الفصل الخامس: لَحْظَةُ تَوَتُّرٍ عَلَى وَتَرِ الشِّدَّة. — استئناف_العداء.
(إعدادات القراءة)
- الجزء 1
(«—لقد تسلّل ساحرٌ إلى مدينة الأكاديمية،») قال ستيل ماغنوس، كاهن الكنيسة الإنجليزية التطهيرية.
(«—حاليا، معنا خيطٌ يقودنا إلى روت دِستورب — أوريانا تومسون، وإلى لِدُفيا لورنزِتّي من طائفة ماردي غرا. ويبدو أنّهما تحاولان إبرام صفقةٍ على عنصر روحي بالغ الأهمية في مكانٍ في المدينة نيا~،») أضاف الساحر تسوتشيميكادو موتوهارو.
وبينما كان طالب الثانوية كاميجو توما يسير في أرجاء مدينة الأكاديمية عصر ذلك اليوم أخَذَ يسترجع ما أخبراه. فقد كانت المدينة تعجّ بالبشر هذه الأيام بسبب مهرجانٍ رياضيٍّ خاص يشمل المدينة بأسرها يُعرف بمهرجان دايهَسي.
(«—عادةً ما تكون الإجراءات الأمنية هنا شديدة الصرامة، لكنّهم ومع انشغالهم بمهرجان دايهَسي لا بدّ أنّهم استعانوا ببعض الموظفين الإضافيين، فاستغلّ أولئك السحرة الفرصة وتسلّلوا إلى داخل المدينة»)
(«—وأنت تعلم يا كاميآن~. إن قبضت الأنتي-سكِل أو الجدجمنت على أحدٍ له صلة بالسحر، فستقع حربٌ لا محالة-نيا. لكننا كذلك لا نستطيع إدخال حشدٍ من السحرة إلى داخل المدينة لملاحقة أوريانا ولِدُفيا؛ فليس جميع السحرة أصدقاءً لمدينة الأكاديمية-نيا~. لقد تنبّه كلٌّ من جانب العِلم والسحر لِما تفعله هاتان الساحرتان، إلا أنّ أيديهم مغلولة ولا حيلة لهم»)
وكان وجود الكبار في ذلك اليوم لافتًا، هو أمرٌ لم تألفه مدينةٌ يشكّل الطلاب ثمانين في المئة من سكانها. قَد قَدِمَ الآباء والأوصياء أفواجًا ليروا أبنائهم يتنافسون، وهنا وهناك يحدقون مذهولين في عَنَفَات الرياح المولِّدة للطاقة والروبوتات ذاتية التنظيف الأسطوانية وسائر المظاهر التي تستثير فضولهم، وكان من بينهم الأسابر الخارقون، ككاميجو.
(«—وهذا يعني أنّنا الوحيدون القادرون على التحرّك الآن»)
(«إن لم نُحبط صفقتهم المتعلقة بسيف الطعن، فقد يكون ذلك كلّ ما يحتاجه عالم السحر ليشعل حربًا-نيا~»)
شقّ كاميجو طريقه بين الحشود يتمشّى. ومن حوله آباءٌ وأبناء يحملون بالوناتٍ مملوءة بالهيليوم، وشيّابٌ يحملون كتيّبات مهرجان دايهَسي التي تضخّمت حتى غدت كدلائل السفر الخارجية، يتفحّصون جداول الفعاليات.
(«—ما إن تكتشف جماعة السحرة خارج المدينة أيّ تدفّقٍ للمانا حتى يتّخذوا ذلك ذريعةً للاقتحام. لا شك أنّهم جهّزوا تعاويذ بحثٍ تمتدّ على أوسع نطاقٍ»)
(«—ومع ذلك فلن تغطّي تعاويذهم كامل المدينة. لعلّهم يتّخذون إندِكس نقطةَ ارتكاز، وينطلقون منها في نطاق كيلومترٍ أو اثنين. بما أنّ معظم الحوادث المرتبطة بالسحر في هذه المدينة كانت تدور حولها-نيا~»)
(«—هذا يعني أنّه إن اقتربت الفتاة من موضع الحادثة، فلربما ترصد المانا الصادرة مني أو من أوريانا ولِدُفيا. إن أبعدناها، تقلّ احتمالية رصدها لنا كثيرًا»)
(«إيه، الموضوع معك، كاميان. لو تُبعد إندِكس عن موقع الحادثة، فذلك عونٌ كبير لنا»)
كان كلّ شيءٍ من حول كاميجو يبدو هادئًا. لا أحدٌ يعلمٍ بما يجري من أحداثٍ غريبة...
...ولا بما هو على وشك أن يصيب المدينة الأكاديمية...
...ولا بوجود من يعملون على إيقافه.
(«—تبًّا! إنّ [العنصر الروحي] التي بحوزتهم ليست سَيْفَ الطَّعْن، بل صَلِيبَ بُطرس! إن له القدرة على إخضاع كلّ ما في الحيّز الذي يُغرس فيه أرضًا، ماديًّا كان أو معنويًّا، فيحوّله إلى أرضٍ خاضعةٍ للكنيسة الكاثوليكية الرومانية. وكلّ ما في المنطقة المتأثرة سَيَسِيرُ على هَوَى الكنيسة، ولن يخطر ببال أحدٍ أنّ ثمّة خللًا. وياهٍ لو استُخدم في مدينةٍ تعادي العالم الديني... هذا أخيرُ ما تحلم به الكنيسة الكاثوليكية الرومانية أن تقع مدينةُ علوم تحت حكمها!»)
(«—لم تكن الصفقة التي ذكرتها أُريانا من أجل [العنصر الروحي] ذاتها، بل كانت صفقةً للسيطرة على مدينة الأكاديمية. هنا معقل العلوم، فإن حكموا قبضتهم عليها فكأنما استحوذوا على نصف العالم-نيا~. إذا استولت أكبر الكنائس السحرية على أكبر كيانٍ علمي... فإن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية ستغزو الكوكب بأسره!»)
(«—ولهذا كنّا نعرف اسمَيْ أُريانا ولِدُفيا، وأنهما تتولان التسليم، لكننا لم نعرف قطّ لِمَن يستلم الصفقة. فلم يكن في نيّتهما أصلًا تسليم صَلِيبِ بُطرس. إنّ الصفقة قائمة بين لِدُفيا وأُريانا والكنيسة الكاثوليكية الرومانية بأسرها التي تنتميان إليها!»)
ومضى كاميجو توما يسير في مدينة الأكاديمية—
—حيث في الظاهر يَتَنافَسُ الأسابر، ويَتَربَّصُ السَّحَرَة.
- الجزء 2
مهرجانُ دايهَسيه.
هذا المهرجان الرياضي الفريد المقام على مدى سبعة أيام في مدينة الأكاديمية—وهي المنشأة المكرّسة لتنمية القدرات الخارقة والتي تشغل القسم الغربي بأكمله من طوكيو—قد بلغ قرابة منتصف يومه الأول. وكانت جميع الفعاليات متوقفة في تلك اللحظة من أوّل الظهيرة حتى بداية العصر ليتغدى الناس. أمّا جموع الطلاب الذين كانوا قبل قليل يشاركون في المنافسات ويهتفون لزملائهم فقد انتشروا الآن في الشوارع وزاد حضور الزوّار القادمين من خارج المدينة من كثافة الحشود حتى بلغت ذروتها.
«إنديييييييييكس؟»
وكاميجو توما يشقّ طريقه عبر شوارع المدينة المكتظّة.
قد بدّل ثيابه مؤقتًا فصار مثله مثل أيّ فتى عادي بقميص قصير الأكمام وبنطال رياضي قصير. بعضُ الظروف تركته بخدوش على ذراعيه وساقيه، ووُضِعت على خده قطعة شاش، فضلًا عمّا لحق بملابسه من تمزّقات وآثار طين. لكنه ومع مشاركة جميع الأسابر في معارك مهرجان دايهَسي العنيفة، لم يكن يلفت الانتباه كثيرًا.
وبسبب تلك الظروف نفسها، لم يأكل شيئًا من الطعام رغم اقتراب نهاية استراحة الغداء. كان يمشي بخطى بطيئة، جوعانًا، مواصلًا بحثه عن جوعانةٍ مثله.
(لا بدّ أنّها قريبة... تأكدت أن أعطيها جَوَّال صفر ينّات {بلا رصيد}، لكن بطاريته نفدت فلن تستخدمه. كما أنّ تسوتشيماكادو طلب مني إبعادها عن الحادثة، لذا عليّ أن أجدها وأراقبها)
جالت عينا كاميجو في الأرجاء، يسأل كيف له أن يكون على هذه الدرجة من الهدوء، بينما أمثال الساحرة أُريانا تومسون وتابعة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية لِدُفيا لُورنزِتّي يدبّرن أمرًا في الخفاء. غير أنّ تسوتشيميكادو موتوهارو وستيل ماغنوس كانا قد حذّراه من هذا أيضًا.
(«—إن كان هدفهم استخدام صليب بطرس للسيطرة على مدينة الأكاديمية، فلماذا لم يستخدموه فورًا؟ لا بدّ من سبب مَنَعهم. فهي أداة روحية بالغة القوّة. تفعيلها وتحكمها وتثبيتها يحتاج إلى أكثر من مجرّد تعويذة. مثلًا... قد تحتاج المُلقية إلى تطهير نفسها بالنار والزيت المقدّس لزمنٍ طويل، أو أن تقيم حاجزًا خاصًا يمنع الصليب من التقاط أفكار المارّة العشوائية فيربك أوامرها... على أيّ حال، لا بدّ أنّهم عاجزون عن استخدامه قبل القيام باستعداداتٍ معقّدة»)
(«—لو فقط عرفنا شروط استخدامه، فقد نسبقهم بخطوة نيا~. المهم، التحقيق في [أدوات الروح] هي من عمل السحرة، ولا تستطيع مساعدتنا، كاميان»)
زبدة الحكاية. ومع كلّ ما يجري، كانت الأولوية القصوى لكاميجو في تلك اللحظإندكسهي البقاء إلى جانب فتاةٍ معينة.
التي كان يبحث عنها تُدعى إندِكس، وهي صغيرة ذات بشرةٍ ناعمة وعينين خضراوين، بشَعرٍ فضيٍّ ينسدل حتى خصرها. وعادةً ما ترتدي ثوبًا أبيضَ مزخرف بخيوطٍ ذهبية يجعلها تبدو ككوب شاي.
لم تكن رؤية فتاةٍ أجنبية أمرًا غريبًا في ظلّ الشهرة العالمية لمدينة الأكاديمية ومهرجان دايهَسي. وكان يمرّ أحيانًا بفتياتٍ ذوات شعرٍ فضيٍّ وعيونٍ خضراء، لكنه لم يكن ليخلط بينهنّ وبينها أو يكلّم إحداهنّ. فمهما كثر عددهنّ، كانت إندكس الوحيدة التي ترتدي ذلك الرداء الغريب الفاقع، محال أن يخطئها.
...وعلى ذلك، لم يعثر عليها. ميّل رأسه حائرًا: كيف؟
«تووماااااا...»
بلغ أذنيه صوتٌ مألوف ظريف.
التفت نحو مصدره، لكن ما رآه لم يكن سوى بشر، بشر، بشرٌ أينما حلّ نظره. قد حجبت الحشود الرؤية تمامًا، ولم يكن لديه وقتٌ ليتفحّص وجوه الجميع واحدًا واحدا. لمح خيطًا فضيًا بطرف عينه، لكنه حين نظر وجد فتاةً بزيّ التشجيع؛ تنّورة بيضاء مطوية وقميص أخضر فاتح بلا أكمام. كيف لإندكس أن ترتدي شيئًا كهذا.
«توومااا...»
سمع النداء مجددًا. استدار، لكنّه لم يجد أثرًا لذلك الرداء الأبيض المميّز. بل رأى فتاةً تشبه إندكس إلى حدّ بعيد، بزيّ مشجّعات، تحمل قطّة ملوّنة بين ذراعيها، بشعرٍ فضيٍّ وعينين خضراوين—
«توما!! تصد النظر عني؟!»
«إكك!!»
تراجع كاميجو مذعورًا—اقتربت منه فجأة وصرخت في أذنيه دون أن يشعر. يبدو أنّها كذلك كانت تبحث عنه.
(آه... تذكّرت. أستاذة كوموي لَبَّست إندِكس هالصباح زيّ التشجيع...)
«...توما، توما. فكرت بشيء بذيء ها؟ كأنك سعيد برؤيتي الآن»
«لـ... لا! أكيد لا!» هزّ رأسه مسرعًا. «مهلا، إندكس، وعباءتك؟»
«تركتها عند كوموي،» أجابت وهي منزعجة بوضوح.
(لماذا هي غاضبة؟) تَوَتَّر. التقت عيناه بعيني القطّ، لكنه لم يُجب سوى بتثاؤبٍ كسول. ظلّ يفكّر وينظر إلى وجهه الهادئ.
«إيه إيه، فهمت. جوعانة؟ الآن أوشك أن أذهب للقاء أبَوَي للغداء، اصبري أكثر»
ما إن قال ذلك حتى قبضت إندكس يديها الصغيرتين وضربته على رأسه. «لا! ليس هذا! توما، غبي غبي غبي!»
«آي! آلمتني! إذن ما الأمر؟!»
«لقد بدّلت ملابسي وتعلّمت الرقص من كوموي لأشجّعك! فأين كنتَ طوال الوقت؟ لم أرك في سباق أكل الخبز! ولا في شدّ الحبل! هل شاركت في شيءٍ أصلًا؟!»
(آه... صحيح...) تَذَكّر أنّه كان منشغلًا بأمور أخرى، لكن كيف يشرح ذلك لها.
تأوهت تقول، «تبعت وبذلت، لأنني حسبت أنّني أخيرًا سأكون معك... لكنك ذهبت وحدك، ولم أعرف ما أفعل...»
لم تكن إندكس معتادة على مثل هذا الحدث الضخم في المدينة. بدا الأمر وكأنه تركها وحدها في حفلة لم تُدعَ إليها. لا بدّ أنها شعرت بالعجز. حكّ كاميجو رأسه، «آه، آسف إندكس! ظننتك فقط غاضبة لأنك جائعة، كما دائمًا...»
«لا! لم أكن! لقد اجتهدتُ لأشجّعك، لكنك لم تنظر إليّ حتى! لهذا أنا غاضبة! ثم إنني نذرت الفقر كأي راهبةٍ صالحة، ولن أغضب من الجوع يا توما!!»
«لا؟ وكأنّني أرى الطعام يشغل ثلاثة أرباع تفكيرك طوال العام... لحظة، ما قصدت! أعني... قلت ما في خاطري دون قصد—أخ، انتظري، سأشرح...!!»
حاول الدفاع عن نفسه لكن غضبها لم يهدأ. أخذت تضربه بقبضتيها الصغيرتين مرارًا على خديه وصدره. كان مشهدًا حُلوا، لكنه فجأة شعر بغرابة. «...؟ إندِكس، ماذا عن عضّك المعتاد؟... لا، لا تجبري نفسك، حقًا!!»
قالها على عجل، لكنّها لم تستجب. بل توقّفت يداها فجأة.
نظر إلى وجهها. وكاد يئن خوفا.
طأطأ رأسها بشدّة، وقد احمرّ وجهها حتى أذنيها. ارتجفت كتفاها قليلًا، وبدت شفتاها الصغيرتان وكأنهما تنطقان النطق. ماءَ القطّ مواءً خافتا، لكن التوتر كان شديدًا لدرجة أنه لم يدرِ إن كانت تسمعه.
وقفت هكذا لحظات، صامتة متجمّدة.
ثم أخيرًا تمتمت، «...منحرف»
«هيه؟! أنتِ من كانت تعضّني طوال الوقت! إلى درجة كنت أصرخ وأبكي كي تتوقفي! إن كان من منحرف فهو أ—غاه؟!»
قبضةٌ أسكتته قبل أن يكمل.
قبضةٌ أشد من كُل.
- الجزء 3
اشترت أُريانا تومسون لتوّها كرتين مثلّجات من بائع يرتدي زيًّا ظريف.
خصلاتٌ ذهبية تنسدلُ تلتفُ وتتطايرُ خلفها، وبشرةٌ بيضاء شاحبة وعينان زرقاوان. قامةٌ طويلة وجمالٌ فاتن—كانت الصورة المثالية للأجنبية كما يتخيّلها اليابانيون.
لم تعد ترتدي زيّ عملها السابق، بل كان لباسها الآن يتكوّن من قميصٍ خفيفٍ بلا أكمام وتنّورةٍ فضفاضة. وعلى قدميها شبشب خفيف. تنّورتها تصل إلى ما يقارب الكاحلين، لكن لا تعتبرها "ساترة" بأيّ حال. فقد كانت مشقوقة إلى شرائط عمودية كلّ بضعة سنتيمترات، تتخلّلها فراغات. لذا وضعت كذلك لفافة قماشٍ حول خصرها، كتلك التي تُرتدى فوق ملابس السباحة.
كانت تنّورتها أشبه بستارٍ خفيفٍ شفّاف. ومع كلّ خطوةٍ تخطوها، تنكشف ساقاها شيئًا فشيئًا حتى يظهر فخذاها ثم تعود لتختفي من جديد. وكان منظر بشرتها العارية التي تظهر وتختفي عبر ثوبٍ يفترض أن يسترها يوحي وكأنها تتحدّى الغاية الأساسية من التنّورة.
في المجتمع المسيحي كانت الملابس وسيلةً لإظهار المكانة والمرتبة. فمن لباس المطران إلى زيّ السجين، لكلّ حالٍ ثوبٌ.
ومن بينها، كان تمزيق الثياب—وخاصةً تنّورة المرأة—دلالةً على تجريد صاحبها من كلّ سلطة. ومن يُفعل به ذلك يُوسم بالعار ويُعدّ غير جديرٍ بالحماية ويقابله المجتمع بالازدراء. وكان هذا الأمر -بطبيعة الحال- يُفعل بالخُطاة.
«الخُطاة...» تمتمت أُريانا، وهي تمرّر لسانها الملوّن على المثلّج. «الخُطاة ها؟ هيهيهي...» قهقهت.
⟪وما الذي يثير ضحكك؟⟫
وصلها صوتٌ آخر.
صوتًا واضح النبرة، لامرأة.
كانت أُريانا قد وضعت بطاقةً سميكة خلف أذنها اليمنى كأنها قلم، والورقة تهتزّ لتولّد هذا "الصوت".
«ماذا؟ إنما كنتُ أفكّر كم هو عظيم أنني وصلت إلى هذا الحد يا لِدُفيا لورنزِتّي»
⟪أعلم أنني نصحتك ثلاثًا ألّا تنادي باسمي. هاء*تنهد*، وأعلم أيضًا أنّ الوقت لم يحن بعد لمثل هذه الانفعالات. في رأيي، الآن يبدأ الجزء الأهم⟫
«سمعتك. لم أنسَ واجبي. إن أحرزت تقدّمًا هنا، فحتى آثمة مثلي ستكون طُعمًا لهذا الفصيل المنغلق. وربما تَجنِينَ أنتِ كذلك شيئًا؟»
⟪...لا أحتاج...⟫
«يلّا، اقبّلي إحساني»
⟪إنما أرى أنّ الأولوية لكِ الآن لا لي. وأتساءل إن كنتِ بخير—فأنتِ لم تأخذي قسطًا من الراحة. لعلّي أ—⟫
«أن تسمحي لي بالراحة؟ أضحكتني! أيا يكن، لِدُفيا، لم يعثر عليكِ أحد صح؟ أنا التي أتحرّك في العلن، وأنتِ تدعمين في الخفاء. إن عجزت كلتانا عن الحركة، فالخطة تفشل»
⟪اطمئنّي. بينما تركضين في الخارج، أبقى أنا في بهو الفندق⟫
«ما أحلاها من عيشة مترفة. ليتني لو أرتاح في فندق! أو ألعب فيه شوي»
⟪...أعلم أنني طلبت منكِ أن تكفّي عن مثل هذه التعليقات غير اللائقة⟫
«ياه، طار تفكيرك. أما تعرفين، الفنادق هذه الأيام تضمّ مرافق رائعة كالمسابح وصالات الرياضة؟ لِدُفيا، تفكيرك بعييييد!»
⟪...⟫
«هاه؟ هيه، لا تزعلي على هذا! لَدّوفة؟»
على حديث أُريانا، لمحت بالصدفة بالونًا عالقًا في غصن شجرة على جانب الطريق أمامها. قد لا يتمكّن يابانيٌّ متوسط القامة بلوغه، لكنها لم تجد صعوبة. مدّت يدها قليلًا فقط وأمسكت بالخيط. ثم نظرت حولها، فوجدت صبيًا صغيرًا قريبًا يحدّق في وجهها.
انحنت أُريانا وقدّمت له البالون. فأمسك بالخيط وانطلق راكضًا بأقصى سرعة دون أن ينطق بكلمة.
⟪...أعلم أنني أمرتكِ ألّا تحتكي بالناس قدر الإمكان⟫
«ما عساي! أنا أجتهد. ما حدث الآن كان فوق ما أستطيع»
وصلها عبر تعويذة الاتصال زفيرٌ متضجّر.
«ومع ذلك...» لم تكترث، بل لعقت المثلجات مرةً بعد بطرف لسانها. ثم وهي تنظر إلى المناطيد في السماء الزرقاء؛ «كنت أعلم أنّ الانتظار ممل، لكن إفف يا له من ملل»
- الجزء 4
«غواااااااه! توما، أظنّ أنّ معدتي قد فرغت تمامًا...»
«...تقولين، لكن لماذا تتظاهرين أنكِ لا تلاحظين رائحة الصوص والمايو فيكِ يا إندِكس؟»
كاميجو توما قد اصطحب إندِكس إلى مقهى صغير دافئ. كلّ شيءٍ فيه—من قائمة الأطباق المقترحة إلى لافتة OpEn وcLoSed—بدا وكأنّ صاحبه تعمّد جعله عسير القراءة، أتلك هوايته؟ المهم، لم يكن من الأماكن التي ينجذب إليها الزبائن من أول نظرة.
ومع ذلك كانت جميع المقاعد مشغولة. والسبب بسيط—لَم تمضِ الثانية بعد الظهر، ولا تزال استراحة الغداء لمهرجان دايهَسي قائمة. ومع وجود مليونين وثلاثمئة ألف نسمة في المدينة، إضافةً إلى الزوّار القادمين من خارجها، الذين اجتاحوا كلّ المطاعم، حتى مثل هذا المكان غدا مكتظّا.
«هيه، يا توما! تعال هنا!»
«يآه، ياه، لا ترفع صوتك يا عزيزي»
لمح وجوهًا مألوفة على طاولةٍ لأربعة قرب النافذة—أبواه، كاميجو تُويَا وكَامِيجُو شِينا. تويا يرتدي بنطالا وقميصًا رسميًا مع أكمامٍ مرفوعة، وشينا سترةً خفيفة وفستانًا طويلًا حتى الكاحل. يبدوان أقرب شبهًا بسيدةٍ نبيلة وسائقها لا بزوجين.
بدأ تويا الحديث قبل أن يجلسا؛ «كلّ عامٍ أندهش من روعة مهرجان دايهَسي—أو على الأقل من صعوبة حجز المقاعد فيه. أشعر وكأنني في قلب المنافسة مع كل الأطفال»
ففي هذا المهرجان، على خلاف اللقاءات الرياضية المعتادة، لا يكفي أن تحجز مقعدًا واحدًا لكلّ الفعاليات. إذ تُقام كلّ مسابقة في ملعبٍ مختلف، فيضطرّ الآباء والأبناء إلى التنقّل من مكانٍ إلى آخر لحجز المقاعد. وينطبق الأمر نفسه على الغداء؛ فبعد انتهاء الفعاليات يُمنع الدخول إلى الملاعب، فيلزم البحث عن أماكن للجلوس وتناول الطعام.
قال كاميجو بعد أن استعرض الأمر في ذهنه: «إيه، تعرف، تقدر تقول أنّ كامل المدينة تحوّلت إلى مطاعم ومتاجر»
«همم. "مدينة الأكاديمية" بحق. أءء، اسمح لي أوسع لك، تفضل تفضل»
«يآاه، علّها تكون تجربة ممتعة أن أندفع وسط الحشود وأشتري شطيرة لحمٍ مقلي بُكرة. تفضّلي، حياكِ اجلسي قربي يا حلوة»
تحرّك تويا وشينا ليفسحا المجال—وكانا يجلسان متقابلين، فجلس كاميجو بجانب أبوه، وإندكس بجانب شِينا. ما إن جلست حتى قرقرت معدتها وسقطت على الطاولة. ابتسمت شِينا بلطف وهي تضع سلّة من القش كانت في حجرها على الطاولة.
إدخال الطعام من الخارج إلى المطاعم يُعدّ تصرّفًا غير لائق، لكن خلال مهرجان دايهَسي، أن تعثر على مقعدٍ أهمّ من شراء الطعام نفسه. ويبدو أنّ صاحب المقهى إمّا أدرك هذه الظروف أو لم يكترث، إذ لم يعترض. بل إنّ إندكس أدخلت القطّ معها، ولم يبدُ أنه لاحظ ذلك أيضًا.
(يا ربي. ما به أبي يتعامل مع إندكس بعفوية؟... آه، صحيح، لقد التقيا في البيت الشاطئي)
ورغم استغرابه، أدرك أنّ أحدًا في المكان لم يبدِ انزعاجًا—بل إنّ هذه الحشود بدت مستعدّة لتقبّل أيّ شخص.
«تا-داا! وجبتنا اليوم ستكون كرات أرز محشوة. يبدو أنّها انضغطت قليلًا،» قالت شِينا وهي تفتح غطاء السلّة.
أثارت الأصوات والروائح الشهية كلاً من إندكس والقطّ، فرفعا رأسيهما بسرعة. نظر إليهما كاميجو بلا حماس... ثم لمح شيئًا غريبًا بطرف عينه.
تلفّت في المقهى.
كان الأثاث ذا طابعٍ قديم بعض الشيء، ولم تكن الكراسي أو ورق الجدران متناسقة تمامًا، لكنه لم يكن عتيقا كمتاجر العجائز يسعى للحفاظ على طابعه. كان مقهًى تقليديًا يسهل تخيّله: مقاعد فردية على الطاولة الطويلة، وعدد من الطاولات لأربعة، مع ممرّ ضيّق بينها. وعلى الطاولة المقابلة جلسَت فتاةٌ تبدو في سنّ الجامعة، ترتدي قميصًا رماديًا فاتحًا وبنطالاً خفيفا، تقابل فتاةً من الإعدادية ترتدي ملابس رياضية—بنت المستوى 5.
ميساكا ميكوتو، بشحمها، تحدّق فيه وساقاها متقاطعتان.
رمش كذا مرة مستعجبًا.
«أءء، ما علينا... أوف! إندكس، طالعي القائمة! القهوة هنا رخيصة جدًا مقارنة بغيرها!»
«هيه! لماذا أنا دائمًا الوحيدة التي يُخرج دماغك عنها نتيجة صفرية كلما بحث؟! ولا تحسب أنّ السعر الأرخص يعني رداءة الطعم يا حمار!!» ضربت ميكوتو الطاولة وكادت تقف.
أدار كاميجو نظره عن القائمة مستاءً. «إيه، أنا، كنت بس أُمشّي الموقف، على أمل أن ينتهي اليوم طبيعي»
«ما...؟ بس؟! انسى تلقى "الطبيعي" بوجودك! وبعد من تلك الفتاة التي تلازمك دائمًا؟ وأين تعيش أصلًا؟!»
تأوهت إندِكس بخفت، ثم رفعت رأسها لترى إصبع اتهام نحوها.
«مَن، هذه؟ لحظة، هذه...» بدأ كاميجو توما، لكنه أغلق فمه سريعًا. فالاعتراف أمام والديه بأن فتاةً تقيم في سكن الذكور—بل في غرفته تحديدًا—لم يكن بالأمر الهيّن. وبدلًا من ذلك، بدأ توما النقيّ القلب يفكّر، (كيف أخدعهم؟)
«صحيح يا توما،» قال أبوه كاميجو تويا، «من تكون هذه الفتاة؟ لقد كانت معك عندما أقمنا عند الشاطئ أيضًا، لكنك تتجنّب الإجابة كلّما سألناك»
بففففففف، كاد كاميجو يختنق.
دخلت عليهم ميساكا ميكوتو من الجانب؛ «ش-ش-شاطئ؟! أ-أ-أ-أقمتم معًا عند الشاطئ؟!»
دوّى صوتها الحاد في أذنيه. نظر كاميجو إلى المرأة الأخرى—التي تبدو في سنّ الجامعة—فوجدها تهزّ رأسها وتتنهد.
(لا، أرجوك، لم أقصدها بالمعنى الغريب! ولماذا عليّ أن أشرح التفاصيل لميساكا أصلًا؟!)
لكن إندكس الأجنبية الصريحة قاطعته، «وأنا أقول لك نفس الشيء، أم شعر قصير. أين تعيشين ومن أنتِ؟ هل أنتِ قيرل-فريند لتوما؟»
لعلّها قصدت "صديقةٌ فتاة" بالمعنى العادي، لكن ميكوتو—اليابانية الصرفة—ارتبكت بشدّة.
«ماذا؟! ل-لا، لسنا كذلك! أنا لست...»
«ولقد جئتِ لتشجّعي مدرسة توما أيضًا، لا؟ في مسابقة إسقاط الأعمدة»
«هيه، لا، اخرسي!!»
راحت يدا ميكوتو تتحركان بعشوائية في الهواء، لكن إندكس لم تبدُ مهتمة. فقد كانت تداعب القطّ بين يديها بكلتا كفّيها، وتنظر بحماس إلى الغداء الذي وضعتها كاميجو شِينا على الطاولة. «توما، توما، أظنّ أن معدتي فرغت الآن. ألم تُحضّر طعامًا اليوم؟»
«يآه. اليوم؟ وماذا تفعل في الأيام الأخرى يا سيد توما؟» سألت شِينا بابتسامةٍ لطيفة.
شعر كاميجو بالعرق يتصبّب على ظهره. «لا، فهمتِ الأمر خطأ يا أمي! إنها تعيش في الحيّ، وهي سيئة جدًا في الطبخ، وهناك بعض الأمور—»
«هاه؟ توما، حين تقول في الحيّ، فالأمر أشبه بـ—»
«أنا من يشرح هنا، اسكتوا! وعلى كلّ، لماذا تناقشين ذلك بعدما قلتُ إنك سيئة في الطبخ رغم أنك فتاة؟!»
«لكن هذا صحيح. أنا لا أجيد الطبخ»
«تبًا! ما أنتِ إلا خبيرة في الأكل، ها يا إندكس؟! أما غيرك، أتساءل كيف حال ميكوتو مع الأعمال المنزلية!» يلمح ميكوتو بطرف عينه.
«أءءا هاء؟ أنا... أستطيع بعض الأمور، ما زلتُ أتعلم. أعني، لم أحفظ بعد تمامًا كيفية إصلاح أطراف السجاد الفارسي المتآكلة أو ترميم الأواني المعدنية التقليدية...»
«ميكوتو،» قالت المرأة الأخرى بلطف، «الناس العاديون في اليابان لا يملكون سجادًا فارسيًا أو أواني تقليدية أصلًا. أظنّك تخلطين بين الأعمال المنزلية والفنون»
«هااء؟! لكني أتذكّر أننا درسنا هذا في حصة الاقتصاد المنزلي في توكِوَداي...!!»
بدا أن من متطلبات "الآنسة الراقية" إحياء التحف كما تُصلَح خيوط القميص. وعلى أيّ حال، تنفّس كاميجو الصعداء. (أخيرا... حوّلنا الموضوع).
نظر أبوه تويا إلى الساعة على الجدار وقال: «المهم، لنبدأ بالأكل. توما، لا تنسَ أن تشكرهم. لقد انتظروا قدومك دون أن يأكلوا»
(صدق؟) نظر كاميجو، فرأى ميكوتو تنكمش وتلتصق بظهر المقعد.
أما المرأة الجالسة قبالتها—والتي لم يلتقِ بها من قبل—فاكتفت بابتسامة خفيفة وقالت: «لا عليك. لتوّنا وصلنا، هيا نبدأ. سمعتُ أن اسمك كاميجو توما»
«نعم، وأنتِ... أأنتِ أخت ميساكا، أو...؟»
«لا، لا. أنا ميساكا ميسوزو، أمّ ميكوتو. تشرفت بلقائك!»
..............................................................أمّها؟
تجمّد الجميع للحظة.
ثم صرخوا جميعًا في وقتٍ واحد «أمّهااا؟!»
بدا تويا الأكثر ارتباكًا: «ل-لكن، ألم تكوني تقولين إنك في الجامعة؟!»
«بلى. قررتُ مؤخرًا العودة للدراسة. ما أحلى أن أتعلم أشياء لا أفهمها في هذا العمر!»
بدت الأمور وكأنها تفسّرت بطريقة غريبة، نظر كاميجو الابن والأب إلى شِينا، الجالسة بهدوء بملابسها الأنيقة.
«...إيه، ألا يبدو هذا غريبًا جدًا ليكون حقيقي؟ ما رأيك توما؟»
«الآن وقد ذكرت... وضعنا في العائلة مشابه، لعلنا بالغنا في الصراخ من شدّة الغرابة...»
«بل هو غريب! توما، أنت تعرف كل هؤلاء البالغين الذين يبدون صغارًا بشكل غير طبيعي مثل كوموي وهذه شِينا! لو فكّرت بالأمر منطقيًا فهو مستحيل! لماذا هذا العالم مليء بالشباب؟ هل نحن في أرض نيفرلاند؟ هل قادني بيتر بان إلى هنا؟!» صاحت إندكس، رغم أن جسدها الصغير جعل كلامها أقل إقناعًا.
أما الميساكات لم تنشغلا ولا تكترثا البتة.
تمعنت ميكوتو القائمة وقالت، «هممم، سؤالي متأخر ولكن، ماذا تريدين ماما؟»
«لا أحتاج شيئًا. انظري، أحضرت طعامي معي. طالعي طالعي، كأنني مثل الأمهات صح؟»
«...كأنّكِ؟! آمل من كل قلبي أنك تحاولين أن تكوني أمًّا بالفِعْلِ! وما في تلك الحقيبة معك؟»
«هيهيهي! لا تتفاجئي إن أريتك!» أخرجت أشياء: قطعة جبن كبيرة، زجاجة نبيذ أبيض، قدرًا فضيًا، وموقد غاز محمول. «تا-دا! اليوم أكلتنا فوندو الجبن!!»
«لا تدخلي الغاز إلى المدينة! هذا خطر!!»
تع! صفعتها ميكوتو على يدها.
أما ميسوزو، فأظهرت مهارة البالغين المخيفة وتحكمها في قناتها الدمعية بالتمثيل وبدأت تنظر إلى مكيوتو بدمعٍ يكاد يفيض، «وااه! ابنتي ضربتني! لكن، مكيوتو... البنت التي تأكل أحسن الأكل تكبر فتصبح من الجميلات. إن لم تأكلي، فلن يكبر شيء! لهذا أحضرت كل هذا الجبن!»
«م-ماذا؟ أنا... أنمـ...؟ أكبر...؟ ماذا تقصدين؟!»
«همم؟ إيه، عن ماذا أتكلم؟ كان قصدي أن عظامك تحتاج كالسيوم لتنمو... ما غيرها؟ كأنكِ كنتِ تفكرين في شيء آخر تتمنيه يكبر؟ وما بكِ تريدين أن تكبري فجأة؟»
«أ-أص أص، ماما غبية! وأنت! لا تنظر مذهول!!»
بعدما صرخت حمراء الخد ميكوتو، حَمَّلت باقي اللوم على المسكين كاميجو.
تبسمت ميسوزو، ما كنت لترى فيها رُقيًّا البتة. «نعم، لو تجاهلنا حاجة البشر إلى الألبان، فمن المعروف بيولوجيًا أنّه كلما أكلت كَبُرت. سواء كان النمو أفقيًا أم عمودي. وما تحصل السمنة إلا أن جسمك لم يتحمل تصريفها أو الاستفادة منها. لو عرفتِ توازنين بين السعرات والتمارين، فسوف تكبر الأجزاء التي تريدينها بشكل طبيعي. ثقافة الطعام الغربية مذهلة! كُلِي ما تقدرين من هذا ولسوف يغدو جسمك أفضل من أجسام اليابانيين. في عظمة الصدر عظمة الحياة!» وأثناء كلامها مدت ذراعيها متعمدة. تمددت ومالت إلى الخلف كقوسٍ مشدود تستعرض أسلحتها.
أما الشقية الأقرب إلى الطفلة ميكوتو، عبست مغتظة. «ل-لا تخافي علي. فكرة أن الأكل أكثر يكبّرك ليست إلا خرافة في الأساس... هيه أنت! أبعد عينيك عن أمي!!» صاحت، متهمةً كاميجو.
ووش!! أبعد نظره بسرعة الصوت. وما وقع في مجال رؤيته بعد أن أُجبر على تحويل بصره كان المحتنقة نوعا ما إندِكس، وهي ترتدي زي مشجعات، سواء من الجوع أو من موضوع الصدور.
«...ما الأمر يا توما؟ ما بك تحدّق في وجهي هكذا؟»
«لا شيء...» مبتسمًا بتكلّف. «إنما أفكّر، "كلما أكلت كبرت" ها، ما أحلاها من معلومة»
«!!»
فتحت إندكس فمها كأنها ستعضّه، لكنها كفّت. احمرّ وجهها، وجلست بهدوء.
(أهخ...هذه النسخة منها أصعب...)
بالتأكيد لن يعجبه أن تعضه طوال الوقت، لكن ما به غير مرتاح نوعا ما؟
أما الآخرون حوله...
«ت-توما، أرجو أن لا يكون صحيحًا، لكن هل فعلت شيئًا (بهذه) الفتاة أيضًا؟! قد قلت أيضا أول اليوم (لتلك) أنكما في تحدي لعبة العقاب ومن يخسر سيكون عبد الآخر... أهذه ثاني مرة؟»
«يآه يآه، ما تزال الفتاة غاضبة ومع ذلك ذكرت الأمر أمامها. كأنني أعيش ديجافو مرة أخرى»
«...آه... فهمت فهمت. حدث شيء بينكما. آه، فهمت الموضوع»
«كيااا! ابنتي معجبة بالفتى لكنها تدعي عدم الاهتمام! ما أحلاها تتسندر! ما نلقى مثل هذه التصرفات إلا من تعيسات الحظ!»
«...توما، أنت... غبي»
(إفغغ! كلهم صداع!!)
ومع تصاعد الأصوات من كلّ جانب، لم يجد كاميجو بدًّا من أن يمسك رأسه بين يديه.
- الجزء 5
(يا لها من صداع)
كان الساحر ستَيْل ماغنوس يصغي بانتباه إلى جَوَّاله المحمول.
جالسًا على مقعدٍ في حديقة، لا أحد بجانبه. وعلى الفراغ بجانبه وُضِعَت شطيرة وزجاجة شايٍ مثلّج اشتراهما من متجر قريب. وبطبيعة الحال، انتهت أول رشفة من ذلك الشاي بقَسَمٍ مِنهُ ألّا يمسّ زجاجة شايٍ مثلّج مرة أخرى. فمهما كان، يبقى مواطنًا إنجليزيًا—وأهل إنجلترا أهل الشاي.
لكنّ ذلك لم يكن سبب عبوس وجهه.
بل من الصوت الودود في الطرف الآخر من الجَوّال.
⟪لقد تأكّدتُ من سجلات المكتبة البريطانية، لكن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية كانت دائمًا وأبدًا عنيدة في إظهار [الأدوات الروحية] للآخرين. وحتى لو وُجدت سجلات عامة، أو كَشَفوا عنها، فلا يعني هذا أنّها النسخة الحقيقية ليكن في علمك⟫
الصوت الخشن الرنّان يعود إلى شيري كُرُمْويل. كانت خبيرة فكّ الشفرات في الكنيسة التطهيرية الإنجليزية، لكنها في الوقت ذاته عدوٌّ لإندِكس. موقعها كان معقّدًا للغاية بسبب علاقات الفصائل المختلفة؛ فهي قد تهاجم حتى كنيسة الأنجليكان نفسها، لكنها تتعاون فورًا إذا تعلّق الأمر بمصلحة إنجلترا.
في الأول من سبتمبر، شنّت هجومًا على مدينة الأكاديمية، ونتيجةً لذلك خضعت لمحاكمة دينية. وكونها—وهي مقاتلة—تقوم بأعمالٍ إدارية، لم يكن إلا شكلًا من أشكال الإقامة الجبرية. ستيل قد توقّع أن تُصدر [المطران لورا ستيوارت] حكمًا "مخفّفًا" نظرًا لتعقيدات الحادثة. كما أنّه يعلم أنّها لن تفرّط بقدرات شيري في فكّ الشفرات—ولا في القتال. ولا بدّ أنّ الحادثة خلّفت إصابات، لكن الأمور سُوّيت، على الأرجح بعد اجتماعاتٍ مشحونة مع قائد جانب العلم أليستر كراولي.
أمّا ستَيْل، فبعيدًا عن تلك الظروف، لم ينسَ أنّ شيري حاولت أذية إندكس. وكان في نفسه أن يلقّنها درسًا قاسيًا يومًا ما، ولو بإشهار سيفٍ ناريّ في وجهها مرّة أو اثنتين.
⟪بصراحةٍ، حتى أنا—وأنا تابعة للرومانية—لم يُسمح لي برؤية [صليب بطرس]. لا بدّ أنه ورقة الرومان الرابحة. ويبدو أنّ العثور على نقطة ضعفه سيكون عسيرًا علينا⟫
وأما الصوت الثاني الهادئ يعود إلى أُرسُلا أكوينس، وهي بدورها خبيرة في فكّ شيفرات السحر. وبعد أن "فكّت" [كتاب القانون]، تحوّلت من الكنيسة الرومانية إلى الأنجليكانية.
ستيل الآن يحاول استكشاف شروط استخدام "صليب بطرس" في بحثه في سجلات المكتبة الوطنية البريطانية.
وكانت إدارة تلك المكتبة—التي تجمع معلومات من كلّ الأزمنة—موكولةً إلى خبراء التشفير بسبب طبيعتها الخاصة. وهذا ما جمع شيري وأُرسُلا في قسمٍ واحد. لكن...
⟪مضغ، مضغ. آه، تمهلي لحظة. آنسة شيري، آنسة شيري! هذه المذكرة تحوي ملاحظات من حافظ الفاتيكان.⟫
⟪هاااء! كم مرّة أخبرتك ألّا تأكلي الكعك في المكتبة؟!⟫
⟪كفى كفى. انظري الساعة، ما أحلى هذا الوقت لتصبيرة؟⟫
⟪بلا مزاح! قلت لا تأكلي! كفي عن حشر كل شيء في ذا الوجه!!⟫
⟪لكنه كعك خاص يحتوي على تعاويذ غذائية. صنعوه لأجلي أصدقائي في الأماكسا. تعيد إلي العافية وتشفي الجراح السطحية. ولكن ما زلت لم أتعافى مئة في المئة كما ترين⟫
⟪والآن تغيّرين الموضوع—مهلا، يا حمقاء! هل سقوط الفتات من فمك جزء من تعويذتهم الغبية؟!⟫
تنهد ستيل. طباعهما ومستوى حماستهما لم تكن متوافقة البتة. بدأ يسمع مصارعة على الجَوّال لثواني حتى انقطع الاتصال.
(آهخ) أعاد الجَوّال إلى جيبه. (متى صارَ تنظيم النِسِسَريوس بهذا اللين؟) كان في الماضي يشعر بتوترٍ دائم معهم، وكأنه يمشي فوق خيوط عنكبوت. من أول حياته عَرَفَ اليأس يلحق الأمل دائمًا، والقتلُ مَنجاته ورفاقه، وسفكه الدماء هو ما يُمسك سكبة دمعٍ—هكذا اعتاد، هكذا عَرَفَ تنظيمه.
ومن جديد، المسبب الوحيد لهذا التغير الذي فكر به هو ذلك الفتى. لُقيَاهُ وتأثيرهُ غيّر كثيرًا من السحرة أولهم ستيل.
«...أبغض من أن أعترف،» تمتم، وهو يُسقط سيجارته. وما إن لامست الأرض حتى احترقت وتلاشت. أشعل أخرى دون أن يلمسها.
زفر بعمق.
(تسوتشيميكادو يحاول اختراق أمن المدينة أو شيء، لكن لا أعتمد عليه كثيرًا. لنرى ما التالي...)
أسند ظهره إلى المقعد، ونظر إلى السماء الزرقاء—سماءٌ ضيّقته. زُرقتها مخنقة. نفث الدخان نحوها حين...
«؟»
شعر بنظراتٍ عليه. خفّض رأسه، فرأى امرأةً قصيرة، لا تتجاوز 135 سم.
(اسمها... تسوكيومي كوموي، ها؟)
هي من آوت إندكس سابقًا. ورغم مظهرها الطفولي، هي معلمة. واليوم ترتدي زيّ مشجّعات.
حدّقت فيه.
(حتى في بلدٍ سَكَرَ من السلام، ما زال في بعض الناس حسٌّ بالخطر)
ما كان للمعلمة كوموي أن تصل إلى جوهر القضية، لكنه ابتسم ساخرا. لابد أنها لَحَظت غرابة الرجل ستيل ماغنوس وسط المكان.
«عذرًا، أتريدين شيء؟» قال ببطء، والسيجارة ترقص في زاوية فمه. تذكر معاملة نسسريوس مع كل غريب ورفضهم، رفضٌ اشتاق له من سنين بات يعيشه هذه اللحظة.
لكن المعلمة كوموي أشارت إليه بإصبعها وصرخت بأبعد شيء عن باله،
«التدخين ممنوع في حدائق المدينة الأكاديمية!!»
ستيل رمش بدهشة لثوان، ثم تنهد.
«مه-مه-لماذا تصد نظرك كأنك تعبت؟! كوموي-سينسي تحذرك بجدّية! بل أنني حتى أوبخك!»
عَبَسَ أكثر، وهي تكاد تبكي. دون أن تعي لتعابيره اقتربت المعلمة منه تتمعن في وجهه، «همغ! اعذرني على السؤال، كم عمرك؟ كأنك قاصر!»
«وإن كنت؟»
«لو كنتَ سأوبّخك! هيا! اسمع لما أقول! لا تصد-انظر إلي!!» تصرخ المعلمة كوموي بأعلى ما لديها ثم انتشلت السيجارة من فمه، ثم أدخلت يدها في جيبه على سرعةٍ تبحث وتبحث حتى اصطادت علبة سجائر.
ستيل شدّ وجهه قليلًا، لكن كان ممنوعا عليه إيذاء بريء لا علاقة له بعالم السحر. {مع استثناءات معينة، كصبيٍّ معيّن يحمل يدًا يُمنا مميزة}
بعدما نظرت كوموي إلى اسم العلبة الماصدرة صرخت غاضبة «حتى الاسم من أرخص الأنواع! أأنت من أولئك الذي بدأوا التدخنين ليقلدوا ممثلا أو مغني؟!»
«لا. إنما هذه هي الأشهر في بلدي...»
«إف! أيا يكن، سأصادرها! إياك أن تدخن. النيكوتين مضر على نمو الأطفال!!»
ما عساه إلا أن يشيح بنظره.
(إنها صداع)
صدقا هكذا رآها.
هذه الكوموي ذكّرته بفتاةٍ أخرى.
تقترب دون اكتراث بأطباع وأعمار...
...تتصرّف باندفاع، لكن دومًا لأجل غيرها...
...وتوبّخ الآخرين قدرما تطلب الأمر لتحميهم—
—بل وتصرخ عليهم كلما وضعوا سيجارة في أفواههم.
«آهخ...»
«ها؟ ما بك كأن التعب أهلكك؟! كوموي-سينسي فعلا فعلا فعلا غاضبة! مهلا، أتخبئ غيرها؟! سآخذها أيضا-أه، ها! أعطني إيّاها حالًا!!»
ستيل أدار وجهه بعيدًا عن تسوكيومي كوموي. أيا كان ما تقوله فهو من يدخل من أذن ويخرج من أخرى، لكنها أبدًا لم تسكت عنه ولم تتركه.
نعم، قدرما تطلب الأمر.
- الجزء 6
لِدُفيا لورنزِتّي في بهو أحد الفنادق.
كان ثوبها الرهباني—القديم الممزّق والمبهت—بارزًا نافرًا وسط المشهد العصري من حولها. وقد فقد شعرها وبشرتها بريقهما كما فقد الثوب ألوانه، فبدت باهتةً مرهقة. ومن ملامح وجهها لعَلّك تستدلّ أنّها كانت يومًا آيةً في الجمال، أمّا الآن فقد غدا جسدها من رأسه إلى قدمه أشبه بصورةٍ مأخوذة من فيلمٍ عتيق.
ثوبها ذاك يعود إلى جيلٍ سابق لما تستخدمه الكنيسة الكاثوليكية الرومانية حاليًا، إذ كان لتلك الحقبة ألوانٌ مختلفة. وكانت لِدُفيا ترتدي ثوبًا أبيض تتوسطه علامة صليبٍ أحمر—رمز القديس جورج. هذا الرمز قد أثار خلافًا في الكنيسة آنذاك، لأن التطهيريون {الأنجليكان} كانوا يستخدمونه أيضًا. ومع ذلك، أبقت عليه لِدُفيا عن عمد، فقد ورثته عن جيل جدّتها، ولكن الأهمّ أنّها كانت تؤمن إيمانًا راسخًا بأن المباركين والموهوبين يقع على عاتقهم مدّ يد العون للجميع، حتى الخطاة.
على الصعيد العالمي، لم يكن الفندق الذي تقيم فيه يُعدّ من الفنادق الشهيرة، كما أنّه حديثُ عهدٍ من الناحية التاريخية، أدنى شأنًا من المباني الضخمة في إيطاليا التي تحمل في ذاتها قيمةً أثرية... ومع ذلك، كان مكتظًا بالبشر على نحوٍ يفوق غيره.
رجّحت لِدُفيا أنّ سببَ هذا الازدحام هو مهرجان دايهَسي، ذلك الحدث الرياضي العالمي. ففي سائر الأوقات، تكون مدينة الأكاديمية مغلقة. ولا حاجة للفنادق فيها إلا للمؤتمرات أو للضيوف الرسميين. أمّا في مثل هذه المناسبات، فإنّ الفنادق القليلة تمتلئ عن آخرها، بل إنّ الفنادق خارج المدينة تنتعش بسبب من لم يجدوا مكانًا فيها.
وبينما كان الناس يسرعون من حولها، أخذت لِدُفيا تمشي بهدوء، وكأنّها الوحيدة التي لا يمسّها الاضطراب.
بدا وكأنّ الحيّز الضئيل من الزمان والمكان المحيط بها قد انفصل عن الواقع.
(هيّا إذن...)
غادرت لِدُفيا البهو، وعبرت بابًا زجاجيًا دوّارًا. انهمر عليها ضوء الشمس الساطع، فغمضت عينيها قليلًا.
(إنّ أُريانا تبذل جهدها. فعليّ أن أبدأ أنا أيضًا)
بينما تفكّر، بلغها صوتُ مذيع مهرجان دايهَسي من بعيد. رفعت نظرها، فرأت منطادًا يحلّق في السماء، وقد عُرضت على شاشته توقعات الطقس، معلنةً استمرار الصفاء لفترةٍ أطول.
(ما أحسنه من جو)
أدارت وجهها عن الشمس.
كانت المدينة غارقةً في السلام.
ثم اختفت بين الحشود...
...كأنّها تنفذ عبر شقٍّ يتّسع شيئًا فشيئا.
- الجزء 7
2:20 عصرًا.
انتهت استراحة الغداء، لكن لا يزال متّسعٌ من الوقت قبل الفعالية التالية لمدرسة كاميجو توما. ومع ذلك، فإنّ التنافس على مقاعد التشجيع يبدأ قبل المباراة، لذا انطلق كلٌّ من كاميجو تويا وكاميجو شينا، ومعهما ميساكا ميسوزو، نحو الملاعب التي سيشارك فيها أبناؤهم.
ومع ابتعاد الكبار نحو المحطّة، لم يبقَ سوى ثلاثة: كاميجو وإندكس وميساكا ميكوتو. طبعا، ميكوتو تنتمي إلى مدرسةٍ أخرى، وكان عليها العودة إلى زميلاتها.
(أيًّا يكن...) سار كاميجو خلف الفتاتين، متنهّدًا في سرّه.
لم يبدو أنّ أيًّا منهما أدرك ما يحدث خفيةً في مدينة الأكاديمية. وقد سبق أن تورّطت فُكيوسي سيري في الأمر دون قصد، ولم يكن يرغب في جرّ أيّ شخصٍ آخر إلى هذه القضية—مهما بلغت قوّة إندكس أو ميكوتو.
لم تلاحظ ميكوتو تنهدّه.
«...مهلا. كنت قد فكّرت في هذا، صدقا لماذا أنتما دائمًا معًا؟» قالت وهي تنظر إليهما بريبة.
ابتلع ريقه. في الحقيقة، هذا أمر لا يفهمه حتى هو. فقد كان يعاني من فقدان الذاكرة، وكلّ ما يعرفه أنّ أول ما تذكّره هو وجود إندكس في غرفته. وفوق ذلك، كان يخفي هذه الحقيقة.
لم يجد أمامه سوى المراوغة بإجابةٍ مبهمة—لكن قبل أن يتكلم...
«وأنتِ، لماذا تكونين دائمًا مع توما يا قصيرة الشعر؟»
...بادرت إندكس بسؤالٍ مضاد.
«هاا؟!» تمتمت ميكوتو مترددة. «دائمًا؟ مستحيل أن أقضي كلّ وقتي مع هذا! من أسخف ما سمعت. ومستحيل. ليس لديّ كلّ هذا الفراغ لهذا الغبيسخيف»
«...أوف. غبيسخيف؟ كومبو رهيب...» تمتم كاميجو بتعب، لكنهما لم تكترثا.
أمالت إندِكس رأسها مفكّرة، «طيّب، أنا أيضًا لا أكون مع توما طوال الوقت»
«ما؟ صدق؟!»
«نعم. كلما حدث شيء، يتركني ويرحل. وكلما اقترب من أمرٍ مهم في حياته، هو دائما، دائمًا يذهب وحده ويحلّه بنفسه. إنه أحمق... كنت أظنّ أنكِ تشاركينه كل ذلك، لكن يبدو أنني أخطأت»
«أنا... لا أفهم عمّا تتحدثين!»
في الواقع، شاركت ميكوتو في بعض الحوادث، لكنها لم تكن "دائمًا". فما الذي كان يفعله كلّ تلك المرات؟ تساءلت الفتاتان في الوقت نفسه... ثم التفتتا نحوه معًا.
«...توما، أنت دائمًا تنتهي في المستشفى ثم تعتذر بعد ذلك. ما قصتك؟»
«...هل تفعل هذا في كلّ مرة؟ الآن وقد فكرت، لم تتردد في مساعدة (الفتيات) أو كُروكو...»
تراجع كاميجو مذعورًا. كانت كلماتهما تمسّ لبّ الحقيقة. لكن مع ما يحدث حاليًا في المدينة، لم يستطع الإجابة، فقال بسرعة،
«هـ-هيّا يا جماعة! ما هذا إلا مجرد جانب جذاب من روتين السيد كاميجو السنوي! لست هكذا طوال العام! أليس من الطبيعي أن يرغب المرء في التصرّف بشكل رائع مرتين أو ثلاثة في السنة؟!»
ردّه السريع الفوري ما قوبل إلا ببرود، «...مرتين تقول؟» و «لا أظن ثلاث مرات عدد قليل...»
ثم استمرتا توبخانه قليلًا. وبعد أن أفرغتا ما في نفسيهما، بدا أنهما هدأتا وعادتا للمشي بهدوء.
«الفعالية التالية بعد دقائق...» قالت ميكوتو. «آهغغ! بعد كل ذلك، لم أرتح كفاية. وأشعر بالبرد يغزوني بعد المكيّف. آمل أن عضلاتي لم تتصلّب» ومدّت ذراعيها عاليا.
من جانبها كاميجو سألها، «...متحمّسة أنتِ على غير العادة. هل لديكِ منافسة في مدرستكِ أم ماذا؟»
توقّفت فجأة. «أنت... أنسيت رهاننا؟»
«ها؟ رهان مَن تكسب مدرسته نقاطًا أعلى من مدرسة الآخر يستعبده؟ لا عليك، أنا كُلّي ثقة. أرأيتِ النقاط؟ توكِوَداي ليست متقدمة كثيرًا»
«لا تسترخي! مدرستنا معروفة بالعودات القوية في الشوط الثاني! لن تستمر راحتك هذ—هيه! لا تتجاهل؟!»
صعق! صعق! انطلقت شرارات الكهرباء من شعرها، لكن يد كاميجو اليمنى بدّدتها فورًا.
كان يرتجف داخليًا وهو يفكّر، (يا ربي، مجنونة هذه؟!) لكنه خرج دون خدش أمام ضربة وحش الأكاديمية ذات المستوى 5. ثم وبفخر الإسبر يتفتت، دون القدرة على خدشه مرة، صاحت ميكوتو غاضبة، «لماذا لا تصيبك ولا ضربة؟!» ثم ركضت أسرع من البرق مبتعدة. خاف كاميجو أنها لم تسخن جيدًا قبل تلك الركضة.
ثم تحدّثت إندكس بعد صمت، «...يَستعبد؟»
«لا!! أرجوكِ افهمي! طبعًا بيننا حدود! أرجوكِ لا تتخيّلي أغرب الموبقات وتهيجي في الأفكار، سيدتي اطمئني!!»
«ل-لم أصل إلى هذا الحد في التفكير!!» فتحت فمها لتعضّه، فرَجِعَت مجددًا. بقيت متجمّدة في وضعٍ غريب، لا تدري هل تلكمه أو تعضه، تفتح فمها وتغلقه.
ارتجف كاميجو،
(آهغغغ! لا أريدها أن تعضّني، لكن هذا الوضع أصعب علي وهي هكذا غريبة! هذا الوضع غير المكتمل يخنقني!! كيف أتعامل مع هذا؟!)
كان استغلال هذه الفرصة ليخبرها بوضوح أن تتوقف عن عضّه من الآن فصاعدًا خيارًا ممكنًا، لكنه إن أخطأ حين يقول، خشي أن يطيل أمد الإحراج فحسب. (ما هذه المعضلة "خطوة أخيرة قبل أن تعترف لك صديقة الطفولة" بحق الجحيم؟!) فكّر مذعورًا.
وفي تلك الأثناء، قررت إندكس، التي ما تزال متصلبة، أن تصرف الحديث عن مسألة العضّ.
«ت-توما. أظن أن حلقي يحكني. أريد بعض عصير الفاكهة الذي كانوا يبيعونه هناك»
«...تصحيح مسار قسري آخر...»
«لا يهم! أريد شيئًا أشربه، طيّب؟!» صاحت وهي تمسك بيد كاميجو وتسحبه. (لا عضّ، لكنها لا ترى بأسًا في الإمساك بيدي؟) كما فكّر. لم يستطع فهم آلية اتخاذها للقرارات.
«إءء، مهلا، انتظري لحظة يا إندكس! لتوّك تغدّيتِ منذ دقائق. إذا واصلتِ التهام كل طعام وشراب ترينه سوف تسمنين»
«ما...؟» سقط القط الكاليكو من ذراعي المشجعة إندكس. وبعد أن هبط برشاقة، قفز قفزة قططية ليعود إلى ذراعيها.
احمرّ وجه إندكس بشدة حتى كادت تتصاعد منه الأبخرة. «ل-لن أسمن! لعلّي آكل أكثر من غيري بقليل، لكنني لا أسمن أبدًا، ظلمتني!!»
«لا؟ هل تعرفين عن وزنك جسمك ونسبة دهونه ومحيط خصرك... هل تحرصين على قياس كل ذلك؟ ربما ازدادت قدرتك الدفاعية وأنتِ لا تعلمين» حدّق كاميجو في بطنها.
على عكس لباسها المعتاد السميك، كان زي التشجيع الرقيق للغاية ملتصقًا ببشرتها بإحكام، مظهرًا بوضوح حدود جسدها. وكانت ترتدي قميصًا بلا أكمام أيضًا، فكان يستطيع رؤية سرتها بوضوح.
«إ-إذا لم تصدقني، فهيّا قِس بطني بنفسك! هَلُمَّ!»
«إيه إيه، لن أفعل! هل أبدو لكِ كمن يحمل شريط قياس في كل مكان يمشيه يا إندكس؟!»
«لا تحتاج! فقط ضع ذراعيك حول خصري وسترى!!»
(هاه؟) اتسعت عينا كاميجو.
«هيّا! افعلها يا توما!!»
تشبثت يدا فتاة التشجيع النحيلتان بذراعي الفتى المتجمد.
(تبًا... كيف نسيت الإعلان؟ لا بد أنني كنت فاقد التركيز حقًا...)
بعد أن تركت كاميجو، ميكوتو كانت تركض بأقصى سرعة عائدة عبر الطريق الذي سلكوه.
كان جدول الفعاليات مدرجًا في كتيّب مهرجان دايهَسي طبعتهُ مدينة الأكاديمية، لكنه جدول أُعد مسبقًا. وقد تسببت عدة عوامل في تغييرات لليوم.
قرروا قبل استراحة الغداء تغيير وقت سباق أكل الخبز الذي ستشارك فيه مدرسة توكِوَداي الإعدادية. وكان عليها أن تخبر أمّها ميسوزو وإلا فسينتهي بها الحال تنتظر ميكوتو في ملعب لا علاقة له بمدرستها.
كان جوّال ميكوتو المحمول في الحقيبة التي أعطتها لمسؤولة التخزين في [الحديقة المدرسية]، ولم تكن هناك هواتف عمومية في الأرجاء. لذا، لتوصل كلمة أو كلمتين، صار عليها الآن أن تركض بأقصى سرعتها عبر المدينة.
ميسوزو قد توجهت إلى الساحة التالية، وربما لم تعد في المقهى حيث تغدّوا. ومع ذلك سيكون من الأسهل العودة عبر الطريق الذي سلكوه لعلها تلتقي بها صدفة.
ثم بدأ شخص ما يركض إلى جانبها بأناقةٍ جميلة تنافسها.
أو... ليس ركضًا بالمعنى، كانت فتاةً مغطاة بالضمادات تقود كرسيًا متحركًا عُدلت عجلاته للاستخدام الرياضي—شيراي كُروكو.
كانت مصابة وزائرة، ولذا زيُّها زيٌّ صيفي لمدرسة توكِوَداي الإعدادية: بلوزة قصيرة الأكمام تحت سترة صيفية بيج، وتنورة رمادية مطوية. كان شعرها البني مربوطًا بشرائط على شكل ذيلين جانبيين، أم قرنين، ترفرف خلفها مع الريح.
«أونيه-ساما! إلى أين تذهبين بهذه العجلة؟ هلّا أوصلك بقدرتي؟ يمكنني استعمالها حتى وإن كانت أطرافي مصابة فلا مشكلة البتة!»
«...ما إن أقول نعم ستعانقينني، لذا سأرفض»
«تسك!! كان ينبغي أن أتوقع هذا منكِ، أونيه-ساما! دائمًا تكشفني! كنت إنما أحاول إعادة شحن طاقتي بكِ، لأنني لم أحصل على ما يكفي منها في المستشفى!!»
سرت قشعريرة في ظهر ميكوتو. ابتعدت بضع خطوات إضافية عن شيراي. وبعد ابتسامة طويلة لامعة، بدت شيراي وكأنها استعادت وعيها فجأة.
«لكن أونيه-ساما، إلى أين تسرعين...؟ ل-لا! لن تذهبي إلى ذلك المحترم—أقصد ذلك القرد العفن—وتطلبين منه أن يشجعكِ...؟!»
«ل-لا يا غبية، ما أريد منه؟! أصلا، نحن أعداء الآن!!»
«أوه؟ لكن ذلك المحترم يبدو أنه صار أمامنا الآن»
تنهدت ميكوتو—على الأقل وصلت. نظرت بلا مبالاة بعيدًا عن شيراي وإلى الأمام.
وهناك...
فتىً وفتاة مشجعة فضية الشعر خضراء العينين يقفان متقابلين.
والفتى كان جاثيًا، ذراعاه ملتفتان حول خصرها، واضعًا خده على بطنها.
هاخ؟! كادت ميكوتو أن تصرخها، لكن ما خرج منها لم يكن سوى أنين مذهول.
هو مهرجانُ دايهَسي، لكن لم ترى في هذا الشارع أي أحد غيرهما. من حسن حظه، لأن ذلك الفتى كان يعانق خصر الفتاة الفضية دون خجل—وهي أنحف من ميكوتو بمرّة أو مرتين. كان عناق فتى لفتاة وضعًا غير مألوف تمامًا، لكن ما الذي يدفعه لأن يجثو ويضع وجهه على بطنها؟ خرست ميكوتو.
وبينما وقفت فاغرة الفم، تحدثت شيراي بصوت مبالغ فيه مسرحي وهي جالسة على كرسيها المتحرك الرياضي. «هوه هوه—يا ترى في أي شهر وصلَتْ؟ أترى هما يتحسسان الركلات في بطنها...بفف»
واضح أنها تمزح، لكن ميكوتو ارتعشت من الفكرة. وظهرت شرارات زرقاء باهتة تتطاير من خصلات شعرها في كل اتجاه.
تستطيع أن تطلق رمحًا من البرق، لكنه لن يتجاوز يد الفتى اليمنى.
وعلى الأرجح، لن يواجه مشكلة في الخروج سالمًا حتى لو أصابته بالريلغن.
ومع ذلك، قبضت ميكوتو يمينها وصرخت،
«أيا ال... خذ هذه يا قذررررررررررر!!»
اندفعت نحو الفتى، ولوّحت بقبضتها حتى ضربته بكل ما تملك من قوة.
«غووهاااااااااااااااااهه؟!»
أُطلق كاميجو جانبًا على نحو غير متوقع منفصلاً عن إندكس حتى تدحرج على الطريق. كان قفاه الذي ضُرب وأطرافه التي احتكت بالطريق تؤلمه.
الإحساس الطري الغريب لبطن الفتاة تحت خده، ولمسة الرطوبة الخفيفة من العرق، والرائحة الحلوة والدفء، وعوامل أخرى عديدة، كلها تراكبت لتضع كاميجو في حالة دوار، ثم جاءت ضربة ميكوتو لتعيده إلى رشده. وهذا يعني أيضًا أنه ابتعد جسديًا عن إندكس. وتساءل لماذا لم يشعر بأي سعادة لتحقيقه هدفين بضربة واحدة.
«هاه...؟ أصبته؟»
لكن ميكوتو نفسها التي وجهت الضربة تمتمت مندهشة.
استلقى كاميجو على الأرض وبدأ يرتعش.
(أوه... لا، هذه المرة كان ذلك للأفضل. تلك الأجواء الوردية الغريبة التي أحاطت بي وبإندِكس... ما كنتُ لأقدر على الخروج منها بقوتي. لكن أعع... لماذا لم يمنحني العالم حلًا ألطف قليلًا؟!)
وقد كاد يبكي كطفل صغير، فرك عينيه. لكن ما شعر به لم يكن يده المألوفة—بل إحساس قماش رقيق. نسيج ناعم أملس قليلًا. (ما هذا؟) خاف، وهو يعيد تقييم الوضع. كان قطعة قماش بيضاء مطوية عدة مرات مثل مراوح الورق المستخدمة في العروض الكوميدية.
تنورةً مطوية.
تنورةُ إندِكس.
«..............................................................................»
تحولت التنورة إلى مجرد قطعة قماش عريضة، وقد تمزق سحابها الجانبي عموديًا.
حين وضع يديه حول خصر إندكس، لا بد أنه أمسك بتنورتها. وقد ضُرب مبتعدًا، مما يعني أنه مزقها أثناء ابتعاده.
(هذا يعني...)
رفع كاميجو نظره من يديه ببطء شديد.
فرأى إندِكس واقفة بلا حراك، وجهها محمرٌ متورّد. لا تزال ترتدي زي التشجيع، لكنه اقتصر الآن على القميص الأخضر الفاتح بلا أكمام. أما التنورة فقد اختفت—لأن كاميجو كان يمسك بها.
لم تكن سرة الفتاة ذات الشعر الفضي والعينين الخضراوين مرئية الآن فحسب، بل وملابسها الداخلية وأطراف فخذيها أيضًا. بل، بدقة أكثر، كانت ملابس داخلية تشبه تنورة لاعبات التنس. رأى القماش الساتاني الأخضر الفاتح اللامع ملتصقًا بإحكام ببشرتها. ورغم أنه كان مجرد وهم من جانبه، فقد خُيّل إليه أنه يرى بعض التفاصيل ترتسم عبر تجاعيد تلك الملابس، فلم يستحمل التحديق (بعد أن شرح ذلك لنفسه بتفصيل مفرط).
«~~~~!!»
بدأت إندكس تحاول بجنون إخفاء الجزء السفلي باستخدام القط الكاليكو الذي في يديها، لكن لم يكن ليكفي بالطبع. بل إن محاولتها اليائسة محمرة الوجه لإبعاد نفسها عن نظر كاميجو بدت مستفزة بشكل غريب.
نظر بالتناوب بين المشهد أمامه والتنورة اللامعة في يديه.
(أنا ميت. خلال خمس ثوانٍ، ستتحطم جمجمتي. ليس بأسنانها الأمامية فقط، بل بالأنياب والأضراس أيضًا. استعد!... لا، مهلا. إندِكس اليوم تتصرف بغرابة حيال عضّي! هذا يعني أن لدي فرصة للنجاة، صح؟ صح؟!)
بعد أن لمح بصيص الأمل في نهاية اليأس، بدأ يحسب كيف يخرج من هذا الموقف، لكن الأوان كان قد فات.
«...ابقَ يا أنت»
«...لقد مضى وقت، أيها المحترم»
تردد صوتا ميساكا ميكوتو وشيراي كُروكو الباردان في آن واحد.
«...»
نظر كاميجو إليهما ببطء. الفتاة التي تتطاير من خصلات شعرها شرارات زرقاء أخرجت قطعة نقدية من جيبها تشبه تلك المستخدمة في صالات الألعاب. أما الفتاة الجالسة على الكرسي المتحرك الرياضي فرفعت تنورتها بجرأة وأخرجت سهامًا معدنية خطيرة المظهر من فخذها.
«اسمع، ليس وأنني مجبورة على الدفاع عن تلك الفتاة...»
«عدو أونيه-ساما هو عدوي!»
رغم أنهما أظهرتا عدم حماس لعقابه، بدا أن توترهما بلغ ذروته. أما ملاذه الأخير إندكس، سارعت واختبأت فورًا خلف ميكوتو.
(إذن... مُتنا...)
تنهد بتعب ووضع يده على جبينه قبل أن يقول آخر ما لديه، كخاسر هُوَ.
«اسمعوا! الآن علينا أن نفعل شيئًا بشأن تنورة إندكس، لذا دعونا نوقف هذا الجدال العقيم ونتعاون لأنني أعتقد أن هذا سيكون أفضل ما يمكننا فعله الآن، فما رأيكم بهذا الحل السلمي؟ ما أعجبكم صح؟ لا، أكيد ما أعجبكم، أنا آسف أشد الأسف!!»
حاول تبرير نفسه، لكن ما إن أنهى جملته حتى اعتبرته الفتاتان وصيته الأخيرة وانقضتا عليه.
- الجزء 8
بينما كاد أن يُثقب من قِبَل ريلغن وسهام معدنية، فرّ كاميجو في كل مكان حتى وجد في النهاية مقعدًا وجلس عليه منهكًا.
إندكس وقد فقدت ملابسها ذَهَبَتْ إلى مكانٍ ما مع ميكوتو وشيراي وقررت أن تنورتها الممزقة يجب إصلاحها (على ما يبدو—كان كاميجو قد تركها خلفه عندما هرب، وبعد أن أمسكته ميكوتو، أخبرته إندكس بذلك). تساءل إن كانوا سيستخدمون الدبابيس مرة أخرى.
(بلخخ...)
تفقد الساعة المعروضة على شاشة جوّاله ليجد أنها قاربت الثالثة. ولم تصله أي رسائل من تسوتشيميكادو موتوهارو أو ستيل ماغنوس.
وبالنظر إلى أن هدف أُريانا ولِدُفيا لم يكن إعطاء [الأداة الروحية] لشخص آخر داخل مدينة الأكاديمية بل بتفعيلها هنا داخل المدينة، فقد يكونان ببساطة مختبئين في مكان واحد مثل غرفة فندق لتجنب المطاردة. وبسبب ذلك، قال ستيل إن طريقتهم الحالية في محاولة إفشال الصفقة والإمساك بأُريانا ولِدُفيا أثناء فرارهما قد تكون صعبة للغاية. كانوا يحاولون حاليًا معرفة شروط استخدام [الأداة الروحية]، صليب بطرس {كروس دي بيتيرو}. ومع اختفاء أُريانا تمامًا، لم يعد لديهم أي دليل على موقعهما. كان هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكنهم الاعتماد عليه.
إذا كان عدوهم الكنيسة الكاثوليكية الرومانية يهدف إلى السيطرة على مدينة الأكاديمية باستخدام [صليب بطرس]، فلِمَ ينتظرون؟ لاستخدموه مباشرة منذ البداية لو يقدرون. لكنهم لم يفعلوا. اتخذ تسوتشيميكادو هذا دليلاً على أنه يتطلب شروطًا خاصة.
وإذا لم يكن بالإمكان استخدام [صليب بطرس] دون استيفاء تلك الشروط أولًا، فطالما لم تتحقق تلك المتطلبات، يمكن منع خطة أُريانا ولِدُفيا. المطاردة البسيطة صارت بلا جدوى، وكان هذا هو الطريق الوحيد المتبقي للرد على المرأتين المتسللتين إلى المدينة.
لكن...
«...هذا يستغرقنا وقتًا،» تمتم كاميجو لنفسه.
لقد مرّت ساعات منذ أن رأوا أُريانا آخر مرة. لم يكن لديه ما يفعله، لكنه تساءل إن كان من الجيد له أن يسترخي هكذا. لم يستطع منع شعوره بالتوتر، وهو لا يعرف متى وأين سيتم استخدام [صليب بطرس].
لكن ما كان يوجع قلبه أكثر...
...هو أن لديه ورقة رابحة قادرة على إنهاء كل شيء فورًا.
(إندكس...)
كانت تمتلك ذاكرة مثالية؛ في عقلها 103,000 جريموار—كانت مكتبة حيّة من الكتب السحرية. مع معرفتها الهائلة لاشك أن لديها معلومات عن [صليب بطرس].
وغني عن القول أن أسرع حل هو سؤالها. سؤال إندكس عن أي شيء متعلق بالسحر، سواء كان [صليب بطرس] أو غيره، سيعطيه الإجابة في أقل من خمس ثوانٍ. في الواقع، منظمة النِسِسَريوس التابعة للكنيسة الأنجليكانية أنشأت [فهرس الكتب المحرمة] لهذا الغرض تحديدًا.
لو سألها فسيعرف فورًا. لكن في الوقت نفسه، لم يكن مسموحًا له أن يسألها. بسبب أولئك السحرة خارج المدينة... قيل إن هناك العديد من الفصائل السحرية خارجها، كبيرةً وصغيرة. وإذا لاحظوا استخدام السحر داخل مدينة الأكاديمية فلربما يقتحمون المكان. للأسف، ليس كلهم متعاونين مع المدينة الأكاديمية. بعضهم قد يستغل الفرصة لِيُخرب ويُدَمّر—فهم لا يستطيعون الدخول إلى المدينة بالطرق العادية.
يبدو أن معظمهم يستخدم تعاويذ خارج المدينة ليَرصُدَ أي أثرٍ للمانا. والفكرة أنهم يركزون عمليات البحث تلك حول إندِكس. فقد وقعت العديد من الحوادث السحرية بالقرب منها في السابق، فافترضوا أن أي سحرٍ قادمٍ سيكون حولها.
أي أنه...
(إذا جعلت إندكس قريبة من مركز هذه الحادثة، فقد تكشف تعاويذ البحث سحر أُريانا ولِدُفيا. ما عساي أُشرك إندكس في هذه القضية. لن أسمح لها بالاقتراب. حتى مجرد إعطائها لمحة خفيفة عما يحدث سيكون خطرًا)
إندِكس عظيمةُ العِلمِ بالسحر. ما كانت لتغفل عن أي أثر بسيط له. وإذا التقطت إشارة واحدة فقط، كاميجو يعرفها، لاندفعت إلى المعركة فورًا دون تردد حتى لو صرخ عليها ألّا تأتي.
«يا ليل. أعلَمُ الناس بالسحر أمامي وقد أسألها تلميحًا ولكن إن فعلتُ سينتهي كل شيء. تُف من معضلة ملعونة،» قال وهو يتنهد دون قصد، وفجأة—
«ماذا. ما معضلة؟»
فجأة سمع صوتًا بجانبه كادَ يقفزه من مكانه. التفت مفزوعًا ليجد شخصًا قد جلس بجانبه دون أن ينتبه. كانت فتاة ذات شعر أسود طويل ترتدي زيًا رياضيًا: هيميغامي آيسا. ترتدي قميص قصير اليدين وشورت مدرسي، زائد قلادة صليب فضية تحت قميصها. وبالفعل، كانت سلسلة رفيعة ملتفة حول عظمتي الترقوة والرقبة، مخفية بشعرها الأسود. وكانت السلسلة تنزل وتختفي تحت فتحة ملابسها الرياضية.
«هِـ-هيميغامي؟ ماذا تفعلين هنا...؟»
«خفتُ من شيء، وكنت أبحث. أبحث عنك»
(تبحث؟) لم تكن هيميغامي آيسا كثيرة التعبير، لذا عادةً لا يدري إن كانت غاضبة أم سعيدة أم ماذا. في هذه اللحظة لو قالت: "أكلني الجوع" لصدقها. ولو قالت: "أتمنى قطة" لما شك في ذلك إطلاقًا.
فسألها بصراحة، «ما الذي أخافك؟»
«نعم. المعلمة كوموي. سببت مشاكل. وكأنها بدت غاضبة جدًا من شيء»
«؟؟؟» قرر كاميجو أن يتبع هيميغامي في الوقت الحالي. أمسكت بيده وبدأت تسحبه في اتجاه مختلف.
فجأة، نظر إلى أيديهما المتشابكة. نظرته الطويلة جعلت هيميغامي تجهل قليلاً. «هل من شيء؟»
«همم. لا ليس... إنما فكرت، لا أراكِ منزعجة من أشياء كهذه»
«...»
ما إن قالها، سحبت هيميغامي يدها فجأة. لا يزال وجهها بلا تعبير، لكن كأنه لمح احمرارًا خفيفًا عليه. وضعت يدها على صدرها وبدأت تضع اليد الأخرى فوقها. بدا أنها كانت منزعجة—بشدة—لكنها أخفتها.
انتهى الأمر بهيميغامي آيسا تقوده إلى حديقة كبيرة نسبيًا.
ومن انتهاء استراحة الغداء، لن ترى كثيرًا من الناس. لا زال مهرجان دايهَسي الحدث الرئيسي، وكان معظم الرياضيين والمتفرجين متجهين نحو الملاعب. أغلب المارة في الشوارع كانوا في الأساس ينتقلون بين الملاعب أو يشترون التذكارات لأنفسهم. أما المتفرجون فقد أخذوا وقتًا للسفر إلى مدينة الأكاديمية والبقاء لليلة. كانوا يبذلون الكثير من الطاقة لمشاهدة الفعاليات، لكنهم لم يكونوا يقضون وقتهم يتكاسلون.
في زاوية من حديقةٍ شبه خاوية هناك مقعد. وأمام المقعد المعلمة كوموي، ترتدي نفس زي تشجيع إندِكس، تغضب وتزمجر. كانت تتحدث بحماس عن آداب التدخين وعن تدخين القُصَّر أو شيء من هذا.
وأمامها، الثاني على المقعد—الساحر ستيل ماغنوس—لم يكن يصغي إليها تقريبًا. اكتفى بابتسامة، ليس ابتسامة استسلام أمام التوبيخ، بل ابتسامة من نوع "وربي مَلِلت".
كانت المعلمة كوموي تبدو وكأنها تحاول مصادرة علبة سجائر ستيل، لكن كلما اقتربت يداها منها كان يقذفها من يد إلى أخرى ككرة صغيرة، ولم تستطع يداها مجاراته. من بعيد، كانت حركات القفز والمراوغة أبدتها كجروة تلعب بكرة مطاطية.
«هناك. هناك. المعلمة كوموي. والذي جاء لينقذني في المرة السابقة. ها هناك يتشاجران. لا أعرف ما أفعل»
بدت هيميغامي تائهة بشكل غير معتاد وهي تراقب. فهي تدين بحياتها لكل من المعلمة كوموي بالطبع، ولستيل ماغنوس الذي ساعدها أثناء حادثة مدرسة ميساوا التحضيرية مع الخيميائي المتآمر أَوْريولُس. ويبدو أنها لا تريد أن يتشاجرا معًا.
لكن ما إن رأى كاميجو وجه ذلك الكاهن الذي تفوح منه رائحة العطور، شعر بإرهاق شديد. «آهخ، هيميغامي، لا تشعري أنك مضطرة لإيقافهما. هو أكثر من يحتاج توبيخ المعلمة كوموي لمصلحته. وبالمناسبة، هو بحاجة فعلًا إلى محاضرة عن طريقة حياته كلها»
ازداد وجه هيميغامي ليونة أكثر عند كلماته. «لكن. صاحب السجائر. يبدو قلقًا. وهو ينظر نحونا»
«الحمار مستمتع لأن بنت صغيرة تتمسك به لدرجة أنه قد يموت. اتركيه وشأنه. وضعه تمام»
«لكن، وجه المعلمة كوموي كله أحمر. تبدو متعبة من الغضب»
«ابتسامة معلمتنا تزداد كلما رأت طفلًا مشاغب. اتركيها وشأنها. وضعها تمام» تنهد كاميجو وهز رأسه.
لاحظت المعلمة كوموي وجودهم، ودون أن تتوقف عن محاولة خطف علبة السجائر وهي في الهواء صاحت، «كاميجو-تشان!! لا تقف هناك تشاهد! تعال وساعد معلمتك! هذا الفتى أكثر من شرب الدخان، مصيبة! من فضلك أوقف رمي العلبة وأعطني إياهااا!»
ما تُرك لكاميجو خيار فبدأ يمشي نحوهما. وبعد أن نظر إلى المعلمة كوموي، نقل نظره إلى ستيل على المقعد وقال، «...يا حظك. لا يزال في العالم إنسانٌ يغضب لك»
«سأتفق مع هذا التصريح من أعماق قلبي، كاميجو توما. لكنّ شغلاً آخر يشغلني هذه اللحظة. وهذه لن تتركني»
وبينما يتحدث، وعلبة السجائر تقفز في الهواء، أعاد ترتيب ياقة ثوبه بعفوية ليخفي إشارته نحو جَوّاله المحموله في جيب صدره. رأى ضوءًا يومض وينطفئ على هيئة جمجمة، ما أعفن ذوقه. كان يتلقى اتصالًا. وبعد أن أشار إلى ذلك، التقط علبة السجائر في الهواء بعفوية، ثم عاد إلى لعب رمي الأكياس مع المعلمة كوموي.
إذا كان أحدهم يتصل بهذا الرجل... فلا بد أنه أحد أفراد الكنيسة التطهيرية الإنجليزية. ومن الواضح أنه لم يكن ليسمح للمعلمة كوموي أن تسمع أي معلومات تتعلق [بصليب بطرس].
«آه! رميته؟!»
وبينما كان كاميجو يجمع خيوط الموقف في ذهنه، لمح شيئًا يندفع بجانب وجهه من طرف عينه بالتزامن مع حديث المعلمة كوموي. فأمسكه على عجل ليجد أنها علبة سجائر، من نوع يُرى أحيانًا في الأفلام.
متجاهلًا كلمات المعلمة كوموي، رفع ستيل سبابته ووسطاه، ثم قرّب أطراف أصابعه إلى فمه.
(يع، وفّر قُبلاتك لنفسك!!)
فكر كاميجو، بعدما تأهب بجدية شديدة، قبل أن يدرك بعد لحظة أنها مجرد إشارة للتدخين.
قبَّض كاميجو قبضته، ثم مدّ علبة السجائر نحو هيميغامي.
«هيميغامي، معك ولاعة؟»
تريثت لحظة ثم «هاه؟»
استدارت المعلمة كوموي نحوهما بسرعة.
«كَمَجَة! لا فائدة أن تتمرد هنا! وهيّومة! كوني أحزم معه وأوقفيه!!»
بام بام بام بام!! دكت المعلمة كومويه الأرض منطلقة. لمّا رأى ستيل ذلك، أخرج الجوّال من جيب صدره ووضعه على أذنه وبدأ يمشي مبتعدًا إلى مكان ما.
(أتمنى لو تكون معلومات عن صليب بطرس. فإن لم تكن، فوجودي هنا أبلع محاضرة لا معنى له. لحظة، أنا لا أدخن أصلاً ولا أنوي! كيف سأفك سوء الفهم هذا؟!)
وصل غضب المعلمة كوموي إلى مرحلة تتجاوز مجرد الانزعاج، وصارت عيناها تدمعان تقريبًا. بدأ كاميجو يقشعر ذعرًا فعلًا، لكن جوّاله اهتز هذه المرة.
(من تراه يكون؟) فكر وهو يميل رأسه ويمد يده إلى جيب سرواله.
«كاميجو-تشان! أطفئ الجوّال أثناء محاضرتي من فضلك!!»
«إءئ!!»
صرخة المعلمة كوموي أربكته. سقطت علبة السجائر من يده، فالتقطتها في الهواء. انتهز الفرصة وأخرج الجوّال بسرعة. وكان المتصل تسوتشيميكادو موتوهارو.
(إذا كان يتصل بي، فهل يعني ذلك أن أُريانا ولِدُفيا بدأتا التحرك...؟ مصيبة. لا أريد أن أضيع الوقت هنا. لكن لا يمكنني أيضًا أن أسمح للمعلمة كوموي تسمع أي شيء عن القضية...)
وبينما تصرخ المعلمة «كاميجو-تشان!!» خلفه، اختبأ خلف هيميغامي. ثم أمسك كتفيها فجأة، فاحمر وجهها قليلًا، لكنه لم ينتبه لأنه كان خلفها.
فكر لوهلة قصيرة في طريقة الخروج من الموقف، «آهغغ! هيميغامي، الموضوع معك! أوقفتُ شجار المعلمة كوموي وستيل كما أردتِ، لذا أكملي الباقي!!»
وبعد صرخته اليائسة، ركض مبتعدًا. حاولت المعلمة كوموي اللحاق به، أو على الأقل حاولت.
«واااه! ما بك تفعلين هيميغامي تشان؟! من فضلك لا تعانقي المعلمة فجأة!!»
يبدو أنها أوفت بوعدها بأدب، ولم تتم ملاحقته بعد ذلك. غادر كاميجو الحديقة بسرعة، وهو يقول لنفسه إنه سيشتري أكونومياكي من الأكشاك لاحقًا.
يبدو أن الأمر كان مهمًا، لأن رنين تسوتشيميكادو لم يتوقف. وقبل أن يتحول إلى البريد الصوتي، ضغط كاميجو زر الرد.
⟪كاامياااااااان! جوّال ستيل مشغول—هل هو معك-نيا؟! لو تعرف مكانه، أريدك أن تخبره بشيء!⟫
«ها؟» فكر كاميجو للحظة. «...أوه. نعم، أحدٌ اتصل به أيضًا. أهُوَ عَن أُريانا؟ لا تقل إنهم سيقومون بشيء مجنون ومخيف مرة أخرى؟!»
⟪لا، ليس مهمًا إلى هذا الحد... لكن يجب أن تعرف هذا أيضًا. كنت أستخدم...آءء، طُرُقًا خاصة للتسلل داخل أنظمة أمن مدينة الأكاديمية. تلك التي تستخدمها قوات الأنتي-سكِل والجدجمنت-نيا~. الأجهزة الميكانيكية لا تتعامل مع السحر، لذلك لم أتوقع الكثير... لكنني حصلت على نتيجة⟫
وقف شعر كاميجو بالكامل من شدة التوتر.
⟪قبل حوالي ثلاث دقائق، في المنطقة 5—التي بجانبنا—شوهدت وهي تغادر مخرج محطة مترو سيبوسان. لكن هذا كل شيء. ربما استخدمت السحر لحجب المعلومات البصرية، أو ربما أفلتت من النقاط العمياء للكاميرات. لا أجزم⟫
«ثلاث دقائق... هذا صعب»
كانت المنطقة 5 تبعد على الأقل أكثر من أربعة كيلومترات عن هنا. كم ستكون أُريانا قد ابتعدت لو بدأ تركض من هناك الآن؟
⟪لا نحتاج إلى محاصرة أُريانا بالكامل. إذا وصلت إلى محطة سيبوسان، سنطلب من ستيل استخدام تعويذة بحث-نيا~. وما إن نحصل على موقع دقيق، نهجم جميعًا. ثم ينتهي الأمر⟫
(تعويذة بحث. تلك المسماة "أربع طرق حَق"، ها؟)
كانت في الأصل تعويذة تسوتشيميكادو، لكن ستيل هو من كان يستخدمها. تسمح للملقي بالبحث ضمن نطاق يقارب ثلاثة كيلومترات من موقعه الحالي. ولا يمكن استخدامها إلا إذا كان لديهم [أداة روحية] سحرية يستخدمها الهدف، وهم قد حصلوا على صفحة من ملاحظات أُريانا في حوزتهم.
«إذا ابتعدت أكثر من ثلاثة كيلومترات، فستخرج من نطاق البحث. نحتاج إلى قطع أربعة كيلومترات قبل أن نبدأ حتى بالبحث. هل سنلحق؟!»
⟪لهذا يجب أن نسرع كاميان. أركب حافلة روبوتية أو قطارًا أو أي شيء، فقط اعثر على ستيل و صِل إلى المكان أسرعَ ما يمكن!!⟫
أغلق الخط.
طالما أنهم لم يتمكنوا من تحديد شروط استخدام [صليب بطرس] بدقة، فهناك احتمال كبير أن تكون هذه فرصتهم الأخيرة. بل يجب أن يتعاملوا مع الأمر على أساس أنه إذا لم يتمكنوا من الإمساك بها، انتهى كل شيء.
«تبًا. ستيل!!» صرخ وانعطف مبتعدًا عن حيث كانت هيميغامي آيسا والمعلمة كوموي وعاد إلى الحديقة. في الوقت الحالي، كان ستيل هو الوحيد القادر على استخدام "أربع طرق حق" لتعقب أُريانا.
وأثناء ركضه، شغّل عقله بأقصى سرعة. الجانب الوحيد الجيد في هذا الوضع هو أن أُريانا قد لا تكون قد أدركت أنهم رصدوها. وإذا كانت تهرب بأقصى سرعتها، فلن يتمكنوا من اللحاق بها في الوقت المناسب.
هي تمشي. وهو يركض.
إنما عليهم أن يعوضوا فرق المسافة والوقت بالسرعة.
- ما بين السطور 4
جلست فُكيوسي سيري على مقعدٍ في غرفة انتظار المستشفى.
وبحسب الطبيب ذو الوجه الضفدعي، انتهى علاجها الضروري، وأخبرها أنه لا بأس أن تتجول بحرية، ولكن داخل المبنى فقط. وضحكت الممرضة قائلة شيئًا عن أنها "ميمونة" وأن الأمر كان ليمسي أسوأ بكثير في العادة. حمدًا كثيرًا، كما فكرت.
نهضت فُكيوسي من سريرها المخصص وقررت أن تتمشى داخل المستشفى، جزئيًا لتفقد حالتها، ولكن...
«...أعع»
وضعت يدها على صدغها وهزّت رأسها بخفة.
قبل أن تصل إلى المصعد، شعرت بدوار خفيف ينبع من عمق رأسها. وكان هذا هو السبب في تخصيص سرير لها—أي أنها لن تخضع لفحص طبي فقط، بل ستبقى هنا ليوم كامل.
الأطباء يمكنهم علاج الصداع الشديد والتفاعلات الجسدية القوية الناتجة عن ضربة الشمس الحادة، لكن الطاقة التي فقدتها يجب أن تستعيدها ببطء. ورغم عدم وجود جروح أو أعراض ظاهرة على الخارج، فإن حالتها الجسدية لم تكن جيدة.
نظرت إلى الزر الصغير في يدها. كان صندوقًا ميكانيكيًا مصغرًا بحجم علبة أعواد ثقاب تقريبًا. قالوا لها إنه زر استدعاء ممرض محمول، لكن نظرًا لأن استخدام الموجات اللاسلكية غير مرغوب داخل المستشفى، فهو في الواقع جهاز يُصدر صوت أزيز مرتفع.
ربما كان نسخة مطورة من أجهزة الإنذار الشخصية التي تُباع في المتاجر، لكن مجرد إعطائها شيئًا كهذا يدل على أن حالتها لم تكن جيدة.
أخذت تنظر حولها. كانت هناك أيضًا منطقة مخصصة للتدخين. مكانٌ صغير قرب المصعد، ورغم عدم وجود جدران تفصله، إلا أن هناك قناة في الأرض على شكل خط مستقيم عند المدخل، وهو ممر لتدفق الهواء يعمل كستارة هوائية. كان هناك مقعد دائري صغير يحيط بالمكان، وفي الوسط منفضة سجائر أسطوانية.
تجاهلت منطقة التدخين ونظرت إلى الجدار، بينما كان ذهنها ما يزال مشوشًا. رأت أربع آلات بيع للمشروبات مصطفّة أمامه.
«...لو عليّ استعادة طاقتي، لربما أحتاج مشروبًا رياضي»
حتى كلماتها لم تكن تحمل حماسها المعتاد. مجرد الوقوف من المقعد أرسل موجة خفيفة من الألم من صدغها الأيمن إلى الأيسر. (لا أرى أنني أعود إلى فعاليات هذه الظهيرة)، فكرت وهي تعبس وتتجه ببطء نحو آلات البيع.
وضعت جَوّالها المزود بمحفظة إلكترونية على جهاز القراءة. أضاءت جميع الأزرار دفعة واحدة. (أي أن الخيار المثالي سيكون... سُكر، أحماض أمينية، معادن، أو ربما...) «آه-تشو!»
وبينما تفكر، عطست. ومع اهتزاز رأسها إلى الأمام، اصطدمت جبهتها بأحد أزرار الجهاز. وسمعت صوت "طرقَق" بينما سقط نوع من العصير لم يكن له علاقة بأفكارها.
ومع صداعها النابض، تحققت مما خرج: علبة غريبة مكتوب عليها [مشروب حليب مُكثف غازي].
«...أنا مثال حيّ لسوء الحالة الصحية»
كادت تسحق العلبة بيدها من دون قصد، لكنها لم تستطع رميها. وبدون معرفة ما تفعل، عادت من حيث أتت، إلى غرفتها.
(يا ربي، متى...)
رأت أن الممر البارد غير الحي الذي تسير فيه يشبه صحراء تراها على طريق الحرير. وإذا كانت تشعر بهذا السوء داخل المستشفى، فمن السهل تخيل ما سيحدث لو حاولت الجري في الخارج تحت حرارة الصيف الحارقة.
(متى... متى سأتمكن...؟)
تنهدت وهي تسير ببطء شديد...
(متى أعود إلى العمل؟ ذلك الأحمق، من الأفضل له ألّا يمرح ويسرح في غيابي)


اختر اسم وأكتب شيء جميل :)