعد.
لم يكن هناك نقص في العناصر التي يتعاملون معها كونها سحرية... لكن موظفي المتحف البريطاني الفعليين لم يكونوا أكثر من مدنيين بلا صلة بالسحر. حتى مدير المتحف لم يكن استثناءً. كان يُطلب من الكنيسة الأنجليكانية تقديم الرأي حول كيفية عرض القطع من الناحية اللاهوتية والدينية والأخلاقية، وبالتالي كان لها سيطرة غير مباشرة عليهم. كان المتحف البريطاني مشهورًا عالميًا، ومع ذلك كان يوظف من عامة الناس. هذا كان إجراءً وقائي؛ إذا ما وضعت الكنيسة قسمًا سحريًا مشبوهًا ضمن صفوفها، سينتشر سر السحر في العالم بأسره بسرعة.
ولم يكن تشارلز يعرف أن الكنيسة الأنجليكانية تتآمر سرًا مع السحر أيضًا. التقرير الذي يوضح تحقيقاته لم يذكر شيئًا عن كون العنصر المعني "سحريًا" بأي شكل من الأشكال. لم يكن الرجل يحترم لورا بسبب قوة سحرية كبيرة، بل ببساطة بدافع التقوى.
「يا كوندر، إذا جاز لنا الانتقال إلى العمل، فعندي ما أود سؤالك إياه...」
「نعم يا حضرة المطران؟」 جاء الرد من الظلام. لم يكن فوريًا—بل جاء بعد لحظة صمت. كان توقيتًا ممتازًا لا يملكه سوى من لديهم إحساس دقيق بالمزاج.
「همم」 حدّقت لورا في الظلام أمامها، وهي راضية. 「...كوندر، ألا يحدث في نفسك أن تضحك على لساني وحالي في الكلام؟」
「عذرًا؟」
「أوليس هذا هو السبب في اختباءك هكذا داخل الظلام؟」
「لء، لا، ما كنت...」
「إذن أسأل نفسي لماذا أسمع رجفةً في صوتك يا مائق! أقسم—آخ منكم ومن التي ولدتكم، توعرونني على لساني ثم تخرسون! بل في الحقيقة، كل الأخطاء تعود إلى من علّمني ذالك الملعون، تسوتشيميكادو موتوهارو...」
「يا حضرة المطران، غالبًا ما أسمع شائعات عن غرابتك في تحدثك اليابانية」
「وهكذا انتشرت في جميع أنحاء لندن؟!」
「أرجوكِ، أرجوكِ اهدئي. نحن نتكلم الإنجليزية الآن. مهما كانت يابانيّتك غريبة، فهذا لا علاقة له بمحادثتنا الحالية」
「...」 تنهدت لورا. كان تشارلز كوندر يحاول إنقاذ موقفه، لكن من وجهة نظرها بدا الأمر جديًا قليلًا—لماذا كان ذلك؟ 「طيب... هل لي أن أبدأ الموضوع الرئيسي؟」
「تفضلي يا رئيسة الأساقفة」
جمعت نفسها وطلبت المتابعة—واتّبعها تشارلز دون تردد.
「كما ذكرتُ في التقرير، العنصر الذي بحوزة متحفنا هو نسخة طبق الأصل من [سيف الطعن]. يمكن التكهن بأن الأصل لم يوجد أبدًا. هذا شيء يُبلّغ عنه من وقت لآخر في المجالات الأثرية، لكن هذا يبدو حالة تلاقي الأساطير」
「تلاقي؟」 سألت لورا ببطء. كانت وجهات نظر المتحف البريطاني الأثرية مصدرًا قيمًا للمعلومات—لم تكن قادمة من الكنيسة الأنجليكانية، التي كانت ملتزمة بالكامل بالشعوذة.
「نعم يا مطران. هل سمعتِ يومًا بتقريرٍ كهذا؟ نعم، عن خطوط نازكا أو تماثيل الموآي في جزيرة عيد الفصح. وفي بلادنا، نُسميها ستونهنج. على مدار التاريخ، نكتشف أشياءً لا نعرف الغرض من صنعها」 انحنى تشارلز بعمق في الظلام. 「قد يبدو هذا غريبًا للغاية، لكن غرض الشيء لا تبتكر إلا لاحقًا بعد زمن بواسطة الناس. باختصار، التقاليد والأساطير ذات الأسس غير الكافية تتكاثر وتتضخم. أرى أن تشبيه العذراء المقدسة قد يكون الأسهل مثالا」
「همم」 قالت لورا. كانت لوحات مريم تمثل "قطعة المعجزة" في تبجيلها (الذي كان شائعًا جدًا رغم التحذيرات من الكنيسة المونوتيهية الصليبية بعدم القيام بمثل هذه الأفعال). في البداية، كانت الأسطورة فقط أن لوحتها تبكي، لكن مع مرور الوقت انتشرت كل أنواع الحكايات الجديدة، مثل شفاء الجروح عند لمسها أو اختفاء الأرواح الشريرة بمجرد رفعها. كان هذا خارج نطاق نظرية الأصنام فقط، وبغض النظر عن مشاكلها في العقيدة، كان من الصعب أخذ هذه القصص كحقائق تاريخية.
「إذن تقصد هذا. كان هناك سيف غريب مصنوع من الرخام في روما. لكن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية لم تستطع التحقق من صانعه أو سبب صنعه. وبدلًا من ذلك، بدأوا يخترعون أسبابًا أنانية بأنفسهم. انتشرت الشائعات، وتركت أثرها في الأساطير والأدب」
「نعم يا حضرة المطران. إذا سمحتِ لي القول من وجهة نظر عالم آثار، أعتقد مع ذلك أن هذا قد لا يكون عملًا عن قصد شرير. توجد أمثلة أخرى غير [سيف الطعن] في جميع أنحاء العالم، لذلك أشكك في صحة لوم الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بشكل أحادي」
كان ما قاله تشارلز مفهومًا. فالكنائس الصليبية كلها متشابهة في المقام الأول. تم تدوين الإنجيل عندما كتب تلاميذ ابن الإله ما بُشّر به. بعدها اختلفت الآراء حول أفضل طريقة لتفسير الإنجيل، مما أدى في النهاية إلى ظهور العديد من المذاهب بل الأديان حتى، كلٌ وفق فهم تقاليد وشعوب الدولة المعينة. وهذا أدى إلى الحالة الراهنة للعالم الصليبي. الكاثوليكية، البروتستانتية، الأنجليكانية، الكاثوليكية الرومانية، الأرثذكسية الروسية—كلها اتخذت الإنجيل مركزًا لعقيدتها. رغم اختلاف اللغات بين الدول، لم يكن هناك إنجيل أعيد ترتيبه وفقًا لمبادئ البروتستانت الإنجليز على سبيل المثال. ومع ذلك، ظهرت مذاهب متعددة وبدأت العقيدة تتشظى.
تاريخيًا، لم يكن مثل هذا الوضع غريب...
لكن ربما الكنيسة الكاثوليكية الرومانية تستخدم أساطير سيف الطعن عمدًا لإخفاء حقيقة أخرى. لا، لا—ما هذا إلا خيال أبلد.
هزّت لورا رأسها. مهما كانت الحقيقة، فقد عرفت الآن شيئًا واحدًا بالتأكيد؛ سلاح [سيف الطعن] الروحي هو قصة خيالية وُلدت من الأساطير ولم توجد أبدًا في الواقع. لم تكن تعرف سبب صنع السيف الرخامي، لكن على أي حال، لم يكن له التأثير السخيف الذي يؤدي إلى الموت المؤكد لجميع القديسين بمجرد توجيه رأسه نحوهم.
هذا يعني أن الصفقة التي على وشك التنفيذ في مدينة الأكاديمية أقل أهمية بكثير. تدلت أكتاف لورا. شعرت بالإحباط. 「إذن هل أدركت كذبة الأسطورة الأصلية للسيف الرخامي المُروّع؟」
「نعم، يا رئيسةَ الأساقفة. بسبب تراكُم الأساطير وتداخلها ككرةِ ثلج، لا نملك دليلًا قاطعًا، لكننا نعتقد أنّ هذا السجل هو الحقيقة」
「أوه؟」 أمالت لورا رأسها. لم تكن هذه المعلومة مذكورة في الوثائق. في البداية كانت قد رأت على نحوٍ عابر أنّ وجهة نظر هؤلاء الآثاريين "العاديين" ذات أهمية لا بأس بها، لكن...
「إن السيف الذي بحوزتنا ليس سيفًا أصلًا」
「ماذا؟」 عقدت لورا حاجبيها. وفي الظلام استطاعت أن ترى حافظَ المتحف البريطاني يرفع نسخة [سيف الطعن]. كان الرخام الأبيض يبرز على نحوٍ غريب في العتمة. ثم قلبها رأسًا على عقب.
「إنه صليب. ويبدو أنّ اسمه الأصلي هو [كروتشه دي بيترو] {Croce di Pietro}」
「بطـ...؟!」 كادت لورا ستيوارت أن ينقطع نفسها. 「صَلِيبُ بطرس؟!」
كان [بطرس] أحدَ الحواري الاثني عشر، وأنّ Pietro هو الاسم الإيطالي لبطرس. وحتى من لا معرفة له بالصليبية لا بد أن يكون قد سمع على الأقل باسم كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان. تلك الكنيسة العملاقة الواقعة في قلب—حرفيًّا ومعنويًّا—أكبر ديانة في العالم، الكاثوليكية الرومانية. لم يكن صليب بطرس واحدًا من أقوى عشرة أسلحة روحية في الصليبية فحسب، بل كان أيضًا مرتبطًا بعمق بتاريخ روما والفاتيكان بأكملها. صحيح أنّ [سيف الطعن] قادرٌ على إرسال جميع القديسين إلى قبورهم بضربة واحدة، مهما بَعُدت المسافة أو وُجدت العوائق، لكن [صلب بطرس] كان بالغ الخطورة إلى حدٍّ يجعل ذلك باهتًا بالمقارنة.
لا بدّ أنّ حافظَ المتحف البريطاني بدا حائرًا أمام صرخة رئيسة الأساقفة المفاجئة. وكان ذلك طبيعيًا—فشارلز لم يكن سوى مرجعٍ في علم الآثار، ولا علم له بالسحر. ومن الواضح أنّه لم يكن ليدرك مقدار القدرة التدميرية الكامنة وراء ذلك الاسم الذي نطق به.
أما لورا فكانت مختلفة. كانت على درايةٍ وثيقة بعالَمَي السحر والصليبية، ولذلك بالذات أدركت مدى خطورة الوضع. تلاشى من ذهنها كل الأفكار المتعلقة بتشارلز، وحلّت محلّها هذه المعلومة الجديدة.
مصيبة. إن كان محقًّا، فمعنى كلمة "صفقة" تختلف الآن جذريًا. إن كانوا يحاولون فعلًا تنفيذ "الصفقة" باستخدام [كروتشه دي بيترو] في مدينة الأكاديمية...
كروتشه دي بيترو... على الرغم من وجوده تاريخيًّا، لم تسمح الكنيسة الكاثوليكية الرومانية قط بأن يظهر للعلن. لقد كان سلاحًا روحيًا أسطوريًا بحق—أعظم سلاح في التاريخ لا يرتبط مباشرة بابن الرب. وإذا كانت الوثائق المتعلقة بتأثيراته صحيحة...
...فعند نهاية "الصفقة" ستنهار مدينة الأكاديمية. لا، لعلّ الأمر يتجاوز ذلك بكثير، قالت في نفسها وهي تبتلع ريقها.
ومع ذلك، ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ بديعة...
...بينما كانت تفكّر في أفضل السبل لتجاوز هذا الموقف المدوِّخ، واستغلاله لصالحها.
- الجزء 3
「كروتشه دي بيترو... أو بلغتنا صَلِيبُ بُطرس」 قال ستيل ماغنوس فجأة بعد أن تلقى تقريرًا على جَوّاله. 「يا للهول. هذي فعلا مصيبة」
كانوا جالسين في مقهى مفتوح على مسافة قصيرة من ساحة صيانة الحافلات الآلية. كان هناك حوالي عشرة طاولات، كل واحدة بمظلة، وجلسوا عند واحدة منها. أما كاميجو توما وتسوتشيميكادو موتوهارو الذي تعافى أخيرًا من تعويذة أوريانا فملأا الكراسي الأخرى. لم يكن هناك شيء على الطاولة، ولم يكونوا في انتظار الطلبات—فلا أحد كان في مزاج للأكل أو الشرب.
「هيه، ما هو صليب بطرس؟ أهُوَ صليب مصنوع من معدن غامض يُسمى بطرس؟」
「بطرس اسم إنسان يا حمار. كان واحدًا من الحواري الاثني عشر، ويقال إنه أُسنِدَت إليه مفاتيح السماء من الرب. هذه الحكاية ليست المهمة هنا—بل أسطورةٌ مختلفة」
「أسطورة مختلفة؟」 ضغط كاميجو على السؤال.
أجاب تسوتشيميكادو وهو لا يزال متعبًا قليلًا، 「بطرس، هو شخصية كبيرة... يمتلك دُوَل البابا في الفاتيكان. في الواقع، وبصراحة شديدة، قد بُنِيَت دُوَل البابا فوق الأراضي الواسعة حيث يكون رفات بطرس-نيا」
「الفاتيكان... هل تقصد ذلك المكان الذي يقولون دائمًا إنه أصغر دولة في العالم؟」 نظر إليه كاميجو محتارًا.
أزفر ستيل دخان سيجارته غاضبًا، 「اسم دولة الفاتيكان حُدِّد باتفاقية اللاترانو عام 1929. وحتى ذلك الوقت، كان يُطلق على المنطقة اسم دُوَل البابا في روما. وأيضًا، لم تكن صغيرة أصلًا. تغير حجمها كثيرًا عبر التاريخ، لكن في أوج قوتها كانت تغطي سبعة وأربعين ألف كيلومتر مربع في وسط إيطاليا حول روما. وكانت إيطاليا في فترة صراع داخلي، مثل فترة الدول المتحاربة، لذا فَقَدت الفاتيكان أراضيها تدريجيًا مع توحيد الدولة، وهذا كل شيء」
「على أي حال، المشكلة تكمن في كيفية تأسيس دول البابا الرومانية في المقام الأول. وبشكل محدد، ما الذي قامت به الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في البداية في الأراضي الشاسعة التي تضم رفات بطرس」
「ها؟」 تمتم كاميجو بغباء، مفترضًا في ذهنه أن الجميع اجتمع وزرع الأراضي المهجورة.
「لقد بنوا قبرًا—بأن يدفنوا جسد بطرس ويزرعوا صليبًا هناك」
فوجئ كاميجو. هذا يعني أن [صليب بطرس] هو الصليب الموضوع على قبر بطرس. شحب وجهه، لكن تسوتشيميكادو واصل على أي حال.
「وُضِع بطرس ليرتاح هناك، لذا قررت الكنيسة أن تفعل ما بوسعها لإدارة الرفات حتى لا يزعج أحد نومه. يبدو أن الأمر بدأ عندما قدم الإمبراطور قسطنطين وشيّد كنيسة مباشرة فوق مكان نومه، ثم جاء عصر النهضة، وتضخمت الأمور، وأجروا تجديدًا كاملًا. وهنا حصلنا على كاتدرائية القديس بطرس من تصميم مايكل أنجلو. إنها أكبر وأهم كنيسة في العالم—مزار قائم فوق رجل ميت」
توفي بطرس في القرن الأول الميلادي، واكتملت كاتدرائية القديس بطرس في القرن الرابع، وقدم الملك الفرنكي دول البابا الرومانية في القرن الثامن. وعلى الرغم من الفجوات الزمنية الكبيرة بينهم، إلا أن الدافع كان دائمًا موت بطرس ولحظة بناء القبر هناك.
ومع ذلك، حتى مع الشرح، كان من الصعب على كاميجو استيعاب الأمور. 「همم... إذن، هو مبنى لتكريم رجل عظيم، صحيح؟」
「أتساءل-نيا! من ناحية أخرى، يمكن القول إن الكنيسة استخدمت موت القديس لتُعزّز سلطتها عن طريق بناء كنيسة جديدة هناك」
شعر كاميجو أن الأمر لم يكن حماية نوم الأموات بالكامل، ولكنه أيضًا لم يكن تحويل الرفات داخل القبر إلى مقصد سياحي بالكامل. 「هذا... لا أظنني أحب هذا. هل تبالغ الكنيسة الرومانية إلى ذلك الحد؟」
「ها؟ أوه، مثل هذه الأمور تحدث في كل مكان. كان هناك مطرانٌ يُدعى توماس بيكيت في إنجلترا. قامت فئة العائلة المالكة باغتياله في كنيسة معينة في 29 ديسمبر 1170. وكانت تلك الكنيسة كاتدرائية كانتربري—بصورة أساسية، الكنيسة الرئيسية للتطهيرية الإنجليزية」
توقف تسوتشيميكادو للحظة، ثم ابتسم. 「حتى ذلك الحين، كانت كاتدرائيةً في مكان بعيد عن لندن... لكن عندما توفي الرجل ذو الشأن، تمت ترقيتها فورًا لتصبح مقر العمليات. أثار اغتيال الأسقف بيكيت موجة من الاستياء تجاه فئة العائلة المالكة، ونتيجة لذلك، اضطرت الفئة إلى الاعتراف بحق الكنيسة في الاستقلالية. الآن يصفها الناس حتى بأنها مهد البروتستانتية الإنجليزية. المكان الذي مات فيه قديس له تأثيرات ضخمة يا كاميان」
لم يفهم كاميجو الكثير من الأمر، لكن مهما كان الوضع، بدا أن قيمة الكنيسة ترتفع بمجرد ارتباطها بأشخاص مهمين. 「...إذن لم تكن أوريانا تحمل [سيف الطعن]، بل كانت تحمل [الكروتشه-مدري إيش]؟ ذلك أيضا خطير؟ أم أنّ له نوعًا من القيمة، مثل قطعة فنية نادرة أو شيء؟」
「قليل من ذا، وقليل من ذا. وما يجب أن نقلق بشأنه بالطبع هو الأول」 نفخ ستيل الدخان بمرارة. 「تذكر؟ بدأت دول البابا الرومانية عندما وضعوا [كروتشه دي بيترو] في تلك الأراضي الشاسعة—أو لنقل، تلك المساحة الواسعة. والقاعدة تعمل بالعكس أيضًا」
「العكس؟」 سأل كاميجو.
「نعم. أينما يُوضع [كروتشه دي بيترو]، يُصبح المكان تحت سيطرة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بالكامل. مدينة الأكاديمية ليست استثناءً」
「ماذا؟!」 ظل كاميجو مذهولًا.
واصل تسوتشيميكادو بصوت مرير، 「كان هناك اقتباس عن [سيف الطعن] بأنه "سيف قادر على اختراق حتى التنانين وغرزها في الأرض"」
توقف عن التنفس للحظة.
「التنانين هي كائنات عملاقة ذات أجنحة ترتكب مذابح لتحمي كنوزها ومصلحتها. بمعنى آخر، يشير ذلك إلى الملائكة، خدام الإله، والشياطين، أولئك الذين سقطوا إلى الجحيم-نيا. غرز التنانين في الأرض قد يكون تشفيرًا لإعادة تشكيل الأرض كمزار مقدس حتى يأمروا الملائكة بحمايته... أولئك الأوغاد」
شهق كاميجو. ومع كل جواب ازدادت أسئلته أكثر، لكنه لم يجد الكلمات المناسبة. 「انتظر، ماذا؟! ماذا تعني بـ"يأمروا"؟ ما الذي يحاولون فعله هنا بالضبط؟!」
「دولة الفاتيكان بأساسها عبارة عن كنيسة ضخمة يا كاميان. المساحة داخلها غريبة. إنها تشوه توازن الحظ والشؤم بطريقة تجعل أي شيء يحدث يكون دائمًا لصالح الكنيسة الكاثوليكية الرومانية」
شرحٌ كهذا لا يكفي لإفهام كاميجو.
واصل ستيل من أجله، 「عمليًا، أراضي الفاتيكان مليئة بالمانا الموجهة. بها، يجعلون كل شيء يسير لصالح الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. هذا يشبه إلى حدٍّ ما أن تغش في عجلة الروليت في الكازينو باستخدام المغناطيسات. تتجاهل كل احتمالات تحرك الكرة، وتُسقطها في أي رقم تشاء」
حتى مع ذلك، لم يفهم كاميجو. لكنه أدرك أنها تعويذة تجعل الأمور تسير لصالح شخصٍ ما. 「إذن... مثل ذلك الخيميائي؟ في كيف سخّر أفكاره إلى حقيقة؟」
كان هناك رجل يُدعى أوريولُس إزارد. نتيجة لإتقانه الخيمياء، صاغ تعويذة تجعل أي شيء يفكر فيه يتحقق على أرض الواقع. وبسبب ذلك، سمح في النهاية لشكوكه بأن تسحقه، لكن...
「لا، ليست شيئا يفهم الإرادة البشرية مثل [أرس ماغنا]. بل إنه ببساطة يقود الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بالكامل نحو ما سيعود عليها بالنفع، تلقائيًا. ماذا تعتقد سيحدث لو نصبوه في مدينة الأكاديمية؟」
「ماذا سيحدث؟ اءء...」 ستتطور مدينة الأكاديمية بطريقة تكون مفيدة للكنيسة الكاثوليكية الرومانية؟ كانت لديه فكرة غامضة فقط؛ لم يستطع تصور أي شيء ملموس. قرر في الوقت الحالي أن يقول ما خطر في باله. 「يعني... ستجعل الأمور أفضل للكنيسة الرومانية، صحيح؟ إذن إذا جاء تابع للكنيسة إلى مدينة الأكاديمية، سيكون كالملك؟」
「نعم، إذا كان [كروتشه دي بيترو] يفعل ما تزعم الأدبيات عنه، فهذا لا يعني أنّ كل شيء سيحدث سيئًا أو شيء من هذا القبيل. يمكن لتابع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية الذي دخل المدينة أن يستمر في تحقيق مكاسب هائلة في القمار، ولن يخسر أبدًا، وحتى لو فجروا المبنى الذي هو فيه، سينجو بلا خدش. إلى حد غير طبيعي، تفهم؟ وأيضًا...」 لفّ ستيل شفتيه بسخرية، 「[كروتشه دي بيترو] سينقذ أيضًا غير الكاثوليك. إذا استمر تابع الكنيسة في الفوز بالقمار، سيخسر الآخرون، صحيح؟ لكن [كروتشه دي بيترو] يخلق وضعًا يجعل خسارتهم أمرًا حسنا. نفس والشيء مع القنبلة. حتى لو دُمّر المبنى، لن يُصاب أحد بأذى قاتل. ستخلق وضعًا سعيدًا حيث يكون الجميع سعداء لأن لا أحد تأذى」
「؟؟؟」 نظر كاميجو إليه باستغراب. إذا كان كل ما قاله ستيل صحيحًا، إذن... 「لكن ألا يعني ذلك أن الجميع سيكون سعيدًا؟ هل في هذا مشكلة؟」
「نعم—بل مصيبة،」 تفوه بغضب. 「اسمع. لو لم يُنصب [كروتشه دي بيترو] من البداية، لما خسر الناس في ذلك القمار، ولا فُجّرت قنبلة تستهدف تابع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. قد يبدو للوهلة الأولى أنه يجعل الجميع سعداء، لكن الصليب يضع عبئًا واضحًا على كل ما حوله. وبطرق قد لا تكون مرئية أيضًا」
استلقى تسوتشيميكادو بجسده العلوي على الطاولة من شدة الإرهاق، وأكمل كلامه. 「هذا النوع من تبادل السعادة يظهر كثيرًا حتى في تاريخ الصليبية-نيا. خذ مثال القديس مارتن. لَهُ قصة مضحكة. في إحدى المرات حاول تدمير معبد هرطقة قديم واقتلاع شجرته المقدسة-نيا. الفلاحون الهراطقة لم يريدوا أن يكونوا جزءًا من الصليبية القديمة الغبية، فكان آخر فعل مقاومة لهم أن قالوا: إذا كان الرب يحميك حقّا، فلسوف نقطع هذه الشجرة المقدسة لتسقط عليك. فإن كانَ يَحميك، لستَ بميّت」
لطالما كان تسوتشيميكادو يتصرف بسخافة مبالغ فيها وسطحية، لذا سماع كاميجو له يتحدث بهذه السهولة عن هذه الأساطير الصليبية كأنه اكتشف جانبًا آخر منه.
「قَبِلَ القديس مارتن، ثم صنع علامة الصليب أثناء سقوط الشجرة المقدسة. ثم، طووهخ، كان العجب. فجأةً غيرت الشجرة المقدسة مسار سقوطها في الاتجاه المعاكس، نحو الفلاحين الهراطقة وبالكاد أصابتهم. تأثر الفلاحون—كانت حقًا معجزة من ربّه!—ودخلوا في الصليبية... لكن ألا يبدو ذلك غريبًا-نيا؟ لأنّ القديس مارتن هو الذي استخدم قوةً غريبة لإسقاط الشجرة المقدسة نحوهم بدلًا من الاتجاه الآخر. أرى أنه كان يمكنه أن يختار مكانا أكثر أمانًا لسقوطها، ولماذا اضطر أن يقطع شجرة مقدسة من الأساس-نيا؟ فهي مهمة نوعًا ما، لا؟ ولماذا شكروه...؟」
「في تلك اللحظة، سقطت الشجرة المقدسة في الاتجاه المعاكس، لكنها لم تقتل أحدًا منهم. هذه كانت الكرامة التي أراها لهم الرب، والفلاحون مُنِحُوا فرصة الاعتناق أصبحوا جميعًا سعداء. لكن، سواء كان ذلك خيرًا أم شرّا، فقد تم محو تاريخهم وعاداتهم وثقافتهم الذهنية」
لم يظن كاميجو أن هذا صحيح. بدا له أن السعادة تُمنح قسرًا، دون أن تأتي من شيء فعلي—كانوا مجبرين على أن يكونوا سعداء مهما حدث.
رفع تسوتشيميكادو وجهه عن الطاولة. 「هذه الطريقة فعالة أيضًا وفق علم النفس-نيا. أولًا، تضع طلب أ، مستحيل التحقيق. بعد أن يتوسلوا ويقولوا إنهم لا يستطيعون ذلك، تضع طلب ب، وهو هدفك الأصلي. من المرجح جدًا أن يستجيب الناس للطلب ب بعد ذلك أكثر من لو قدمته من البداية. مثل: ها، بالمقارنة مع أ، ب سهل جدًا! جميل، ها؟ هذه عملية محددة توازن بين شرّ وآخر، مخفضة القيمة النسبية للسعادة」
واصل ستيل، والسيجارة بين شفتيه تهتز أثناء حديثه. 「[كروتشه دي بيترو] يستخدم هذه التأثيرات النفسية في أساطيره. مهما حدث، ينتهي به المطاف لصالح الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. حتى الأشخاص القريبون، الذين تعرضوا لمطالب غير عادلة جراء هذه العملية، يقبلونها لسبب ما... ما أريحه من ملاذ للكنيسة」
تثبّت كلام الساحرين ببطء في ذهن كاميجو. كان كل شيء أكبر بكثير منه، لكن مع قليل من الوقت، بدأ يفهم أخيرًا. 「تمهل يا ستيل. ما الذي يحاولون فعله بالضبط مع هذه الصفقة برمتها لكروتشه دي بيترو؟」
「إذا قسمنا العالم إلى نصفين، سيكون لدينا فصيل علمي وفصيل سحري. حاليًا، التوازن نصف ونصف بالتمام」 أجاب ببساطة. 「لكن مدينة الأكاديمية هي القائدة في الجانب العلمي، صحيح؟ إذا خضعت المدينة بأكملها لرعاية الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، فماذا تعتقد سيحدث لتوازن العالم؟」
「أوه!」 فهم كاميجو. الجانب العلمي يسيطر بالفعل على نصف قوة العالم. إذا سيطر جانب من السحر على المدينة، سيحصل الجانب السحري على قوة الجانب العلمي، بالإضافة لما يمتلكه بالفعل. هذا يعادل أكثر من 50٪ من قوة العالم. بعد ذلك، كل ما يحتاجونه هو قرار أغلبية للقيام بما يريدون بالعالم.
والأهم... إذا كانت تلك المنظمة هي الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، أكبر طائفة في الصليبية...
「لو هوجمتَ من جانبي العلم والسحر معًا، فلا يسع أي منظمة أو جهة تنتمي إلى أحدهما أي فرصة للصمود. سيكون الأمر كتلقي لكمة في الصدر وأخرى في الظهر في الوقت نفسه. سيتجمع ميزان القوة في العالم بأسره داخل الكنيسة الكاثوليكية الرومانية」
ولا داعي للكنيسة الكاثوليكية الرومانية أن تفكر في الكيفية التي ستخضع بها مدينة الأكاديمية لسيطرتها. فبمجرد أن يُغرس [كروتشه دي بيترو] في المدينة، ستبدأ المدينة نفسها بالتحرك بما يخدم مصلحة الكنيسة.
ولكن ماذا سيحدث تحديدًا؟ هل سيذهب مجلس إدارة مدينة الأكاديمية إليهم فجأة طالبًا أن يوضع تحت حمايتهم؟ أم ستقع المنطقة في أزمة اقتصادية فتخضع للحكم الكاثوليكي الروماني عبر الرعاية؟ أم ستُسوى المدينة بأكملها بالأرض، وتتولى الكنيسة—بدلًا من حكومة اليابان—إعادة إعمارها؟
لم يكن يعلم ما الذي سيحدث، لكن أيًّا كان، سيكون دائمًا في صالح الكنيسة الرومانية. وفي الوقت نفسه، لن يشك أحد في مدينة الأكاديمية في نتيجة ما حدث. مهما كان الطلب جائرًا، ومهما كان العبء المفروض عليهم سخيفًا.
سيصنعون عالمًا لا يختبر فيه الجميع سوى السعادة.
「إذن، تلك الصفقة التي تكلمت عنها أوريانا...」
「نعم. ليست صفقة تبادل [أسلحة روحية] مثل [سيف الطعن] أو [كروتشه دي بيترو]. إنها صفقة للسيطرة على مدينة الأكاديمية والعالم—لأنهما سيُخضعان بسهولة لهيمنة الكنيسة」
أخذ ستيل ماغنوس نفسًا عميقًا. وتوهج الضوء البرتقالي في طرف سيجارته حين سحب الهواء إلى صدره. 「المهرّبة، أوريانا تومسن، والمرسِلة، لِدُفيا لورنزتّي. لا عجب أننا لم نعثر على الطرف الآخر من الصفقة—فهي لم تكن تتضمن أحدًا سواهما. كل تلك الأحاديث عن الاشتباه في الكنيسة الأرثذكسية الروسية كانت محض هراء. لم تكن سوى رسالة ترسلها الكنيسة الكاثوليكية الرومانية إلى نفسها」
توقف لحظة قصيرة، ثم قال؛
「سوف نوقف الصفقة. إن فشلنا، فسيواجه العالم وضعًا أسوأ حتى مما لو كان قد دُمّر」
هزّ كاميجو توما وتسوتشيميكادو موتوهارو رأسيهما موافقين.
لم يكن كاميجو يعرف مقدار ما يمكنهم فعله بثلاثتهم فقط. ولم يكن هناك ما يثبت أنهم قادرون حتى على الانتصار على أوريانا تومسن ولِدُفيا لورينزتّي التي تدعمها.
ومع ذلك...
إذا كانوا سيدفعون بكل شيء على كاهل سكان مدينة الأكاديمية من أجل مصلحتهم... وإذا كانوا واقعين تحت وهم أن كنيستهم الكاثوليكية الرومانية تستطيع السيطرة على العالم...
—فعليه أن يحطم ذلك الوهم بيمينه.
- الجزء 4
كاميجو تويا وشينا يسيران في المدينة.
الوقت قد تجاوز الواحدة بعد الظهر. ووفقًا للجدول المدرج في الكتيّب السميك فإن استراحة الغداء كانت قد بدأت منذ زمن. ومع ذلك، بدا أن بعض الأماكن لا تزال تشهد فعاليات قائمة حتى الآن. وكان هذا التداخل في ترتيب البرامج أحد الجوانب الذي جعل مهرجان دايهَسي شبيهًا بالمهرجانات الرياضية الكبرى. الفعاليات الدولية كالأولمبياد أو كأس العالم تأخذ جداول زمنية أكثر صرامة بكثير.
رفع تويا كُمّي قميصه، ثم شدّ بخفة على قميصه الرسمي البالي ليفرد تجاعيده وقال؛ 「حسنًا إذن. تأخرنا قليلًا، لكن لنذهب ونحجز مكانًا للغداء يا حبيبتي」
「يآه، نعم」 عدّلت شينا قبعتها الأنيقة ذات الحافة العريضة. 「...أشعر وكأنني لم أرَ توما منذ فترة. هل كان حقًا يشارك في تلك المسابقة؟」
「مع هذا العدد الهائل من الناس في كل مسابقة، لا بد أن تكون هناك أوقات نُضيّعه فيها. فلنسأله عن بطولاته عندما نلتقيه. والمهم، هيّا هيّا نبحث عن مقعد!」
لم يكن تويا يبحث عن مكان ليتغدى لأنه جائع على وجه الخصوص. فأحد الأمور التي تميّز مهرجان دايهَسي عن المهرجانات الرياضية المدرسية العادية هو مفهوم حجز المقاعد. على عكس المهرجانات المعتادة، كانت المنافسات تنتقل من ملعب إلى آخر، ولا يمكنك الجلوس في مقعد واحد حتى نهاية اليوم. وبما أن الأطفال يشاركون في عدة مسابقات، كان على أولياء الأمور أن يحجزوا أماكنهم تباعًا من موقع إلى آخر.
وبالطبع، لم يكن الغداء استثناءً من ذلك. فبعد انتهاء كل فعالية، يُطلب من الرياضيين والمتفرجين مغادرة الملعب، مما يجعلهم مضطرين إلى تأمين أماكن لأكل الطعام. وكانت مدينة الأكاديمية تضم 2.3 مليون نسمة، ويضاف إليهم المتفرجون القادمون من الخارج. ومن اعتاد ازدحام مقصف مدرسي عادي يمكنه بسهولة تخيّل ما سيحدث عندما يندفع هذا العدد الهائل من الناس جميعًا للبحث عن الطعام في الوقت نفسه.
تمايل شعر تويا الممشط إلى الخلف وهو ينظر حوله.
「مع أن استراحة الغداء كان من المفترض أن تبدأ عند الظهر، لكن المسابقة استغرقت وقتًا أطول من اللازم، فتأخر خروجنا. أشعر أننا تأخرنا قليلًا عن معارك حجز المقاعد」
「ياه ياه. لقد جلبنا طعامنا معنا، فلا أظننا نحتاج أن نبحث كثيرًا عن مكان」 قالت شينا بلطف، وهي تنظر إلى السلة المصنوعة من القش المتدلية من ذراعها.
عبس تويا. 「حبيبتي، لا تقلّلي من شأن نفسك. لقد أعددتِ لنا علب البينتو هذه، لذا يجب أن نجد المكان الذي سيكون طعمها فيه ألذ ما يكون. سيسعد توما بذلك، وكذلك أنا. وآمل أن تجدي في قلبك متسعًا لتكوني سعيدة أنتِ أيضًا」
「ياه ياه، تويا...」 ابتسمت شينا ابتسامة مشرقة ووضعت يدها على خدها.
فكّ تويا ربطة عنقه بيد، وأدار عنقه على عجل باحثًا عن مكان مناسب. لم يلاحظ ابتسامتها.
「...همم. كأن جميع المتاجر والمقاعد من حولنا محجوزة. لنبحث في مكان أبعد قليلًا، لكن أخاف عندها أن يصعب علينا إخبار توما أين— هممم؟」
توقف تويا فجأة عن ثرثرته بعدما لمح شخصًا يعرفه وسط الزحام.
كانت تلك المرأة في سنّ الجامعة التي التقيا بها قبل حفل الافتتاح. وكانت الآن تسير مع فتاة أخرى تبدو في سنّ المرحلة الإعدادية. ترتدي إتب وشورت الأساسيين لزي ألعاب القوى، وكان شعرها البني يصل إلى كتفيها. تذكّر تويا أن اسمها كان ميكوتو. وكانتا تتحدثان بصوت مرتفع؛ لا بد أنهما شقيقتان مقربتان.
「أووي ميكوتووو! زعلانة أن بابا ما جاء؟ حتى أنا بذلت جهدًا كبير في الجامعة ليوافقوا على إجازتي، فاعذريه!」
「...لا يهمني. المهم، هو في لندن بسبب العمل، صح؟ كان سيكون أسوأ بكثير لو أجهد نفسه وجاء بوجه شاحب」
「أجل، صحيح! أراهن أن بابا سيسعد كثيرًا لو سَمِعَكِ تتحدثين بهذا القدر من الخيبة. لكن يا ميكوتو، أتعلمين، ربما كان من الأفضل أصلًا ألا يأتي!」
「؟؟؟ لماذا؟」
「لأن في قلبك فتى تحبينه، هييه؟ لو سمع بابا ذلك، لكانت ردة فعله لا تُقدَّر بثمن!」
「بفف؟!」 شهقت بنت الإعدادية فجأة، ثم احمرّ وجهها بشدة، وبذلت جهدًا كبيرًا لترفع رأسها وتنظر إلى طالبة الجامعة التي كانت أطول منها برأس كامل.
「م-م-م-ماذا تقولين الآن أنتِ؟!」
「هاه؟ هل كنتُ مخطئة؟ يعني أنكِ لا تواجهين صعوبة في النوم ليلًا من كثرة تفكيرك في ذلك الفتى ذي الشعر الأسود الأشوك، ثم تجدين نفسك تحتضنين الوسادة دون أن تشعري؟」
「ك-كلا، البتة لا! كيف وصلتِ إلى هذا الاستنتاج؟! وهيه، كيف عرفتِ عن ذلك الغبي أساسًا؟!」
「آه، الآن زاد فضولي! يبدو أنك قريبة منه جدًا حتى تُسمينه غبي! هيه هيه قولي، ما بال لعبة العقاب؟! أترين؟ من حسن حظ أن بابا لم يأتِ! هيّا، أفصحي، ميكوتو」
「لعبة العقاب... من أخبرك بذلك؟! كُفّي عنكِ هذا التمايل وأجيبي على الأقل؟!」
وبينما رأى تويا الشرارات الزرقاء الفاتحة تتطاير من خصلات شعرها وكتفيها، شعر مرة أخرى بالإعجاب بمدينة الأكاديمية. لم يكن يوليه اهتمامًا كبيرًا من قبل، لأن ابنه توما كان من المستوى الصفري، لكن هذه المدينة كانت مليئة بالأسابر ذوي القدرات الخارقة، كما في الأفلام والمانجا.
「اسمعي يا ميكوتو، الليلة سيأتي موكب بعد انتهاء الفعاليات! ما رأيك؟ أو ربما ستقيمين عرضًا ضوئيًا صغيرًا بهجماتك الكهربائية، فقط لكما وحدكما؟!」
「بفف؟! أ-أنتِ فضيحة، تدرين؟! وب-ب-بالمناسبة، أي موكب ليلي؟ ما دخلي...؟」
بالنسبة لهما، كانت القدرات الخارقة أمرًا مألوفًا. لم يكونوا مندهشين من كل شيء صغير. وكان تويا يعلم أن هذا الجوّ نوع من الأجواء التي لا يحصل عليها إلا من مدينة الأكاديمية.
ثم، بينما كان واقفًا هناك مذهولًا، لاحظت الفتاتان—الجامعة والإعدادية—وجوده. أضاء وجه الطالبة الجامعية فرحًا.
「آه! شكرًا جزيلًا لك على أول اليوم! عثرت على ميكوتو بفضلك...」
على عكسها، عبست الطالبة الإعدادية.
「...انتظري، من هؤلاء؟ مزيد من زملاء العمل؟」
「هيهي! إنهما أبَوَي الفتى الذي تحبينه. هيّا، ميكوتو، سلمي سلمي!!」
「اخرسي! اصمتي! قلت لكِ إنه ليس كذلك!!」 صاحت الفتاة الإعدادية وكأنها على وشك أن تعض.
تجاهلت الطالبة الجامعية ذلك تمامًا.
「بالمناسبة، تغديتم؟ إذا لا، حياكم معنا؟ كنا الآن نذهب إلى مقهى صغير، لكن يبدو أنه مسموح الأكلات الخارجية. ممتاز ها ميكوتو؟」
فكر تويا في الاقتراح. جلب طعامهم إلى مقهى... لم يكن شيء يمكن لأحد لومهم عليه، نظرًا لضيق المساحة في المهرجان. وبالطبع، سيكون طعام شينا ألذ بكثير إذا أكلوه في جو هادئ مع عدد أكبر من الناس. وفي أي حال، سيكون أفضل للمرأة الرقيقة ألا تضطر إلى المشي مسافة طويلة على الأسفلت الحار.
「بلى ممتاز. ونحن ننتظر ولدنا قادم، لا مانع؟」
「أحلى وأحلى! بل بصراحة، هذا المثالي! صح يا ميكوتو؟」
رفعت الفتاة الإعدادية رأسها إلى الطالبة الجامعية بصمت وغضب، وكانت الشرارات الزرقاء الفاتحة تتطاير من جسدها. يا لها من فتاة فريدة، كما فكر تويا وهو يهز رأسه. ثم عاد ليواجه شينا.
「إذا كنتِ موافقة على ذلك، حبيبتي— لماذا تبدين بهذه الصورة...؟」
بدت شينا مجمدةً بابتسامة؛ بل كأن وجهها طُبع على ورقة نقدية بقيمة ألف أو خمسة آلاف ين. أخذ تويا خطوة إلى الوراء. ثم تحدثت، بصوت واضح لكن دون أن تتحرك شفاهها؛
「هكذا أنت دائمًا يا تويا. ماذا تريد أن أفعل؟ هل أرمي سلة الطعام هذه كلها عليك؟ ياه. ياه، ياه، يآاه. يا لفظاعتك. لم يجربها توما-سان بعد، والآن سيتعين عليه أن يكمل يومه دون غداء」
「لماذا أنت غاضبة؟!」 صرخ تويا، مبتعدًا على الفور. لم يستطع التأكد مما إذا كانت كلمات شينا مزحة. فهي نبيلة—وعندما تتشاجر معه، كانت ترمي أي شيء قريب منها، سواء كان صحنًا زجاجيًا أو مشغل أقراص DVD. لهذا ابتعد تويا.
لكن ذلك انتهى بالكارثة، إذ اصطدم به شخص آخر من الخلف.
「وي!! اعذرني!!」
استدار على الفور ووضع رأسه خاشعًا معتذرا. أول ما رآه كان كعبا ضخما يسع العالم بأسره. كانتا قريبتين جدًا لدرجة أن انحناءه اعتُبر وكأنه يبحلق فيها.
قفز تويا بسرعة مضاعفة.
「آ-آعتذر، أعتذر أشد الاعتذار! آاااهـ... وفي الوقت نفسه، زوجتي تصوب لي شعاع ليزر من ظهرها...!!」
وربما كان الوضع فوضويًا تمامًا خلفه، لكنه لم يجرؤ على التحقق. بدلًا من ذلك، التقى بعيني الفتاة مرة أخرى.
「لا، لا لا أبدًا. هل تأذيت؟ أعتذر. أنا لست معتادة على الحشود」
امرأةٌ—ذات شعر أشقر طويل مربوط بطريقة معقدة وغير منتظمة.
امرأة—ببشرة فاتحة وعينان زرقاوان غربيّتان.
امرأةٌ—بجسمٍ متناسق يمتلئ فتنةً.
سمع رنينًا معدنيًا خفيفًا. خاتمٌ معدني رقيق على إصبعها الطويل، يبلغ قطره حوالي سنتيمترين. عليه مجموعة من الأوراق السميكة المستطيلة بحجم علبة علكة، مثقوبة ومعلقة في الخاتم. كان خاتمًا من نوع البطاقات التعليمية للحفظ، فلاش كارد.
لعبت بها وكأنها مفاتيح.
「هذه الآنسة هنا لا تمانع البتة، فلا عليك— آه، أرى أنني الأصغر هنا، هِه؟ على أي حال، وداعًا」 قالت ذلك بسرعة، مستديرة ظهرها نحو تويا.
سارت في الزحام عفويًا ثم اختفت في النهاية. لم يلاحظ أحد مظهرها البراق أو جمالها الأخاذ.
نظر تويا خلفها لوهلة.
「ياه. ياه، ياه، ياه. تويا؟ كيف أوقظك من هذا؟ أتساءل إذا كنتَ ضعيفًا أمام الأقفال. يآاه، لا يجوز. ماذا علي أن أفعل؟ علّي أحولك بالخطأ إلى إحدى نجوم السماء هذه الليلة؟」
「لا... لا، حبيبتي، أنت مخطئة، لم أكن منبهرًا بوجهها أو صدرها أو وركيها أو ساقيها أو أي شيء، وما أعنيه هو، يعني، أنا آسف على كل شيء!!」
راقبت ميكوتو تويا وهو يقطع اعتذاراته نصف الطريق وهمست لنفسها؛ 「...هئ، من شابه أباه فما ظلم」
لكنهم مع ذلك لم يكونوا مدركين.
لم يكونوا مدركين لما كان يحدث ببطء في مدينة الأكاديمية.
لم يكونوا مدركين لوجود فتى يألفوه يجري محاولًا إيقافه.
لم يكونوا مدركين...
...لخطرٍ تَوَقّف على بعد أربعة مليمترات فقط من أنف تويا.
لم يعد هناك أي شخص آمن في هذه المدينة. الجميع محاط بالخطر مع تصاعد مهرجان دايهَسي أكثر فأكثر...
...بطريقتيه العلمية والسحرية على حد سواء.

اختر اسم وأكتب شيء جميل :)