-->

الفصل الأول: العقل السليم في الجسم السليم، أو شي زي كذا.

(إعدادات القراءة)

انتقال بين الأجزاء

  • الجزء 1

18 سبتمبر.

الوقت لا يزال صباحًا والشمس مشرقة.

فريندا سَيْفِلُن تتصفح منصات التواصل الاجتماعي على جوّالها بينما تنتظر لقاء أختها الصغرى بنتُ الصف الأول الابتدائي.

دندنت الشقراء ذات الشعر المنفوش بسعادة واتكأت على عمودٍ زخرفي في محطة القطار.

「هم، هم همم♪」

حَرُّ الصيف قد انحسر، وتلألأت السماء زُرقةً، وتحوّلت المدينة أسفلها إلى زمانٍ ومكانٍ بديلين يخصّان حدثًا معيّنًا. ولقد زُيِّنَت منطقة التسوّق ومحيط محطة القطار بالأعلام الوطنية المعلّقة كما تُعلّق أضواء عيد الميلاد في ديسمبر، وكانت الألعاب النارية تنطلق في السماء مُحدِثةً فرقعاتٍ خلابة. ونُصبت أكشاك الطعام والعربات في كل مساحةٍ متاحة، حتى إن رائحة الصلصات والمايونيز وصلت أنف فريندا من بعيد. ومع هذا العدد الكبير من الزائرين القادمين من خارج المدينة، بلغت الكثافة السكانية مستوى غير معتاد. فإذا كان 80% من أصل 2.3 مليون نسمة من الطلاب، وكان لكل واحدٍ منهم آباءٌ وإخوةٌ وأخوات حاضرون هنا، فكم سيبلغ العدد حينئذ؟ ...لعل الجواب الصحيح هو: "لا أريد حتى أن أفكّر في الأمر"

وَلِنَقل كل هؤلاء الناس بكفاءة، أُرسلت أساطيل من الحافلات ذاتية القيادة إلى الشوارع. صحيحٌ أنه كان لا بد من الانتباه، إذ إن بعض الطرق العادية قد تُغلق بسبب الفعاليات الرياضية، لكن تلك المضايقات الطفيفة كانت تتضاءل أمام الأجواء الاحتفالية الطاغية.

لم تكن فريندا مهتمة بالفعاليات لذاتها.

بل كانت تفكر في عائلتها فحسب.

(يا له من أمرٍ ممتع. لا أصدق أنني أتطلع إلى لقاءٍ كهذا. أهذه حقًا مدينة الأكاديمية؟ من الصعب تصديق أن هذا هو المكان الخطر نفسه الذي يُنتج فيه قاتلٌ متسلسل وشركةٌ فاسدة بكل هذا الانسجام).

قد يبدو هذا الكلام في غير موضعه وهو صادر من مفجِّرةٍ من عالم الظلام، لكن البشر اعتادوا أن يصنعوا لأنفسهم استثناءات.

「أونيه-تشان」

عند سماع ذلك، رفعت فريندا نظرها عن الجَوّال.

طفلةٌ تنادي.

طفلةٌ في السابعة، تضع عصابة رأسٍ حمراء وترتدي بلومر، اتخذت وضعيةً واثقةً ويداها على خاصرتيها وابتسامةٌ تعلو وجهها. نعم، طفلةٌ في السابعة ترتدي سروال رياضي قصير، بلومر.

「ما رأيكِ أونيه-تشان؟! هذا زيّ مهرجان الدايهَسي! أوّل شيء، سأكسب المركز الأول بهذا. روعة!! صح صح؟!」

「روعة إلى أقصى حد! تحاولين قتلي يا أخيّتي؟! كياه، في النهاية، كياه، كياه!!」

「أول شيء، هذه ليست ردة الفعل التي كنت أتوقعها」

  • الجزء 2

في الوقت الحاضر، كنا في 19 من سبتمبر. أي بعد يومٍ كامل. وقد اجتمع الآيتم صباح ذلك اليوم في دار السينما، لكن ثلاثةً فقط منهم حاضرين.

لم يحدث شيء في اليوم الأول من مهرجان الدايهَسي. كان الجانب المظلم في حالة ترقّبٍ شديد أثناء حفل الافتتاح، لكن وعلى خلاف جميع التوقعات، ظل الحدث سلميًا.

وما وقع أوّل تحرّك إلا في اليوم الثاني.

فجأة، عرضت الشاشة الكبيرة لقطاتٍ مروّعة. امرأةٌ مشنوقة تتأرجح أسفل جسرٍ علوي. كانت الجثة لامرأةٍ بالغة، لا طالبة، وملابسها توحي بأنها من العُلماء.

جاء صوت الهاتف باللا مبالاة كالعادة يتّسم، على شاشةٍ تظهر فيها Voice Only.

『عُثر عليها قبل ثلاث ساعات. في الجثة بعض الجوانب غير الطبيعية، فلذلك طُلب من أحد العاملين في كواليس المدينة أن يتولى التحقيق، بشكلٍ منفصل عن الخيار المعتاد الأنتي-سكِل』

「تقولين ماتت مشنوقة. ما هو انتحار حيل عادي يُعتبر؟」

『دائمًا هكذا أنتِ. ماذا لو أخبرتك أنها حُقنت مسبقًا بمنبّه ألمٍ قائم على التريبتوفان؟ الموضوع نكتة. لأنّ جُرعةً تعادل 350 ضعف المستوى الطبيعي تعني الإحساس بألمٍ لا تشعر به عادةً حتى لو شققتَ نفسك نصفين بمنشارٍ آلي☆』

إذن فقد أُجبرت على تناول كميةٍ هائلة من مادةٍ مسبِّبة للألم؟

ورغم أن الانتحار فعلٌ خاطئ، فإنه يتطلب قدرًا كبيرًا من الشجاعة، ولذلك يفشل كثيرون في المضيّ فيه خوفًا من الألم. فهُوَ منطقيٌّ أن يتناول المرء شيئًا يثبّط الألم، لكن الإقدام على الانتحار بعد تضخيم الإحساس بالألم لهُوَ العَجَبُ بعينه.

「موغينو، في غير هذا غرابة أيضًا. لقد ماتت اختناقًا من ضغطٍ وقعَ على قصبتها الهوائية. كما أن أظافر يديها كلتيهما مكسورة، ما يعني أنها لم تمت فورًا. كأنها كانت تقاوم الحبل حول عنقها فترةً طويلة」

「هاه؟ لقد شُنقت، فلا غريب أن تموت من ضغطٍ على عنقها」

「الموت شنقًا قد يحدث أيضًا من كسرٍ في الرقبة أو انضغاط الشرايين السباتية. وإنْ كانَ طولُ الحبلِ غير مناسب، فقد يكتسب الجسدُ زخمًا مفرطًا يؤدي إلى قطع الرأس. في الواقع، من النادر جدًا أن يقتصر الأمر على قطع النَفَس فقط، ما يُجبر الضحية إلى المعاناة مدةً طويلة」

「مم؟ بس في الأفلام، أراهم يتخبطون مدة طويلة طويلة بعد ما يسقط الكرسي بقوة من تحتهم」

「الحبال المستخدمة في التصوير تُصمَّم بحيث لا تضع أي وزنٍ على الرقبة」

قالت تاكيتسوبو ذلك.

وهو البديهي ما قالت، لأن تطبيق الأمر على نحوٍ حقيقي سيؤدي إلى مقتل الممثل.

「الخلاصة أن هناك طرقًا مختلفة للموت شنقًا. فأن لا تُكسر الرقبة ويعاني "المُنتَحِر" كل هذا الوقت، هذا نمطٌ غير معتاد」

『أراكِ في قمة تركيزك اليوم يا بنت البدلة الرياضية. على الأرجح، صُمِّم هذا عمدًا ليُترك لها مجالٌ للنضال حتى اللحظة الأخيرة. دائمًا هم هكذا، أولئك الناس』

وفوق ذلك فقد جرى تضخيم هذه المعاناة الانتحارية الطويلة وغير الطبيعية بمقدار 350 ضعفًا بواسطة منبّه ألمٍ مصنوع من التريبتوفان. شذوذٌ فوق شذوذ.

نعم، مثل هذه القسوة تبدو إلى حدٍّ كبير من الطباع المألوفة في الجانب المظلم.

أمالت فتاة البدلة الرياضية تاكيتسوبو رأسها متسائلة،

「إذن، عومل الأمر رسميًا أنه انتحارٌ عادي، لكنه في الحقيقة عقوبةٌ طقسية قائمة على قواعد معقدة؟」

『إن التريبتوفان بحدّ ذاته حمضٌ أمينيٌّ ضروري للحفاظ على الصحة. لذلك فإن العثور عليه في جسم الإنسان لن يثير أي إشارات إنذار، صح؟ وهكذا يمرّ الأمر بدقةٍ متناهية: لا ينتشر الخبر بين عامة الناس، لكن الظلام سيلتفت إليه ويرتجف خوفًا』

هذا ما أثار فضولهم بشأن الضحية، ولماذا قُتلت بهذه الطريقة المُعَقّدة. فهذه، في آخر الأمر، كانت عقوبةً كان لا بد من إبقائها طيّ الكتمان. وهو سوء حظٍّ يفوق بكثير من أن تغضب سِكّيرًا فيقتلك ضربًا مبرحًا.

وطبعًا، كان لها ملفٌّ خاص.

يبدو أنه استُخرج من [البنك] أو ما يشبهه إذْ لم يكن يتضمن سوى سجلّها الرسمي.

تصفّحت موغينو الملف بسرعة.

「ماتسوبا سارينا، العمر 29. تُقيم في الحي الثالث وتعمل صيدلانية، لكنها حاليًا متطوعة مُشرفة على فحوصات المنشطات في مهرجان الدايهَسي؟」

『حتى لو عاشت حياةً نظيفة وسارت في كل شيء وفق الأصول، فإن هذا المنصب وحده كفيل بأن يصنع لها أعداء في المدارس النخبوية، فما رأيك؟ فحوصات المنشطات الرسمية في المهرجان شديدة الحساسية. لا أحد يرغب في أن يقضي عامًا كاملًا في تدريب رياضي، ثم يُستَبعَد بسبب دواء زكام أو غسول فم أعطى نتيجة إيجابية خاطئة』

كان عامة الناس يرون مهرجان دايهَسي مجرد مهرجانٍ رياضيٍّ ضخم، لكن المدارس النخبوية كانت تنظر إليه على نحوٍ مختلف. فبالنسبة لهم، هو أشبه بمعرضٍ للمهارات التقنية حيث تتنافس نتائج نظرياتهم في تطوير الأسابر ليُثبتوا من هو الأفضل. وكانت النتائج تؤثر تأثيرًا بالغًا في عدد طلبات الالتحاق التي تتلقاها المدرسة، وقد تُحسم ما إذا كانت ستحصل على مبالغ طائلة من تمويل الأبحاث من كبار مسؤولي المدينة.

وبالتحديد، التقييمات تُحسب بمليارات الينات سنويًا. وكان هذا المبلغ يُمنح كل عام ما دامت مرتبة المدرسة في التصنيف لم تتغير تغيّرًا جذريًا. وهو مالٌ كافٍ تمامًا لأن يُقتل من أجله. فحتى المدرسة المرموقة التي تحصد المركز الأول كل عام، ستُعدّ في المرتبة الأخيرة إذا استُبعِدت في المهرجان. وذلك يعني كارثةً حقّا على صعيد التمويل.

لكن لِمُوغينو سؤال.

「هاه. أتتوقعين مني أن أصدق أن متغطرسات توكيواداي من المعلمات أو ناغاتينجوكِي أو غيرها من المدارس الفاخرة سيبذلون الجهد لتنفيذ عقوبةٍ طقسية كهذه؟」

『إذا لم يرغبوا في تلويث أيديهم، فأراهم يلجؤون إلى وسيطٍ أو يستأجرون قاتلا مثلكِ يؤدي العمل. دائمًا ما يفعلون』

ذلك أيضًا احتمال.

وفوق ذلك، لا ضامن يضمن أن مدرسةً نخبوية هي من تقف خلف الأمر. فقد يكون شخصا آخر استفاد من عملية القتل على نحوٍ ما.

『على أي حال، أطلب منكم أن تتخلوا عن كل تصوراتكم المسبقة، واجمعوا ما استطعتُم من معلومات، واستنتجوا هوية القاتل بموضوعية. وبما أن مهرجان دايهَسي يقام هذا الأسبوع، فاحذروا الصحفيين القادمين من خارج المدينة المندسين وسط كل ذاك العدد من الضيوف. سيصعب علينا تتعبهم جميع』

「إيه، إيه」

『وبالمناسبة، أين رفيقتكم؟ المفجِّرة. تلك العالِمة الصغيرة لديها معرفةٌ واسعة بالكيمياء، ويمكنها أن تؤدي دور محققةٍ جنائية. فكرت أنكِ ستُحبين وجودها في هذه القضية. فدائمًا أنتِ هكذا』

  • الجزء 3

「يا ليل」

كانت العاشرة صباحًا لمّا زفرت فريندا زفرةً ثقيلة.

كانت على هذه الحال منذ غادرت العالم المسالم وانضمّت إلى الآخرين في الظلال.

ولَمْ تفعل في هذا الصباح المشمس سوى التذمّر.

「في النهاية، أهذا كل ما عندكم من أدلة؟! ما دمتم تعلمون أننا على الأرجح لن نعثر على شيء، فلِمَ استدعيتموني أصلًا؟! إف، سباق الخمسين مترًا لأختي سيبدأ الآن!」

مهما تذمّرت، فالعمل عمل.

لم تمضِ سوى ثلاث ساعات على اكتشاف الجثة، لكن الشريط الأصفر كان قد أُزيل.

هل كان ذلك لأن القضية عوملت على أنها انتحار لا شبهة جنائية فيه؟

「بالمناسبة، ألا تشاركين يا موغينو؟ أنتِ من المستوى 5، مَن غيرك يُمثّل المدرسة. في النهاية، يُفترض عليكِ أن تلبسي البلومر وتَعصُبي الرأس وتمسكي العصا وتنطلقي بأقصى ما لديكِ من قوة!」

بفففف!! انطلق هذا الصوت باندفاعة نيتروجين كادت تكسر لوحة الزقاق.

حدّقت موغينو بغيظ نحو كينوهاتا التي حرصت على أن تكون نظرتها إلى صوبٍ آخر.

「لا أحب المظاهر الرياضية الرسمية بسبب وجود حمقى مثلها」

لم تردّ فريندا على ذلك التعليق الخافت القاتم.

لكنها تحدثت وهي جاثية على الأرض، متقمصةً دور المحققة الجنائية، ورأسها متدلٍّ.

لا بد أنها رغبت بشدة أن ترى أختها وهي تجري بالبلومر.

「لن نعثر على أي دليل جديد. حتى لو صُنّفت القضية قضية انتحار، فستكون قد ظهرت في الأخبار العامة. في النهاية، أنا متأكدة أن الأنتي-سْكِل قامت بكل الإجراءات الأساسية」

「وماذا عن كاميرات المراقبة القريبة؟」

「الأنتي-سكِل فحصتها بالتأكيد」

إذن، إن كان هذا قتلًا متقنًا متخفيًا في صورة انتحار، فلا بد أن القاتل كان واثقًا من أنه لن يُقبض عليه بتلك الوسائل التقليدية. لكن على ماذا استندت تلك الثقة؟ وأين تكون الثغرة السرية؟

حرّكت تاكيتسوبو فتاة البدلة الرياضية نظرتها الخالية من التعبير يمينًا ويسار.

كان المارّة خليطًا متنوعًا. فإلى جانب البدلات الرياضية والملابس الرياضية، تكونُ مجموعة من الفتيات يرتدين أزياء السباحة المدرسية. ربما ينتظرهن سباق سباحة في مسبحٍ داخلي. والجميع يبتسم ابتسامةً مشرقة، ولم يظهر عليهم أي ميلٍ للتوقف هنا، ما يعني أنهم على الأرجح لم يأتوا بدافع الفضول. بل ربما لم يكونوا يعلمون أصلًا أن هذا المكان كان مسرحًا لانتحارٍ(؟).

رنّ صوتٌ مميّز بينما كان عدد من الأطفال يشاهدون شيئًا على جَوّال واحد. بدا أنهم يتابعون برنامج مسابقات يُبث عبر الإنترنت.

نظرت تاكيتسوبو إليهم، ثم ضيّقت عينيها قليلًا دون أي تعبير.

「موغينو، هذا المكان وإن كان تحت جسرٍ علوي، إلا أنه يشهد حركة مرور كثيفة. مشاةً وسيارات」

「ف؟ لعل هذا هو السبب أنهم فتحوا المكان مجددًا بهذه السرعة」

「عُثر على الجثة قبل ثلاث ساعات، أي قبل السابعة صباحًا بقليل. وحتى خلال الدايهَسي، يتجمع الطلاب في مدارسهم صباحًا، ويخرج الآباء القادمون من خارج المدينة مبكرًا ليتنافسوا على أفضل المقاعد في ساحات المدارس. قد نُسَمّيها ساعة الذروة. ربما لا يكون ازدحامها مثل محطات القطار، لكنه كان بلا شك أشد من الآن」

「إلى ماذا تلمّحين؟」

「بكل هذا العدد الكبير من العيون، أكاد لا أصدق أن شخصًا شُنق في الخارج وهو يقاوم ولم يلحظه أحد」

تبادل الأربعة نظراتٍ سريعة.

عند تمويه جريمة قتل على أنها انتحار، لا شيء أكثر حمقا أحمق من أن يراك حشدٌ من الناس وأنت تُعدّ مسرح الجريمة.

في الأمر شيء لا يستقيم.

「لكن بقوة ما رأينا أي شهود، لا؟」

「وهذا يعني أنه هنا بالضبط تكمن الخدعة،」 قالت تاكيتسوبو بلا تردد. 「أتساءل إن كان قد وقع حادثٌ صغير في هذه المنطقة قرب وقت الوفاة المقدّر. عشر أو عشرون دقيقة تكفي. فإذا تغيّر مجرى حركة المشاة والسيارات عمومًا، فلن يبقى أي شاهد」

  • الجزء 4

「هيه، هيه. في النهاية، أتعرفين ما يعنيه هذا الرمز؟ خريطة جَوّالي تحدّثت والآن امتلأت بهذه الأيقونات الغريبة. والأمر هو أنّ...」

جاءت فأوقفت المارة عفويًا ثم غيّرت أحاديثهم في خمس دقائق.

فعلت ذلك مع فتياتٍ في مثل عمرها، وحتى مع موظفين ببدلاتٍ رسمية وصحفيين رياضيين قدموا من خارج المدينة.

قدرة فريندا على تكوين صداقات مع أيٍّ كان جعلت مهمة الاستجواب تقع في الأساس على عاتقها. أما كينوهاتا، فكانت تتجول في المكان محاولةً ملاحظة أي شيءٍ يمكن ملاحظته.

「هاه؟ أنا أسألك إن كان قد حدث شيء هنا. لا، أنا أسأل فعلًا! لا تُجب سؤالي بسؤال. يلا، هناك أشياء كثيرة يمكن أن تغيّر حركة المشاة والسيارات، مثل نقطة ضبط سرعة أو إغلاق شارع بسبب فعالية. ألم يحدث شيء من هذا القبيل؟」

في مكانٍ آخر، كانت موغينو تتحدث بنبرة ضيقٍ واضح، وهي تتنقل بين عدة جَوّالات.

لا بد أنها كانت تتواصل مع فريق الدعم الذي يملك خبرة كبيرة في شؤون السيارات. لكن تاكيتسوبو كانت شبه متيقنة أن جهدها سيذهب سدى. فالأمثلة التي طرحتها بدت معقولة، إلا أن جريمة القتل(؟) وقعت قبل السابعة صباحًا. وكان ذلك مبكرًا جدًا لحدوث مثل تلك الأمور.

مسندةً ظهرها إلى جدارٍ خرساني تحت الجسر العلوي، كانت تاكيتسوبو ريكو تراقب ما يجري كله من قريب.

「أف...」 تنهدت.

كان ذلك الصوت يعكس ثقل الأجواء المحيطة.

راحت تتخيل بعض الأشخاص العاديين الذين مرّوا من هنا بجهل. وتحديدًا أولئك الأطفال الصغار الذين تجمعوا حول جَوّال واحد لمشاهدة برنامج مسابقات يُبث عبر الإنترنت.

لم يفارق ذهنها الصوت المميّز الذي يعلن الإجابة الصحيحة.

(برنامج بث مباشر...)

أخرجت جهازها المحمول المستطيل من جيبها.

نقرت على أيقونة موقع الفيديو فظهرت الشاشة الأولى عارضةً عناوين فيديوهات بخطٍ كبير. أكان هذا الاختيار مبنيًا على تحليل تفضيلاتها، أم أنه مجرد الرائج وما يتصدّر؟

الجَوّال في يدها. وبإصبعٍ واحد، أمكنها الاتصال ببرنامج المسابقات.

لكنها لم تتحرك.

فذلك الحلم كان قد انتهى.

「رجعت. في النهاية، حصلت على كل المعلومات التي أظنني أحتاجها. مم؟ ما بكِ تاكيتسوبو؟」

「لا شيء」

اقتربت فريندا مبتسمة، فهزّت تاكيتسوبو رأسها.

وبتعبيرها المعتاد الخالي من الانفعال.

「لأنني أنتمي إلى هنا」

  • الجزء 5

أسفر تحقيقهم عن جوابٍ بسيط.

عددٌ كبير من صناديق الكرتون قد أُلقيت في الشارع قرب شاحنةٍ مبردة متوقفة على الرصيف لإعادة تعبئة آلات البيع. ولم يكن العامل هو من اصطدم بها، بل أحد المارّة القريبين حيث ارتطم بكومة الصناديق فتساقطت في الشارع.

ذلك أوقف حركة المرور، كما أن المتفرجين الفضوليين شكّلوا جدارًا يسدّ الرصيف فتغيّر مسار حركة الناس تغييرًا كبيرًا.

هئ، نحنت تاكيتسوبو صوتها بخفه دون أن يتبدّل تعبيرها.

「ترين؟ أخبرتك」

بدت كينوهاتا حائرةً من هذا.

「كأنكِ... متحفزة على غير العادة اليوم، تاكيتسوبو-سان. بالعادة تكونين حيل ملولة من كل شي، وتتصرفين وكأن كل العالم حولك ما يهمك」

「لأن هذه قضيةُ قتلٍ بالدس وتعاطي. ودخل فيها علماء بمواد كيميائية خطيرة قد تدمر حياتك حتى لو جاءت من اتهامات، مثل هذا التفاعل مفهوم ومنطقي」

「؟」

ما بدا على موغينو وفريندا الحاجة إلى أكثر من هذا توضيح، لكن كينوهاتا شعرت أن الشرح لم يفي.

كان من الملائم أن تكون المنتجات التي سقطت في الشارع هي مشروبات آلات البيع. فلو كانت وجباتٍ جاهزة من متجرٍ صغير لاضطروا إلى إتلافها جميعًا، وربما تحوّل الأمر إلى حادثةٍ كبيرة. أما الزجاجات البلاستيكية داخل صناديق كرتونية مبطّنة، فلن تتضرر من السقوط على الأرض. وعلى عكس العلب المعدنية، فلن تصاب بانبعاجات دائمة.

لقد صُمم هذا حتى يُستصعب تسجيله حادثًا عام.

لكن هذا لم يعني سوى أنهم باتوا بحاجةٍ إلى العثور على وجه الفاعل في التسجيل المصوّر الذي التقطه مسجّل القيادة في الشاحنة المبردة.

وما إن فعلوا ذلك...

「يامازاكي يوريكا. العمر: 17. الجنس: أنثى. في النهاية، هيهي」

「هي نائمة」

فريندا وتاكيتسوبو وحدهما.

وصدقت بنت البدلة الرياضية. لأنَّ طالبة الثانوية ذاتُ الزيّ المتطرف في سطوع ألوانه من نوع ملابس المشجعات — قميصًا بلا أكمام وتنورةً قصيرة بلونٍ نيون فاقع — كانت نائمةً بعمق، ورأسها على طاولة في المساحة الخارجية لمقهى في الحي الثالث عشر. وذلك على الرغم من أن المقهى كان يشهد إقبالًا كبيرًا في هذا الوقت الصباحي. أكان ذلك حقًا فنجان قهوة على الطاولة نفسها مع الفتاة الشقراء بتسريحة أم قرنين؟

وبالطبع إنَّ الإمساك بالشقراء أم قرنين لن ينهي الأمر. لأنَّ انتحارًا متنكرًا باستخدام [منبّه ألم] كان أعقد بكثير من أن ينفذه فردٌ واحد. ويامازاكي — أيًا كان اسمها الكامل — لم تكن سوى مراقِبةٍ منخفضة المستوى أو ما شابهه. ولذلك لن تنتهي المهمة حتى يستغلوها في تتبّع العقل المدبّر الحقيقي وراء القتل.

حتى وإن كان الهدف نائمًا بسلام، فإن الانقضاض عليها والقبض عليها فورًا لم يكن بالضرورة الخيار الصائب. لأن [صوت الهاتف] لن يكون راضيًا لو عادوا إليه بذيل سحلية فحسب. وهكذا واصلوا العمل على طريقة الآيتم.

「خذي هذا قبل أن نبدأ」

من خلف ساتر، ناولت فريندا تاكيتسوبو نظاراتٍ مزيفة بعدساتٍ خاصة تعيق تعرّف كاميرات المراقبة على الوجوه، وقناعًا مطبوعًا عليه شيء يشبه رمز QR يحقق الغرض نفسه.

بما أن الأمر سيتطلب حركةً شديدة فقد زُوّدت النظارات بحزامٍ رياضي.

وبدا أن فتاة البدلة الرياضية أعجبت بها إذْ بدأت تضبط النظارات بيدها اليمنى عند موضع الذراع.

「هيهي. النظارات تُبديني أذكى」

「في النهاية، خذي هذا أيضًا」

دفعت فريندا شيئًا في يدي فتاة البدلة الوردية. حقيبةً رياضية صغيرة، أصغر من أن تتسع حتى لعلبة طعام أو زجاجة ماء.

وبداخلها مسدسٌ آلي عيار 9 ملم. ومعه عدة مخازن.

「؟」

اكتفت تاكيتسوبو بأن تميل رأسها مستغربة. كان اللون الفاقع غير الطبيعي للبلاستيك العسكري يحمل آثار بردٍ وصقل، ما يرجّح أنه سلاحٌ يدوي الصنع، ركّبته فريندا من أجزاء مصنوعة من مادةٍ متصلّدة حراريًا صُبّت في قالب، كما تُصنع حلوى التاياكي.

قلبت تاكيتسوبو السلاح بضع مرات، وحدّقت فيه كما لو أنها لا تعرف تمامًا ما غرضه وكيف يعمل. وتنهدت فريندا من انعدام توتر الفتاة.

لم تكن موغينو ولا كينوهاتا موجودتين.

...مثل هذه الأوقات كانت مشكلةً لكينوهاتا التي تستطيع تعزيز قدرتها البدنية بالأوفينس آرمر، فتلحق الهدف الهارب خلال ثوانٍ معدودة بسهولة. ولا حاجة لذكر أن موغينو كانت لتقضي على الهدف بضربةٍ واحدة [ميلتداونر] قبل أن تتاح له فرصة الهرب أصلًا، وهو ما لا يريدونه هنا.

إنّ الآيتم فريق، وهم الأدرى بمن يصلح لأي دور.

ومن أوقاتٍ يحتاجون فيها إلى أفرادٍ لا يُبالغون ولا يَتطرفون.

(لكن في النهاية، هذه ليست مهمة نسندها إلى بلطجية فريق الدعم. فمظهرهم فضيحة).

「كيف أستخدم هذا؟」

「أرجوكِ تاكيتسوبو، لا تنظري داخل السبطانة (برميل السلاح). والمهم، لا تكثري التفكير في طريقة الاستخدام. في النهاية، كل ما عليكِ هو أن تُصَوِّبيه إلى الأمام بيدكِ اليمنى، نحو ظهر العدو الهارب، ثم تضغطي الزناد متى ترين」

لم تكن فريندا تقصد أن الضغط على الزناد في أي وقت سيصيب الهدف، ولا أنها لا تبالي بمكان تطاير الطلقات الطائشة.

لأن أمامهما مشكلةً أكثر جوهرية من ذلك.

「بها بارود لكن ليس بها رصاص. إنما نحتاج فقط أن نُخوّف المعتوهة حتى تهرب إلى مخبئها وتوصلنا إلى مكان العصابة المجرمين، لكننا نخسر إذا ماتت فعلًا. لذا لا تُكثري من رمي النار، وركّزي على الحفاظ على الذخيرة」

「فهمت. أنتِ رحيمة يا فريندا」

(أأنا؟ في النهاية، خطؤها سيفضح مخبأ المجموعة بأكملها، لذا فالغالب أنها ستكون المسؤولة عن مقتل شركائها).

ما كانت فريندا لتذرف دمعةً على عدوٍّ كهذا.

「في النهاية، لنبدأ」

ارتدتا النظارات الخاصة والأقنعة، ولم تعودا بحاجةٍ للقلق بشأن الظهور أمام كاميرات المراقبة داخل المقهى ذي الواجهات الزجاجية. اقتربت فريندا وتاكيتسوبو من الطاولة الخارجية.

قد كان الهدف نائمًا، فعليهما إيقاظها أولًا.

ثم جعلها تركض.

وجّهت فريندا وتاكيتسوبو مسدسيهما نحو أذنيها.

「في النهاية، تجهّزي」

「جاهزة」

طاخ، طا-طاخ!!

في البعيد، آزومي وفريميا تميلان إلى الأمام بملابسهما الرياضية.

كانتا عند خط انطلاق سباق الخمسين مترًا.

「ويه، ما؟」

「أول شيء، ما ذلك الصوت؟ ماذا حدث؟」

انطلقتا أسوء انطلاقة بسبب صوتٍ عالٍ جاء في توقيتٍ غريب. وعمّت بلبلةٌ بين تلاميذ الصف الأول الذين قُطع سباقهم الجاد، فشكّلت معلمتهم بيديها مكبّر صوت وخاطبتهم:

「طيب يا أولاد، اهدؤوا. عودوا إلى نقطة الانطلاق. ربما كان ذلك مقلبًا صنعه أحدٌ وسط هذا المهرجان الكبير. بأي حال، سنعيد الانطلاقة من البداية، فلا تسترخوا بعد!」

  • الجزء 6

بدأ عملهم وبأيديهم مسدسات.

عيونٌ كثيرة وكاميراتُ جَوّالات وُجّهت نحوهم، لكن تلك ليست بمشكلة لأن فريندا وتاكيتسوبو تُخفيان هويتيهما بنظاراتٍ خاصة وأقنعة. وفوق ذلك هذا هو مهرجان دايهَسي، فإن الناس لن يستغربوا المظهر، كأن يكونا من صانعي البث أو من فناني العروض. وبفضل ذلك، استطاعتا مطاردة [أحدٍ] في الشوارع وإطلاق النار عليه من دون إثارة جلبةٍ كبيرة.

「إك، إيككك... إيييييكك! ما، ما، مقدر مقدر، ما أقدر، رجااءاااا، أي أحد، ليساعدني!!」

المشجعة الشقراء أم قرنين {ذات التوأمتين} تركض على رصيف الشارع الرئيسي في هلعٍ شديد، ولم تكتفي تُحَرّك ذراعيها، بل لَوَّحت بكل جسدها، والدموع تنهمر من عينيها. وبعض الأطفال الصغار أخذوا يضحكون يظنّونها لعبة تلفزونية.

ركضت أسرع مما كان متوقعًا إذ كان نعلها معدَّلاً في مدينة الأكاديمية، غير أن تقديرهما كان في محلّه: فهي شريرةٌ ثانوية لن تُقاوم. ...وبالطبع لو أنها قاومت، لغيَّرتا الخطة إلى أسلوب الطُّعم الحي فيُصيبانها ثم يتركان لها مجالًا للهرب قليلًا ثم يُصيبانها من جديد وهكذا.

تكلمت بنتُ النظارات فريندا بنبرةٍ يشوبها شيء من الضجر وهي تطارد الفتاة.

「يا ليل الركضة... أشوف سروالها الداخلي الفاخر، بنت الطبقة المخملية. يع!」

「فريندا، هذا جزء من زيّ المشجعات. الفكرة منه أن يُرى」

كذابة. لو كنتِ تلبسين ذلك لما امتلكتِ الجرأة على استعراضه في مكانٍ عام ها يا تاكيتسوبو؟

بَدَا أن بنت البدلة الوردية تملك سعةً رئويةً وقدرة تحمُّلٍ وافرتين إذ واصلت الكلام وهي تركض بهذه السرعة، بوجهٍ خالٍ من التعب تمامًا.

「الضحية كانت المسؤولة عن فحوصات العقاقير ها؟ ما قد يدفع المرء إلى قتل صيدلانية؟」

「ربما فعلت شيئًا يهدد حياتها」

「كأن تفحص دم رياضيٍّ من نخبة المدارس ثم تجد فيه عقارًا غامضًا يُنجِحُهُ في الاختبارات السابقة؟」

「في النهاية، قد يكون العكس تمامًا」

قوبل هذا الرد بصمت.

وأثناء ركضها، رفعت فريندا إصبعًا من يدها الخالية.

「ماذا لو أن الصيدلانية أضافت شيئًا إلى الدم النظيف بعد الفحص؟ عندها سَتُقضي أي رياضيٍّ من النخبة تشاء. بل ويمكنها التلاعب بالنتائج بعد أن ترى ترتيب الجميع في المسابقات」

أمالت تاكيتسوبو رأسها، وهي تطلق طلقاتٍ فارغة.

「ذلك ممكن عمليًا، لكن لماذا تفعل؟」

「أتخيل دافعًا مظلمًا وراءه. لكن في النهاية، إذا وُجد سبب يدفع إلى كل هذا العناء في الصراع على المركز الأول، فإنه سيُنشئ أيضًا دافعًا لقتل تلك الفاحصة عديمة النزاهة」

لماذا كان تعاطي المنشِّطات خطأً من الأساس؟ إنّ التفسير الأكثر شيوعًا كان هو الضرر الذي تُلحقه العقاقير بصحة الرياضي، لكن فريندا وتاكيتسوبو وهما من أهل [الظلام] تميلان إلى نظرةٍ أكثر تشاؤمًا وأنّ ذلك التبرير الأخلاقي قد بَدَا لهما صادقًا بقدر صدق نموذج طعامٍ من الشمع. ثم إن الأمر لم يقتصر على العقاقير الخطِرة وحدها؛ فحتى لو جاء اقتراح أن يتم إجراء أبحاث لتحديد الجرعة المسموح تناولها من دون أن تُسبّب أي ضرر، لَأجاب معظم الناس نفسَ الإجابة: لا تُقبل حتى قطرةٌ واحدة.

وفي أقصى الحالات تطرف، وُجدت عمليات نقل الدم المؤجَّلة زمنيًا (حيث يُخزِّن المرء دمه ثم يُعيده إلى جسده في وقتٍ لاحق) لزيادة كمية الأكسجين التي يحملها الدم. هذه الطريقة لا تستخدم أي عقاقير على الإطلاق، ومع ذلك عُدَّت شكلًا من أشكال المنشِّطات المحظورة. وبعبارةٍ أخرى، كان هذا سببا آخر يوجب حظرها.

(في النهاية، نقول أيضا أنّ نقل الدم المؤجَّل مضر لأنه يرفع ضغط الدم. لكن من جهةٍ أخرى، لا يُستبعد الرياضي من المنافسة بسبب الإفراط في تناول الصوديوم أو بسبب التوتر الزائد)

وهذا يعني أن المشكلة الأساسية لم تكن ذلك "العقار الغامض" الموسوم بعلامة الجمجمة والعظمتين. فحتى لو اختُرع دواءٌ قادر على تعزيز نمو العضلات أو قوتها الانفجارية بأمانٍ تام ومن دون أي آثارٍ صحية سلبية — مع أن حتى الهواء قد يضر بالصحة إن اُفْرط التنفّس واستُنشق بكثرة، مما يجعل استحداث مادةٍ عديمة الضرر تمامًا أمرًا مستحيلًا — فمن المرجّح أنه كان سيُحظَر على أي حال.

وإنّ فريندا وتاكيتسوبو تشعران براحةٍ أكبر مع التفسير القائل إن الرياضة ستفقد وظيفتها الترفيهية إذا أمكن للتكنولوجيا أن تتلاعب بنتائجها، بغضّ النظر عن الموهبة أو الجهد.

فمع موهبةٍ خاصة وجهدٍ لا يكلّ، يمكن لأي إنسان فرصةٌ للفوز، ولن تعرف النتيجة حتى اللحظة الأخيرة.

...حتى في عصرٍ تستطيع فيه ذكاءاتٌ اصطناعية باهظة الثمن تابعة للشركات أن تحلّل أنماط الرميات المتكسّرة وتحسب الحلول لمواجهة رامٍ خصم، ظلّ الناس يبحثون عن الأحلام المشرقة اللامعة في الرياضة، وربما أكثر مما يفعلون مع الآيدول. وذلك على الرغم من أن المال والتكنولوجيا كانا قد أوجدا فروقًا في مجالاتٍ عدة: في الأزياء والأحذية والنظام الغذائي ومرافق التدريب والمدرّبين وغير ذلك.

وأثناء الركض والقفز فوق حاجزٍ معدني وسلسلة، أمالت تاكيتسوبو رأسها تقول.

「همم. إذا لم يفعل الرياضي شيئا، ألن يُكتشف أنه حدث تلاعب بعد الاتهام؟ يعني، الرياضي أساسا بريء」

「أما سمعتِ أن اختبارات العقاقير في مهرجان دايهَسي شديدة الحساسية؟ في النهاية، لن يستطيع الرياضي نفي التهمة نفيًا قاطعًا إذا قيل له إن الأمر قد يكون حادثًا عارضًا مؤسفا بسبب دواء للزكام أو مادة مضافة صناعية في وجبة خفيفة أكلها. لا سبيل له أن يُثبت ثبتَ الأكيد أنَّ كُلَّ ما أكله أو لمسه أو تنفّسه خلال الأيام الماضية كان نظيفا」

「ثبتَ الأكيد؟」

「بالضبط. في النهاية، شكلها رهيب لا؟」

فضلًا، ما إن تصير نتيجة فحصٍ رسمي [إيجابية] حتى يُوضع الرياضي مَوْضع الشبهة كَذّابًا مهما قال. سواء أكان رياضيًا محبوبا أم نجما في ناديه، فإن قلب مثل هذه النتيجة أمر نادر للغاية. ويمكن وصف ذلك بأنه إساءة استخدامٍ للأدلة المادية.

(لكن في النهاية، إن كنا على صواب، فنحن نملك صورةً عامة عن القضية بأكملها)

عبست فريندا وهي تطلق طلقاتٍ فارغة على فترات متقطعة.

ومشجعة يامازاكي تلك لا تزال تركض بجنون، لكن خطر تضييعها كان ضئيلًا من زيّها الزاهي. فبإتبٍ يكشف الإبطين وتنورةٍ قصيرة تتطاير، ما عساها حتى أن تُجري تبديلًا سريعًا في المظهر، كأن تنزع معطفًا أو شيئًا من هذا القبيل أثناء الهرب.

「تاكي؟ بصراحة في النهاية، تقهرني تلك الرجرجات تحت تنورتها!」

「...」

تاكيتسوبو ريكو عادةً ما تكون الضمير الأخلاقي للآيتم وتكبحهم حين يجاوزن الحد، لكنها آثرت الصمت هذه المرة.

وفوق ذلك، بجانب الشقراء القصيرة، رأت شيئان كبيران في صدر البدلة الوردية الرياضية يهتزان مع كل خطوة تُخطى.

رج، رج

「تقهرني!!」

「كياه」

كان من المهم أن يُبدوا الأمر برمته مزاح.

لأن بذلك يُطمئنون الحشد ويُبعد احتمال أن يكون الأمر حادثا ظلاميا.

بقول ذلك، حتى الشريرة منخفضة المستوى قد تُبدي قدرًا من الدهاء حين تهرب بحياتها. كأن تلوذ بموقف سيارات تحت الأرض ذي مخارج متعددة، أو تعبر ساحة ردهة مليئة بالمنخفضات والمرتفعات. وكونها لم تطلب المساعدة من إحدى نقاط [الأنتي-سكِل] يُبَيِّن أنها تعلم تورطها في أمرٍ غير قانوني. وما إن دخلت الفتاة الشقراء أم قرنين محطةَ قطارٍ كبيرة حتى اندفعت مباشرةً نحو بوابة التذاكر.

「وي」

「فريندا، تلك السلالم تؤدي إلى المسار الداخلي لخط الحلقة. الخط البنفسجي」

أوكانت المشجعة تنوي ركوب القطار قبل انطلاقه مباشرة؟ كانت فريندا وتاكيتسوبو تستخدمان النظارات والأقنعة لإخفاء هويتيهما أثناء خرق القانون، لذا لم يكونا قادرتين على استخدام البطاقات الذكية المرتبطة باسميهما، لكنهما ستتأخران إن انعطفتا لشراء تذاكر من الآلات.

مطاردة الفتاة ركضًا هكذا سيكون صعبا. فركّزت فريندا على السماعة اللاسلكية في إحدى أذنيها.

「دورك يا آنسة حرير!!」

「بقوة تمزحين؟」

ما كانت نجمتهم الهجومية مناسبة لمثل هذا العمل الحسّاس والدقيق، لكن ما عساهم. القدرة على تبديل المتعقّبين بحسب الموقف كانت إحدى مزايا العمل الجماعي.

ولأن الانتظار أمام بوابة التذاكر لن يحلّ شيئًا، استدارت فريندا وتاكيتسوبو وركضتا إلى الخارج، في اللحظة نفسها التي كان القطار المعنيّ يغادر فيها.

(رأيتُ وجه الهدف من نافذة القطار. في النهاية، لا يبدو أنها اختارت حيلة "انتظر على الرصيف حتى ينطلق القطار")

راقبت فريندا كينوهاتا وهي تقفز — مستخدمةً قدرتها طبعا — من سطح المحطة إلى سطح القطار المنطلق، وهبطت عليه بصوتٍ مكتوم -طغ!-.

「هذا القطار يسير على خطٍّ واحد، لذا يمكننا في النهاية أن نسبقه. لن ننتظر وصول فريق الدعم بالسيارة لذا... عرفت؛ هناك موقف حافلات يبعد محطتين من هنا، سننتظر هناك. راقبي الهدف إلى ذلك الحين」

「بقوة مفهوم」

ثم اقتحم المكالمة الجماعية الودية الرباعية صوتٌ آخر.

صوت البالغ المزعج لديه ما يقوله.

『ما بكم يا مجانين وأنتم تطلقون النار تفضحوننا؟! دائمًا هكذا أنتم! يُفترض أنكم من تحافظون على أمن مدينة الأكاديمية!!』

「موغينو، تولّي أمرها」

صراخٌ صخيبٌ وزمجرة.

كان الجدال الغاضب صاخبًا إلى حدٍّ مزعج، فخفّضت فريندا الصوت إلى ما يقارب الصمت، بينما صعدت هي وتاكيتسوبو إلى حافلةٍ كبيرة عند موقف الحافلات. كانت واحدةً من الحافلات ذاتية القيادة التي لا يجلس فيها أحدٌ في مقعد السائق والتي ئشاعت كثيرا خلال مهرجان دايهَسي. يبدو أن الحافلة كانت قد مرّت لتوّها بموقع فعاليةٍ كبيرة إذ لم يكن على متنها سوى فتاتين أو ثلاث في مثل سنّ فريندا. كنّ يرتدين البكيني ويضعن واقيات شمس على رؤوسهن، فهل كانت هناك مسابقة أعلام الشاطئ أو كرة طائرة شاطئية تُقام في منشأةٍ داخلية قريبة؟

وعلى خلاف ما يوحي به مخطّط المسار المبسّط، لم يكن خطّ الحلقة دائرةً كاملة بزاوية 360 درجة. فقد كانت السِّكك مليئة بالمنعطفات الحادّة وتميل إلى التعرّج، ما يفرض الإبطاء في مواضع كثيرة. أمّا الحافلة، فكانت تسلك شارعًا رئيسيًا مباشرًا نحو الوجهة، مما أتاح لها الوصول أسرع.

「أووهف」

يبدو أن البدلة الرياضية احترّت أكثر من اللازم مع كل هذا الركض، لذا بقيت تاكيتسوبو واقفةً وشدّت ياقة اللباس لتصنع نفقًا يدخل منه هواء التكييف المتدفّق من السقف.

نظرت إليها فريندا بنفاد صبر.

「عيب عيب يا آنسة شلّال」

「لن يعرفني أحد مع هذه النظارات والقناع، فلا بأس」

لم تأخذها سوى دقائق قليلة.

نزلتا من الحافلة ذاتية القيادة وسارتا إلى محطة قطارٍ أصغر من السابقة.

هذه المرّة اشترتا التذاكر مسبقًا (وبمبلغٍ لا بأس به)، ثم عبرتا بوابة التذاكر بكل أريحية. قد لا تنزل المشجعة في هذه المحطة، لذا كان عليهما تحديد موقعها بسرعة داخل القطار من الرصيف، ثم تُقررا ما إذا تصعدان إلى القطار أم تبقيان على الرصيف. وإن لم تتمكّنا من اتخاذ القرار قبل انطلاق القطار، فسوف تنفصلان.

لكن...

「في النهاية، أين القطار؟」

「تقرير، تقرير」 جاء صوت كينوهاتا عبر سماعة فريندا. 「أم قرنين ذيك بقوة كسرت النافذة وقفزت بينما القطار منطلق. أنا أطاردها」

「بحقك ماذا فعلتِ بها؟! خوّفتِها أكثر من اللازم يا سيّدة حرير!!」

هل قفزت من قطارٍ متحرّك؟! ألا يعني هذا أن الشقراء أم قرنين قد لقيت حتفها؟

على أي حال، بدا أنهم سيضطرون إلى المتابعة سيرًا.

لأن ترك الأمر لتلك الفتاة التي لا تعرف كيف تراقب شخصًا على نحوٍ صحيح لن يؤدي إلا إلى مزيد من المتاعب.

  • الجزء 7

عادت فريندا وتاكيتسوبو إلى بوابة التذاكر وحاولتا مغادرة المحطة، لكن البوابة لم تنفتح. فعلى خلاف ما يُسمّى تذكرة الرصيف، تذكرة القطار تُظهر خطأً إذا حاولت استخدامها للخروج من نفس المحطة التي دخلت منها. ولا وقتَ لديهما لذلك، وأصلا قد دفعتا ثمن التذكرة، لذا قفزتا فوق البوابة. ليس وأنه يمكن التعرّف عليهما.

وما إن خرجتا، ركضتا بمحاذاة السكة حتى لمحتا كينوهاتا.

وموغينو قادمة من اتجاهٍ آخر.

وكلتاهما ترتديان الأقنعة والنظارات نفس فريق تاكي وفريندا.

「في النهاية، أين ذهبت آنسة بانتي!؟」

「أم قرنين ذيك بقوة راحت هناك!」

「وإلى أين تحسب المشجعة العفنة أنها ذاهبة أصلًا؟ غرفة تبديل لاعبي الكرة الأمريكية؟」

「رجاءً ألا يناديها أحدكم باسمها」

لا تتوقعي هذا القدر من الاحترام من أهل الظلام يا تاكيتسوبو.

لعلّ المشجعة قد تنفّست الصعداء ظنًّا منها أنها فلتت. لكن ما إن توقفت حتى أطلقوا المزيد من الطلقات الفارغة، فأعادوها إلى حالةٍ من الهلع والركض من جديد. الآنسة [بانتي] حقًّا سريعةً في الجري بالنسبة لِمَن قفز لتوّه من قطارٍ متحرّك. ...لربما كانت من قدرةٍ إسبرية، عليهم أن يبقوا الحذر.

فرّت المشجعة وكأنها فضّلت الشوارع القصيرة الضيقة، كمناطق المشاة والسلالم. ما كانت سيارة فريق دعم آيتم لتُجدي نفعًا هناك.

「؟」

وسرعان ما وجدوا أنفسهم بين مباني المكاتب الشهيرة في الحيّ الثالث.

ولكنّ ما اقتربوا منه لم يكن يبدو مكتبًا مرتبًا. لا بدّ أن وقتًا طويلًا قد مضى منذ آخر مرة دخل فيها عامل نظافة، إذْ كانت النوافذ العليا مغطّاة ببقع قطرات مطرٍ يابسة. وتلوّحت قَرنَيْها (توأمتي شعرها) الأشقرين خلفها وهي تندفع إلى قبو مبنى بدا مهجورًا.

「موغينو، ذاك هو مخبأ الشريرة」

「هَه؟ وكيف تعرفين أنها ليست نقطة عابرة؟ لمّا راحت إلى مسبح أو دخلت مدينة ألعاب، لم تتكلمي」

「ذلك القبو ما له إلا مخرجٌ واحد」

「بقوة متى وكيف عرفتِ المخطّط؟」 سألت كينوهاتا مُتَغضّبة.

يبدو أن تاكيتسوبو جاءت بمعلومتها من لوحةٍ للوقاية من الكوارث كانت ملصقة على الجدار الخارجي للمبنى ليستعين بها رجال الإطفاء. ووفقًا للمخطط المعروض على جوّالها، كانت القاعدة استوديوًّا تحت الأرض لمحطة بثٍّ مرئي، أُهملت منذ أن أفلست الشركة. وهذا جعله ما أحلاه من مخبأٍ واسع، يعزل الصوت، ومهيّؤٌ لاتصالات الألياف الضوئية عالية السرعة.

وليس له سوى مخرج واحد.

نزل الآيتم الدرج الضيّق، تتقدّمهم موغينو بقوتها النارية العالية وكينوهاتا بدفاعها المتين.

「آهف، أخيرًا أنزع هذه الأشياء」 قالت تاكيتسوبو.

ما عادوا يحتاجون النظارات والأقنعة المصمَّمة لخداع عامة الناس. في الأعمال المجهدة، تتغشى النظارات بالبخار، كما أن الأقنعة صعّبت التنفّس قليلًا لذا نزعوها.

وصل الأربعة إلى أسفل الدرج الضيّق، لكنهم لم يجدوا المشجعة.

لم يكن هناك سوى باب، بابٌ سميك ومقاومٍ للرصاص. رأوا الشقّ الضيّق الذي يُفتح بانزلاق جانبيًا يوحي بوجود حارسٍ في الداخل يتحقّق مما إذا كان الزائر غير المتوقع شخصًا مألوفًا ثم يفتح الباب إن كان كذلك.

لقد وجدوا أخيرًا ما كانوا يبحثون، لكن المشجعة لا بدّ أنها أبلغت عمّا جرى فور دخولها. وإذا كان العدو في حالة تأهّب، فلن يفتح الباب مهما كان السبب.

أما تعليمات موغينو كانت بسيطة.

「أريد أن أمنع أيًّا منهم من الهرب، وفي الوقت نفسه أعرف الصورة الكاملة للحادثة. لذا اتركوا واحدًا حيًّا واقتلوا الباقين」

「بقوة تم」

وعلى أي حال، مُجرد بابٍ أو جدار "مقاومًا للرصاص" ما عساه يصد هجومٍ مستوى 5 أو 4.

كل ما عليهم هو الاقتحام، وإحداث الفوضى، والقتل.

لكن اللحظة التي خطرت لهم فيها هذه الفكرة، تكلّمت الفتاة ذات البدلة الرياضية.

「موغينو」

「مم؟ وااهـ؟!!!」

وبصوتٍ مكتوم ط-طك!! اندفعت أجسامٌ حادّة من الجدار السميك المجاور للباب. قضبانٌ معدنية حادّة بسُمْكِ قَلَمِ الحبر تقريبًا، وكان الجزء البارز منها من هذا الجانب وحده يزيد على ثلاثين سنتيمترًا. لو كان الآيتم ملتصقًا بالجدار لثُبّتوا عليه في عدة مواضع. فضلًا عن أنَّ أُولئك هُمُ الذين يستخدمون منشّطًا للألم يضاعف الإحساس البشري به إلى 350 مرة.

نقرت موغينو لسانها، ثم ردّت بعدة ميلتداونرات عبر الباب والجدار.

الحارس القائم مباشرةً خلف الباب قد تبخّر مع الضربة الأولى، لكنهم كانوا جماعة. فَلَمْ ينتهِ الأمر بعد.

「تشه! أكان ذلك قوسًا نصفَ آليٍّ؟!」

الأقواس من الأزمنة الغابرة، قد تراها بدائيةً لكن كُلُّ سَهمٍ هو أكبر وأثقل من رصاصة وبرأسٍ مشحوذ. كضربةِ فأسٍ ثقيلة تهوي ببأسها على سترةٍ واقية من الرصاص، محدثةً أثرا يختلف عن الرصاصة العادية.

وما إن استوعبت الموقف، ارتسمت على شفتي وحش المدينة ال#4 ابتسامةٌ حيوانية.

لقد برز جانبها العاشق للقتال.

(مثير. يعجبني أنك لا تدع مستواي يقيّدك. آهخ لا أسأم من القتالات أبدا، في ساحاتٍ لا تدري ما قد يحدث فيها. قالوا عن الحيوان المحاصَر أنه خطير؟ فلأريكم إذن شراسة عضّته!!)

「إن لم تستسلموا، فموغينو ستمزّقكم بالثقوب.

إما تعطونا القصة كاملة أو ننقّب عن المعلومات بأنفسنا دون أن نترك غبرةً في مكانها. لا أمانع أيهما فأي خيار تختارون؟」

「طيب! وصلت الرسالة!! سنشرح كل شيء، لذا أرجوكم السلام!!」

جاء هذا الصوت الرجولي العاقل من داخل المكان.

موغينو شيزوري قد فقدت فرصة الهجوم.

「...」

استدارت بصمتٍ لتنظر إلى تاكيتسوبو، وقد تشكّل فمها على هيئة مثلثٍ صغير الشمّاتة.

تظاهرت بنت البدلة الرياضية بالجهل.

هنّ محترفات، فكان عليهنّ أن يقدّمن العمل على أي شيء آخر. ولو انفجرت تلك المهووسة بالقتال وذبحت الجميع لَمَا عرفن حتى عدد الذين كانوا ضمن الجماعة القاتلة، مما سيجعل إغلاق القضية أمرًا بالغ الإزعاج. لذا إنّ الاستجواب أولًا هو الخيار الأجدر.

دخلت الفتيات الأربع إلى الداخل.

ووجدن مساحةً خافتة الإضاءة. واسعة؛ إذ بلغ حجم المكان تحت الأرض حجمَ مسبحٍ عامٍّ صغير.

「مـ-مرحبًا بضيفاتنا الكريمات」

هو نفسه الرجل الذي أعلن الاستسلام منذ قُلَيل. وعلى الأرجح أحد القادة، ما يجعله العقل المدبّر وراء جريمة القتل.

بدا في أواخر العشرينيات. وكان يرتدي بدلة سهرة لسببٍ ما. لكن موغينو، التي رأت من بدلات السهرة ما يكفيها طيلة حياتها في بيت عائلتها، شعرت أن قماش هذه البدلة وخياطتها يبدوان رخيصين على نحوٍ ما. لعلها نتاج جُملةٍ لا مفصّلة يدويًا. ...وكأن المكان يعطي طابع المقهًى الغريب.

فتياتٌ بزيّ الأرنبات والراقصات تركن أعمالهنّ وربضن قرب الأرض يرتجفن خوفا. وعلى الأرض تناثرت زجاجات باهظة الثمن من عتاقٍ بعام ’18 أو ’25 أو ما شابه، وقد تحطّمت. بعض الحراس الضخام يراقبون من بعيد، لكن معظم الموجودين وضعوا أيديهم على رؤوسهم، بملامح خاضعة ذليلة.

كان تصميم الداخل واضحًا أنه موجَّه لذلك النوع من الزبائن.

اصطفت الأرائك والطاولات في أرجاء المساحة الواسعة تحت الأرض، وكأنها مستعارة من نوادٍ فاخرة سيئة الذوق، ونُصبت شاشات LCD كبيرة في كل مكان. والشاشات تعرض أرقامًا أرقامًا أرقاما ومقاطع مصوّرة لطلاب ذوو بدلات رياضية وملابس تدريب. يبدو أنها كانت تُظهر حالة مختلف فعاليات مهرجان دايهَسي.

تركيبُ الأرقام المعروضة على الشاشات يذكّرنا بشدّة بسباقات الخيل وسباقات الدراجات... أو بالكازينوهات. فهل ارتدى القائد بدلة السهرة لأنه كان أيضًا مدير المكان؟

「هذي هي اللعبة الّي خوّفتُونا بها؟」

وأخيرًا رأوا القوس النشّاب نصف الآلي بأعينهم وهي ملقاة عند قدمي رَجُلٍ بالأسود رافعٍ يديه.

النشّابية الصينية [تشوغه ليانغ] كانت من الأشهر، لكن أسلحةً من هذا النوع وُجدت منذ العصور القديمة. لكن النسخ القديمة كانت معقّدة إلى حدٍّ أضعف قوتها، فلم تُستعمل كثيرًا.

أما نسخة مدينة الأكاديمية فكان لها مخزنٌ كبير محكم الإغلاق مثبت مباشرةً أعلى القوس. وربما كان ذلك لمنع المستخدم من لمس السهام المسمومة عن طريق الخطأ. وبدا أنه يعيق التصويب، لكن ما إن التُقط السلاح وصُوّب حتى تبيّن وجود منظارٍ نقطي مثبت على جانب المزلاج الذي يربط المخزن الضخم. فهل كان يُصوَّب بطريقةٍ تشبه قاذف الصواريخ المحمول على الكتف؟ وكان وتر القوس يُشدّ بالطاقة الكهربائية. بما أنه اخترق جدارًا خرسانيًا، فلا بدّ أن شدَّه كان يفوق قدرة القوة البشرية.

「؟」

تجمّدت فريندا حين ألقت نظرة على إحدى الشاشات.

إحدى المتسابقين تلميذًا في الصفّ الأول، أشقرَ الشعر، أزرقَ العينين، يبتسم.

وكادت فريندا أن تصرخ باكيةً.

(ف-في النهاية، ورّطوا أختي البريئة في هذا؟!)

「أأنتم حمير؟ هذا بالخصوص ما كان عليكم أن تقامروا به!!!」

فرك المدير ذو بدلة السهرة الرخيصة يديه وابتسم.

كان يتصبّب عرقًا. وقد لُصقت على وجهه ابتسامةٌ واهنة لم تفارقه.

「هـ-هـ-هذا استثمار. نعم، استثمار. نحن لا نتعامل هنا إلا في صفقاتٍ نظيفة وقانونية. ولم يخطر ببالنا قطّ تشغيل كازينو مقامرةٍ غير قانوني على الإنترنت」

「فما هذا المكان؟」

「كـ-كان ينبغي أن أذكر سلفًا. نحن نُعرف بنادي الاستثمار」

「إذن هو كازينو يتخفّى بهذا الاسم ها؟」

「نحن شركة تجري المعاملات التجارية!」

صَحّحها بسرعةٍ مذهلة.

ألهذا السبب احتاجوا اتصالات الألياف الضوئية عالية السرعة، فضلًا عن العزل الصوتي؟

هم يتنبؤون بأي مدرسة ستفوز في إحدى الفعاليات، ويدفعون المال، فإذا صدق توقّعهم تلقّوا عائدًا مُعدّلًا في المقابل. تغيّرت الألفاظ المستخدمة وطرائق إدخال المال وسحبه، لكن ما كانوا يفعلونه في جوهره لم يكن يختلف عن المراهنة على المنافسات الرياضية.

「أهذا هو السبب المظلم الذي ذكرتِه سابقًا يا فريندا؟」 سألت بنت البدلة الرياضية بوجهٍ جامد.

「نعم. في النهاية، هذه تجارة مظلمة」

「بقوة ما هي؟」

「شيء يشبه المقامرة غير القانونية على الإنترنت يا كينوهاتا」

بدا مدير نادي الاستثمار وكأنه يريد قول شيءٍ بشدّة، لكن تاكيتسوبو واصلت شرحها بلا تعبير.

「أسميها مقامرة، لكن بما أن المراهنة بالمال غير مسموح بها قانونيًا، فإنهم يستخدمون كلماتٍ أخرى مثل "الاستثمار" و"المضاربة"، ويضعون أموالهم على المدارس بأكملها بدل الرياضيين الأفراد. غير أن أرباح المقامرين تعتمد في النهاية على أيّ المدارس تفوز بالفعاليات وأيّ نظريات تطوير الإسبر تُقبل صحيحة」

الطريقة المضمونة الوحيدة للربح من الأسهم كانت بالتداول بناءً على معلومات داخلية، وأقرب ما يليها هو التلاعب بالسوق. وطبعًا، كثيرٌ من البالغين يراقبون هذه الأفعال غير القانونية بحذر. لكن بخلاف الشركات العادية، إنّ توزيع الأرباح في المؤسسات العامة — وفي هذه الحالة، إدارات المدارس — غالبًا لا يخضع للرقابة. هل كان ذلك نابعًا من افتراض أن مدارس مدينة الأكاديمية مؤسسات تعليمية مقدّسة لا صلة لها بجني الأموال الدنيوية؟ إن كان، فتلك سذاجة تفوق حتى الإيمان بروح الرياضة.

وهكذا، صار هذا ممكنًا تمامًا خلال مهرجان دايهَسي، حيث يمكن للنتائج أن تغيّر كثيرًا من قيمة نظرية تطوير القدرات الإسبرية أو براءات الاختراع الخاصة بكل مدرسة. وهذه المقامرة على هامش الربح تعمل بدفع المال مسبقًا، ثم تتلقى حصة من حقوق الملكية الفكرية لاحقًا.

ارتسم على وجه موغينو ابتسامةٌ خبيثة.

「نعم، مهرجان دايهَسي أساسا ما هو إلا معرض سيارات أو سباق؛ لكن باستخدام أجساد بشرية. وإذا نظرنا إليها على أنها عرضٌ لتقنيات تطوير القدرات الإسبرية لكل مدرسة، فلنا أن نتخيّل كل الباحثين والمستثمرين المشبوهين وهم يراقبون بين المتفرجين، لا؟」

「اععع، وهو هذا حيل مقبول؟」

「بالكاد هو مسموح وفق قوانين مدينة الأكاديمية. وبما أنها ليست مقامرةً رسميًا فلا حاجة لوضع حدٍّ أقصى للنِّسب. ...لكن ذلك طبعًا ما دام لا أحد يموت」

جعلت كلمات بنت البدلة الرياضية الحادّة مديرَ النادي يرتجف.

「كنتُ وجدتٌ الأمر غريبًا،」 أكملت تاكيتسوبو، بلا تعبير. 「البيانات الأولية عن الضحية قالت إنها كانت صيدلانية تعيش في الحيّ الثالث، صح؟ ذلك الحي مليء بمباني المكاتب الشاهقة ولا يضم الكثير من المساكن. وفي أحسن الأحوال توجد فيه شقق فاخرة للاستثمار. قد يسكنه مدير مستشفى كبير، لكن ليست أي صيدلانية عادية」

وهذا يعني أن لها مصدر دخلٍ ثانوي، بل أعلى بكثير من دخل وظيفتها الأساسية.

「في النهاية، هذا المرفق القذر الذي يحوّل أمجاد الجوائز والمراكز الأولى لأولئك الرياضيين الأبرياء إلى أدواتٍ لجني المال... أهو يُعامَل كغرفة تداول لكبار الشخصيات في البورصة؟」

ألقت فريندا نظرةً سخطة حول المكان.

فتيات بزيّ الأرانب، كحول، راقصات بملابس مزركشة، وشابّات يرتدين أزياء مضيفات. كان المكان يبدو حقًا أقرب إلى كازينو منه إلى بورصة.

وبنبرةٍ واضح عليها الانزعاج قالت موغينو. 「أخبرنا، كل ما تعرفه عن ماتسوبا سارينا. فاحصة العقاقير التي قُتلت」

「نعم، كانت تعمل معنا، لكنها زوّرت نتائج اختبارات العقاقير بعد انتهاء الفعاليات لتُقصي رياضيين وتُغيّر نتائج المنافسات لاحقًا. تغيّرها كما تشاء」

「هذا تمامًا هو التلاعب بالمباريات يا موغينو. هل كانت تتقاضى أجرًا من زبائن محدّدين مقابل التلاعب بالنتائج؟」

أومأ مدير نادي الاستثمار عدة مرات ردًا على سؤال الفتاة ذات البدلة الرياضية.

「نـ-نعم. وتلك خيانةٌ كبرى لكل عملائنا. في عملنا، علينا بالإنصاف، وإلا فقدنا الثقة وخسرنا معظم الزبائن. ما عسانا التغاضي عن فعلتها تلك」

وهكذا نالت عقابها.

لقد أنزلوا بها موتًا قاسيًا ليعاقبوها على جريمةٍ لا تكفي حياةً واحدة لتكفيرها. وأكثر، كان لا بدّ أن يكون في ذلك رسالةً إلى المقامرين بأن شيئًا كهذا لن يتكرر.

وخلاصة القول: هذه مشكلة أشرار قتلوا أشرارا. بل ويمكن اعتبار ذلك أمرًا حسنًا، إذْ لم يُصَب أيٌّ من عامة الناس بأذى.

「المعذرة... لكن ماذا سيحدث لنا؟」

ركّزت موغينو شعاعًا في كفّها.

ما رأيك؟

「انتظري، أرجوكِ انتظري!! لنبرم صفقة. هذا مهرجان يُقام مرةً في السنة. بخدماتنا، ستصبحين أغنى ما كنت لتحلمين به نهاية أسبوع دايهَسي!! طيب؟ طيب؟ تركنا أحياء يصبّ في مصلحتك!!」

لكن الخطوة التالية جاءت قبل أن تلفظ موغينو شيزوري أيَّ شيء.

انفجر مُتَفَجّر.

دخل [شيءٌ] عبر الباب الذي كان المدخل والمخرج الوحيد. بل مجموعةٌ كاملة من [الأشياء]. كما لو أنّك ترى سربًا من الحشرات، أعدادهم وحركتهم استحثّت شعورًا بالغ الاشمئزاز في الأعماق.

صرخت فريندا غريزيًا عندما رأت الرجال يخفون وجوههم خلف أقنعة تشبه النمل.

آرمِي آنت؟!

حدثت فجأة جدًا.

هم أولئك جامعو الديون؟ لكن ما الذي يفعله جامعو الديون من [الظلام] هنا؟ ...لا، مهلا. كان لهم صلة بفريندا سيفلن من حادثة سابقة. عندما خَشِيَت أن تُختطف أختها، ألم يكن [آرمي آنت] هم الخاطفون القذرون الذين استهدفوا الطفلة البالغة سبع سنين؟ وأليست فريندا المتألقة والمذهلة هي من استأجرت الماما الأسطورية لتوقف اغتيالهم؟!

كل عضو في [آرمي آنت] يحمل بندقية نصف آلية. وكانت هذه نماذج بسيطة جدًا، بمعظم الأجزاء مُزالة. وكانت البنادق فائقة الخفة على الأرجح مُصمّمة لتُثبت أسفل بندقية هجومية وتُستخدم لاختراق الأبواب.

لمّا تحرّكت كينوهاتا لتغطي تاكيتسوبو الواقفة مذهولةً، وقع انفجار واندلاع دموي. لقد فجّر [آرمي آنت] رجلًا ضخمًا من نادي الاستثمار ببندقية 12 غيج، وأطاح به لمترين كاملين.

اختبأت فريندا بسرعة خلف عمود سميك، لكنها كانت أيضًا مستغربة.

(هاه؟ ففي النهاية، هم لا يطاردونني؟)

خشت أن يجذب الحديث بصوتٍ عالٍ انتباه خاطفيها المنحرفين ويذكّرهم بها، فصمتت.

حاول نادي الاستثمار المقاومة. التقط الحراس الضخام في البدلات شبه الرسمية النشّابية نصف الآلية من الأرض وبدأوا يطلقون النار على [آرمي آنت] بها.

「جيغييااه!؟」

صرخ أحد [الآرمي آنت] بعد أن أصيب، وتدحرج على الأرض. تلك السهام لم تكن عادية. انهار على جانبه، وارتفع ظهره بقوة، ويبدو أنه عاجز عن التوقف.

تحدثت بنت البدلة الرياضية بهدوء بينما كينوهاتا تحميها.

「منشّط الألم المعتمد على التربتوفان」

أليس هو الدواء الذي يضاعف مستشعرات الألم 350 مرة؟ على هذا المستوى، احتكاك ملابسك ببشرتك سيجعلك تتلوّى على الأرض ويؤذي دماغك بشكلٍ لا يُشفى منه. أما لو اخترق جسمك سهم، فالأمر واضح دون الحاجة للقول.

بدأت مواجهة نارية شرسة بين نادي الاستثمار وآرمي آنت.

كانت هناك أصوات انفجارات أخرى غير البنادق. طارت أشياء طينية في الهواء. كان [الآرمي آنت] على الأرجح يرمون متفجرات اختراق الأبواب كقنابل يدوية، بينما يرمي [نادي الاستثمار] زجاجات ويسكي باهظة كثلاثيات مولوتوف. كانت أساليبهم متشابهة لدرجة أن فريندا تساءلت لماذا لا يمكنهم التعايش.

كانت موغينو لتسعد لو تركت الجانبين يقتتلان، ولن تمانع بل ستسرّ كثيرًا أن تخطف جوّال فريندا الجديد (الذي اشترته رغم ثمنه لتسجيل أداء أختها المجيد في الميدان) وتشاهد مقاطع حية لتزاوج السلمون في البحار، لكن هذا لم يكن خيارًا متاحًا.

الطلقات العشوائية تتطاير في كل اتجاه طوال الوقت.

رأت موغينو أحدًا يحمل النشابية من طرف عينها، فاستجابت تلقائيًا ووجهت يدها اليمنى نحوه ورَمَت ميلتداونر. كان الذي نظر بدهشة إلى الثقب الهائل في بطنه هو مدير نادي الاستثمار، الذي حاول مواجهة [آرمي آنت] الذين اقتحموا المكان فجأة.

「أءء」

「موغينو، كلا الجانبين أعداؤنا، فلا بأس」

البريئة تاكيتسوبو سامحتها بلطف.

لكن نادي الاستثمار وآرمي آنت تحوّلوا جميعًا إلى اتجاهها.

لم يبدو أنهم يعتبرون وجود غريب بينهم.

بل إنما أرادوا التعامل مع الإزعاج الأصغر أولًا حتى لا تكون شوكة في جانبهم خلال حربهم الكاملة. وهكذا وافقوا ضمنيًا على هدنة صامتة.

وكان صبر موغينو شيزوري أقصر من ذلك كله.

「أُف، حقًا؟!」

في تلك اللحظة، لا مجال للشك في أن كِلَا نادي الاستثمار وآرمي آنت قد استهانوا بقدرة رابعة المستوى 5 في مدينة الأكاديمية. فمهما بلغت قوتها، لن تستطيع سوى إطلاق طلقة مستقيمة واحدة في حالة تركيز. وهذا لا يصلح للدفاع، لذا لو طوّقوها وأمطروها بالمقذوفات من جهات متعددة، سيصيبها أحدهم بضربة قاتلة تُسقطها أرضًا.

「ياليل الإزعاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااججءء!!」

كانوا سذّجًا إلى حدٍ لا يُغتفر.

فقائدة الآيتم كانت من نوعٍ خطرٍ من البشر يَقتل لمجرد أنه وَجَد مزعجًا.

بغضب، نقرت موغينو شيزوري أصابعها وقذفت بطاقة في الهواء.

ثم أطلقت عليها ميلتداونر.

واحترق السيليكون.

طوووووه!!!

مرورُ الشُعاعِ عبر شبه الموصل الخاص أشطَرَهُ وأشعَبَهُ على مدى 180 درجة ليصنع وابلًا كهربائيًا اخترق الجميع وأسكتهم في لحظة. أشبه بعاصفةٍ من الضوء العاصف. وكون هذه الخطوط الضوئية الرفيعة تحمل كل تلك القوة لم يكن إلا دليلًا على مدى سخافة قوة المستوى 5.

لم يصل الهواء رائحة دم.

بل رائحة احتراق.

تحدثت فريندا من الأرض، حيث كانت كينوهاتا قد أمسكت برأسها وأنزلته.

「ف-في النهاية، كدتُ أموت. ألا تعطين تحذيرًا بسيط قبل أن تفعلي شيئا كهذا؟」

「موغينو مميّزة، لذا يمكنها استخدام حركتها الخاصة دون أي تمهيد أو ترنيم. أليست رائعة؟」 مادحةً تاكيتسوبو.

「هيه، لا تشجّعيها هكذا. في النهاية، هذا أكبر سبب كيف أن لا أحد يقدر على إيقاف مجنونة المعارك تلك في ثورتها!!」

على أي حال، كلّ من في [نادي الاستثمار] و[آرمي آنت] قد لقي حتفه. وكانت فريندا شبه متأكدة أن فتيات الأرانب اللواتي كنّ يحملن المشروبات والمشجعة الشقراء بنت القرنين التي لجأت إلى هنا وحتى الضيوف المتأنقين قد امتلأوا بالثقوب مع البقية. لكنهم جميعًا أشرار، ومحافظهم مليئة بالمال القذر، فلماذا تهتم لهم؟

「همم،」 تمتمت موغينو.

تلك البطاقة شبه الموصلة كانت شيئًا طَلَبَت صُنعه من أولئك البالغين عديمي الضمير مُعتمدةً على تجربتها السابقة، لكنها لم تكن سوى نموذج أولي، ولم يكن تشتت الانتشار متوازنًا كما أرادت. لا زال لديها مجال واسع للتحسين.

「وي، قتلتهم جميع. الآن لن نستطيع استجوابهم」

「إذن عند قتال ملكة الشياطين، الخيارات بقوة ما هي "عش أو مت" مثل باقي المعارك...」

على أي حال، لماذا هاجم [آرمي آنت] فجأةً؟

بعد أن أحدثت آيتم كل تلك الجلبة بإطلاق الطلقات الفارغة في أرجاء المدينة، لا شك أن [صوت الهاتف] ستكون غاضبة أكثر إن كان التقرير النهائي يفتقر إلى التفاصيل. لهم أن يتركوا تنظيف الدماء والجثث لفريق الدعم، لكن من الأفضل التنقيب قليلًا قبل أن يُمحى كل شيء.

「انظري، كينوهاتا」 تقول تاكيتسوبو. 「هؤلاء الآرمي آنت لا يحملون جَوّالات. ومحافظهم خالية من أي بطاقات تعريف. أهكذا تكون مهماتهم دائمًا؟ يتوقعون الموت، لذا تخلصوا من متعلقاتهم حتى لا يضروا باقي المجموعة」

「لكن بلا جَوّالات؟ لكن هذا بقوة مُتعب لهم؟ كيف ينسْقون؟」

「وراء قناعهم النملةِ شيء. من الصعب الجزم بعد أن ذابت، لكنها نفسها الأجهزة اللاسلكية التي ظهرت في الأخبار قبل مدة القادرة على دخول الراوترات (أجهزة التوجيه) القريبة دون كلمة سر」

وبما أن بعض الجثث كانت مخترقة بمسامير معدنية حادة مطلية بمنشّط الألم، فقد حرصت تاكيتسوبو وكينوهاتا على الحذر أثناء نزع إحدى الخوذات ومناقشة الأمر. كله بسلام.

واكتشفت موغينو شيئًا آخر.

「وجدتُ مفتاح سيارة. لكن مع مدى حذرهم هذا، أشك في أنها ستوصلنا إلى مالكها」

وهكذا، لم يُسفر تفتيش أفراد آرمي آنت عن شيء يُذكر.

فماذا عن نادي الاستثمار وهم الهدف؟

فريندا من كانت تفتش من تلك الجهة.

「الحاسوب... أكبر من اللازم. مع منشأة اتصالات بهذا الحجم، في النهاية صعبٌ البحث عن أي شيء دون [كلمة مفتاحية] محددة」

「فريندا، جربي آرمي آنت؟」

「يلّا تاكيتسوبو، مستحيل تكون بهذه السهو- ول؟ في النهاية... نجَحَت」

ظهرت قائمة من الملفات.

لكن لم يكن أيٌّ منها بتلك الأهمية.

كانت الوظيفة الأساسية لآرمي آنت هي تحصيل الديون الظلامية، لكن بدا أن تلك المهارات نفسها جعلت [نادي الاستثمار] يستعين بهم كمرسلين لتسليم عائدات التداول المظلم. صحيح أنّ البنوك الإلكترونية غير موثوقة بسبب الزحام الكبير أثناء الفعالية الضخمة، لكن كانت هناك سجلات لآرمي آنت توضح قيامهم ببعض عمليات تسليم قضبان ذهبية ثقيلة.

「أجل هذا بس صراع داخلي؟ لكن ليه؟ كل شيء بقوة أربكني」

「كينوهاتا」 أشارت إليها بنت البدلة الرياضية لتقترب. 「أنا حركت مبرد النبيذ خلف طاولة البار ووجدت خزنة مخفية في الأرض. هلّا تقتلعيها بالأوفينس آرمر؟」

لم تكلف كينوهاتا نفسها عناء الرد. مزّقت قطعة السبيكة الخاصة بسماكة خمسة سنتيمترات بسهولة.

وجدوا مساحة بحجم مخزن المطبخ تحت الأرض.

「وآه!」 صاحت فريندا، وعلت نبرتها بالإعجاب.

وجدت نقودًا من عدة دول، قضبان ذهبية، وحتى ماس. المصارف الإقليمية كانت تخزن الآن بضعة عشرات الملايين من اليَنّات الورقية فقط، لكن ما وجدوه هنا كان أكثر بكثير.

「إذا فاز العميل لكن تأخر الدفع، فقد يؤدي ذلك إلى مشكلة كبيرة أو حتى يعرّض حياتهم للخطر. والخادم المتصل دائمًا بالإنترنت يمكن أن يتعرض لهجوم سبراني في أي وقت، لذا احتاجوا بعض النقود الفعلية تحسبًا لو خسروا بنكهم الإلكتروني. إنه تدبيرٌ أمني」

ونظرًا لأن آرمي آنت قد سلّم بالفعل بعض قضبان الذهب، فلا بد أن حذر نادي الاستثمار كان مبررًا.

لا تزال فريندا متربعة على الأرض، ومدّت يديها نحو توهج القضبان الذهبية كأنما تتدفئ فوق نار المخيم.

「في النهاية، ماذا نفعل بهذه؟ نيهيهي. نحفظها في جيوبنا؟」

انسي

بدت فريندا مشوشة.

منذ متى أصبح الآيتم فريقًا نقيًا وشريفا؟

تنهدت موغينو.

「تلك مزيفة」

「...」

「إنها نسخ مزيفة مصممة بإتقان. جرّبي استخدامها وسوف يتتبّعونك ويعتقلوك. خذيها معك إذا أردتِ تحليلها، لكن لن تتمكني من تصفيتها نقدًا. هذا مسرح جريمة. إذا شكّت الأنتي-سكيل في الأمر، فكيف لكِ أن تشرحي مصدرها، وكيف تتدعين بعدم علمك بأي شيء من هذا؟ وإذا لم يكن معك جواب، فسوف تكونين رسميا مجرمة」

شكل فم فريندا مثلثًا صغيرًا.

إيه، الوضع خرا.

「أتُرى يمكن أن هذا هو ما أغضب [آرمي آنت] حتى يأتوا إلى هنا ويقتلوا [نادي الاستثمار]؟ أساسًا، اُنتُهِكَ كبريائهم المهني كمحصلي ديون. البضائع التي كانوا يحملونها، وقلوبهم تخفق والعرق ينهمر عند التفكير في اكتشافها واعتقالهم، تبين أنها نسخ مزيفة لا قيمة لها」

الآيتم قد اكتشف الحقيقة وراء وفاة مختبرة الأدوية ماتسوبا سارينا.

وهذا يُنهي قضية نادي الاستثمار.

لكن...

「لا أحسب الأمر ينتهي عند هذا، في الأمر غرابة」

تعليقات (0)