-->

الفصل الثالث: مَاسِحُ اُلْجَرَائِمْ.

(إعدادات القراءة)

انتقال بين الأجزاء

  • الجزء 1

في الجدار فجوةٌ كبيرة.

ما يُرَى وراءها غير الظلام وإن كنا في النهار.

وهن عجزن عن الحركة.

الآيتم لم يجرؤ على الإقدام بأي حركةٍ طائشة.


إنَّ ميلتداونر موغينو شيزوري، صاحبة قوة الـ#4 في مدينة الأكاديمية... عَجَزَت؟


تلك العبارة حملت دلالةً عظيمة.

لَمْ يُحَيَّد الهجوم، لَمْ يُشتّت، ولَمْ يُحَرّف.

بل ارتدّ عائدا.

عَسُرَ التصديق، لكنّ ما جرى أمام أعينهم لم يترك لهم مجالا للتأويل.

وخيَّم صمتٌ طويل.

أول من قَطَعه كانت كينوهاتا ساياي.

「م...مصيبة」

نعم.

قد عبث [مشروع مايو المظلم] بدماغها وزرع فيها جزءًا من شخصية المصنف الأول، لذلك هي أكثر من أدركت.

هذا هو "الأصل" الذي لم تره من قبل.

وهي، في المستوى الرابع، بالكاد تستطيع استنساخ شذرةٍ من قوّته.

وذلك الكيان المهيب يقف الآن خارج تلك الفجوة وراء الجدار.

「إن كان ذاك بقوة هو الانعكاس الأصلي... هذه جِدًّا مصيبة. وموغينو أسوأ أسوأ خصم له لأن كل هجماتها خيالية القوة!!」

نعم.

"المنطق المألوف" و"الحس السليم" لهي مصطلحات لا تنطبق عليه أبدا. وإن صحّت الروايات عنه، فكلما تَحصّنتَ بقوى إسبرية مدمّرة وأسلحةٍ من الجيل التالي، كلما ازداد خطر موتك.


أَوَّلُ المدينة الأكاديمية.

أكسِلَريتر.


...ذلك الوحش قادرٌ بسهولة على ردّ شعاع ميلتداونر مكتفيًا بالوقوف. كان لا بدّ من تجنّب القتال معه بأي ثمن.

「فـ-في النهاية...」

راحت عينا فريندا سَيْفِلُن تتحركان في كل اتجاه.

لعلها تبحث -غير واعية- عن مخرجٍ آخر.

لكن أي طريق نجاةٍ آمنٍ هناك في الفضاء المكشوف الواسع للمنطقة 23؟

「أترى يُمكن أنها خُدعةٌ ما؟ حتى في الجانب المظلم، ما احتمالات أن يظهر ذلك الوحش الأقوى بنفسه!؟」

「إن خدعة البطاقات التي صنعتها موغينو قد تشوّش على قدرتها، ومع ذلك فهي لا تفعل سوى تشتيتها. أمّا أن يتلقّى شعاع ميلتداونر وهو يطير مستقيمًا نحوه ثم يُدَوّره مئةً وثمانين درجة فذلك مستحيل!!」

「...」

بنت البدلة الوردية تاكيتسوبو تحدّق مباشرةً في فجوة الجدار.

وقد أمالت رأسها، على نحوٍ غريب.

وإذ بشيءٍ يقتحم الجدار المصنوع من صفائح معدنية رقيقة. كانت عارضةً فولاذيةً ضخمة تُستعمل في تشييد المباني. شقّت طريقها بسهولة عبر المختبر الذي يعادل حجمه صالةً رياضية، فمزّقت بلا رحمة المكبس، والطابعة الصناعية ثلاثية الأبعاد، وسائر المعدات التي اعترضتها.

لقد صمدت تلك الأجهزة أمام نيران الرشاشات الثقيلة التي أطلقتها ديدان الأكياس البشرية، لكن هذا اخترقها بيسر.

「هذا أكثر من مجرد انعكاس... هذي بقوة تلاعب بالمتجهات!」

「في النهاية، ماذا نفعل؟ نحن في مواجهة صاحب المرتبة الأولى هنا. أتفق أن الخروج إلى المدرج المستوي فكرةٌ سيئة، لكن إن بقينا هنا فبوسعه أن يقنصنا من حيث يشاء. مثلما يغرسون السكاكين في البراميل في تلك المهرجانات!!」

  • الجزء 2

「نعم، تمامًا هكذا」


『...كش...』


「ثَنيُ المتجهات، ها؟ أعترف، ذلك انعكاسٌ مذهل」


『كش... كش،ـلعون』


「المهم، أبقِ المخرجة عند ذلك المستوى، ولا تطغى. تلك القدرة أعظم من اللازم، فإن أطلقتها بكامل طاقتها فلن تفعل سوى أن تجعلهم يفرّون في اتجاهاتٍ مختلفة. وعندها سيشتد قتلهم」


『...كششش』


「فاكسب لنا بعض الوقت، واضح؟」


『كش. أجل، عُلم』


「لأن هدفنا الحقيقي في موضعٍ آخر」


  • الجزء 3

أَوَّلُ المدينة الأكاديمية.

لم يكن لدى الآيتم أي فكرة عمّن أدخله إلى رقعة اللعب.

إلى أي عمقٍ تمتدّ الظلمة في هذه القضية التي بدأت بجثةٍ مشنوقةٍ عجيبة!؟

「ع-على أي حال، لا تفكروا حتى في قتاله. أنا بقوة أعني ذلك،」 تمتمت كينوهاتا وهي ما تزال تنظر إلى الفجوة في الجدار. 「ربما إسبر نفسي بحت قد يمتلك فرصة، لكن حتى تلك ستكون مقامرة حياةٍ أو موت. أمّا إسبرة قتالية عالية النيران مثلك يا موغينو لا فرصة لكِ!」

「إذن نهرب، لكن في النهاية، كيف نهرب؟」 بدا الاضطراب في صوت فريندا. 「تقولين إنه يستطيع التحكم في كل المتجهات؟ إن كانت لديه قدرة غبية كهذه فعلًا... فسرقة سيارة والقيادة من هنا ربما لن تكفي للفرار」

「...」

ولم تزد كينوهاتا من القول، وهي الخبيرة في هذا الشأن.

هذا يعني أن فريندا على حق.

فالقتال انتحار، ولا سبيل واضحًا للهروب.

لقد حوصروا قبل أن تبدأ المعركة أصلًا.

「في النهاية، ماذا نفعل؟」

「لا نستطيع القتال ولا الفرار. بصراحة، ما لنا شيء بقوة نقدر عليه. ...ماذا لو أقنعناه يَتَراجع؟」

「كينوهاتا، اشرحي قصدك،」 قالت تاكيتسوبو.

「لا أعلم لماذا ذلك الوحش هنا، لكن المنطقة 23 عادةً محظورة، صح؟ ليس كأننا صادفناه في منطقة تسوق خطرة」

كان صحيحًا أن احتمال حدوث هذا مصادفةً ضئيلٌ إلى حدّ يبدو معه الأمر خبيثًا عمدًا.

لذا التفكير بهذه الطريقة ليس بمستغرب.

「في النهاية، لا بد أنه يربح شيئًا من هذا... أو بعبارة أخرى، أتى بأمرٍ من عميلٍ أو وسيط؟」

「الغالب. لذا فالتحصّن في المختبر وكسب الوقت يصبّ في صالحنا」

عرضت كينوهاتا خيارها.

وهو رأي لم يذكروه من قبل.

「في الأثناء، لنطلب من [صوت الهاتف] أن يضغط على عميل صاحب الـ#1 أيا كان. تفاوض، تهديد، إقناع—لا يهمني. ما دام الرئيس الكبير للعدو بقوة يستسلم، فسوف يأمر الـ#1 بالانسحاب!」

بدت تلك إجابة صحيحة.

لكن كان واضحًا أن ثمة عقباتٍ كثيرة يجب تجاوزها.

「أشكّ أن [صوت الهاتف] ستبذل هذا الجهد من أجلنا،」 صريحةً قالت تاكيتسوبو.

「كك」

「ثم كيف نكسبُ الوقت ضد المصنف الأول إن كان يتحكم في كل المتجهات؟ حتى لو رميناه بأشياء من بعيد، فربما يمشي نحونا بكل بساطة؟」

「أجل إيش!؟ أنا بقوة أبذل جهدي ألقى أيّ فكرة! وما بقي معنا وقت بالكاد! خرا، الرقم 1 بقوة قادم إلينا!!」

「هذا عدو يجب أن نهزمه،」 قالت موغينو التي بقيت صامتة حتى الآن تفكر.

لم يكن لدى فتاة البدلة الرياضية وقت حتى لاحتضان رأس كينوهاتا المذعورة الغاضبة.

مالت تاكيتسوبو برأسها لتتأكد أنها سمعت جيدًا (مع أنها مضت قدمًا واحتضنت كينوهاتا على أي حال).

「موغينو؟」

「بواه، هالصدر، هاااااء، هذي طبيعية؟! لحظة، لِمَ ترفعين رأسك موغينو؟! سيُفجّره المصنف الأول!!」

「صدق؟」

صحيح أن شعاع ميلتداونر قد انحنى. لا، بل انعكس. ولا سبيل إلى إنكار تلك الحقيقة. وليس أيُّ أحدٍ يقدر على فعل ذلك.

لكن لا ننسى. هذه هي المنطقة 23، حَيٌّ خاص يبدو شاذًا حتى في مدينة الأكاديمية، حيث يُقال إن التكنولوجيا متقدمة عن العالم الخارجي بعشرين إلى ثلاثين عامًا. إنها منطقة محظورة متخصصة في تطوير تقنيات الفضاء الجوي. ما يعني أنها تزخر بأجهزةٍ ومعداتٍ ومنشآتٍ لا وجود لها في أي مكان آخر.

على سبيل المثال...

「تحت الأرض هناك مُسَرِّعٌ كهرومغناطيسي صاروخي داخل صومعة. تلك القاذفة الضخمة تستخدم التوجيه الكهرومغناطيسي لتطلق حمولاتٍ تزن أطنانًا إلى القمر أو المريخ. وربما تستطيع توليد مجالٍ كهربائي ضخم بما يكفي لتغيير مسار شعاع ميلتداونر!!」

  • الجزء 4

『ريكُرِي-نيه سان، لقد اكتشفوا الخدعة. ارجعي』


『نعم، نعم. نويت خداعهم لبضع نقلاتٍ أخرى... بصراحة، حتى إنني رفعت معدل الضغط بما يكفي لأُخفي صوتي بصوت تلك المشهورة إن تظاهرت بالكلام. حسنًا، لِيَكُن. أهذا يعني أنهم لم يعترضوا الإرسال أصلًا؟』

『الخطط الذكية لا تنجح إلا مع الأذكياء. اسحبي معكِ أمازورا وانسحبي』

  • الجزء 5

المصنف الأول في المدينة الأكاديمية لم يكن له داعي.

فحتى لو أطلقت موغينو هجومًا فائق القوة، فإن قدرتها تظل محصورة في التحكم بالإلكترونات. لذا، إن وُجد ما يؤثر في تدفّق الإلكترونات، أمكنه التشويش على قدرتها.

كمُسرّعٍ كهرومغناطيسي في صومعةٍ تحت الأرض.

فهذه هي المنطقة 23. وتقنيات ذلك الحيّ الخاص قادرة على ثني شعاع ميلتداونر.

「إ-إذن كيف تفسرين بقوة رمي العارضة الفولاذية الضخمة؟!」

「لا يتجاوز وزنها طنًا أو اثنين. لا داعي إلى قوة خارقة لرمي شيءٍ كهذا. المنطقة 23 متخصصة في تطوير تقنيات الفضاء الجوي. لن أستغرب لو أن فيها ما يشبه صواريخ ماءٍ عملاقة」

「موغينو. أهي تلك الأشياء التي تُطلق بالغاز أو الهواء؟」

「ذاك القاتل المتسلسل [جَون دُومٍ] أطلق بطاريات الليثيوم المعيوبة باستخدام ثاني أكسيد الكربون، تذكرين؟ تطوير تلك الفكرة للاستخدام العسكري ليس أمرًا غريبًا. رأيت شيئًا شبيهًا في التحف التي جمعها جَدّي. كانوا يستخدمون الهواء المضغوط أو النوابض المعدنية لصنع قذائف هاون صامتة」

وكان موقعهم مناسبًا أيضًا.

مختبر DIY Garage كان كنزًا من معدات التصنيع المتخصصة والأجهزة التجريبية. حين يُحاصر الهدف، يبدأ بالبحث بين الخردة عمّا يفيده بدلًا من الخروج أعزل إلى الخارج. لو أنهم اختاروا خطة كينوهاتا "البقاء في المختبر"، لكانت فريندا قد أمضت وقتها تفعل ذلك على الأرجح. بعبارة أخرى، هذا المكان يقلّل احتمال فرار الهدف مقارنةً ببيئةٍ عادية.

「إذن كان كل هذا لشراء الوقت؟ في النهاية، ما الذي يريده العدو؟」

「غالبًا شيئا تُجيدينه يا فريندا: زرع قنبلة وتفجير المكان! اهربوا!!」

لو كانت مجرد خدعة، فلا شيء يُخشى.

وإن بقوا هنا، فسيتفجرون مع المبنى.

بدأت موغينو تغادر المختبر الضخم، لكن تاكيتسوبو دفعتها جانبًا.


طوخ طوخ طوخ طوخ طوخ طوخ طوخ طوخ طوخ طوخ طوخ!!


دويٌّ يصمّ الآذان لا يكاد ينتهي. واضحٌ أن شيئًا يُرمَى عليهن من الخارج، لكن ما هو؟ قد امتلأ الجدار الخارجي للمختبر بالثقوب.

لعل أذنيها تأقلمتا مع الضجيج.

اتسعت عينا فريندا وهي ممددة على الأرض بعيد.

(هذا لا يشبه رشاشات ديدان البشر)

「كأنه مدفعٌ غاتلينج؟! أهي نكتة. في النهاية، من يَقدر على حمل هذا الشيء معه؟!」

「ذي المرة، أراهن بقوة أنهم جاءوا بقدرة إسبر」

ليس ذلك هو المهم.

هل كان العدو يمطر الرصاص ليذبح الآيتم؟ لا. نَثرُ الرصاص على مساحة واسعة دون تصويب دقيق كان هدفه تثبيت الخصم في مكانه. وهكذا يَفِرّ العدو إلى الأمان بينما يُفجَّر المختبر فوق رؤوس الآيتم!

「أنجزي يا فريندا!!」 صاحت موغينو.

وأخيرًا تذكّرت فريندا دورها، فسحبت شيئًا من تحت تنورتها القصيرة. أشعلت خمس قذائف رخيصة وقذفتها عبر الجدار الخارجي الممزّق.

وانفجرت بصوتٍ آلفته.

إجراءات مضادات الميلتداونر لا تعمل إلا على موغينو وحدها. أما المقذوفات الأخرى فلا تنحرف مساراتها ولا تنعكس.

وما إن توقف إطلاق النار العشوائي حتى اندفعت موغينو إلى الخارج.

لم تتبعها كينوهاتا ولا تاكيتسوبو.

فتاكيتسوبو بلا قدرة قتالية مباشرة، والأفضل أن تبقى في المختبر. أما كينوهاتا فربما خشيت أن تصيب تاكيتسوبو طلقة مفاجئة. حتى مع احتمال وجود قنبلة قد تنفجر في أي لحظة، فإن البقاء هنا أأمن من التمزيق فورًا بمدفع غاتلينج.

شقَّ شيءٌ السماء الزرقاء في اقترابٍ حاد. هبط نحو الأختين الشقراوتين المُتباينَتَيْن الواقفتين أمام موغينو وفريندا، واختطفهما إلى السماء.

(أعلم أن المنطقة 23 متخصصة في الفضاء الجوي... لكن من أين سرقوا ذلك الشيء؟!)

لم يتجاوز طول المركبة أربعة أمتار، ومقصورتها لا تتسع إلا لشخصٍ واحد بطول يقارب متر ونصف، المركبة في الحقيقة مروحيةٌ بدوّاراتٍ متشابكة. تلك [الغرفة الطائرة] بُنيت على هيكل عربة غولف، ومخصصة لأعمال الصيانة في الأكواخ أو الطرق الجبلية.

بدا أن مدفع الغاتلينج الضخم قد تُرك في الأرض بعد أن مُسح أي دليلٍ عنه. وسِلكٌ متدلٍّ من المروحية الصغيرة قد التقط الأختين بفساتينهما المبهرجة، وهو الآن يرفعهما إلى الجو.

وفتاةٌ ثالثة بزيٍّ مشابه تقود المروحية.

ثلاثتهنّ أخوات؟


「ريكُرِي-نيه سان، كوني صادقة معي. هل أعاقتْكِ أمازورا مجددًا؟」

「هيه، لا تشتكي مني بلا سبب، كاي أونيه-تشان! هكذا تُحَوّلون الطفل إلى جانح!!」


وانطلقن في السماء.

「تشه!!」

كانوا في السماء الخالية. لو رفعت موغينو كفّها وصوّبت، لأمكنها إسقاطهم بقوة #4 المستوى 5 في مدينة الأكاديمية قبل أن يبتعدوا.

لكن في تلك اللحظة—

كخخويي!!

ارتطم شيءٌ ثقيل بجانب رأس موغينو شيزوري—مباشرةً عند صدغها الأيمن.

「كَهْ...」

طائرة مراقبة مسيّرة اقتحمت المشهد فجأةً من الجانب.

وكانت تحمل ملحقًا خارجيًا ثُبّتت فيه قطعة معدنية بحجم قالب طوب.

أَوَأَنّها ركزت بَصَرها على الهدف البعيد كثيرا إلى درجة ضيّق مجال رؤيتها؟ هكذا كانت بغياب تاكيتسوبو.

لمحت الأخت الكبرى الكعوبة تُخرج لسانها، لكن رؤيتها المهتزّة منعتها من التصويب.

أطلقت شعاعين ميلتداونر، لكن ما غير أنهما حرقا الهواء الخالي.

هزّت رأسها فعادت الرؤية إلى طبيعتها.

المروحية الصغيرة ذات الدوّارات المتشابكة قد صارت في أقصى البعد.

「هفف」

راقبتهم موغينو يبتعدون على ساقين غير ثابتتين وتمتمت بذلك قبل أن ينهار المختبر الضخم خلفها.

  • الجزء 6

تحوّل المكان إلى كومةٍ من الأنقاض.

كانت الديدان البشرية وصانعها DIY Garage تحت كل ذلك الركام.

حقًا، كانت معجزة أن تاكيتسوبو وكينوهاتا قد نَجَتَا بعد بقائهما في المختبر.

「كينوهاتا، أنتِ بخير؟」

「هذا بقوة عملي. أكون دِرْعْ لكِ وقت الحاجة」

دفعت كينوهاتا الحطام المتداعي بذراعٍ نحيلة.

لم يمضِ وقت حتى تصل فرق إطفاء مدينة الأكاديمية. أو ربما ستكون فرقة إنقاذ خاصة، بما أنّ المكان في المنطقة 23. على أي حال، ليس لديهم متسع من الوقت، لكن ما عساهم يعودون خاليي الوفاض.

「موغينو. في النهاية، أخبريني إن احتجتِ شريحة اتصال تُرمى بعد الاستعمال. إن لم تكوني تمزحين بشأن استعادة عظامهم، أفلا ينبغي أن تبدئي بإجراء بعض الاتصالات؟ في النهاية، حتى لو اكتشفهم الموظفون الرسميون، فلا يزال الوقت متاحًا ما دام [الجانب المظلم] لم يتخلّص من الجثث بعد」

「نعم...」

وبينما تتبادلان الحديث وتنجزان بعض المهام...

「انظروا ما وجدت」

مدّت تاكيتسوبو شريحةً بيضاء بحجم طابعٍ بريدي.

لم يُكتب على أيٍّ من وجهيها شيء، ولا ظهرت عليها مسامير معدنية أو شريط مغناطيسي. قد تبدو للعين العادية مجرد غطاءٍ بلاستيكي صغير من آلةٍ ما.

بعد أن عدلت موضعه ورفعته نحو الشمس وكذا، سخرت موغنينو وقهقهت.

「طباعة خفيّة، هِا؟」

「بقوة إيش؟」

「نوع من الطلاء يُستخدم في الغشّ في الاختبارات. لا يُرى في العادة، لكن حين ينظر الغشّاش عبر نظارات تحليل طيفي، تظهر كتاباتٌ صغيرة」

اتخذ فم كينوهاتا شكل مثلثٍ صغير.

لم تكن اختبارات القبول جزءًا حقيقيًا من حياتها، لكن هل توجد أشياء كهذه فعلًا في مدينة الأكاديمية؟

「عادةً يُكتب على القلم أو ظفر الإبهام، لا على شريحةٍ واضحة كهذه،」 أضافت تاكيتسوبو وهي تحدّق في الفراغ.

أي "عادةً" تقصد ذي؟

「الرجل فعلها على شريحةٍ ملحوظة لأنه لا يريد أن يضيعها وسط قمامة بيته يا كينوهاتا. أراهن أن هذه تحتوي بياناتٍ مهمة تخصّ DIY Garage. اختار وسيطًا تناظريًا مزعجًا كهذا حتى لا يمكن اختراقه」

حين تصل تاكيتسوبو إلى الإجابة الصحيحة، تقولها وكأنها رأتها بعينها.

ارتجفت كتفا موغينو من الضحك.

「ورقة A4 كاملة يمكن ضغطها إلى حجم طابعة، صح؟ عندها لكِ إخفاء قائمةٍ أو مخططٍ ما」

「لكن يا موغينو، هذا لا يفيدنا كثيرًا دون العدسة الموافقة،」 قالت تاكيتسوبو.

「فريندا」

「مفهوم،」 أجابت فورًا دون تردد. 「في النهاية، هناك شيءٌ مطلي هنا حتى لو لم نره. المواد المستخدمة في الطباعة الخفية محدودة، لذا يمكنني إفسادها عمدًا بما يكفي لإظهار ما كُتب」

اختبأ الآيتم خلف حاوية حين وصلت شاحنة الإطفاء. ثم اقتربوا من عربة أمتعة أُوقفت لأسبابٍ أمنية. اختبأوا بين الحقائب الكثيرة ثم حملتهم المركبة الشبيهة باليرقة إلى المطار الدولي الذي لا علاقة له بما جرى.

تلونوا بالأحمر من الدماء إثر قتالهم مع [الديدان البشر]، لكن لدى مدينة الأكاديمية تقنيات فعّالة لإزالة البقع. قد يكشف تحليلٌ جنائيٌّ دقيق عن آثار الدم، لكن مظهرهم سرعان ما صار مقبولًا.

حين يموت أحد، يمكن محو كل أثرٍ بسهولة.

「...」

في المطار، لم يكن عليهم سوى ركوب حافلةٍ كبيرة لمغادرة المنطقة 23. خلال مهرجان دايهَسي، يتجمّع الناس من أنحاء العالم، لذا كانت الحافلات مزدحمةً بما يكفي كي لا يلاحظ أحد الآيتم.

بعد استئجار قاعة اجتماعاتٍ في مبنى مناسب، ركّزوا على الشريحة البيضاء.

سكبت فريندا سائلًا شفافًا في وعاءٍ رفيع، ثم أمسكت الشريحة بملقطٍ وغمرتها فيه. ضبطت الوقت بمؤقّت مطبخ، ثم أخرجتها وجففتها بهواءٍ دافئ.

「أوه، روعة يا فريندا. كأنكِ تظهرين رسالة سرية مكتوبة بعصير الليمون」

「تكفين يا تاكيتسوبو. لا تحصري معرفة العبقرية الكيميائية فريندا-تشان إلى مستوى أختي وهي تلعب النينجا」

كانت طريقةً لإفساد مادةٍ شفافة عمدًا حتى تكتسب لونًا يكفي لرؤيتها. الفكرة الأساسية واحدة!

ردود تاكيتسوبو الدقيقة كانت كفيلةً أن تصدع رأس فريندا.

「(في النهاية، ربما أنا أُبدي من الأمر سهلًا حتى ما صاروا يُقدّرون فضل هذه العبقرية عليهم. مثل الأطعمة المجمدة في البقالة—تظنها من بديهيات الحياة)」

「همم؟ لكنكِ مذهلة فعلًا يا فريندا. لديكِ مهاراتٌ حقيقية لا نملكها. أنتِ مذهلة مثل جارنا الشايب الذي ترك عمله المكتبي ليخدم البشرية بمحاولة اختراع جهاز تواصل بتداخل نبضات الكوازار حتى يُحادث الفضائيين」

「أستحلفك تاكيتسوبو، تحسبين هذا لا يوجعني」

المهم.

ظهر على سطح الشريحة لونٌ بنيٌّ يميل إلى السواد.

لكن بما أنّ ورقة A4 ضُغطت إلى حجم طابع، لم يكن قراءتها بالعين المجردة سهلًا. عادةً تُقرأ بعدسة مكبّرة (أو نظاراتٍ خاصة)، لكن الأربع أَرَدنَ مشاركة البيانات. كان أسرع تكبيرها بكاميرا الجَوّال والتقاط صورة.

「همم؟ كأنَّ الصورة ضبابية. كيف أفعّل وضع التصوير القريب؟」

「موغينو، لو كثّرتِ تغيير إعدادات الكاميرا سينتهي بك الأمر بجَوّال لا يفعل ما تريدين. إن أردتِ منع الاهتزاز فقط، ثبّتيه على حامل أو اربطيه بذلك المصباح」

وأخيرًا، حان وقت الاطلاع على الوثيقة المهمة.

عَرَضَت شاشة الجَوَّال دفتر الحسابات الشخصي لـDIY Garage. ما المواد التي اشتراها، كم اشترى، فيم استخدمها، ولمن باع النتائج؟ كل شيءٍ مسجّل هنا.

「همم؟ لحظة. في النهاية، أليست هناك قائمة أخرى بالأمور الأخطر، مثل الاتجار بالبشر؟ تلك التي تستخدم درجات البراندي」

「هذا الوسيط التناظري لا يُبحث فيه ولا يُنسخ ويلصق، لذا لن يستخدمه استخدامًا يومي. أراهن أن هذه نسخة احتياطية من سجلاته المعتادة كنوعٍ من التأمين في حال خانَه أحد. المصائب والفظائع ستكون مسجلةً في مكانٍ آخر」

امتلأت الوثيقة بسلاسل حروفٍ وأرقام، لكن تلك لم تكن مشكلة لموغينو.

وُلدت في بيئة جريمةٍ منظمة، وتعلمت منذ صغرها قراءة دفاتر الحسابات السرية.

「HoloAu79، ها؟ يبدو أن [صوت الهاتف] بالغت في التفكير بشأن سبائك الذهب المزيفة. من طريقة توزيعه لها، يبدو أن ذلك العالِم المختل لم يكن يعلم بوجود [نادي الاستثمار] أو [آرمي آنت] أصلًا」

「إذن في النهاية الصراع بين المجموعتين لم يكن مخططًا؟ بل محض صدفة؟」

「صحيح」

كانت جميع منتجات DIY Garage منزلية الصنع، ويبدو أنه "ابتكر" أشياء كثيرة إلى جانب سبائك الذهب المزيفة. عند تصفح القائمة، رأت موغينو ما يشبه اختراعات ربة منزلٍ سئمت الفراغ وأشياء تُعدّ أسلحةً غير قانونية وهويّاتٍ وأزياء مقلدة بدقةٍ مذهلة وغير ذلك.

أمالت كينوهاتا رأسها.

「يمكن كان الصراع بسبب الذهب المزيف صدفة مؤسفة، لكننا مع ذلك تعرضنا لهجوم تلك الأخوات الغريبات. بل تنكّرن بهيئة المصنف الأول. بقوة ما قصّة ذلك؟」

「حتى لو كانت صدفة، لا بد أن أحدًا لم يُرِد لنا التعمّق في هذا. هذا يعني أننا كنّا ننبش في مكانٍ غير مرغوب بنا فيه إطلاقًا」

لكن بانسحاب تلك الأخوات فور فقدانهنّ الأفضلية يوحي بأنهنّ لسن قلقاتٍ كثيرًا. لا يبدو أن انكشاف أفعالهنّ سيكلفهنّ الحياة. على الأرجح كنّ قاتلاتٍ مأجورات أُرسلن من قِبل عميل.

السؤال: هل من يهاجم الآخرين بسهولة مَن يشتري وجبةً سريعة سيتوقف بعد محاولةٍ واحدة فقط؟ سيكون وجع رأس للآيتم إن اعتبرن الأمر مجرد التفافٍ عابر واستمرت الهجمات بطرقٍ أخرى.

كان على الآيتم إغلاق ذلك الصنبور. أردن معلوماتٍ عن العميل السري وراء الهجوم، لا الجنود الصغار الذين ينفذونه.

هناك مَن لا يريد أن يُكتَشَفَ منتجٌ بِيعَ هنا.

فأيُّ بندٍ في قائمة الاختراعات والمبيعات هذه قد يخشاه أحد؟

ضحكت موغينو مستمتعة.

「الآن يبدأ المرح」

「؟」

「بنيةٌ تحتية للقتل تفلت من القانون」

  • الجزء 7

غادرت موغينو قاعة الاجتماعات واندست بين جموع الشوارع.

في الخامسة مساءً.

بدأوا تحقيقهم صباحًا، ثم انجرفوا إلى معركةٍ مفاجئة، فمرّت عليهن الساعات يعملن. فلا استغراب إن جعن. وفي مهرجان دايهَسي، لم يكن هناك نقصٌ في أكشاك الطعام والعربات المنتشرة في الشوارع.

「تاكيتسوبو-سان، بقوة ماذا تختارين؟」

「تصعب الاختيار حين تكون كثيرة، لا؟」

「ها؟ أنتن طفلات لم تكتشفن بعد الإمكانية العظيمة للسلمون」

اشترت موغينو والبقية شطائر وخبز.

وجاء مع كل واحدةٍ منها صلصة ملوّنة.

「ألا تفوح منها رائحة إسقمري؟ هذه زيوت سمك. إن علقت بأصابعك، أراهن أنها ستبقى حتى بعد الغسل」

「في النهاية، التحدي الذي يفرضه الإسقمري في أكله يجعله أكثر روعة!!」

「أخيرًا وبقوة وصل حبّها للإسقمري مرحلة خيالية」

ما كان لكينوهاتا مشاعر قوية تجاه الطعام، ويكفيها مشروب جيلي أو سموذي، لكن تاكيتسوبو قدّمت لها نقانق أُمَّ الاحتفاليات. تجاهلها لم يكن خيار وإلا حشرتها تاكيتسوبو في فمها بوجهٍ خالٍ من التعبير، فلا أمامها إلا القبول.

「تَرى، أتساءل أي صلصة تناسب السلمون أكثر؟ صويا الوسابي جِدًّا عادية، لكن المايونيز يجعل كل شيء بطعم المايونيز」

「أوه. في النهاية، ودّي أجرب الأفوكادو مع الإسقمري」

وبينما موغينو وفريندا تتبادلان الحديث، بدأتا تُجرّبان صلصات مختلفة مع السلمون والإسقمري لترَيا أنسبهم.

ما أحلى صحبتهما.

وكُنّ تتجوّلن قرب محطة القطار يتحدثن.

بنيةٌ تحتية للقتل تفلت من القانون.

يبدو المصطلح مهيبًا، لكن ما اللعبة الحقيقية خلفه؟

『ما بكِ مُغترّة؟ دائما هكذا أنتِ. أنتِ قد عرفتِ الجواب. وهو ليس بمصطلح غريب على مدينة الأكاديمية』

「...هذه المدينة فعلًا مجنونة」

لولا أنها كانت تأكل شطيرة سلمونٍ مشوي، لَتخلَّت موغينو عن المهمة فورًا.

『حين يموت حيوان مختبر بعد أن يُصيبوه عمدًا ببكتيريا، أو يحقنوه بعقارٍ أو غيره، يتخلصون من بقاياه بسرعةٍ وأمان،」 واصلت صوت الهاتف بعد توقف. 「عادةً يُحرَق فورًا بدرجات حرارةٍ عالية. يبدو أنّ الأفران الكهربائية تجذب الانتباه آخر الأيام. إنها أشبه بأفران ميكروويف عملاقة』

ولا حاجة للقول إن مدينة الأكاديمية مدينة علوم، المختبرات فيها في كل مكان. ولكل واحدٍ منها "منطقة التخلص من النفايات". الأدوية الجديدة المخصصة لتطوير الأسابر تشكّل خطر تسريب معلومات إن استعانوا بمتعهدٍ خارجي للتخلص من النفايات. الدماء، الشعر المشبع بمزيجٍ كيميائي، وحتى الخلية الواحدة—كلها تُعدّ معلوماتٍ سرية.

كان الجميع يحرقون الجثث أصلًا.

ألا وجود في مدينة العلم هذه لقلقٍ عادي بشأن احترام الموتى؟

(أراهن أن ذلك جزءٌ من الأساس الذي بُنِيَت عليه المدينة لتسريع الأبحاث)

『ومن خلال تعديل مخرجات الأجهزة المخصصة للحيوانات الصغيرة، قَلَّصُوا كتلةً بحجم إنسان إلى رمادٍ أبيض. إلى جانب ذلك، أنتنّ دائمًا ما تطلبن من مجموعة الدعم التخلص من الجثث. دائمًا هكذا أنتن』

ذلك صحيح.

لكنهنّ لم يفكرن قطّ في الكيفية الدقيقة لتنفيذ الأمر.

『تحميص الجثة في فرنٍ ضخم يدمر خريطة الـDNA بالكامل، فلا يمكن إثبات قانونيًا أن ما لديكِ بقايا بشرية. لكن إن كنتِ من النوع القَلِق، فسوف تسعين أكثر إلى الدقة، فتغمرين الرماد في حمضٍ قوي لتزيلينه تمامًا』

「إذن فـ"بنية القتل الفالتة من القانون" تعني جَمْعَ كلّ المعدات والمنشآت اللازمة لخلق تلك العملية فتُصَغّرها قدر الإمكان حتى تتسع داخل صندوقٍ واحد؟」

『ليست إلا خدعةً سحرية لإخفاء الجثة. حاوية تخزين واحدة تكفي. المشكلة الأكبر هي طاقة الفرن الكهربائي. توصيله بمصدر منزلي بجهد مئة فولت لن يكفي. قد يكون أسرع أن نحدد مكانًا نسرق الطاقة منه دون لفت الانتباه—من مصنع أو سكة حديد أو منشأةٍ ذات مصدرٍ ضخم للطاقة. حالما نعرف أين يوجد الجهاز، لن يطول الوقت قبل أن تحددن الهدف ونطاق تحركه』

「فهمت」

ذلك منطقي على الأرجح.

لقد رأين ذلك المسرّع الكهرومغناطيسي في صومعةٍ تحت الأرض في المنطقة 23، لكن تلك حالةٌ خاصة جدًا. طاقةٌ كافية لمحو جسد إنسانٍ بمجرد الملامسة لا تتوافر في أي مكان.

لكن تاكيتسوبو حملت تساؤلًا آخر.

「وماذا عن طريقة الدفع؟」

「صحيح. في النهاية، تلك الشريحة البيضاء ذكرت طريقةً فريدة. بدلًا من النقد أو المال الإلكتروني، كان الدفع بتسليم مضارب غولف أو سيارات فاخرة. وتركها في أماكن إيجار ضعيفة الرقابة أمرٌ غير معتاد」

「أعرف هذه الطريقة」

التفتت ثلاثةُ الآيتم إلى تاكيتسوبو.

تلك الكلمات تحمل معنىً مختلفًا هذه المرة.

هذا ما كانت تاكيتسوبو ريكو تقوله؛

لم يعد وجهها الخالي من التعبير كما هو؛ خيّم عليه ظلٌّ خفيف.

「أعرف صديقةً قديمة كانت تستخدمها」

  • الجزء 8

حلّ المساء.

وبمحاذاة شارعٍ رئيسي مساحةٌ تتأرجح بين أن تكون حديقةً أو غابةً صغيرة. أحاطت بها ناطحات سحابٍ كثيرة، وهناك جلست تاكيتسوبو على حافة نافورة. تلعب بزجاجة شايٍ بلاستيكية صغيرة بين يديها.

وبهدوءٍ تتكلم.

「A-كو، B-كو، C-كو...」

「بقوة ما يعني؟」

「أسماءهن، لكنها تقريبًا بلا معنى. في مدرستي "مختبرٌ متقدم" كان أشبه بحكاية أشباح. تقول الحكاية إن مجموعةً لم يرهم أحد قط قد يختارونكِ وفق معايير غير معلنة، ثم تختفين فجأةً من صفّك، ويُقال للجميع إنكِ انتقلتِ إلى مدرسةٍ أخرى. وتُمحى هويتك وسجلك واسمك، ولا يستطيع أحد تتبّع حياتكِ الجديدة」

لكنّهم موجودون.

منظمةٌ تمحو كل أثرٍ لأناسٍ أحياء، بما في ذلك أسماؤهم، وتستخدمهم في التجارب. الحقيقة كانت أعمق بكثير من قصة الأشباح التي يتناقلها الطلاب على السطح.

وقفت كينوهاتا واضعةً يدًا على خاصرتها.

「حتى وأنتِ لم تفعلي شيء، ذلك بقوة ما حدث لكِ؟」

「كل ما فعلته أنني ألقيت نظرةً إلى الداخل」

تَبَسَّمت تاكيتسوبو، وهي التي نَجَت من أن تتحول إلى D-كو.

ابتسامةً فيها من جلد الذات، وتحمل جراحًا صغيرة كثيرة.

「كان هدف المختبر المتقدم تعزيزَ القدرات الإسبرية. لكن ليس بآثار دائمة في حال الفشل، كالتلاعب بالدماغ أو بالجينات، بل بوسائل خارجية كالأجهزة أو العقاقير التي تُستَبدَلُ عند الحاجة.

「في الأصل، حتى المدرسة كانت تُجري تجارب على [البلورة] دون أن تدرك مدى خطورتها،」 منهيةً تاكيتسوبو.

فكيف كان المختبر المتقدم ينوي استخدام تلك [البلورة] الخطيرة أصلًا؟ لا بد أن المخاطر على حياة المستخدم كانت ستتضاعف.

「سمعتُ أن شيئًا أدّى إلى فشل [المختبر المتقدم] قبل نقلي الرسمي إليه. لا أعرف التفاصيل، لكن أظن أنهم خسروا صراع نفوذ في الجانب المظلم. تفرّقنا نحن الأربعة—حتى أنا، رغم أنني كنت ما أزال هناك فأرة تجارب—وهربنا. لكنني وحدي تعثرت فأُلقي القبض عليّ حيّة」

تَعثَّرَت. قُبِضت حَيّة.

عبارتان غريبتان حين تجتمعان في سياق الجانب المظلم، لكن لم يكن وراءهما معنى أعمق.

「صَبُّوا اهتمامهم على تدمير المنظمة أكثر من اهتمامهم بي فردًا. أتذكر أنني كنت مشوشةً للغاية بعد أن طُرحت فجأةً في العالم النور」

طبيعي أن تُشَوّش.

لا شيء يربك الإنسان أكثر من أن يُقال له فجأةً أن غايته ذَهَبَت.

لكن إن لم يكن هناك ما يقيّدها، فعلى تاكيتسوبو ريكو أن تواجه العالم النور وحدها.

「كنتُ مَرّة أُرِيد صُنعَ الألغاز،」 قالت تاكيتسوبو. 「لا... علّها لم تكن واضحةً في ذهني إلى هذا الحد. ربما كنتُ لأرضى عمل مقدمة برنامجٍ تلفزيوني أو موظفة في متحف. أردت أن أكون شخصًا يشرح للناس أشياء」

كُنت.

أي أن ذلك لم يعد.

شيءٌ أجبرها على ترك الدرب.

「عشتُ فتاةً عادية لفترة، لكن ذلك لم يدم」

「هل زاركِ صديق؟」 سألت موغينو، تتكئ على عمودٍ معدني قريب.

أومأت تاكيتسوبو.

「كانت قُبيل أن ألتقي بكِ」

تاكيتسوبو دائمًا ما تقول إنّ موغينو هي التي أنقذتها حين اعتُقلت بتهمٍ ملفقة.

「A-كو وB-كو وC-كو رأينَ أن إعادة إحياء [المختبر المتقدم] سيصلح من حياتهن. بدأن ينظرن إلى ماضيهن المؤلم ذاكِ أنَّه تجربة مميزة لا ينالها الناس العاديون」

ولعل نفوسهن لم تستحمل تفسيرًا آخرَ. ولربما كان تعليم المختبر وإدارته فعّالين إلى هذا الحد.

「أردن أن نكونَ مجموعةً من أربعة. ودفعهن إيمانٌ حقّ أنّ ذلك سَيُكَمِّلُهُن」

「...」

「أراد المختبر المتقدم استئناف عمله، فتعاونت الفتيات الثلاث. كان الكبار مستعدين لفعل أي شيءٍ إن كان ذلك يضمن استمرار أبحاثهم. وحين عدتُ من التسوق مرّة، وجدتُ غرفتي اختفت. اصطدمت شاحنةٌ بالطابق الأرضي حيث كانت غرفتي. مع دمار سكن الطالبات، فقدتُ مكاني في المدرسة. بل خدعنّ الأنتي-سْكِل ليعتقلوني بتهمة سرقة الشاحنة وتدمير منزلي. لا أعرف لماذا، لكنهن ادّعوا أنّ جثةً وُجِدَت في غرفتي المدمّرة」

تلك هي التهم الملفقة التي أُلصقت بها.

وبحسب تاكيتسوبو، الطلاب الموهوبون الذين رفضوا الانضمام إلى المختبر يُعزلون ويُحتجزون بهذه الطريقة. تلك طريقتهم المعتادة. لَهُم من الأدلة كُتُبٌ تُدَرّس في تلفيق التهم.

「وبعد أن انحدرتِ هذا الحد، في النهاية أنقذتكِ موغينو؟」

「تسللتُ إلى مكان الاحتجاز ومحيت بعض البيانات،」 شرحت موغينو مُتَحرِّجة.

ضيّقت فتاة البدلة الرياضية عينيها بعطف.

الآيتم كان قد بدأ بهاتين.

فلا شك أن وقتًا قُضِيَ ولم يشاركه سواهما.

تنهدت موغينو وهي ما تزال متكئة على العمود، عقدت ساقيها.

「إذن هنّ يَرَين الآيتم عدوّا؟ لأننا سرقناكِ منهن وأكملنا الفريق الرباعي الذي أردنه؟」

「أظن ذلك. هنّ لا يفكرن بمهاراتهن الفردية أو جهودهن. بل يعتقدن أنهن فشلن لأنهن لا يستوفين الشروط اللازمة، وألقين اللوم على من سلبهن ذلك」

في الأمر سخرية.

كأن تاكيتسوبو ريكو هي العَلَم الذي يحدد الفائز في لعبة التقاط أعلام الشاطئ.

فوق أن مشيئتها لم تكن أولوية.

「قِلتِ بقوة أنهن صديقاتكِ القديمات؟」

「نعم」

「إذن تعرفين قدراتهن؟」

بالنسبة لموغينو وكينوهاتا وفريندا، كان الثلاثي الغامض لغزًا. لكن ليس كذلك لتاكيتسوبو. لديها فكرة عامة عن قدرات A-كو، B-كو، C-كو. وكانت تلك أفضليةً كبيرة للآيتم.

جالسةً على حافة النافورة وتُمسك زجاجة الشاي بكلتا يديها، أشرعت تاكيتسوبو في شرحها.


「قدرة A-كو هي [الكُل أو العَدَم]. كلما نجحت في رَدِّ ضربةٍ، تُضاف قوة هجوم خصمها إلى قوتها هي فيتضرر بها الخصم. الشرح الفيزيائي فيها غامض الغموض، لذا أظن أنها في أساسها قدرةٌ نفسية. مثلما أنَّ الخوف من سلاحٍ ناري أو قنبلة قد يسبب نزيفًا في القلب، فإنَّ النشاط الذهني المفرط قد يسبب ضررًا جسديًا حقيقيا. ...هي تعزز قدرتها خارجيًا عبر تنويمٍ ذاتي باستخدام أضواء وومضات وروائح. لا يمكنها أن تخسر ما دامت قادرة على خداع نفسها」


「قدرة B-كو هي [فيرمون المنطقة]. تعتمد على رائحة شعرها. حين تختلط جزيئات رائحتها بجزيئات شخصٍ آخر، يتفكك التركيب المجهري ويمكنها تحديد موقعه بدقة. اعتبريها قدرة رادار وهي مركزها. ...تعزز قدرتها خارجيًا عبر تحسين نمط حياتها—الغذاء والنوم وغيرهما. يبدو أن الأبحاث تحاول استخراج أفضل أداءٍ منها عبر إلزامها بروتينٍ مثالي」


「أما قدرة C-كو هي [المُرَكَّب]. تُمكّنها من إلصاق أي جسمين معًا بغضّ النظر عن خصائصهما المادية. بلصق يدي العدو معًا؛ تُقَيِّدُه. وأظن أن لديها طرقًا أبشع لربط أجزاء الجسد. ...تعزز قدرتها خارجيًا عبر جراحةٍ دماغية. ثُبّتت آلات أصغر من حبّات الذرة داخل جمجمتها، وتقوم بتَوَسّعٍ وانكِمَاشٍ طفيفَيْن لتحفيز قِيَمٍ مختلفة في دماغها」


توقّفت تاكيتسوبو عند هذا.

لكنها أضافت أخيرًا نقطةً أخرى لا يمكن تجاهلها.

「والأهم، A-كو وB-كو وC-كو جميعهن من المستوى 4」

「وهذا كان قبل ما بقوة تَتَعَزّز قدراتهن؟」

「صحيح يا كينوهاتا」

رفعت فتاة البدلة الرياضية رأسها من حافة النافورة.

وزفرت زفرةً ثقيلة.

「لم يغششن ليصبحن عبقريات. بل كُنَّ عبقرياتٍ غَشَشْنَ」

ما الذي قد يحققنه وهنّ يقصّرن أعمارهن قسرًا لتعزيز قدراتهن؟ وكما هو الحال مع [بلّورة الجسد] لتاكيتسوبو، بدت فتيات [المختبر المتقدم] مختلفاتٍ على نحوٍ ما. لسن مجرد مستوى 4 عاديات.

「وأيضًا، هذا كله مبنيّ على الفترة التي كنت أعرفهن فيها... فاحذرن. لا أدري بمدى تطورهن منذ ذلك الحين. وتذكّروا أن [المختبر المتقدم] هو معهد أبحاث هدفه دفع قدرات الإسبر إلى ما بعد حدودها بالآلات والعقاقير. والتكنولوجيا تتطور أسرع ما يكون. خصوصًا في هذه المدينة」

「...」

「مع أنهم أجروا أيضًا أبحاثًا حول خفض قدرة الإسبر عمدًا كي يمكن التحكم بهم بالكامل. لا تسمعون عن ذلك كثيرًا في مدينة الأكاديمية، لذا أظن أن ذلك هو ما لم يُعجب أحدهم فلهذا هاجمهم」

كل ذلك يفسّر قوة الفتيات.

لكن ماذا كنّ يفعلن بتلك القدرات تحديدًا؟

「أتذكر طرقهن إلى حدٍّ ما. ولكن لا أحسبهن بَقِينَ على نفس الحال، هكذا عرفتهن」

خفضت تاكيتسوبو نظرها إلى الأرض، رافضةً النظر في عيون أحد.

أو لعلها تنظر إلى زمنٍ مضى.

「في كل مرة يغادرن [المختبر المتقدم] لتنفيذ عملٍ قذر، كنّ يبدأن بمهاجمة أكثر الفعاليات ازدحامًا في المنطقة يومها」

「في النهاية، أيكون هذا مجرّد عملية إلهاء واسعة النطاق؟」

「ربما في الهالوين أو حفل تخرّج. كل ما أردنه هو إحداث عددٍ كافٍ من الضحايا وسط حشدٍ كبير ليُشعِلنَ ذعرًا واسعا. عندها ينشغل [الأنتي-سكِل] [والجدجمنت] بالتعامل مع ذلك فلا يتبقّى لديهما وقت للتركيز على أي شيء آخر. ثم يصنعن -ولو لفترة قصيرة- منطقةً خارجة عن القانون فيها يتحركن بحرية. ويستعملن ذلك لمهاجمة مختبرات منافسة، أو اغتيال شخصياتٍ مُهِمَّةٍ جَهَّزَت لتقليص ميزانية المختبر، ومثل ذلك」

「لكن هذه الطريقة تُقحم عددًا هائلًا من الناس العاديين ولا؟ في النهاية، كيف يسمح المسؤولون الكبار بذلك حتى؟」

「لم يسمحوا، ولهذا دُمّر المختبر أَوَّل مَرّة」

قالت تاكيتسوبو ذلك قول البديهية.

مُقنِعَةً كثيرًا.

「ومع ذلك لم يتعلّمن الدرس」

مُقنِعَةً أكثر مما ينبغي.

شبّكت موغينو ذراعيها وهي تتكئ على العمود المعدني.

「فهدفهن استعادة تاكيتسوبو، وما نحن إلا مهمة جانبية ها؟ وأكبر حدث هذه الأيام أليس هو مهرجان الدايهَسي؟ لكنه ضخم لدرجة لا نعتبره فعالية واحدة」

「لن يأتوا بشيء يغطي كامل المدينة الأكاديمية. على الأرجح سيركّزن على حيٍّ واحد. وإن افترضنا أنهن يعرفن مكاني، فتلك هي أكثر فعالية ازدحامًا وقريبة؛ المسيرة الليلية. وخصوصًا عرض الألعاب النارية على ضفة النهر」

「همم؟ ليست فعالية رياضية؟」

「الملاعب والقباب تتطلب مقاعد وتذاكر، لذا لا تستوعب إلا عشرات الآلاف، لكنَّ عرضًا مجانيًا في الهواء الطلق سيجذب مئات الألوف. خاصةً مع وجود الكثير من الآباء وغيرهم من الناس العاديين جاءوا من خارج المدينة. من المرجح أن يكون الحشد هناك أكبر」

「م-مهلًا،」 قاطعت فريندا.

تقدمت نحو تاكيتسوبو، على الأرجح دون أن تشعر.

「ألعاب نارية؟ أتمزحين! في النهاية... لا تقصدين تلك على ضفة النهر في الحي السابع، صحيح؟ أختي ستكون هناك!!」

الاتفاق على الالتقاء هناك مبكرًا لتفادي الازدحام كان خطأً.

مالت كينوهاتا رأسها وهي تؤدي تمارين إطالة خفيفة.

「كيف بقوة يهاجمن عرض الألعاب النارية؟」

كانت فريندا قلقةً أكثر مما ينبغي على أختها ذات السابعة لتكون ذات عونٍ يُذكر.

هل تتصل بها؟ لا. مَن قد يصدّق أن خطرًا كهذا يختبئ على مقربةٍ من عالمه المسالم.

نقرت موغينو لسانها.

「عروض الألعاب النارية هذه الأيام تُدار كلها ببرامج صح؟ لن يكون لديهم وقت لفحص كل أنبوب من عشرات آلاف أنابيب الإطلاق يوم العرض، لذا يظلّ تسليمها وتركيبها على مدى عدة أيام هو الإجراء المعتاد. ...لذا حتى لو استبدل أحدهم الألعاب النارية بمتفجرات أكثر تدميرًا، فلن يملك الموجودون في الموقع وسيلةً لاكتشاف ذلك. لن تحتاج تلك الفتيات إلى لوحة دوائر معقّدة مليئة بأسلاك ملوّنة. شخص بريء سيضغط مفتاح الهلاك نيابةً عنهن」

「...」

「فريندا، مهمتنا إيقاف هذا. إن كنتِ ما زلتِ عازمة على أداء عملك، فلا تقلّلي من حجم الضرر في محاكاتك الأوّلية. هذه حياة أختك. فهل ستدعينها تموت حقًا لأنك خفتِ رؤيتها تموت في محاكاة؟」

「ل-لكن هذا عرض ضخم للألعاب النارية. ألن تكون لديهم إجراءات أمان ضد الانفجارات العرضية؟ مثل وضع موقع الإطلاق بعيدًا عن الجمهور」

「فريندا. إلى متى تتركينا نستمر بناءً على هذا الافتراض الخاطئ؟ لن ننقذ أحدًا إن بقيتِ هكذا」

「آهخ، طيب! في النهاية، فهمتُ!!」

كل كلمة قالتها موغينو كانت دقيقةً إلى حدٍّ أرغبت فريندا في تفجير فمها.

ركلت عمود إنارةٍ معدنيًا بغيظ ثم راحت تقفز ممسكةً بأصابع قدمها من الألم.

تنهدت الشقراء الدامعة مرةً، ورفعت يدها إلى جبينها تمسح غرتها.

وهي مطأطئة الرأس، تحدثت بسرعةٍ وخفوت.

「لغمٌ اتجاهي ينثر كراتٍ معدنية على شكل مروحة سيحوّل كل ما ضمن خمسين مترًا إلى بحرٍ من الدماء. ولغمٌ يقفز ذاتيًا وينفجر كالمظلّة قد يقذف شظايا خطرة لمسافة مئتي متر」

「بـ-بقوة لغم واحد فقط؟」

「في النهاية، نعم. ولا يحتاج أن يكون أكبر من علبة طلاء صغيرة」

الألعاب النارية التي تجلب كل ذلك الفرح ما هي إلا متفجرات.

وهي خطيرة كفاية... لكن القنابل تُحشى عادةً بكراتٍ معدنية ومسامير وما شابه لقتل الناس بكفاءة أكبر. لأن ذلك يخلق جدارًا صلبًا من الموت بإطلاق عشرات أو مئات القطع المعدنية بسرعة تفوق رصاصة مسدس.

「إجراءات الأمان في عرض الألعاب النارية لن تكون إلا لمواجهة اللهب وموجات الصدمة الناتجة عن المتفجرات، لذا لن تنفع ضد قنبلة محشوة بالشوائب. في النهاية، لابد أن يكون موقع الإطلاق أبعد بكثير」

ذلك كفيلٌ بتدمير وَقتٍ كانَ أصله أن يكون سعادة.

الدفاع أشُدُّ من الهجوم. خصوصًا إن كان في المتفجرات.

زيادةً، سيُطلق في هذا العرض عشرات الآلاف من الألعاب النارية. لم يعرفوا نطاق الفخ المعدّ، لكن إن اُعتُبِرَت كلٌّ مفرقعة فخًا، فعدد الضحايا سيكون كابوسيًا بحق.

زفرت فريندا زفرةً مُثقلة. علها أخذت حسابات أكثر تحديدًا في هذا الجانب.

「يبدو أن الإطلاق سيتم من ضفةٍ رملية في النهر، لكن في النهاية هذا ليس بعيدًا بما يكفي. ...في النهاية، إن كانت الألعاب قد استُبدِلَت فعلًا، فعلى الأقل الصفوف الأمامية على ضفتي النهر ستتحول إلى أشلاء」

سيخلق ذلك توزيعًا غير متكافئ للانفجار، ما يشكّل مشكلةً إن كان الهدف ذبح مئات الآلاف في مساحةٍ واسعة. لكن هدف A-كو وB-كو وC-كو من [المختبر المتقدم] لم يكن عدد القتلى بحد ذاته، بل إثارة ذعرٍ يشلّ النظام العام إلهاءً. لذا لن يهمهن كمّن الناس يُقتل. ما يردنه هو فوضى صارخة تلفت الأنظار بأكبر قدر ممكن.

جلست تاكيتسوبو على حافة النافورة، وأضافت إلى تقييم فريندا بوجهٍ لم يعد خاليًا من التعبير.

「لا نتفائل بافتراض أن الصف الأمامي وحده من سيتضرر. لا ندري عَدَدَ المتفجرات التي سيُدخلنها. وحتى لو نجا معظم الناس من الانفجار نفسه، فكم عدد الذين سيُسقطون أرضًا ويُداسون حتى الموت حين يحاول مئات الآلاف الفرار في فوضى دفعةً واحدة؟」

كان هذا إلهاءً — تمهيدًا لتسهيل الحركة.

...وقد أظهر التكتيك أثره قبل أن يُنفذ حتى. بدا أن فريندا لن تتمكن من التركيز على القتال. طالما أنَّ موقع الآيتم يجعلهم في موضع المدافعين عن المدينة، فلا عساهم يتجاهلون تخريب عرض الألعاب النارية. فإن تركوا، قد يخسرون ثقة الكبار ويصبحون هم المُطارَدون.

هذا الأمر مرتبطٌ بحدثٍ ضخم في العالم النور.

حين شرحت موغينو الوضع لصوت الهاتف، جاءها ردٌّ لا مبالٍ.

『إذن امضوا في ذلك. الآيتم سيُفكك قنابل الألعاب النارية ويُعاقب أيضًا فتيات A-كو وB-كو وC-كو مِن... ما كان اسمها؟ المختبر المتقدم؟ لا بد أن يريهن أحدٌ أن العالَم ليس عالَمَ شغب』

「ما؟ لن ترسلي تعزيزات؟ هذا أمرٌ يتخطى عالمنا القذر المظلم. العالم المشرق نفسه في خطر」

『أودّ لو أرسل بعض القوات العادية، لكن ذلك على الأرجح لن يسبب إلا مزيدًا من الذعر وسط ذلك الحشد المكتظ. دائمًا هكذا الأمر』

ما أكره صوابها.

『ولا تطلبي إلغاء عرض الألعاب النارية في هذه المرحلة أيضًا. A-كو وB-كو وC-كو سيسمعن أي إعلان رسمي، وذلك ما يفيد إلا باستفزازهن』

「هنّ لا يهتممن إلا بإحداث الفوضى،」 قالت تاكيتسوبو. 「لا يهمهن إن لم تنفجر قنابلهن. أظنهن سيغيرن الخطة فقط ويظهرن بأقنعةٍ وبنادق لإطلاق النار عشوائيًا على الحشد」

إذًا سيُقتل الناس العوام على أي حال.

بل في الواقع، علَّ القنابل أسهل في التعامل.

ما لِمُوغينو إلا أن تُخمّن، لكن من الممكن أن تكون الفتيات قد خططن للأمر بهذه الطريقة.

ذلك الحدث سيُفَرّق الآيتم، ما يتيح استهدافهن واحدةً واحدة. إضافة أفرادٍ أكثر لن يخدم الآيتم، بل يضرها. لذا، رغم معرفتهن بفخ العدو، ما أمام الآيتم خيار سوى الانقسام كما يريد العدو.

العدو هو من يمسك الخيوط.

كلعنةٍ. ما لم يكسرن الطوق، فلا ينتظرهُن سوى الموت والهلاك.

فجأة، خرج سؤالٌ هادئ من فتاة البدلة الرياضية.

وهي تعصر زجاجة الشاي بين يديها.

「لكن لماذا بنية القتل الفالتة من القانون؟」

تجمّدت فريندا في مكانها.

لم تفهم ما تعنيه تاكيتسوبو.

بعد كل المعلومات الجديدة التي اكتشفنها، بدا أمر DIY Garage وكأنه خبرٌ قديم.

شغّلت فريندا جَوَّالها وراجعت ملاحظاتها وألبوم الصور رغم أنها لم تسجّل شيئًا جديدًا.

「تقصدين ذلك الشيء الذي أحضرته A-كو وB-كو وC-كو؟ حسنًا، في النهاية هو غرض مغرٍ لأي شخصٍ ينوي فعل الشر، صح؟ لو كانت أجهزة تتيح لك قتل أيّ شخص دون أن يُكتشف أمرك تُباع بسعر تصفية، لكنتُ أنا بالتأكيد اشتريتُ واحدة. وربما ثانية احتياطًا」

「ليس هذا ما أعنيه... [المختبر المتقدم] قد كان لديها كُتُب الاتهامات الملفّقة. يمكنهم توريط أي غريب والإفلات بأمان، لذا لا يفترض أنهم بحاجة إلى بنية قتل ميكانيكية مراوغة للقانون」

「همم؟ الآن بعد أن ذكرتِ...」

عبست موغينو المتكئة على العمود المعدني.

لا بد أنهم أدركوا خطورة شراء منتجٍ كهذا سرًّا. لذلك استأجروا الأخوات الثلاث لتفجير المختبر مع DIY Garage وسجلاته عندما اقترب أمر الصفقة من الانكشاف.

ومع ذلك، لم يبدُ أنهم كسبوا شيئًا من المنتج ما يُبرّر المخاطرة.

وكان لديهم فعليًا وسيلة للتخلّص من الجثث، فلماذا تكبّدوا عناء الشراء؟

『بنية القتل الفالتة من القانون قيّمة، لكن المشتري نفسه لا يستفيد منها مباشرة.』 قالت [صوت الهاتف]؛ 『لكن في هذه الحالة... لحظة. هل يُعقل أن—』


طاخ طَطاخ!!


نهضت موغينو من على العمود.

دوّت طلقات نارية جافة قليلة. من الجهاز الصغير الذي كانت تمسكه. أطلق الهاتف تشويشًا متقطّعًا للحظات، ثم سقط في صمت.

「مَه... بقوة إيش؟」

『...』

「صوت الهاتف؟ حتى نحن بقوة لا نقدر نوصل لها! كيف رموا النار على مسؤولة رفيعة في قلعتها الآمنة ونحن في الميدان سالمين؟!」

「أهذا هو سبب رغبتهم في بنية القتل المراوغة للقانون؟ بدل أن يحتاجوها لأنفسهم، باعوها لشخصٍ آخر. تأكّدوا من امتلاك ورقة المساومة التي سيحتاجونها. ومقابل حلّ "المشكلة" التي هي شخصيةٌ مهمّة مذنبة تملك امتيازات [صوت الهاتف] في الظلام، حصلوا على معلومات موقعٍ لا يمكنهم عادةً الوصول إليها!」

كانت الآيتم مجموعة مجرمين تعيش في ظلال الجانب المظلم، لكنها تحظى بدعمٍ غير رسمي من مدينة الأكاديمية. لكن الأمور تتغير إذا انقطع الاتصال [بصوت الهاتف] التي لطالما أمسكت زمامهم.

A-كو وB-كو وC-كو من [المختبر المتقدم] أزلن دعم الآيتم، وحان وقت الاستمتاع بالمطاردة.

عُزِلَ الآيتم.

「ماذا نفعل يا موغينو؟」 سألت تاكيتسوبو.

「لا أعلم إن ماتت [صوت الهاتف] أم لا. لكن حتى لو، يفترض أن يُعيَّن لنا وسيطٌ آخر. لنختبئ حتى ذلك الحين و—」

في لحظتها.

مباشرةً بجانب كينوهاتا، سُحق العمود المعدني الذي كانت موغينو تتكئ عليه كما تُسحق علبة ألمنيوم.


بشاحنةٍ مقطورة وزنها عشرون طنًا.


اصطدم المصدّ الضخم بجسد كينوهاتا الصغير، فجرّها إلى الأسفل أكثر مما قذفها إلى الأمام. ولم تستوعب الأخريات الواقع الجديد.

تلا ذلك هدير تدميرٍ مرعب. شقّت الشاحنة طريقها عبر الحديقة دون أن تُبطئ. لا بد أن الحاوية انفتحت عند الاصطدام إذْ تركت بعض الأجسام الدائرية على الأرض.

ها قد بدأنا.

بطريقةٍ ما، هل نُسمّي هذه تحية؟

وقفت فريندا في مكانها، ولم تستطع حتى التزام الصمت من الصدمة لمّا انسكبت كلمات من زاوية فمها.

「ل-لَمْ... في النهاية، لم تمضِ حتى ثلاث دقائق منذ أخذوا صوت الهاتف!!」

「كينوهاتا」

「لو أنَّ قدرتها حقيقية، فلن يكفي هذا لقتلها! تفرّقوا الآن!!」

ترددت أصداء عدة أزواج من الأقدام.

لا لديهن وقت لمعرفة إلى أين ركضت الأخريات.

في هذه اللحظة، للنجاة أولوية قصوى.

لا يدرين البتة أين قد يختبئ قاتل مأجور. ولم يكن بالضرورة أن يكون بَشَرا. ماذا لو كان في القهوة التي طلبنها سُمّ أو بكتيريا؟ ماذا لو سقط فانوس أو جهاز صاعق حشرات من شرفة أحدهم؟ قد ينفجر أنبوب غاز مدفون ويشعل انفجارًا هائلًا. كيف يمكنهن توقّع كل تهديد، والانتباه له، وتجنّبه؟

「هاث، هاث!!」

بعد أن وصلت إلى فجوة بين مبنيين، توقفت فريندا سَيْفِلُن أخيرًا لتلتقط أنفاسها.

اكتشفت أنها وحدها.

لا، لم تنفصل عن موغينو وتاكيتسوبو عرضًا. لقد ركضن عمدًا في اتجاهات مختلفة منذ البداية. وما زلن لا يعرفن ما حلّ بكينوهاتا. لم تظن فريندا أن اصطدام شاحنة بها سيقتلها، لكن إن كان العدو يركّز على القضاء على إسبرات الآيتم رفيعات المستوى، فكانوا ليشنّوا هجومًا إضافيًا على كينوهاتا.

تفرّق الآيتم.

ومع غياب دعم الكبار، انقطع حتى اتصالهن بمجموعة الدعم.

والعدو الخفي كان يطاردهن مُطارَدة فريقٍ واحد. لدى كينوهاتا أوفينس آرمر يساعدها، لكن فريندا كانت صفرية، وستُقتل بسهولة إن أُخذت على حين غرة. لم تكن تفكر في ذلك عادةً، لكنها أدركت من جديد أنها الإنسانة العادية الوحيدة في الآيتم وبالتالي الأكثر عرضة للموت حين تسوء الأمور.

لهذا لن تكتفي بطاعة تعليمات موغينو شيزوري.

قد تتمكن مستوى 5 من النجاة (باستخدام أساليب القوة الغاشمة التي تعشقها تلك 

المهووسة بالقتال)، لكن الاتباع الأعمى سيقتل فريندا. قتل الأرنب.

إذن—

كان عليها أن تفكر بهدوء... بهدوء... بهدوء... كشريرةٍ مُظلمة.

(بصراحة، هل في وسعنا حتى هزيمة هذا العدو في قتال؟)

إن لم يكن، فلا بأس. معرفة استحالة الفوز ستساعدها على وضع خطة. بعبارة أخرى، سوف تهرب. لكن عليها أن تبقى هادئة. هل الهروب ممكن جسديًا أصلًا؟ أين أختها ذات السابعة الآن؟ هل وصلت إلى موقع عرض الألعاب النارية؟ هل يمكن تحديد موقع شخصٍ واحد وسط مئات الآلاف المتكدسين كقطار ساعة الذروة ثم إخراجه بأمان من المدينة؟ إن لم يكن، فعليها إيجاد وسيلة. لا تزال لديها خياراتها الخاصة كمستوى صفر. مثل GPS هاتفها وطائراتها المسيّرة المصنوعة من الزجاجات البلاستيكية. أفتعتمد ذلك؟

ما إن فكرت حتى هذا الحد، حتى سرت قشعريرةٌ في عمودها الفقري.

تسللت فكرة بلا أساس إلى ذهنها فجأةً.


انتبهي.

إن اخترتِ الخطأ، فالموت الموت.


「...」

لم يكن اختيارًا بسيطًا بين يمين ويسار.

هذا المفترق والقرار سَيَصِيغان نوع الشريرة التي تكونها فُريندا سَيْفِلُن.

وما إن همّت بسلوك الطريق الأسهل حتى تراجعت خطوةً واحدة.

اهدئي.

اركُدي.

وامسُكي نفسك.

(العدو تفوّق علينا وشتّت الآيتم. حتى أنه أبعد [صوت الهاتف]. هذا صحيح، لكنه ما كان ليتكبد هذا العناء لو كان واثقًا من هزيمتنا دون ذلك)

وهذا يعني أن النتيجة ليست محسومة.

بل يعني أن اليد العليا كانت للآيتم. أيًا كان ما يريده العدو، إن اجتمع الآيتم جَمعةَ فريقٍ موحّد، فذلك وحده سيخيفهم. سيشعرون وكأنهم يواجهون قنبلةً ضخمة غير منفجرة، ويترددون. لذا لن تتخذ فريندا قرارًا متهورا كهذا. عندما يكون الآيتم في موقع القوة، سيكون من الحماقة التوجه نحو الهلاك دون سبب.

الوضع مصيبة بالتأكيد، لكنها ما زالت تملك خيارات. حتى لو بدت ضيقة وهشة. لذا، ورغم اقترابه، لم يكن هذا أسوأ سيناريو بعد.

إن لم تستطع رؤية ذلك الخوف بوضوح، فعليها أن تعرّفه. موغينو شيزوري، تاكيتسوبو ريكو، كينوهاتا ساياي. فقط إن أُجبِرَت حقًا على التخلي عن هؤلاء الثلاث، عندها ستسميه أسوأ سيناريو. وحتى لو حدث ذلك، فلن يمنع أي خيارٍ تتخذه مسار المذبحة، ولن تستطيع حماية أختها الغالية.

وبتحديدها لأسوأ احتمال، استطاعت ترتيب أولويات الرهبة الغامضة التي تحيط بها والخيارات الكثيرة الماصخة التي تدور حولها.

الخلاصة، وضعها الآن هو...

مخيف.

نعم، مخيف. لكن—

في النهاية، هذا أيقظني

رفعت رأسها.

استعادت رباطة جأشها. وإن كانت قريبةً قريبة من فِعل فِعلَتِها.

وهي مُدركة.

الوقوف على حافة الهاوية لا يعني خيانة رفاقها. ولا حاجة للقلق بشأن من يحمي ظهرها. حين تقع في ورطة، لها أن تعتمد عليهن. كانت واثقة من ذلك. فيا بخت  هذه من حياة؟

ثم كيف عساها تهرب وحدها؟ لنفترض أنها أمسكت بذراع تلك الطفلة ذات السبع سنين، وغادرت مدينة الأكاديمية قسرًا، وتجاهلت عرض الألعاب النارية وبقية الضحايا. إلى أين تهرب؟ خلف الجدار إلى العالم الخارجي؟ هل تستطيع؟ وحتى لو استطاعت، أيُّ ضمان أنها لن تُطارَد هناك أيضًا؟ اختيار الخيار الذي يبدو أكثر أمانًا في كل مرة لن يزيد إلا احتمال إصابة أختها برصاصة طائشة.

كان عليها أن تتخلى عن التفكير السلبي الذي يقول أنّ الهرب خير.

عليها أن تفوز وتنتزع أمانها.

إن كانت فتيات آيتم الأخريات ما زلن بأمان، فأينما ركضن بعد التفرق، فسيتوجهن جميعًا في النهاية إلى عرض الألعاب النارية.

رفعت فريندا رأسها مجددًا.

وبدأت تركض.

تعرف وجهتها.

لن تستسلم للخوف. فذلك هو ما سيقودها إلى أسوأ سيناريو.

  • الجزء 9

كانت كينوهاتا ساياي وحيدةً في مساء ظلام المدينة.

عندما دُهست أصغر بنات الفريق تحت شاحنة وزنها عشرون طنًا، فرّت الفتيات الكبار جميعًا. دون أي تفكير ثاني.

「خرا...」

اتكئت على آلة بيع قريبة.

عشرون طن لكثيرة حتى بالنسبة لها.

وحقيقة أن الضوء طمأنها جعلها تشعر بالضعف والطفولية.

بضع أجسام بحجم كرة السوفتبول مصنوعة من الورق المقوى كانت مرمية على الشارع هنا وهناك. ربما سقطت من خلف الشاحنة.

(هذه بالتأكيد ألعاب نارية صناعية... لا، هذه قنابل متخفية على شكلها. هل هذه احتياطيات جَهّزها تَحَسُّب لأي طارئ؟ هو هذا يعني أن التخريب بقوة حقيقي؟)

تنهدت.

هل يجب أن تجمّعها من أجل الأبرياء الذين سَيَمُرّون هنا لاحقًا؟

「إيه، على الأقل هذا بقوة أفيد من أقضي وقتي على الجَوَّال」

كانت الشاحنة قد ابتعدت. ولَمَّا كشطتها عجلات الشاحنة على الطريق ودهستها سابقًا، تمكنت أن تُمسِك إحدى سماعتها اللاسلكية التي بها تتبع مواقع ثم ألصقته بأسفل الشاحنة، لكنها لا تدري كم سيفيدها ذلك. فنعم، استخدموا الشاحنة للدهس. ومن شبه المؤكد أنها مسروقة.

أزعجها أنها لم تمت هناك ببساطة.

لأن البقاء حيًّا يعني أنها ما زالت في المعركة وعليها التعامل مع المشكلة.

لعل [صوت الهاتف] قد ماتت. وبدون دعمها أو دعم مجموعة الدعم، صارَ الآيتم معزولًا تمامًا مُطارَدا. وكخطة تشتيت أو استعداد لذلك، كانوا سيقضون على مئات الآلاف في عرض الألعاب النارية.

وتلك الجزئية الأخيرة غير مقبولة.

ألم يدرك هؤلاء الحمقى أن هذا ليس ضروريًا؟ من دونه، لربما انهارت روح كينوهاتا.

لم تفكر في الأمر وكأنه فيلم.

وليس لديها أي نية لتتصرف كبطلة فيلم.

الترفيه كان ممتعًا لأنه عدا ذلك يكون عبثي. هدفه الأساس هو الاستمتاع بلا وعي.

لذلك انتقلت إلى طور العمل بدلًا من طور الترفيه.

وتحدثت سافكة الظلام غليظة.

「نعم، من أوّل حياتي وهي ضائعة في الظلال. على الأقل أرد الجميل لمن استضافوني. وأنا مدينة للصادقين أولئك لأنهم جاءوا بعيشة جدا ممتعة」

ما كانت لتنسى.

أن المدينة العادية التي عرفتها صنعها أُناسٌ عاديون.

  • الجزء 10

توقفت بنت البدلة الرياضية تاكيتسوبو ريكو في حديقة غسق.

لم تظن أن أحدًا يلاحقها. فكانت تعرف عادات A-كو وB-كو وC-كو من المختبر المتقدم. لم يكن بإمكانهم الاستمرار في قتال فوضوي وجهًا لوجه لفترة طويلة. كانوا يؤمنون مسافة واتجاهًا يسمح لهجوم أحادي الجانب على خصمهم، يشنون ضربة استباقية من نقطة عمياء، ثم ينسحبون. يبدو ظريفًا إذا أسميته أسلوب "اضرب واهرب"، لكنهم في الحقيقة أحبوا الغش واستغلال الثغرات.

ولطالما كانت تاكيتسوبو ضحية لذلك حتى ضجرت.

قد ظنت أن موغينو أنقذتها من كل ذلك بعد حادثة التهم الكاذبة، لكن تلك لم تُحَل بعد. أنهت الأمر مؤقتًا، لكن جذور المشكلة بقيت.

كان كل هذا نتيجة قراراتها.

لقد تجاهلت الدَين لفترة طويلة حتى تراكمت الفوائد وأمست خارج السيطرة.

والآن حوصرت بها.

「لا مهرب من الماضي، ها؟ أفعالي تعود الآن لتقتلني」

  • الجزء 11

موغينو شيزوري تحدثت بهدوء وهي جالسة على مقعد في رصيف محطة القطار.

「ربما، لكنكِ الآن من الآيتم」


  • ما بين السطور 1

مع تحول لون السماء من البرتقالي إلى البنفسجي، اكتظ نهر المنطقة 7 بالناس.

وكانَ الجمع المتنوع من الثقافات يَحمِلُ مراوح ورقية تُدخِلُ إبهامك في فتحةٍ دائرية. كانت تُوزَّع بالمجان في المنطقة وتعمل أيضًا مثل بروشور لعرض الألعاب النارية.

العشب الواسع على ضفاف النهر عادةً ما يُستخدم كميدان غولف للتدريب أو ملعب كرة قاعدة عشبي. وحاليًا قَسَّمتها الحبال إلى مناطق شبه المستطيلة، لكن ذلك لم يكن مهمًا كثيرًا مع هذا الحشد الكبير. لا مجال للناس أن يضعوا بطانية ويجلسوا. وهناك أيضًا بعض الهياكل الصناعية الكبيرة. في الصف الأمامي بالقرب من النهر مَسرحٌ كبير كما في المهرجانات الخارجية، وأُقيمت محطة مؤقتة للبث التلفزيوني.

وما أصخبه من ضجيج هذا الذي نسمع.

اصطفّت مكبرات الصوت الكبيرة عبر المساحة الشاسعة مثل أحجار ضخمة ومنها أُنتِجَ صوتُ مذيعٍ شاب.

「يا مرحبا بكم في عرض الألعاب النارية والمسيرة الليلية المفرحة في مهرجان دايهَسي!! قريبًا تستمتعون برقصةِ أضواءٍ وأصوات جاء بها ممثلون مهرة وذو موهبة! ليس ذلك فحسب، بل سيشارك معنا الليلة مجموعة من الفنانين محترفونَ وهُوَاة! اسمحوا لي أن أقدمهم لكم. أولًا نجمنا الذهبي والذي لا يُعَرّف: هيتوتسوي هاجيمي. وبعده، هممم، اسمُ ذي يُقرأ بالألمانية أو الإيطالية؟ ...عل كلّ، معنا أريسا-تشان! ولدينا أيضًا ثلاثي الآيدول؛ زمرة كليرنس!!」

وفي المدرجات على ضفاف النهر يبيعون الطعام والشراب، ولكن أيضًا مناظير وترايبودات بسيطة للجَوَّالات. عدسات الكاميرات الأحادية للجوّالات الذكية لم تكن رخيصة حتى تُباع في مثل هذه الأكشاك، لذا ربما الموجودة هنا هي نُسَخٌ مقلدة غير مفيدة.

「يلّاااا، [تِسّو]. يومنا سيطير، يلّااا!」

「آآه. انتظريني، سينباي...」

وأصوات ميكانيكية "غشنك، غتشنك" جاءت من الحشد.

وبشكل أدق، من أبراج مراقبة الحشود المحمولة [سبايدر كراب]. بمعنى آخر، كانَ ضابط أنتي-سْكِل مجهزًا بأرجل طويلة كالعكاز تُنَقّلُه بمهارة بين الحشود. مع دعمٍ حاسوبي ورادار مضاد للأفراد، استطاعت الأرجل المعدنية -الأنحف من المَسَّاحات- المشي بسلاسة عبر الحشد الكثيف دون أن تدوس على أي شخص. شكلها مضحك، لكن ركلةٌ جانبية من أحدها قد تقلب سيارة عادية.

وبين كل ذلك.

تحت رحمة موجات الناس، رفعت بِنتٌ يدها الصغيرة تنادي صديقتها.


「ف-فريميا-تشان، أين أنتِ؟」

「أزومي، هنا هنا. أول شيء، هنا ستصل أختي!」

تعليقات (0)