الفصل الثامن: سَبَبٌ لِتَقْبِضَ يَمِينَك.—نورٌ_يجهر_الظلام.
(إعدادات القراءة)
- الجزء 1
«توما مفقود؟» سأل كاميجو تويا على غياب الشمس في الملعب.
انتهت المباراة، وكان الطلاب خارجين. والمتفرجون يتدافعون هم أيضًا نحو المخرج، فيما ملأ الهواءَ ضجيجُ همهماتهم. وبينما كان عدد من ضباط الأنتي-سكِل يلوّحون أذرعهم على فترات منتظمة لتوجيه الناس، وقف تويا وزوجته شينا وحيدين كغصنين عالقان في مجرى نهرٍ من الناس.
وأمامهما وقفت معلمة من مدينة الأكاديمية.
لم يكن طولها يتجاوز 135 سنتيمترًا، لكنها على نحو لا يُصدَّق هِيَ مُعلّمة صف كاميجو توما. كان أبَوَيْ كاميجو قد التقيا بها في اجتماع الفصل الدراسي الأول، لذا لم يتفاجآ كثيرًا من رؤية المعلمة ترتدي زي تشجيع أخضر فاتحًا. ويبدو أنها بدّلت زيها مرة، وكانت رائحة طارد الحشرات تفوح من الزي.
لكن ذلك ليس المهم الآن.
«يآه»، قالت شينا بقلق قليل. «ماذا تعنين أن ابننا لم يشارك؟ ألم ينسحب من إصابة أو مرض مفاجئ؟»
كانت أول من لاحظ غرابةً تحيط بكاميجو. فقد ذكرت في وقت سابق أنها لم ترَ ابنها في أي مكان ضمن مسابقات الفرق. وكانا قد شعرا بالحزن إذْ ظنا أن الخطأ خطؤهما أنهما لم يلحقا مباريات الابن، وما أخيبهما من أبَوَين.
لكن بعد هذه المسابقة، تأكدا وتيّقنا. في سباق الملعقة، حيث يركض المتسابقين مئة متر وهم يحملون في ملعقة كرة علكة يبلغ قطرها سنتيمترين. كانت المشاهد تبعث على الدفء في القلب إلى حد كبير، مشهد طُلابٍ أسابر يحركون ذهنيًا كرات العلكة ليثبتونها في أماكنها، أو مُسَخِّرِي نار يقذفون كرات خصومهم بعيدًا—لكنهما لم يريا ابنهما توما في أي مكان هذه المرة أيضًا.
في مسابقات الفرق، ربما كان مختبئًا بين المشاركين. لكن هذه كانت مسابقة لألعاب القوى، لذا كان من المستحيل أن يفوتهما شيء إن تابعاها حتى النهاية. والآن، وقد ساورهما شيء من الفضول، ذهب تويا وشينا إلى معلمة صف ابنهما وسألاها عن الأمر.
كانت تسوكيومي كومويه ذاتُ زي التشجيع في حالة من الارتباك ووجهها شَحُب. وأخذت تلوّح يديها المزينة بكرات التشجيع على عجل. «آه، نعم، تَرى، لقد قدمت طلبًا إلى الأنتي-سكل للبحث عنه، لكن...»
عقدت شينا حاجبيها. «الأنتي-سكِل؟ شرطة المدينة ها؟ هل تورط ابني في مصيبة، ولذلك لم يعد قادرًا على المشاركة؟»
«ل-لا، ليس الأمر هكذا. لقد كان يركض في وقت سابق مع كاهن، وبنشاط شديد. لا أظنه في أي نوع من المواقف الخطرة، لكن...»
«؟؟؟ تقصدين أنك رأيته في المدينة؟» أمالت شينا رأسها بحيرة—أتحتار إن كان في المدينة؟
كانت حركتها عفوية، لكن كتفي المعلمة كوموي هبطا. «...أنا آسفة. لقد ائتمنتموني على طفلكم العزيز، والآن لا أعرف أين هو ولا ماذا يفعل»
«أء، لا، هذا...» تبادل تويا وشينا نظرات قلقة بينما انحنت المعلمة كومويه أمامهما وظلت على تلك الوضعية. كان الزوجان يفهمان شخصية ابنهما وميوله، وإن لم يكونا بالضرورة موافقين على أيٍّ منهما، ولذلك ما أرادا لوم المعلمة—بل كانا إنما يبحثان عن تفسير لما يحدث.
«...(والآن تجعل امرأة تخاف عليك حتى في غيابك ها يا توما؟ إيهِ إيه. يبدو أن موهبتك هذه راسخة)»
«يآه. تويا، أقلتَ شيئًا؟»
«لا، لا شيء»
«أظن حقًا أن توما ورثها منك يا تويا»
«ولماذا تنظرين إليّ بنظرة الرعب وأنت تقولين يا حُبّي؟» ومع توجيه السلبية إليه الآن، ابتعد تويا خطوة سريعة عن شينا. ثم التفت مجددًا إلى المعلمة كومويه، التي كانت لا تزال منحنية أمامهما، وكأنها على وشك الانفجار بالبكاء. «آه، لدي سؤال واحد فقط. ارفعي رأسك من فضلك»
«أه، آء، نعم. ما هو؟»
«أيفعل توما هذا بإرادته؟ ولا أحد يجره أو ما شابه؟»
«ن-نعم، هذا صحيح»
كان هناك تردد للحظة في جوابها.
كانت قد ذكرت أنها رأت ابنهما، ولعلها كانت تعرف ما يجري. فهل كان ترددها نابعًا من عجزها عن إخبار تويا بأن الأمر، أيًّا كان، يتعلق بابنهما بصورة عميقة، أو ربما بطالب آخر؟
ما أطيبها من معلمة. أومأ تويا لنفسه، ولم يتابع الأمر أكثر.
«إذن...» رفع كاميجو تويا نظره. وبينما يتأمل سماء المغرب والنجم الأول الذي بدأ يلمع لتوه، قال: «هذا يعني أن ما يفعله، أيًّا كان، أهم بالنسبة إلى توما من هذه المسابقات»
كان في صوته شيء من نبرة رجل تذكّر ذكرى مريرة.
«إن كان، فلا لدي سببٌ لأمنعه»
- الجزء 2
السماء قد ابتدأت تكتسي بألوان البرتقال الداكن.
بدت الأرض الإسفلتية كما لو أن أحدهم أخذ ممحاة لوحٍ أسود ومَحا بها كل ما كان فيها من مظاهر الطبيعة. ولم تكن أي علامة على وجود نباتات، ولا شيء يحجب الريح، بينما داعب تيار هادئ من الهواء خدها. وتفوح منها رائحة خفيفة لزيت الآلات—إحدى السمات المميزة لمدن هذا البلد.
دَوِي!! جاء صوت انفجاري من فوقها.
رفعت بصرها لترى جسم طائرة ركاب ضخمة تحلّق على ارتفاع منخفضٍ قريب. طائراتٌ كثيرة تأتي وتذهب، على الأرجح بسبب مهرجان دايهَسيه.
لا أحد حولها.
السبب الرئيسي أن هذا لم يكن من الأماكن التي قد يدعو المرء الناس إليها. والسبب الثانوي ربما أن مهرجان دايهَسي وهو حدث رياضي على مستوى العالم كان يُقام في الوقت الراهن. أمكنك أن تقضي يومك بفائدة أكبر بمئة مرة إذا ذهبت عن طوع إلى ملعب أو استاد بدل المجيء إلى مكان كهذا.
وهكذا كان ظلها هو الظل الوحيد الملاصق للإسفلت.
وكان يكبر أكبر فأكبر مع الغروبِ مُتخذًا هيئة امرأةٍ تحمل صليبًا كبيرًا على كتفيها. وأنزلت صاحبة الظل الصليبَ ببطء عن كتفيها، ثم وضعت يدًا على القماش الأبيض الذي يلفّه.
انخلع القماش بصوت تمزق.
القماش كأنه ضمادات سميكة. وانفك كما ينفك شريط الهدية، من دون أن يبدي أي مقاومة وهو يغادر الصليب. وحفيف القماش يتردد؛ إذ انكشف كل ما كان يحجب الصليب تمامًا بسرعة ومن دون مقاومة. وظهر في الداخل الشكل الحق للصليب.
Croce di Pietro — صليب بطرس.
صليب من الرخام الأبيض النقي، يبلغ ارتفاعه 150 سنتيمترًا وعرضه 70 وسماكته 10 من نفس القياس. وقد شُحذت نهايته السفلى بخشونة كما يُبرى قلم الرصاص.
إنّ مجرد النظر إليه كفيلٌ بجعل المرء يشعر بثقل الحجر الهائل. وعلى أنه أمضى ألفًا وثمانمِئة عام على هذه الأرض، فإنه احتفظ بمظهرٍ وملمسٍ جديدين كأنما أُخرج لتوه من قالب. صُنِع من الرخام، لكن لو أن أيدي بشرية كثيرة لمسته على مر القرون، لكان ذلك وحده كافيًا أن يُكشط سطحه.
ولم تكن قدرته على البقاء محفوظًا ناتجة عن خصائص دفاعية سحرية. بل كان السبب أبسط: لم يُعرض على العامة قط في تاريخ الإنسان.
وكأن الصليب ابنة نبيلة نشأت في رعاية حانية، أبيضَ نقيًا بلا شائبة. أحكمت المرأة قبضتها عليه. ثم رفعت الصليب الأملس الصارم ببطء مرةً واحدة. وشعرت بوزن الرخام المميز يرتفع عبر ذراعيها إلى ظهرها، ثم يهبط إلى خصرها، ومنه إلى قدميها.
تجاهلت كل ذلك، وهي تهوي بالصليب إلى الأسفل بسرعة.
كتلة هائلة، وسرعة مذهلة، وطرف حاد.
كان صليب بطرس يمتلك كل هذه الصفات، إذ اخترق الإسفلت بلا أدنى عناء وغاص عميقًا في أراضي العاصمة الرئيسية لليابان.
«هب لنا درع الرسل الاثني عشر القديسين—حتى تُبدَّل سماوات السماء سقفًا فوق رؤوسنا وتُنشئ لنا في هذه الأرض ملاذًا آمنا!»
وبينما تتلو التعويذة الثابتة لاستخدام صليب بطرس، في نبرتها اختلافٌ كثير عن المعتاد.
تحرك الصليب المغروس في الأرض الإسفلتية من تلقاء نفسه. وببطء، كما لو كان يغوص في الوحل، بدأ يُغيّر زاويته.
رفعت بصرها إلى السماء.
لم يكن الليل قد حلّ بعد، لكن أول نجوم المساء قد ظهرت، تتلألأ.
«نعم، ليكن»
وبمفردها، تكلمت ساحرة على مدرج المطار التجريبي الكبير.
لم يكن مسموحًا لأحد بدخول هذه المنطقة، التي بدت كسهل منبسط مصنوع من الإسفلت. أرض رمادية مستوية بلا نهاية، تمتد إلى ما وراء الأفق.
«أتممت كل شيء علي. ولِيَتغير العالم في بضع دقائق»
- الجزء 3
كانت المنطقة 23 مشهدًا يستحق التأمل حتى بالنسبة لساكنٍ من مدينة الأكاديمية.
هذا أكثر من أن أستوعبه... فكّر كاميجو وهو يغادر المحطة النهائية برفقة ستيل وتسوتشيميكادو.
رأى الأفق، ورأى شمسًا تهرب، كما يرى المرء فوق مراعي إحدى الدول السهلية. لكن الأفق لم يكن أخضر كما في المزارع، بل أسودَ رمادًا من الإسفلت والخرسانة. مدارج الطائرات ومواقع إطلاق الصواريخ شغلت الجزء الأكبر من قطعة الأرض. وأسوارٌ عالية تشق حدودها وتطوق تلك الأرض المستوية الممتدة بلا نهاية.
وأبراج المراقبة ومنشآت الاختبار ضخمة هي الأخرى، وكلها أكبر مرات عديدة من الصالات الرياضية في مدينة الأكاديمية. لكن المدرجات القريبة كانت شاسعة إلى حد تُبدي المباني وكأنها قائمة في وسط العدم، وهذا صَعّب معرفة مدى ضخامة حجمها الحقيقي.
ألقى تسوتشيميكادو نظرة على موقف الحافلات أمام المحطة النهائية.
«...قد تكون سرًا عسكريًا ضخمًا، تلك الحافلات المتّجهة إلى المطار المدني. يحتاجون إلى سائقين نيا~. وجنودًا يراقبون ما إذا كان جاسوس سينزل في منتصف المكان»
غطّى هدير محرك طائرة على صوته. رفع كاميجو رأسه غريزيًا ليرى ثلاث طائرات خفيفة تنعطف ببطء في السماء.
«أساس الأمن هنا موجود في السماء. لاشك أنهم يراقبون أشياء أكثر بكثير مما يستطيعه الحراس نيا~»
وبالفعل بدا من الصعب جدًا على واحدٍ أن يرى كل شيء بالنظر إلى أن المنطقة تمتد حتى الأفق. وفوق ذلك كانت المنطقة بأكملها مملوءة بمدارج ملساء، لا ظلال فيها للاختباء. ولا مهربًا من أعين السماء.
«لكن عندها أُريانا لن تتمكن من الوصول إلى مطار تيتسومي- أو أيًا كان؟»
«لكن الحقيقة أنها وصلت إليه بطريقة ما»، أضاف ستيل. «تسوتشيميكادو، إن كانت من طريقة، فأخبرنا بها الآن. لا نملك رفاهية الوقت»
«نيا~. معي شيء قد يفيد»، قال تسوتشيميكادو وهو يشير إلى الأعلى.
دوّى هدير هائل في الهواء فوقهم مباشرة. هذه المرة لم تكن طائرة خفيفة، بل طائرة ركاب ضخمة ذات أربعة محركات. وعلى هديرها المنطلق خلفها، أخذت تهبط ببطء نحو مدرج في المطار الدولي المدني.
«عندما تظهر طائرة أخرى، تتم برمجة مسارات دوريات أجهزة المراقبة لتتغير حتى لا تصطدم ببعضها في الجو. ف...» وقف تسوتشيميكادو لحظة، بينما مزقت طائرة ركاب أخرى -تتبعها طائرات اختبار أصغر حجمًا- الهواء فوقهم تباعًا. «...السماء هنا مزدحمة. إذا راقبنا طائرات الركاب وركضنا في التوقيت المناسب، سنتجاوز المراقبة الجوية. ومطار مختبر تكنولوجيا الطيران في تيتسومِي قريب جدًا من هنا، لذلك أنا واثق من أننا سنصل إليه سيرًا على الأقدام نيا~»
وبعد أن قيل كل ذلك، انطلق كاميجو ومن معه راكضين عبر السهول الرمادية.
تقدمهم تسوتشيميكادو، لكنه أحيانًا ما يميل كما لو أنه فقد توازنه. كمثل من ينعس في وسط الدرس. لكن حتى في هذه الحالة، بالكاد يحافظ على تقدمه على كاميجو. إلى هذا الحد بلغت قدراته الجسدية.
وبينما تسوتشيميكادو في المقدمة، اندفعوا مباشرة تحت عدد لا يحصى من الطائرات تحلق فوقهم. علّهم الآن يتجنبون طائرات المراقبة، لكن كاميجو وجد الأمر مثيرًا للأعصاب بعدة طرق مختلفة، إذ كان يركض حتى الأفق، عبر هذا المكان الخالي من أي عائق.
لا مكان للاختباء، لكن أوريانا لم تكن ظاهرة في أي مكان. وهم جازمون بوصولها إلى الموقع.
أخرج كاميجو الجوّال وهو يركض. الخامسة وأربعون دقيقة.
الوقت ينفد خلال... ما بين عشرين إلى ثمانين دقيقة هاه؟
كان ذلك هو مقدار الوقت المتبقي حتى تفعيل صليب بطرس. وبعد استخدامه، ستوضع مدينة الأكاديمية تحت سَيْطَرةٍ لا تُنكر ولن يعلم الناس. وحتى عندئذ، الرواية تقول إنه جُورَ واضطُهِدَ الناس، ومهما صارع عقلهم إلى الصواب أبدا؛ فلن يشعروا بوجود أي خطأ.
استعجل، لكن ذلك لن يغير مجرى الوقت بأي حال. وفي هذه الأثناء، قد اقتربوا من [سياج] يمتد مباشرة عبر المنطقة الرمادية الشاسعة. وكان مطار الاختبار التابع لمختبر تكنولوجيا الطيران في تيتسومي، حيث تنتظر أُريانا، على الأرجح في الجهة الأخرى من السياج.
اندفعوا نحو السياج—شبكٌ معدني يبلغ ارتفاعه نحو مترين. قفز تسوتشيميكادو عليه بيديه وقدميه، لكن قُبيل ما دفع نفسه إلى الأعلى ليتجاوز السياج، لَمَح.
لَمَحَ كاميجو شيئًا يلمع بطرف عينه. شيئًا عالقًا بين أسلاك السياج. مبللًا باللعاب.
بطاقة استذكار.
في العادة، كان تسوتشيميكادو حذرًا بما يكفي كي لا يغفل عن شيءٍ كهذا. فهل تُرَى ألمه أثر في ذهنه؟
«تسو—» صاح كاميجو دون أن يشعر. وقبل أن يخرج بقية اسمه...
دُف!!
...تحول السياج بأكمله أمامهم إلى البرتقالي من شدة الحرارة.
انتفض جسد تسوتشيميكادو، المعلق بالسياج بواسطة أطرافه، كما لو أن صدمة كهربائية أصابته. وبسرعة رمى نفسه عن السياج ثم تدحرج على الأرض ليبتعد. أفلتَ كتيب مهرجان دايهَسيه السميك من شدة الصدمة. وما إن رأى الدخان يتصاعد منه حتى اشتعلت فيه النيران.
«غاااااه!!»
سسششسسس!! صوتٌ فظيع كالهسهسة خرجت من يدي تسوتشيميكادو وقدميه. وتصاعد منهما خيط رفيع من الدخان يشبه دخان البخور. أغمض عينيه محكمًا خلف نظارته الشمسية، وعض على أسنانه بكل قوته.
هل أحرق السياج يديه وقدميه؟ كان تسوتشيميكادو يعتمد أساسًا على القتال اليدوي، ولذلك الأمر أشبه بتحطيم كل أسلحة ترسانته.
حاول الوقوف وهو يطبق أسنانه، لكن معصميه وكاحليه بدوا مقيدون بإحكام. تحرك مرةً واحدة كما لو يكافح في حفرة من الطين، لكنه، على عزمه، لم يستطع النهوض.
«كاميان، اذهب...» وهو يمسك بيده المتضررة بيده الأخرى. «...لا تضيع الوقت هنا. دمّر تلك الصفحة، ثم اذهب وستيل إلى الداخل!»
«وماذا ستفعل أنت؟ نعم، ستيل! يمكنك معالجته بسحرك؟!»
«بلى، لو كانت مجرد حروق، أستطيع، لكن...» أبعد ستيل نظره عن تسوتشيميكادو ونظر إلى ما وراء السياج. «...أتراها تنتظرنا؟! جهّز يَمينك، كاميجو توما!»
«؟!»
استدار كاميجو بسرعة.
وراء السياج. على مسافة تزيد على خمسمئة متر، امرأةٌ ذات شعر أشقر طويل، متكئة على جدار مبنى يواجه مدرجًا صغيرًا.
أُريانا تومسُن، وبطاقات الاستذكار المثبتة بحلقة معدنية بين يديها.
رفعتها بهدوء إلى فمها، فصاح ستيل؛ «كاميجو توما!»
«فهمت!!»
وجّه كاميجو لكمة إلى بطاقة الاستذكار العالقة في السياج. فبرد الوهج الأحمر الحار على الفور وعاد إلى درجة حرارته الأصلية وخبا. لكنه لم يضيّع الوقت ليتأكد. فقد أمسك كلاهما بالسياج.
لو بادرت أُريانا وجاءتنا... ذراعا تسوتشيميكادو وساقاه في حالة حرجة! لن يسلم منها! تشبثا بالسياج ورفعا نفسيهما دفعةً. هذا يعني أننا يجب أن نهاجمها أولًا! لا مزيد من الضحايا. لن يتأذى أحدٌ مثل فوكيوسي وهيميغامي، اللعنة!!
قفزا فوق السياج.
وفي اللحظة نفسها، عضّت أوريانا البعيدة عنهما بطاقة تعاويذ وانتزعتها، ثم سحقتها بين أسنانها.
تفعّلت تعويذتها. وبدأت أُريانا تتوهج بضوء أزرق شاحب، بينما رفعت ذراعيها ودارت في مكانها كما لو تستعرض ملابس اشترتها للتو.
وبعد لحظة...
هووخخءء!!
جاء صوتٌ هائل من جهة أُريانا، التي كانت تبعد عنهما خمسمئة متر. اضطرب الهواء من حولها في شكل كرة. وانطلقت مطرقة عملاقة لا تُرَى نحوهما متحدية المسافة. كانت تدور في اتجاه عقارب الساعة وهي تندفع نحوهما، وقوتها دمرت المبنى الذي كانت تتكئ عليه بالكامل. ثم اندفعت نحو كاميجو وهي تقلب الإسفلت في سرعتها.
«!!»
ارتفعت يد كاميجو اليمنى على الفور.
وبصرير وتكسر الزجاج، تلاش جدار الضغط العالي، رغم أنه ظل غير مرئي. وعلى مسافة خمسمئة متر، أعادت أُريانا الصغيرة، الذي بدا عليها الانزعاج بوضوح، رفع بطاقات تعاويذها. لكن الإسفلت كان لا يزال يتطاير. وموجة الحجارة التي خلفتها المطرقة تقترب منه.
«AFIMH. (شُعْلَةٌ فِي يَدِي.) ISITOAS. (أَخَذَتْ مِنَ السَّيْفِ شَكْلا.) AIRITC! (وعَلَى المُجْرِمِ أدانَت!)»
رقصت البطاقات المنقوشة بالرونيات في الهواء.
وفي الوقت نفسه، انبثق سيفٌ دامي من اللهب من يد ستيل اليمنى. ولوّح به عرضًا (أفقيا) نحو موجة الحجارة القادمة، متناسيًا كاميجو الواقف جواره.
«آغ!!»
انحنى كاميجو بسرعة، وبعد لحظة اصطدم طرف سيف اللهب بشظايا الحجارة. ثم فقد اللهب شكله وانفجر كل شيء. قد وُجّه الانفجار بعيدًا عنهما، فنجا كاميجو الذي كان أسفل الانفجار مباشرة. وقضى على جدار الإسفلت الممتد نحوهما وقذفه بعيدًا.
كاد كاميجو يفقد توازنه، لكنه بالكاد وقف، وبدأ يركض إلى الأمام من جديد.
تمتم ستيل بتعويذة جديدة تحت أنفاسه، وأنشأ سيفًا جديدًا من اللهب في يمينه.
وأُريانا تعبث بحلقة بطاقات التعاويذ في يدها.
لقد بدأ اشتباك الثلاثة.
والساعة الآن وصلت الخامسة وخمسين دقيقة. وسينفد الوقت بعد عشر إلى سبعين دقيقة من الآن.
- الجزء 4
قلّص كاميجو وستيل قدرما استطاعا المسافة إلى أُريانا، حيث تقف في مطارٍ تجريبي. ويبدو أن المشاريع هناك توقفت طوال فترة مهرجان دايهَسيه—فلا عامل في المدارج، ولا أضواء تنير المباني في المنشأة.
لم يكن المطار كبيرًا كالمطار الدولي. بل كانت مدارجُه الصغيرة على الأرجح تُستخدم لإقلاع وهبوط الطائرات الخفيفة الخاصة. وهناك ثلاثة مدارج مستقيمة، يبلغ عرض كل منها ثلاثين مترًا وطوله سبعمئة، مصطفين بعضهم بعضا.
أما المباني، فأبراج على جانبي المدارج، إلى جانب حظائر نصف أسطوانية لصيانة المركبات. وبدا أن المكان خُصّص لأبحاث متعلقة بالمدارج أكثر من دراسة الطائرات؛ إذْ كان كل واحد من المدارج الثلاثة مزودًا بمراوح ضخمة، ومقاليع، ووحدات إضافية أخرى مثبتة عليها أو مدمجة فيها.
لكن ذلك الهجوم الذي أطلقته أُريانا تَوًّا، تحطمت أبراج المراقبة من أساساتها، وتطايرت الحظائر مع الطائرات التجريبية داخلها، وتشوه الإسفلت كما لو حُرِثت فيه بذور الطعام.
كأنما صارت أنقاضًا أصابها قصفٌ جوي. وكلٌّ من كاميجو وستيل يركضان عبرها. يبعدان الآن نحو ثلاثمئة متر.
«مم-هم»
رغم الوضع الذي كانت فيه، أطلقت أُريانا تومسُن ضحكة خافتة.
صارت المسافة بينهما مئتين وخمسين.
«كنت بدأت أتمنى لو أن المواجهة مع فتاة أخرى، لكانت أمتع. يبدو أن القديسة لن تأتي في نهاية المطاف»
بدأت ترفع حلقة بطاقات التعاويذ في يدها إلى فمها. وصارت المسافة مئتي متر.
«لا أنتي-سكِل ولا سحرة داعمين أيضًا. هِئهِئهِئ. خسرنا جمهورًا أكبر كان لِيُمتعنا»
ابتسمت. لا بل سخرت. ابتسامة جانبية رفيعة جدًا.
مئة وخمسون مترا.
«آهَهَهَهَه! يبدو أنكم ثلاثة فرادى! طيّب، طيّب! وهم لا يَمِلّون مني!!»
وبصرخة فرح، سحقت بطاقة تعاويذ بين أسنانها.
مئة متر بالتمام.
«وأحدكم خار! حسبته الأذكى... لكن ربما وضع نفسه في أخطر مكان حتى لا يقع أصحابه في فخي! آهاهاهاها!!»
قرشش!!
انتشر صوت تحطم الزجاج من أُريانا في جميع الاتجاهات. وبعد ثانية، ارتدت الكتلة الصوتية إليها مثل صدى.
ولحظةً من ذلك...
ساد الصمت العالم.
عدة طائرات ركاب تأتي وتذهب في السماء، لكنها صارت الآن صامتة، كما لو أن شيئًا ما حجب أصواتها. كأنّ أحدهم ضغط للتو على زر كتم الصوت في التلفاز.
أخرج ستيل بطاقة رون بينما يركض جوار كاميجو. «استخدمَتْ علينا حاجز! تحجب عنا جميع الاتصالات المادية والسحرية!»
«؟!»
وَدّ كاميجو لو يلتف حوله ليتأكد، لكن عدوه في وجهه. ولم يطلب من ستيل أن يُعيد. فانطلق الاثنان جنبًا إلى جنب نحو أُريانا. ومن دون أن ترمي ابتسامتها، أسرعت هي الأخرى نحوهما تتحدى، وحلقة بطاقات التعاويذ في يدها.
انغلقت مسافة المئة متر في لحظة.
تحرك كاميجو وستيل إلى جانبي أُريانا لمهاجمتها. كان سَيْفُ لَهَبِ ستيل ذا مدى أطول، فكان هجومه ليصيبها أولًا حتى لو انطلقا في الوقت نفسه.
«شششهن!!»
زفر ستيل بحدة وهو يهوي بسيف اللهب نحوها.
فضَحَكَتْ تسخر. «مم-هم!» ثم اقتلعت بطاقة تعاويذ أخرى في فمها.
ظهرت كرة ماء بحجم كرة السلة في يدها اليمنى. وصَدَّت بها سيف لهب ستيل وهو يهبط عليها.
لم يكن انفجار. فقبيل أن يحدث، التوت كرة الماء وتبدلت هيئتها ثم التفّت حول النصل.
«!!»
لا وقت لستيل أن يتفاجأ إذْ سرعان ما زحفت الكروم المائية على طول السيف وعاقبت معصمه على عدائيته. ثم التفّت حول ذراعه وصولًا إلى كتفه وبدأت تغلف جسده كله من رأسه إلى قدميه. والآن، وقد غُطي بطبقة مائية يبلغ سمكها ثلاثة سنتيمترات، سقط ستيل على الأرض، عاجزًا عن الحفاظ على توازنه. وتشبتت يده الحرة بحنجرته.
سيختنق!
«ستيل!!»
أدار كاميجو وجهه بعيدًا عن أُريانا وحاول مد يده ليَنجُد.
«وَه! لستُ بحَسّاسة ترضى بلعبة جانبية صغيرة!»
ارتطمت ركلتها الدائرية اليسرى بخصر كاميجو. وتوقف جسده عن الحركة جبرًا.
«أغغ!!»
وعندما حاول أن يستقيم، صدمت أُريانا صدر كاميجو بكتفها بقوة. وبعد أن رفع كلتا يديه، جاءته صدمة أخرى من أعلى دفاعه على صدغه. أمكن لهجومها الجسدي أن يحطم بابًا، وقد أرسله طائرًا إلى الوراء عائدًا من حيث أتى. وفي كل مرة ارتطم فيها جسده بالإسفلت المتعرج، انطلقت آلام شديدة عبر جسده.
راقبت أُريانا سقوطه، ثم التقطت بطاقة تعاويذ أخرى بشفتيها.
لكن قبل أن تقتلعها بأسنانها...
«BTP!! (تحطم إلى قطع!!)»
بصرخةٍ جعل ستيل الذي كان على الأرض بجوار أُريانا مباشرة سيفه اللهب ينفجر. فتطايرت المادة المائية التي قيدته.
أنشأ سيفًا جديدًا من اللهب في يمينه، ثم طعن أُريانا إلى الأعلى من الأسفل. عندما اتجه طرفه نحو صدرها، تراجعت أُريانا بقدمها اليسرى. أبدتها الحركة وكأنها تستدير لتفسح المجال لأحدٍ في ممر ضيق. وكان ذلك كل ما احتاجت إليه لتفادي طعنة ستيل.
وبدلًا من ذلك اندفعت يد أُريانا التي لا تزال تحمل حلقة بطاقات التعاويذ نحو فك ستيل. كانت يدها منقبضة بخفة، وهي حركة لربما بدت في موقف آخر أنها تريد مصافحته. وستيل أصلاً كان يتحرك في ذلك الاتجاه بسبب هجومه، فانغرس بكل ثقله في القبضة.
طعغ!!
دوّى صوتٌ مكتوم يُسمع داخل الحاجز.
اندفع الجزء العلوي من جسد ستيل إلى الخلف ثم انهار على الأرض لا يقاوم. واختفى سيف اللهب في يده كما لو أن إمداد الغاز قد قُطع. أدارت أُريانا وجهها بعيدًا عنه ثم منحت كاميجو ابتسامة مرتاحة. وعلى أن العدو لم يعد يولي ستيل أي اهتمام، لم يبدُ الأخير وأنه يستعد لهجوم مفاجئ عليها. كانت ملابسه السوداء وشعره الأحمر ساقطين هناك، يتطاير شعره، كأن الرياح الضعيفة نفسها تسخر منه.
«تبًا!»
أسرع كاميجو في النهوض، لكنه ترنح.
راقبته أُريانا وابتسمت ابتسامة رقيقة. «كعادتك، أسرعهم في السقوط، هَهَه. ألا تظن أن الوقت ما زال مبكرًا على طفل مثلك كي يبادلني الضربات؟»
«اخر...سي!»
فتح كاميجو يديه، ثم قبضهما من جديد. استطاع صنع قبضتين. وكانت قدماه قادرتين على الركض. وجسده لا يزال قادرًا على الحركة.
«سأوقفك هنا. ولن أسمح لك باستخدام الصليب بطرس. إذا كنت ستدمرين مدينة الأكاديمية وتفسدين مهرجان دايهسيه، فلأوقفك مهما كلف الأمر»
«أُدَمِّر؟ يا لك من قاسٍ. بل الحقيقة أنني أؤدي أفضل عملٍ هنا. لا أعرف ماذا زرعت فيك الكنيسة الإنجليزية من أفكار، لكن [صليب بطرس] لا يفعل السوء بأحد. كل الأديان تتمنى سعادة الفرد وخير العالم. وصليب بطرس سيغير كل شيء بحيث يسير وفق طريق ذلك الدين. وسيهدم الجدران الفاصلة بين السحر والعلم. ولربما يقود ذلك إلى السلام والسعادة في العالم!»
وبينما أُريانا تتحدث، وهي تعبث بحلقة بطاقات التعاويذ في يدها، ارتفع طرفا فم كاميجو. نظر إلى المدارج المدمرة، ثم ابتسم ابتسامة وحشية.
«عالمٌ سعيد ها؟ ما أجمله لو يكون. لم أرَ في حياتي جدارًا بين السحر والعلم، لذلك لا أفهم ما ترونه أنتم السحرة، لكنه يبدو بديعًا على أي حال... لكن اسمعيني»
توقف هنا، وألقى نظرة خاطفة على ستيل المنهار. ثم شد أصابع يده الخمسة.
ثم قبض تلك اليد بعزمٍ أكبر.
استطاع أن يستخدم يده لأشياء أخرى. لكنها الآن لم تكن سوى سلاح.
وقال؛ «لم أفكر قط في أن هذا التوازن كله بين العلم والسحر أو الحق في السيطرة على العالم كان مهمًا من الأساس. ما يزعجني هو أنكِ تحاولين استخدام [صليب بطرس] هنا والآن. هل تفهمين ما يعنيه ذلك حقًا؟»
قهقهت. «بالطبع. وإلا ما تظنني كنت أجتهد من أجله طوال هذا الوقت؟ سأخضع مدينة الأكاديمية بصليب بطرس. ولا تخف من الكلمة. قد ترى "الإخضاع" قاسية بعض الشيء. ولكن إن صار الكل سعيدًا مبتهجًا، فلن يشك أحد في سبب سعادته. هو عالمٌ مريح ينتظرنا، عالمٌ رائع—»
«ليس هذا ما أسألك عنه!» صرخ، والغضب يملأ صوته. وبهدوء وثبات، كان ذلك الغضب يمد قبضته بالقوة. «لم أقصد ذلك أبدًا. أنا قلق بشأن إفسادك مهرجان دايهسيه أيتها الغبية! أتفهمين الآن؟! العلم والسحر؟ السحرة؟ كنيسة الرومان؟ صليب بطرس؟ أدوات الروح الأسطورية؟ كلها زخارف وهراء لا تسوى شيئًا، لذا كُفّي عن الكذب عليّ!! أتحسبين أنه لا بأس بضرب الناس فقط لأن حجتك تبدو منطقية؟! هذا إن كانت! لا معنى لها على الإطلاق!!»
صرخ كاشفًا عن أنيابه في وجه العدو قبله.
«قد لا تعني الأشياء التي أفكر فيها الكثير مقارنة بتلك الأحلام المجنونة التي تحبين التشدق بها. لكن حتى هاوٍ مثلي لديه كبرياء، ويَحمل بعض الأشياء ليقولها لكِ»
اندفعت كلماته مباشرة نحو أُريانا.
«لقد عمل عددٌ هائل من الناس بجد من أجل مهرجان دايهَسيه. كل ذلك للاحتفال بهذا اليوم الواحد! وخرج عدد هائل من الناس لمشاهدته. كل ذلك للاستمتاع بهذا اليوم الواحد! وهناك عدد هائل من الناس يشاركون فيه. كل ذلك ليبذلوا كل ما لديهم في هذا اليوم الواحد! فلماذا جئتما أنتما الغبيتان لتدمير كل ذلك؟!»
كل كلمة من كلماته لم تفعل سوى زيادة حماسة الفتى. فلقد وضع كاميجو توما كل طاقته في ذلك السؤال.
«اذهبي واختبئي بكل ما لديك خلف غطاء الفكرة والأحلام كما تشائين! أتظنين أنك تنتصرين على ما قلتُه للتو؟ لن تقدري! لأن هذا هو كل ما تمثله قيمك في الحقيقة! أنت طالبة أسوأ مني لأنك لا تقدرين على دحض حجة بسيطة ومملة كهذه! أبدًا ليس لكِ الحق في أن تنتزعي من الآخرين ما يعتبرونه عزيزا!!»
«...شكرًا على آرائك الصغيرة التافهة»
اختفى البريق المرح من عيني أُريانا. وفقد وجهها ما كان فيه من تسلية، لكنه احتفظ بابتسامته. ابتسامة جافة.
«لكن هل ظننت أن حجة عاطفية تافهة كهذه تزعزعني؟ لو كان إحساسي بغاية وجودي ضعيفًا إلى درجة يؤذيه شيءٌ كهذا، لما بدأت أي شيء من الأساس» وأدارت بطاقات التعاويذ في يدها. «لن أتوقف هنا. ولن أرجع كما تريدني أن أفعل. هل تفهم؟»
«...هذا كل شيء؟»
«ماذا؟»
عقدت أُريانا حاجبيها.
«لا أعرف ما الذي تحاولين إخباري به، ولا أبالي إطلاقًا بما تحاولين فعله بي أيضًا. لا شيء من ذلك مهم»
توقف للحظة.
«لكن هلّا تقولين الشيء نفسه للناس الذين آذيتهم؟ لفُكيوسيه وهيميغامي؟»
صمتت أُريانا تومسُن، في تلك اللحظة، صمتًا تامًا. وتيبست وجنتاها قليلًا—وكانت تلك المرة الأولى التي يظهر فيها على وجهها تعبير آخر غير الابتسامة.
«هذا حقًّا كل ما أردتُ قوله. إذا وعدتِ بألا تفعلي شيئًا آخر، فسأتوقف عن مطاردتك. خذي الصليب وارجعي إلى بيتك»
رفع كاميجو قبضته اليمنى. ثم تابع.
«لكن لو كنت لا تزالين تنوين السوء بهذه المدينة... ولو كنتِ لا تزالين ترمين بسحرك الغبي في وجه الناس الذين آذيتهم، الناس الذين لم يعودوا قادرين على الحركة...»
وفي عينيه بَريق — بريقٌ قوي من العزيمة.
«...فعنده لَأخذ ذلك الوهم الساذج الذي تتشبثين به وأحطمه إلى مليون قطعة هنا والآن»
- الجزء 5
السماء صُبغت بالأحمر. والساعة الآن السادسة مساءً. وفي وقتٍ مُعَيّن خلال الساعة التالية، سيتفعّل صليب بطرس أينما كان. قد تكون خمس دقائق، أو قد تكون ساعة كاملة بالضبط.
ومع تحول البرتقال في السماء تدريجيًا إلى البنفسج، عُلّق النجم الأول فيها وحيدًا. ولا نجمٌ إلا واحد. ولكن ذلك لا يكفي لتحديد مواقع الكوكبات المؤلفة من أضواء كثيرة.
في هذا العالم، لا أحد يعرف متى ينتهي كل شيء.
وفي هذا العالم، تصادم كاميجو توما وأُريانا تومسُن وجهًا لوجه.
«!!»
المسافة الفاصلة بينهما نحو ثلاثة أمتار. وبينما كاميجو يطاردها بقبضة مشدودة، أُريانا تتراجع لتحافظ على مسافة كافية بينهما، وفي الوقت نفسه تقتلع بطاقة تعاويذ في فمها.
تفعّلت تعويذة.
أنشأت جدارًا أزرق غير طبيعي من اللهب فانفجر من الأرض بينهما. لكِنَّهُ تقدم رغم ذلك، دافعًا قبضته اليمنى نحو جدار النار.
فووو. انحنى جدار النار إلى الداخل كما لو رضخ أمام قبضته.
«؟!»
لم تصب قبضة كاميجو سوى الهواء إذْ انحنى جدار اللهب من حولها، ثم اندفع إلى الجانبين محاولًا إحاطة جسده. كان وزنه قد مال إلى الأمام، وفي هذه اللحظة لم يعد قادرًا على القفز إلى الخلف. لكن قبضته لم تكن لِتُصيب. ولا لديه حتى الوقت ليؤرجح قبضته إلى أيٍّ من الجانبين. وهذا يعني شيئًا واحدًا.
أقْدِم...
وبينما هدد الحاجز المشتعل بابتلاع قدميه، حثهما على المضي.
أقْدِم يا كاميجو توما!!
كالسهـم، اندفع إلى الأمام وانطلقت قبضته نحو أعمق جزء من زاوية الجدار.
كرااخ!! وكفرقعة بالون، تحطم جدار اللهب إلى قطع.
كانت أُريانا تومسُن على الجانب الآخر. عضّت بطاقة تعاويذ أخرى، هَدَفَت كاميجو وحده وتناست المنهار ستيل عند قدميها.
لكن قبل لحظة من تفعيل تعويذتها، كاميجو قد وصل إلى قُربها. فانطلقت شفرة الإسفلت التي كانت تخطط لإطلاقها من الأرض في الاتجاه الخاطئ. أشبه بمدفع ضخم أطلق النار على عدو خارج أقصى زاوية ارتفاعه الممكنة.
هذه المرة، شد قبضته اليمنى ووجّهها مباشرة إلى وجه أُريانا.
فلَمْ تصبها.
قبيل أن تصل إليها، أخذت أُريانا إحدى ساقيها الطويلتين لتجرف إحدى ساقي كاميجو من تحته، من الداخل إلى الخارج. ترنح جسده وفقد توازنه. ولم تصب قبضته سوى الهواء. ولتجنب السقوط على الأقل، هبط على ركبة واحدة.
«يا عمري أعطيتني أحلى وضعية لرأسك»
دغغ!!
وجّهت أُريانا ركلة متوسطة إلى جانب رأسه. تأوه كاميجو عندما أصابته وفقد توازنه. وأطاحته الركلة الدائرية إلى الجانب.
ليس... كافيًا...
استخدم كاميجو قوة تدحرجه لينهض مجددًا على قدميه، تمامًا عندما عضت أُريانا بطاقة تعاويذ أخرى. ظهرت في يدها رصاصة زجاجية بحجم كرة لينة وانطلقت نحوه. التقط قطعة من الإسفلت عند قدميه وقذفها نحو الهجوم القادم.
كررشششش!!
تحطمت الرصاصة الزجاجية. واتجهت شظاياها كلها إلى الداخل، فاخترقت قطعة الإسفلت التي قذفها، وسقطت المجموعة بأكملها مباشرة على الأرض.
هذا... ليس كافيًا.
استغل كاميجو الفرصة واندفع نحو أُريانا.
لكن أُريانا سبقته بسرعة مذهلة.
«ما...؟!»
لا وقت للمراوغة أو للدفاع عن نفسه.
كانت قريبة جدًا، حتى كادت تلامسه. اقتلعت بطاقة تعاويذ أخرى في فمها. وراحت يدها تمر برفق على جسد كاميجو، من بطنه صعودًا إلى صدره.
وبعد لحظة.
شعر باندفاع جنوني للهواء. فشش!!
وبصوت حاد، انطوى جسده وركع على الأرض، ثم دار الهواء حول ضفيرته الشمسية. وصعد إلى حلقه شعور قوي بالتقيؤ. وما إن ارتفعت قدماه نحو أربعين سنتيمترًا عن الأرض، عندما لم يعد قادرًا على استخدام جسده لدفع نفسه والتحرك...
«أويااه!»
وبصرخة حمقاء، دفعت أُريانا قبضتها المشدودة إلى سُرّته.
«آك... أغغ...!!»
صدرت أصوات تكسير. ودفعت قبضتها المندفعة جسده ثلاثة أمتار.
هذا... لن يصيبها أيضًا...!!
تدحرج، ثم وضع يده على الأرض. كان طعم المرارة في فمه، لكنه أطبق أسنانه رغم ذلك.
كانت أُريانا بارعة في القتال القريب بجسدها، وفي الهجمات البعيدة بسحرها. أمكن لكاميجو أن يلوح بذراعيه وساقيه كما يشاء ردًا عليها، لكنها دائمًا ما تسبقه بخطوة. ودائمًا ما قبضته تخطئ هدفها في اللحظة الأخيرة، كما لو أن غشاءً رقيقًا زلقًا يحول بينهما.
لن تصيب هجماته أُريانا هكذا.
مهما أسرع في ملاحقتها، ومهما طاردها، ومهما لوّح بقبضته نحوها يائسًا.
«مم-هم! بدأ الظلام يحل، ها؟»
التفتت أُريانا تومسُن نحوه. بدت حركتها عفوية—لكنها في الوقت نفسه لم تترك أي ثغرة تُستَغَل.
خرا...
الوقت قد تأخر، لكنه أدرك أخيرًا أن هذه كانت خطتها منذ البداية. لم تكن تسعى إلى قتله بضربة واحدة بهجمةٍ ضخمة منذ البداية. بل كانت تحافظ على التوازن، وما إن يتهور، تنقض عليه بهجومٍ مضاد شرس. ومن المحتمل أن تكون هذه التقنيات أشياء اكتسبتها لأنها كانت بطبيعتها ترغب في الحفاظ على هجماتها الكبرى—فهي لا تستطيع استخدام التعويذة نفسها أكثر من مرة.
لم تكن تعبث معه.
كان هذا الوضع مثاليًا بالنسبة إليها.
«أظن أن الوقت قد حان ليرجع الطفل إلى بيته، ما رأيك؟ أم أنك تتطلع إلى قضاء ليلةٍ نهمة معي؟»
وبينما تتجه نحوه، قفز كاميجو الذي كان لا يزال على الأرض من وضعيته المنخفضة واندفع نحوها.
تصادم الاثنان مرة أخرى.
راوغ كاميجو، وصد الهجمات، لكنه لم يُصِب أُريانا بقبضته قط.
مرةً بعد...
أطبق أسنانه بينما انهالت عليه ضربة من نقطة عمياء، لكنه تحمل الألم.
لو مرةً بعد... لو لدي حركةٌ أخيرة واحدة بعد... أي شيء...!!
وهو يتمنى بشدة وجود شيء، أرجح قبضته.
واصل هجماته، ولم تصب أيٌّ منها هدفها.
كما لو أن جدارًا لا يُرَى أمنعه من الوصول.
- الجزء 6
كان ستيل ماغنوس يتأرجح بين الوعي والغيبوبة.
آخ... كان يرى العالم من جانبه. شعر بألمٍ زاحف في فكه. وبتزعزع توازنه. وقد استغرق الأمر ثلاث ثوانٍ كاملة ليدرك أنه قد هُزم.
بدأت القوة تعود إلى أطرافه، لكنه لم يكن قادرًا على تحريكها بسرعة تُذكر.
وعلى الرغم من بنيته الجسدية الضخمة، لم يكن قد مُنح القدرة على التحمّل اللازمة للقتال القريب. وليس السبب أنه لم يدرّب جسده، بل سببًا أكثر جوهرية.
فاستعمال بطاقات الرون وإلقاء التعاويذ المشفّرة كان يستهلك قدرًا هائلًا من المانا. فالمانا لا تظهر من العدم من دون الحاجة. وإنما تتكوّن بعد عدة عمليات داخلية.
حتى العمليات التي لا تسبّب للسحرة العاديين عناءً كبير كانت مختلفة تمامًا حين يتعلق الأمر باستخدام تقنيات من طبقة البابا على الدوام، مثل إنوكِنتوس لستيل. فالأنشطة البسيطة تُرهق الإنسان دائمًا إذا كررها مرارًا وتكرارًا. وبالمثل، كانت "عملية" تنقية المانا تضع عبئًا معتبرًا عليه. وهذا يعني أن قدرته على التحمّل تنفد سريعًا؛ ففي الأساس، كان يؤدي أمرين مختلفين دائمًا. أحدهما خارج جسده، والآخر داخله.
لم يكن ستيل ماغنوس قديسًا مباركًا مثل كانزاكي كاوري.
ولم يكن ساحرًا عبقريًا قد أتقن شيئًا واحدًا إتقانًا كاملًا مثل تسوتشيميكادو موتوهارو.
لكنه لا يزال يملك سببًا يدفعه إلى القتال.
ولهذا السبب تحديدًا حصل على هذه الرموز الرونية، وأدخلها في ثقافة الصليبيين، واكتسب تعويذة إنوكِنتوس من طبقة البابا. حتى وإن كان الثمن هو التخلي عن جميع إمكانيات القتال القريب، وألّا يعود قادرًا على إنتاج شعلة واحدة من دون بطاقة رونية.
ولسوء الحظ، كان رد الفعل العنيف لذلك العزم يلتهمه الآن.
تبًا...
تذبذب وعيه.
ومع ذلك، كان قادرًا على سماع صوت القبضات المتأرجحة والسحر المتقاطع. الهاوي لا يزال يقاتل. يأكل الهجمات، ويُضرَبُ الضربَ ويُسحَق. ومع ذلك ظل واقفًا، ولم يعترف بالهزيمة، وأطبق أسنانه. وظل فحسب يقبض يده مرةً بعد مرة.
لن يكون ستيل مثل ذلك الهاوي أبدا.
ومهما بذل من أعوام العمل، فلن يتمكن أبدًا من الوقوف في الموضع الذي يقف فيه ذلك الفتى.
ومع ذلك.
«OOTFECOTW, TGFOTB... (أحد المكوّنات العناصرية الخمسة للعالم، النار العظمى في البدء...)»
لقد أمسك من المهارات الكثير، وكلها من أجل أن يحمي فتاةً واحدة.
كثرة من تعويذات النار، عانى الألمَ وسفك الدمَ ليكتسبها، وكل ذلك لكي يقاتل أولئك الذين قد يدوسون على ابتسامتها. وكان تلك ثمرة ما بلغه من المضي في التطلع إلى ما وراء غايته، غير مدركٍ بالمشاعر الخافتة التي تدفعه.
«...IIBOL, AIITAOE... (إنها تولد من الحياة، وهي الحَكَمُ على الشر...)»
كان ستيل ماغنوس يعرف شيئًا واحدًا.
أن هذه التقنية لم تعد لها أي قيمة. فقد صار لدى تلك الفتاة الصغيرة من يسير معها على ما يرام الآن. وجميع التقنيات التي اكتسبها ذَهَبَ نفعها.
«...IIMH, AIITBOD... (هِيَ سعادةٌ راكدة، وهي بلاء الموت...)»
لكن تعاويذه كان بوسعها أن تحمي شخصًا آخر غير تلك الفتاة.
كتلك التي كانت الدموع تترقرق في عينيها الواسعتين. وتلك التي غمرتها الجراح. وتلك الصغيرة التي أودعت كل رجائها في تلك التعويذة العسيرة الخرقاء التي لا طائل منها.
كذلك التي ظُنَّ بها أنها ساحرة لما على صدرها من صليب، التي كانت ملقاة هناك في بركة من دمها.
«...IINF, IIMS... (سُمِّيَت النار، وهي سيفي...)»
ولعلّ ذلك لم يكن ليمنح ستيـل عزاءً.
فهو أشبه برجل صنع كعكة لمن يحب، ثم أكلها غريبٌ عنه، وأخذ يمدحه قائلًا ما ألذّها! ومهما أكثر الغريب من الثناء عليه، فلن يملأ ذلك الفراغات الغائرة في قلبه. ولن يفعل أبدا.
«ICR. (أدعوك إلى الواقع)»
ولكن إن كان إنقاذهم سيُبقي البسمة على وجه تلك الفتاة الواحدة...
وإن كان حماية مدينة الأكاديمية ستقود تلك الفتاة إلى السعادة...
فإن ستيل ماغنوس كان ليقبل.
سيبذل قوته بأسرها في سبيل غريبٍ آخر تمامًا.
وسيقبل أن يهزم هذا العدو الآن، حتى وإن ظلت تلك المشاعر الخافتة كامنةً في أعماقه.
«MMBGP (امضغ جسدي طلبًا للقوة العظمى)—إنوكِنتوس!!»
فانطلقت من ردائه دفعةً من البطاقات كالسيل. وطارت الرونات العظيمة كعاصفة من رقاع الورق، تدور حول جسده، ثم استقرت على الإسفلت المتشقق من حوله.
وانفجرت ألسنة اللهب.
تلألآ في نورٍ قانٍ وهما يدنو أحدهما من الآخر حتى صارا شيئًا واحدا. وفي جوف ذلك الكيان نواةٌ على هيئة إنسان، سوداء كالقار. وإلى جواره الآن عملاقٌ ملتهب، تبلغ حرارته ثلاثة آلاف درجة مئوية.
«...اذهب يا إنوكنتوس...»
قالها وهو ينهض عن الأرض رويدًا رويدا.
وكان يتحرك متهاديًا، قد جعل يديه وقدميه على الأرض.
ومع ذلك، لم ينكسر جسده، ولم تنثلم عزيمته.
ونادى السماء.
باسمه السحري.
«Fortis931.»
إنوكنتوس، الذي وُلد في ساعة اليأس، وطُبع بروحه ذاتها.
ولم يُرِد مِنهُ إلا أمرًا واحدا.
«...لَأُثبتنّ لِمَ كان مُسمّاي هو الأقوى هاهنا!!»
- الجزء 7
السماء قد تلونت بالأرجواني الداكن.
وكأن الحبر يتسرّب إلى ظهر صفحة، بدأت شرارات صغيرة من الضوء تظهر شيئًا فشيئا. لم يكن منها في تلك اللحظة إلا نجمتان أو ثلاث، ولكن السماء ستغدو في غضون عشر دقائق على الأرجح مملوءة بالنجوم. ولم يكن نورها يبدأ في السطوع عند حلول الليل؛ بل الأدق أن يقال إنها كانت مضيئة أساسًا، وإنما حجبها شدة نور الشمس أنظار الناس، حتى إذا خفت ضياؤها ظهرت للعيان. وهكذا، مع انقضاء فترات معينة من الزمن، كانت النجوم المصنفة من القدر الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، تظهر جميعًا معًا.
والآن، تحت تلك القبة التي خُيّل إلى الناظر أن أضواء سماء الليل بأسرها قد تتناثر في أي لحظة...
رأت أُريانا تومسُن وميض لهب أخذ يحيط بهم، لهبٍ من شأنه أن يحصد الغسق.
«ستيل!»
لاحظ كاميجو التغير نفسه. لكنه على خلاف أُريانا ابتسم بجنون وهو يصرخ باسم الساحر من دون أن يستدير. وكأنما ردًا عليه، ازداد الجحيم الناري سطوعًا بصورة مذهلة.
«!!»
كانت أُريانا تتراجع حاليًا بعيدًا عن كاميجو الذي كان يطاردها من الأمام. لكن عملاقًا من اللهب، على هيئة إنسان، ظهر الآن خلفها. وإذْ كان يلتهم الأكسجين من حوله بهديرٍ مدويّ! أرجح ذراعه البرتقالية الوهمية فوق رأسه.
«اسمع... لا أهوى ألعاب الشمع!!»
تفادت قبضة كاميجو إلى الجانب، ثم استغلت زخمها لتدور إلى جانبه الأيمن، مستخدمة إياه درعًا في وجه العملاق الملتهب الذي كان يهاجمها من الجانب الآخر.
«...» عبس ستيل الذي كان على بعد خطوات قليلة. «موتا معًا أنتما»
«واااه!!»
انكمش كاميجو مذعورًا. وبعد لحظة، اجتاحت ذراع إنوكنتوس اليمنى المكان. أحرق الذراع الطويل الغريب أطراف شعر الفتى، ثم واصل اندفاعه نحو الجزء العلوي من جسد أُريانا.
كان الفتى قريبًا جدًا. ولو انفجرت كل تلك القوة النارية، فسيعلق بها حتمًا.
«كيـ...ـف؟!»
تفاجأت أُريانا بذلك وحاولت التراجع خطوة إلى الخلف.
«يا حمار نارك خطيرة!!»
هذه المرة، أطلق كاميجو لكمة صاعدة نحو ذراع العملاق الملتهب المارة فوق رأسه. لم تتبدد النيران، لكن الحركة غيّرت مسارها فجأة وبطريقة غير طبيعية.
كانت حرارة تلك النار ثلاثة آلاف درجة مئوية. وكان بإمكانها إذابة اللحم بمجرد أن تلامسه. لقد كانت جحيمًا حقّا.
أعع...!!
كانت تعلم أنها لن تصيبها، لكن التغير غير المتوقع في الحركة أجمدها في مكانها. وفي تلك اللحظة، اندفع كاميجو نحوها واقترب.
اللعنـ—
عقدت ذراعيها أمامها على الفور. لكن بعد لحظة، اصطدمت قبضته اليمنى بكل وزنها بحاجزها.
طغك!!
صدر صوت مدوٍّ. لا وقت لديها للهرب من الصدمة. ارتجفت ذراعاها كلتاهما، وامتلأتا بوخز الألم.
«!!»
لا يجب أن أثبت، فكرت أُريانا.
كانت استراتيجيتها تقوم على الحفاظ على المسافة والهجوم المضاد سحريًا وجسديًا. لم تكن تريد أن يتحول الأمر إلى مجرد تشابك بالأيدي وتبادل لللكمات. هي تكره التمييز الجنسي، لكنها رأت أنه من السخف أن تدخل في نزال تحمّل مع رجل يتمحور أسلوب قتاله حول قبضةٍ واحدة، هذا وهي تستخدم ذكاءها في القتال.
وبدلًا من التراجع في خط مستقيم، حاولت أن تلتوي إلى الخلف حتى لا يتمكن كاميجو من تقدير حركتها.
«من الرماد إلى رماد، والغبار إلى غبار. الصليبُ الدامي القرمزي!!»
فوووش!!
اشتعل لهب آخر.
ومن خلف كاميجو توما، ظهر سيف من اللهب الأحمر على يمينه، وآخر أزرق على يساره، واندفع بهما ستيل إلى الأمام.
مصيبة...!
نقرت أُريانا لسانها تشه. أمكنها تحمل ضربة أو ضربتين من الفتى والتعافي، لكن سيوف اللهب تلك لم تكن متسامحة بالقدر نفسه. إن قوتها الانفجارية أخطر من أي عملية قطع يمكن أن تحدثها. ولو أصابتها النيران والانفجارات مباشرة، فلن يبقى منها سوى العظام، أو ربما ستُحرق بالكامل حتى لا يبقى منها شيء.
عليّ أن أغلب الساحر أولًا...
حوّلت أُريانا انتباهها من كاميجو أمامها إلى ستيل خلفها.
لكن عندها—
«بعف...؟!»
سُوَش.
وفي ركضه، تعثر ستيل بقطعة من الإسفلت المحطم.
«انقلع لبيتك أيها الساحر الأخرق!!»
صرخ كاميجو، وأطلق قبضته مجددًا نحو وجه أُريانا.
نظرت أُريانا إليه بدهشة، وقذفت يديها أمام وجهها.
«اخرس أيا الهاوي اللعين!!»
ضرب ستيل، المتخلف وراء كاميجو، الأرض بكلتا سيفي اللهب. ومع صوت انفجار شرس اندفعت موجة هوائية إلى الأمام كأنها جدار. فقد كاميجو توازنه عندما دفعته إلى الأمام، فانحرفت قبضته عن هدفها.
ومرت مباشرة عبر الفتحة في دفاعها...؟
أسفل وجهها بقليل، نحو منتصف صدرها.
دُغ!!
صدر صوت يشبه الدوس على لوح أرضي.
«غه... آغ...!!»
أفقد الانفجار أُريانا أنفاسها وقذف بها إلى الخلف. شهقت وهي تكافح لالتقاط أنفاسها، بينما تدحرجت إلى الخلف واكتسبت مسافة. ثم حاولت أن تعض بطاقة تعويذة، لكن شفتيها كانتا ترتجفان ولم تعودا تتحركان بالطريقة التي أرادتها.
ثم أصابها الهجوم.
والسبب كان بسيطًا. لم يستطع كاميجو معرفة ما الذي سيفعله ستيل بعد ذلك.
لو أنّ كل واحد منهما يتحرك بمفرده، لكانت أُريانا قادرة على التنبؤ بهما. أمكنها التلاعب بهما واستدراجهما إلى هجمات مضادة. وكان تحقيق نصر كامل سيكون سهلًا على الأرجح. ولو تعاونا وهاجماها معًا جماعةً، لكان الأمر سهلًا بالقدر نفسه. بل في الحقيقة، كان عليهما إعطاء بعضهما إشارات غير لفظية، وهو ما كان سيجعل قراءتها أسهل عليها.
لسوء الحظ...
«إنوكنتوس!» صاح ستيل.
اندفع إله اللهب الشاهق مباشرة نحوها. تدحرجت أُريانا إلى الجانب لتتفادى الهجوم، وفي اللحظة نفسها، تمتم ستيل خلفه بتعويذة وقفز نحوها.
«كيناز(لهب)! بوريساز ناوبز(هدية الألم للـ)...»
كانت تلك الكلمات التي يحتاج إليها لصنع سيوفه اللهب، وهي وسيلته الرئيسية للهجوم. تحرك ستيل ليمر بمحاذاة جانب كاميجو، وعندها...
«ابتعد يا حمار!»
«بل أنت انقلع!»
ومن دون أي تنسيق على الإطلاق، اصطدما ببعضهما، ودفع كل منهما الآخر إلى الأمام بزاوية. ومع ذلك، كانت حركاتهما السخيفة لا تزال موجهة نحو أُريانا.
لا أميّز بينهما...؟!
كادت أُريانا أن تنتزع بطاقة تعويذة بأسنانها لتصد سيف اللهب بسيفها الجليدي. لكن خلف ستيل، كاميجو يستعد للانقضاض. لم يحمل أي رحمة تجاه حليفه. بل بدا الأمر أشبه بمحاولة مهاجمة ستيل نفسه. جعل تصادم السيوف أُريانا تميل إلى الخلف بشدة. ثم بُعيد لحظة لم يعد سيف ستيل الناري قادرًا على تحمل تنفيذ هدفه، فتحطم واختفى.
لو كانا متزامنين في الهجوم، لاختلفت الحكاية. لكنهما يعترضان طريق بعضهما البعض في كل منعطف. كان الأمر وكأنها جُرّت إلى معركة يخوضها آخرون فيما بينهم.
لكن ذلك تحديدًا هو ما جعلهما صعبي القراءة إلى هذا الحد.
لم يستطيعا التركيز بالكامل على أُريانا. كانا يتخبطان في حركاتهما. وهذا جعل توقيت هجماتهما الفعلية بالغ الصعوبة في التنبؤ. الأمر أشبه برصاصة ترتد داخل غرفة صغيرة.
«هااااااااه...!!»
وسط الفوضى، كانت أُريانا، وهي لا تزال مائلة إلى الخلف بشدة، قادرة على أرجحة سيفها الجليدي في ضربة أفقية. كانت تستهدف خصر ستيل.
ولم تكن تلك ضربتها الحقيقية. فإن تفادى ستيل سيف الجليد، تلاعبت أوريانا بجسيمات الجليد بعد لحظة، وغيّرت هيئة السيف نفسه، لتتهيأ لشن ضربة تعقّب تسلك بها مسار فراره. إلا أنّ فعلها ذلك كان ينطوي على خطر أن ينكسر معصمها بسبب التحول المفاجئ في مركز ثقل السيف.
لكن لا بد لي من إصابته! لقد حان الوقت لأركعك على ركبتيك!!
بلغ السيف الجليدي سرعة جنونية وانطلق نحو خصر ستيل من الجانب.
وقُبيل أن يصيبه—
«!!»
كان كاميجو، الذي دار من خلفه، قد أوقف سيف الجليد بيمينه.
كررش!!
تحطم سلاح أُريانا في مكانه.
أنتما تتجادلان دائمًا مع بعضكما... لكن الآن قررتما مساعدة بعضكما؟!
وقبل أن تتاح لملامح الدهشة فرصة للظهور على وجه أُريانا، كان كاميجو وستيل قد بدآ بالفعل حركتهما التالية.
انخفض كاميجو توما إلى وضع القرفصاء، ويمينه مستعدة.
وكان ستيل ماغنوس خلفه مباشرة، قابضًا قبضته هو الآخر.
ثم، ومن دون أي إشارة بينهما...
ومع امتزاج طبيعتيهما اللتان تتنافران كما تتنافر الأقطاب المغناطيسية...
...ضربا ضربةً واحدة.
حلّقت قبضتاهما نحوها في آن واحد.
فكرت أُريانا على الفور أيهما تصد، فلَمْ تلحق.
دُدُم!!
صوتٌ مدوٍّ.
ضُربت في وجهها وفي بطنها معًا، فتدافع جسدها إلى الخلف.
«إرغ... غاه...!!»
ارتطمت بالأرض وتلوّت، مدركة مدى بشاعة رقصتها المؤلمة. لم تكن قادرة على التنفس. كان توازنها يتذبذب، وقد فرّت القوة من ساقيها.
تلاشت رؤيتها وعادت، لكنها مع ذلك رأته.
كانا أمامها مباشرة، قادمين نحوها.
لم تكن بحاجة إلى التوقف والتفكير فيما ينتظرها إذا خفضت دفاعها أمام هذين "العدوّين". لكن مع كل الضرر الذي تلقته، لم تستطع النهوض مجددًا. كان رأسها يدور. لها أن تأمر جسدها بفعل شيء لو تشاء، لكنه لم يعد يملك الطاقة اللازمة للطاعة.
هل أ... أخسر...؟
رأت بطاقات تعاويذها، المرتبطة بحلقة معدنية، ملقاة أمامها على الأرض.
كان ينبغي أن تكون رمز قوتها.
أنا... سأخسر...؟
تسبب ذلك الواقع التافه في إضعاف يديها أكثر. كانت بالكاد واعية. اجتاحها الإرهاق كموجة متموجة، وكانت على وشك أن تستسلم له.
لكن... ماذا عن... معياري...؟
ظل شيء ما يلح عليها في مؤخرة عقلها بينما ينزلق إلى الظلام.
سؤال.
لقد فقدت عدد المرات التي طرحته فيها.
تذكرَتْ.
كادت أن تطلق السؤال في أنّة، لكنها ابتلعته مرة أخرى.
ومرة أخرى، عاشت مرارة السؤال.
أنا... كنت أريد... نقطة مرجعية مطلقة...
لكل امرء كان ليشعر تجاه فعلٍ واحدٍ من أفعال أُريانا شعورًا مختلفًا. فمنهم من سيشكرها، ومنهم من سيبغضها ويهجرها. لم يكن القلق بشأن ما ينبغي فعله يهبها جوابًا قط. فإذا كانت الآراء بعدد الناس، وإذا كان لأفعالها من المعاني بعددهم، فإن نتائج أفعالها، مهما اشتدت القواعد التي وضعتها في قرارة نفسها، ستظل مرهونةً كلّ الرهن بمن تطالهم تلك الأفعال.
ما كان في العالم إجابة مطلقة.
ليس ما دام مع الناس آراء مختلفة.
لا أبالي أكان إمبراطورًا، أم بابوًا، أم رئيسًا، أم حاكمًا، أم رئيس وزراء. سأقاتل من أجل أيٍّ كان...
لم تكن تريد أن تعرف الجواب.
فلم يكن ثمة جواب.
أليس لهذا السبب بالذات قررت أن تصنع جوابها بنفسها؟
جوابًا لا يدعو أحدًا إلى التساؤل.
جوابًا يرضى به الجميع.
ولهذا كانت تجتهد كل ذلك الاجتهاد. ولكن ماذا كانت تفعل الآن بحق السماء؟
...فليجعل أحدهم، أرجوكم، قواعدَ واضحةً لا لبس فيها. فليُسعد الجميع. وليجعل الأمر بحيث لا تصيب أحدًا مآسٍ تولد من اختلاف الآراء. اصنعوا أفضل عالم ممكن!!
وعاد ذلك الرجاء ينساب من شفتيها مرة أخرى.
وانفتحت عيناها على اتساعهما.
فاندفع الدم إلى رأسها، وأحدث الارتداد في جسدها خفقةً واحدةً شديدةً في قلبها.
(سأنتصر...)
مدّت أُريانا يدًا مرتجفة نحو الأرض. أما ساقاها فلم تكونا قادرتين على الحركة بعد؛ إذ لم تكن قد استعادت من القوة ما يكفي لحمل جسدها. لذلك اختارت سبيلًا أبسط وأكثر كفاءة.
(سأنتصر، وأصنع جوابي بنفسي! أنا... مُسَمّاي...)
كانت البطاقات السحرية، المضمومة بحلقة معدنية، ملقاةً على الأرض.
سلاحها، الذي كان قد أفلت من يديها، أمسكت به مرة أخرى.
«...Basis104 — من تحمل حجر الأساس!!»
- الجزء 8
سمع كاميجو صرخة.
لم تكن باليابانية، ولم تكن مجرد الإنجليزية أيضًا. لم يستطع معرفة أي لغة أجنبية كانت.
لكن ستيل أدرك معنى الاسم قبل أن يدركه كاميجو.
«انبطح أيها الهاوي!»
اندفع ستيل بجسده نحو ظهر كاميجو. ومن دون أن ينتظر ليرى الفتى يتعثر ويسقط على الأرض، استدعى إنوكنتوس الذي كان واقفًا إلى جواره. فتحرك عملاق اللهب أمامه ليكون درعه.
غرررق.
أُريانا تومسُن، التي لا تزال على الأرض، اقتلعت بطاقة تعويذة بفمها.
دوم!!
تناثر دم طازج.
كانت أُريانا قد أطلقت كرة جليدية كبيرة بحجم كرة قدم تقريبًا. خرجت ببطء من يدها، وما إن فعلت حتى انفجرت، مطلقة وابلًا من الشظايا الحادة في شكل مروحة أفقية.
مر سيل الشفرات بمحاذاة رأس كاميجو وهو على الأرض.
واخترق ستيل ماغنوس من خلفه.
كان صوت الشفرات الحادة وهي تغرز اللحم قاسيًا وخافتًا على نحو غريب.
وربما كان ذلك لأنها حطمت عظامه أيضًا.
سقط ستيل بلا حراك على ركبتيه، ثم هوى بوجهه أولًا إلى الأرض. وبدأ الدم يتدفق منه. ارتجف إنوكنتوس من الألم، ثم انفجر في جميع الاتجاهات واختفى.
لم يتكلم.
ولم يئن حتى.
«ستي...»
رفع كاميجو رأسه غير مصدق.
«ستيييييييييييييييييييييل!!»
«إلى أين تذهب؟»
وحين حاول كاميجو الركض نحو ستيل، أوقفه صوت.
استدار. كانت أُريانا تقف على بعد سبعة أمتار، قابضة بإحكام على بطاقة تعويذة في يدها.
«خصمك... هَهنا، أيها الفتى...»
«أنتِ... أنتِ...»
لم يفعل ذلك بوعي، لكن الكلمات مع ذلك انسكبت من فمه.
كان اللون الأرجواني في السماء يتحول إلى زرقة الليل العميقة. ولم يتبق وقت طويل قبل ظهور الكوكبات. لم تكن عينا الهاوي قادرتين على معرفة الوقت الدقيق لغروب الشمس، لكن كان من الممكن استخدام صليب بطرس بعد خمس دقائق.
كان ينبغي أن يكون هذا أكثر ما يقلقه الآن.
«أريحينا منكِ! كم شخصًا عليكِ أن تؤذي يا حقيرة؟!»
كان ذلك أول ما صاح به كاميجو توما. خرجت الكلمات من فمه قبل أن يفكر بها. لم يكن يستطيع ببساطة أن يترك ستيل على تلك الحال. لكن أُريانا لن تمنحه الوقت لإسعافه. وهذا يعني أنه كان بحاجة إلى إزالة العائق.
ابتسمت أُريانا له.
«أنا لا أؤذي الناس رغبة مني» كان وجهها نوعا ما متحررًا من القيود، وقد اختفى منه كل الاسترخاء الذي كان عليه من قبل. «ولهذا أقاتل. لَعلّك تراه أمرًا سخيفًا. لكن هدفي لا يزال ماثلًا في ذهني. هيا يا ولد. لم يبقَ في رقعة اللعب إلا أنت، قطعةً تدافع عن مدينة الأكاديمية. فإذا أزحتك من طريقي، انتهى دوري. وعندها سيصنع صليب بطرس التابع للكنيسة الرومانية الكاثوليكية العالم الذي أنشده...»
«هدف...؟ لا تسخري مني...» قبض كاميجو أصابع يديه العشر. «أنتِ من تتركين غيرك يقرر مستقبلك عنك. فلا تتحدثي وكأنك فوق الناس. فُكيوسي انهارت. هيميغامي كادت أن تموت. ذراعا تسوتشيميكادو وساقاه تحطمتا. وستيل كان درعًا لي! أتقولين إنك لم تقصدي شيئًا من هذا؟ وإنك لم تكوني إلا تنفذين ما أمرتك به الكنيسة؟! ثم تتركين تلك الأفكار السطحية تنتزع سعادة الآخرين منهم؟!»
«حسنًا، كما ترى...»، قالت أُريانا في هدوء، وهي تتحرى المسافة المناسبة بينهما بعناية. لم يكن ذلك لأنها مسترخية، بل لتَقتَصِدَ فيما بقي لها من قوة. «...لا يهمني من يكون. وليس بالضرورة أن تكون الكنيسة الرومانية الكاثوليكية. ليس المهم من أتّبع. مثله مثل الاختيار السياسي. ربما هذا هو ما يصعب على فتى مثلك فهمه. لكنك تعلم كيف يختلف السياسيون عن المشاهير، لا؟ أنت لا تختار سياسيًا لأنك تحبه. ولو كان في وسعه أن يجعلني سعيدة، فلن يهمني من أين أتى، ولا إلى أي منصب رفيع بلغ»
كان نَفَسها ضحلًا متقطعًا وهي تتكلم، كأنها على وشك أن تسعل دمًا. لم تكن أُريانا تومسُن خاليةً من الغايات الشخصية، وإنما لم تكن تكترث بمن يتعين عليها اتباعه لتحقيق تلك الغايات.
«وبصراحة، كنت سأختار الوقوف إلى جانب مدينة الأكاديمية دون تردد. لكن لي صلات بالجانب السحري، ولذلك وجدت نفسي أمضي معهم وحسب... لأن صليب بطرس، كما يُزعم، سيحقق غاياتي»
وبينما أُريانا تتحرى المسافة بينهما بعناية، خطا كاميجو نحوها خطوةً متهورة.
«غاياتك؟ ماذا، أتريدين غزو العالم وتنصيب نفسك إمبراطورةً أو شيء؟»
ابتسمت ابتسامةً واهنةً إزاء اختلاف موقفهما.
«ذلك أمر يقرره من هم فوقي. ولن أكون ساخطَةً أيًّا كان من أتّبعه. ما داموا سيحمون طريقة عيشي، فلا يهمني من يمسك بزمام الأمور. اسمع يا فتى. في هذا الكوكب كله، كم تظن أن هناك من المبادئ والمواقف والعقائد والمُثل والحقوق والواجبات وما يحبه الناس وما يبغضونه؟»
«...»
«الجواب: كثير. كثيرٌ جدًا. بل من الكثرة بحيث لا تستطيع عدّها كلها. تلك الأطر التي تقوم عليها العقائد، وكلها مبنية على المسيحية... ثم إن كل إنسان يفسر مذهبه على طريقته، مما يعني أن لكل فرد منظومةً خاصةً من القيم، صقلها على نحو يميزه عن غيره. إن الأمر أشبه بنسخة أُريانا تومسُن الخاصة من الكاثوليكية الرومانية»
قبضت أُريانا على بطاقاتها السحرية حتى كادت تسحقها. ثم خطت، مجاراةً لكاميجو، خطوةً تقترب.
«يا ولد، هناك في هذا العالم نتائج كثيرة لا يمكنك حتى أن تتخيلها. قد تتنازل عن مقعدك في الحافلة بالطابق الثاني لعجوز، ثم تكتشف أن تحت المقعد تعويذةً زرعها إرهابي. وقد تأوي طفلةً ضالةً وترسلها إلى الكنيسة، ثم لا تلبث أن تعلم أنها ساحرة هاربة من الكنيسة الأنجليكانية، وأنهم جرّوها من شعرها إلى برج لندن، ولم تعرف ما حدث إلا بعد فوات الأوان. وحتى اليوم. لقد أخرجتُ بالونًا عالقًا في غصن شجرة من أجل طفل، ولكن أتُرَى ذلك الفعل حقًا مرتبطٌ بسعادة ذلك الطفل؟ ما عدت أعرف»
بالكلمات التي نطقت بها. تقدمت إلى الأمام أكثر، كأن قوة كلماتها هي التي تحثها.
المسافة بينهما ستة أمتار.
«أتستطيع أن تتخيل ذلك يا ولد؟ كيف يشعر المرء حين يعلم، بعد أن ينقضي كل شيء، أن في هذا العالم مطباتٍ كهذه؟ كيف يشعر حين يضطر رغم ذلك إلى اتخاذ خطوة ما ثم يرى مرة أخرى أناسًا يتأذون أمام عينيه؟ أيًّا كان ما يفعله، فهو خطأ. وإن لم يفعل شيئًا، فهو الخطأ. فماذا تظن بي أن أفعل إذن؟»
أصغى كاميجو توما إلى كلماتها، ثم خطا خطوة أخرى إلى الأمام.
كانت المسافة بينهما خمسة أمتار.
«ألا ترى في الأمر غرابة؟ أولئك الذين يحبون جارهم، ولا يستطيعون حتى حماية من يقف إلى جوارهم. ولهذا أبحث عن شيء... عن مَن يقف فوقي. عمَّن يحكم مكانًا على هذا الكوكب، عمَّن لا أعرف حتى اسمه ولا وجهه»
وجدت أُريانا نفسها تطبق أسنانها، ثم تقدمت خطوةً، كأنها تريد أن تنبذ مرارة الأمر.
المسافة بينهما أربعة أمتار.
«لا يهمني من يكون. كل ما أريده هو أن يحكم على نحو كامل كل تلك الأفكار والقيم المتناثرة في أرجاء الكوكب»
كانت تلك غاية أُريانا تومسُن: ألا تُخان مرة أخرى، بعدما خدع ظرف تافه كل ما قدمته من لطف. وألا تسمح بعد اليوم لمثل تلك الخيانة أن تؤذي من يقفون إلى جوارها.
لكن تلك الغاية كانت أعظم من أن تحققها أُريانا بنفسها. ولهذا حاولت أن تعهد بكل شيء إلى من هو أقوى منها، وأعلى منها مقامًا، وأشد منها اقتدارًا.
مرجع مطلق. مرجع يحول دون أن تؤدي سوء الفهوم، والأخطاء، وتباين وجهات النظر التي تولدها تلك المصادفات، إلى مآسٍ مرة أخرى.
«سأحميهم»
ثم توقفت، كأنها قد فرغت من ذكر كل ما رأت أنه ينبغي لها أن تتطرق إليه.
«ولهذا سنستخدم صليب بطرس للسيطرة على مدينة الأكاديمية. وعندئذ، لا ريب، ستجتمع كل تلك المشاعر المتناثرة المتباينة وتصبح شيئًا واحدًا»
كانت توحي بأنه لا سبيل له إلى التقدم أكثر من ذلك. فغايتها صحيحة، وإذا كان تحقيقها سينقذ عددًا كبيرًا من الناس، فلن يكون ثمة مجال لمجادلتها فيها.
وقفت هناك كجدار، تحمل فكرتها في صمت، وتوصلها دون أن تنطق بكلمة.
لكن...
«أهذه هي غايتك كلها؟»
...تقدم كاميجو خطوةً أخرى إلى الأمام.
كانت المسافة بينهما ثلاثة أمتار.
«إذن فأنتِ حقًا رخيصة. لستِ شريرة، لكنكِ وضيعة إلى حد لا يليق أن تُسمّي نفسكِ صالحة. أتريدينني أن أسلّمكِ كل من في مدينة الأكاديمية من أجل غاية تافهة كهذه؟ هذا جنون. لن أقبل به بأي حال»
«ما... قلت...؟» انخفض حاجبا أُريانا، كأن ثقلًا هبط عليهما. وكانت تلك الحركة الطفيفة قد أخذت تهدم التعبير الذي شيدته على وجهها بعناية. «أيها الولد، ما قلت ذلك إلا لأنك لم ترَ الأمر بعينيك. أنت لم ترَ حِقدًا، ولا صرخةً، ولا صيحة غضب، ولا حتى صوت إنسانٍ يطلب النجدة... لم ترَ قط وجهًا لا يسكنه إلا العجز المحض! حين لا يبقى لطفل في العاشرة من عمره أدنى أمل! وحين يَكسِرُ رجل بلغ المئة من عمره أدنى يأس! يقفون هناك لا يملكون إلا أن يشاهدوا الأشياء وهي تنهار من حولهم! أيًّا كان ما يفعلونه، فهو خطأ. وإن لم يفعلوا شيئًا، فهو الخطأ. لم ترَ ذلك قط!!»
«ومع ذلك»
خطا كاميجو خطوةً أخرى إلى الأمام، قاطعًا كلامها.
كانت المسافة بينهما مترين.
«هذا لا يجعل من المقبول أن تهاجمي مدينة الأكاديمية كيفما شئتِ. لا يمكنكِ أن تتخذي ذلك ذريعةً لاستغلال الآخرين، وتجعلينهم درجاتٍ تُطئينها في سبيل شخص آخر. أبدًا»
كانت هناك شابة تُدعى أُرسُلا أكْوِينس.
وكانت الراهبة أغنيز سَنكتس قد قالت في الماضي إنها بارعة بوجه خاص في نشر الإيمان في الأراضي غير المتحضرة. ولعل ذلك كان لأنها كانت تجتهد في إيجاد أدنى صلة ممكنة بين معتقدات الناس ومبادئهم وعقائدهم ومُثلهم المتباينة، حتى يتسنى للجميع أن يعيشوا معًا في سلام.
وكان هناك شاب يُدعى تسوتشيميكادو موتوهارو.
لعله كان يعلم أن المرء، مهما بذل من جهد، لن يستطيع أن يوحّد المجتمع كله توحيدًا كاملًا. ولهذا عمل في الظلال بين مدينة الأكاديمية والكنيسة الإنجليزية، وبذل حياته ليخفف، ولو قليلًا، من الاحتكاك الناجم عن تصادم مجتمعين مختلفين في آرائهما.
قد تكون أساليبهم مختلفة. لكنهم جميعًا كانوا يحاولون حماية الناس الذين يعيشون هناك.
فالأفكار لا تتجزأ وفق حدود كالدين أو الحدود الوطنية. فإذا كانت قيمك ومبادئك هي ما يجعلك ما أنت عليه، فلكل إنسان قيمه ومبادئه. نعم، قد تسبب المتاعب من حين إلى آخر، لكنها في المقابل عزيزة على الناس إلى حد يجعلهم مستعدين لخوض المتاعب من أجلها. وكان كاميجو يرى أنه لا بأس بأن يكون لكل إنسان أمر أو أمران لا يرضى بالتنازل عنهما.
ولم تكن أُرسُلا وتسوتشيميكادو يحاولان التدخل في أراضي الآخرين لأنهما أدركا ذلك. كان بوسعهما أن يقتحما أرض غيرهما، ويحطما كل ما فيها، ثم يدوساه حتى يصوغاه في هيئة تلائمهم وتجعل الأمور متساوية. لكن ذلك كان يعني التضحية بأمنياتهم، ولذلك واجها آراء الآخرين ومبادئهم كلٌّ بطريقته.
ولهذا تكلم كاميجو.
لأن تلك كانت قِيَمه هو، ومبادئه هو، وآراءه هو، التي بلغها بعد أن ذاق الألم.
«المشكلات التي تعانين منها يشعر بها الجميع. ولكل إنسان طريقته في التعامل معها. وليس لأن لديكِ غاية عظيمة ما يعني أن كل ما تفعلينه يصبح مباحًا بلا قيد»
وبينما يتكلم، قبض يده وتقدم إلى الأمام.
لم يبقَ بينهما إلا متر واحد.
«لا أعرف الكثير عن اختلاف مبادئ الناس ومواقفهم وقيمهم. والأمر معقد قليلًا بحيث يصعب عليّ الإحاطة به. لكنني لا أريد أن يُصاب ستيل أو تسوتشيميكادو بأذى. أريد أن أذهب إلى موكب الليل مع إندِكس وهيميغامي والجميع. وأريد أن أقضي وقتًا ممتعًا في فعاليات المهرجان الرياضي العظيم مع أوغامي والمعلمة كوموي. فإذا كنتِ ستجعلين كل تلك المشاعر شيئًا واحدًا، فسأحميها بكل ما أوتيت من قوة»
قبضته قد صارت في المدى.
«ولستُ أنا أيضًا أظفر دائمًا بما أريد من أفعالي. فقد ارتدت أفعالي عليّ في تلك المرة مع أغنيز. لكن لماذا بحق كل شيء أتوقف عند ذلك؟! إذا أخفقتُ، وإذا سقطتُ على وجهي، فلا يمكنني أن أستمر في المضي قدمًا حتى أنهض من الأرض!! لذا انهضي وحاولي أن تحمي شيئًا مرة أخرى!! حتى لو كانت النتيجة فظيعة، وحتى لو ارتدت مشاعرك عليك، فعليك أن تنهضي من جديد وتجرّي الجميع خارج تلك الورطة!! ما يهم في النهاية هو أن يبتسم الجميع ويسعدوا، أليس هذا هو الصواب؟! فلا ترمي بحياة الآخرين من النافذة في منتصف الطريق يا غبية!!»
وأخيرًا ختم كاميجو توما؛
«...فأيّهما تختارين يا أُريانا تومسُن؟ أن تعهدي بكل شيء إلى شخص آخر لأنك أخفقت مرة؟ أم أن تواصلي مدّ يدك إلى أولئك الذين أخفقتِ في حمايتهم على أي حال؟!»
ضحكت أُريانا ضحكةً قصيرة.
كانت ضحكةً طبيعية تمامًا، خاليةً من النظرة الخطرة المجنونة التي كانت تعلو وجهها من قبل.
ثم أخذت نفسًا.
« «!!» »
وفي حركة واحدة، نزعت بطاقةً سحرية بأسنانها وسحقتها.
تفعلت تعويذة، لكن كاميجو أرجح قبضته اليمنى قبل أن يحاول حتى معرفة ماهيتها.
وقع انفجار بينهما، فتسببت قوة كاسر الخيال في تبديده. وأحدث الأثر المتبقي ومضاتٍ شاحبة زرقاء، فتراجع كاميجو بضع خطوات رغمًا عنه. وقفزت أُريانا إلى الخلف كذلك.
واتسعت المسافة بينهما من جديد إلى ثلاثة أمتار.
قرّبت أُريانا بطاقاتها السحرية من فمها. لكنها هذه المرة لم تقتلع بطاقةً واحدة فحسب. نزعت جميع الصفحات من الحلقة المعدنية.
وأطلقت عشرات الصفحات دفعةً واحدة. ثم أرجحت يدها اليمنى، ممسكةً بكل الصفحات، إلى الجانب.
«حانت النهاية»
فهبّت عاصفة من الورق.
وفوق العاصفة، منطلقةً كالسيف في خط أفقي مستقيم، ظهرت حروف.
كُتبت بالأسود وكانت تقرأ: ALL OF SYMBOL
«آمر بكل قدرة تسري في جسدي...»
وكأنما استجابت الأوراق لأمرها، صنعت عاصفة الورق انفجارًا أبيض ناصعًا. ثم أخذت جميع الأضواء المتلألئة تُمتص في ذراع أُريانا اليمنى، كحلوى مذابة تلتوي وتتشوه وهي تُسحب إلى الداخل. وحاولت أضواء الانفجار أن تبقى في مكانها، تقاوم قوة امتصاص أُريانا الهائلة، فبدت كأن صفيحةً سميكة من المطاط تُشد إلى الداخل.
أرجحت يدها اليمنى إلى خلفها.
«...أن أطلق سراح الجسد والعقل وأدمر العدو القابع أمامي!!»
ثم، بحركة عظيمة كأنها على وشك قذف شيء، أطلقت انفجارًا أبيض عاتيًا نحو كاميجو.
وسمعت أُريانا زئيرًا هائلًا!!
وانطلقت الأضواء البيضاء ممدودةً، مخططةً وهي تنحرف إلى الجانب، محافظةً على هيئتها. لكنها لم تحتفظ بشكل واحد واضح؛ إذْ كانت تغير حدودها باستمرار كي تبقي شكلها غامضًا. وبالتوافق مع ذلك، أخذ الهواء المحيط الذي لامسته تلك الأضواء المتفجرة يثور بسرعة مذهلة. أكان الضوء أم الجاذبية هو الذي تشوه؟ بل إن المشهد الكائن خلفها كله أخذ يلتوي ويتشوه.
كانت الأضواء البيضاء في حقيقتها قوة جذب هائلة. فكل ما لامس حلقة الضوء انجذب إليها بلا استثناء، ثم سُحق تحت ضغط هائل. هذا كل ما في الأمر. وكان ضغط الأشياء المسحوقة بهذه السرعة يجعلها تبدو وكأنها تُلتهم.
فثارت الغازات المحيطة بها، وكذلك الهواء المتبقي في جيوب الفراغ. وحتى الضوء والجاذبية الموجودان منذ البداية أخذا يُسحبان إلى داخلها. لقد كان سلاحًا لا ريب أنه سيقتل أي شيء يصيبه.
حسنًا.
وبينما كانت تلوّح بأعظم تعاويذها، تلك التي شيدتها بعدما استنفدت جميع الصفحات الباقية لديها، ارتسم على وجهها ابتسامة صاخبة. كانت كتلة الأضواء تندفع من اليمين، على وشك أن ترتطم بجسد كاميجو من الجانب. وشاهدت الأسفلت يرقص داخل العاصفة الهائجة، ليُسحق تحت الأضواء.
انتهى الأمر الآن!!
أرجح الفتى يده اليمنى بلا تردد إلى الجانب ليصدها.
«رااااااااااااااه!!»
وأطلق زئيرًا حقيقيًا من أعماقه.
وما إن لامست يده الضوء الأبيض الساطع حتى تحطم بصوت يشبه تكسر الزجاج.
ثم، وما إن سمع صوتًا كالرذاذ...
دَوِيّ.
انفجر كل ما كان الضوء الأبيض قد ضغطه دفعةً واحدة.
«؟!»
طغى التطور غير المتوقع على ذهن كاميجو.
فالهواء، مثلًا. الغازات التي ضغطت إلى نقطة واحدة اندفعت متفجرةً في جميع الاتجاهات، كأنها ثقب في بالون. وكانت تحاول العودة إلى حالتها الطبيعية، فارتطمت قوتها بكاميجو في موجة انفجارية.
والأسفلت، مثلًا. فالضغط الهائل كان قد سحق كتل الحجارة حتى صارت بحجم حبات البازلاء، والآن أخذت تنتفخ عائدةً إلى أحجامها الأصلية، كحبات الذرة حين تنفجر. وباستعادتها كتلتها بهذه الصورة الانفجارية، غدت كالرصاص، محمولةً على موجة الحرارة.
وتطايرت الحجارة وهبّت في عاصفة هوجاء.
طَعقّ. صدر صوت مكتوم حين ارتدت قطعة من الأسفلت بحجم قبضة اليد عن يد كاميجو اليمنى. وقبل أن يشعر بالألم، أصابته قطع أخرى في جنبه وصدره وفخذه. ثم، حين ارتطمت إحداها مباشرةً بجانب رأسه، حتى حاسة الألم لديه أخفقت للحظة.
هي... كانت تعلم أن الإماجين بريكر سيمحوها...؟!
«غااااااااه!!»
تناثر الدم. وشعر بجلده يتمزق. وكاد يسقط إلى الجانب. أدرك أن رؤيته تميل، لكنه أخذ يفقد القدرة على معرفة كيفية تحريك جسده لتصحيحها. كانت تضرب أفكاره بعنف.
ثم قفزت أُريانا، بعدما استنفدت جميع بطاقاتها السحرية، نحوه مباشرةً لتوجه الضربة القاضية. لتسحق عظام كاميجو بقبضة صلبة كالصخر، لا بالسحر.
وبدأت القوة تفارق ساقيه.
حتى الوقوف غدا أمرًا عسيرًا.
وفي هذه الحال، لم يكن قادرًا على صد هجوم أُريانا ولا تفاديه.
فإذا أتمت ضربتها، فلا ريب أن جسد كاميجو سيتحطم.
تبًا... اللعنة...
—قالت فُكيوسي سيري شيئًا.
ألا تبذل جهدًا ولو قليلًا لإنجاح هذه المنافسة؟
—قالت هيميغامي آيسا شيئًا.
أريدك أن توقف المعلمة كوموي وستيل عن القتال.
—قال ستيل ماغنوس شيئًا.
لا تتوقع الكثير.
—قال تسوتشيميكادو موتوهارو شيئًا.
سنمسك بهما هناك ونضع حدًا لكل هذا.
كان لكل واحد منهم ما يريده، وعلى وجوههم ابتسامات أولئك الذين جاؤوا إلى مدينة الأكاديمية من أجل المهرجان دايهَسيه. ومهما اختلفت مشاعرهم في مداها أو شدتها، فقد كان الجميع يحاول حماية طريقة الحياة هذه.
وكان كاميجو توما نفسه قد قال شيئًا.
فقد أخبر هيميغامي آيسا، وهي ملقاة مضرجةً بالدماء، أنه سيذهب بها إلى المستشفى قبل أن يبدأ موكب الليل. وكان ذلك دليلًا على عزيمته. فلم يكن حسم الأمر مع هذه الساحرة كل ما يهم. كان يقاتل من أجل شخص ينتظره بعد ذلك.
كانت تلك إرادة جميع من أخبروهم بما يريدون خلال هذه الحادثة.
لكني...
وقد أخذ وعي كاميجو يتأرجح، فقبض على أسنانه الخلفية.
مُحكَمًا.
...لن أدع كل ذلك يذهب سدى هنا أبدا!!
«غاااه... آاااااه!!»
وأخيرًا تحركت ساقاه. وكانت رؤيته، التي أخذت تنحدر إلى الجانب، قد وجدت أخيرًا ما يسندها: الأرض تحت قدميه.
وكانت أُريانا تومسُن أمامه، تمد قبضتها لضربه.
«مه... ماذا؟!»
اتسعت عيناها دهشة. ولعلها لم تفكر حتى في احتمال أن يشن هجومًا مضادًا. فقد كانت قد ألقت بكل كيانها في هجومها، وهو ما تركها مكشوفةً تمامًا.
وعقله غائم، جمع كل ما بقي لديه من قوة في قبضته اليمنى. قبضها بإحكام، وبقوة تكفي لأن يستحيل عليها أن تنفتح.
وبعد لحظة.
تقاطعت قبضتاهما.
وأصابت ضربة كاميجو وجه أُريانا.
فاندفع جسد الساحرة إلى الخلف بعنف، ثم سقط على الأرض.
- الجزء 9
أُريانا تومسُن قد سقطت. ولم تتحرك منها عضلة.
والآن بعد أن هُزمت، أدرك كاميجو أن الحاجز الذي أقامته قد اختفى. فعادت إلى أذنيه زئير طائرات الركاب المحلقة في السماء كأنها ذكرى بعيدة. ومن حوله كانت مدارج المطار التجريبي قد تمزقت كأن محراثًا شقها، كما غدت أبراج المراقبة والحظائر أنقاضًا ممزقة. وأخيرًا استدارت طائرة صغيرة مخصصة للحراسة وعادت على عجل. لعل قوات الأنتي-سكِل ستهبط في المكان قريبًا.
«ستيل!!»
أجبر كاميجو جسده المنهك على الحركة، وركض نحو ساحر الرونات الملقى على الأرض على بُعد أمتار قليلة منه. كان قد تلقى وابلًا من شظايا الجليد، لكنها بدت الآن وقد ذابت كلها. بدا أن الدم قد أخذ يسيل من جروحه بغزارة أكبر بعد زوال الجليد، كزجاجة نُزعت عنها السدادة.
لم ينهض ستيل.
لكن عينيه رمشتا ببطء، ثم اتجهتا إلى الجانب.
«...أنا... بخير. افعل شيئًا... بنفسك،» قال وهو يحرك شفتيه الملطختين بالدم. «صليب بطرس... أولًا. اجعل أُريانا... تخبرنا بمكانه... غايتنا الأولى... هي منع ذلك السلاح الروحي... من التفعيل...»
«لكن!»
أخذ كاميجو يلتفت حوله بحثًا عن أي شيء يستعمله ضمادًا.
‹ ‹لا سببًا يدعوك إلى القلق. سينتهي كل شيء بعد لحظات› ›
سمع صوتًا.
صوت امرأة، ويبدو أكبر سنًا من صوت أُريانا.
التفت كاميجو حوله. لكنه لم يرَ أحدًا جديدًا. جاء الصوت من جوار أُريانا مباشرة.
«...لأن الحاجز... الذي يمنع الاتصال... قد زال الآن...،» متمتمًا ستيل بصعوبة.
وتساءل كاميجو إن كانت هناك تعاويذ تعمل عمل أجهزة الراديو أو الهواتف النقالة. وإذا كانت موجودة، فهذا يعني أن هذه لا بد أن تكون...
لِدُفيا لُورَنزِتّي.
إحدى الذين، إلى جانب أُريانا تومسُن، أُسندت إليهم مهمة تفعيل صليب بطرس داخل مدينة الأكاديمية، إذْ كانوا يرون أن السيطرة على المدينة ستضع عالم الجانب العلمي بأسره في قبضتهم.
‹ ‹ستبدأ آثار صليب بطرس بالظهور بعد لحظات. وأعتقد أن ذلك سيغير مدينة الأكاديمية إلى هيئة تلائم مصالح كنيستنا الكاثوليكية الرومانية. ومن ثم، فلا أهمية لمدى إصابة أيٍّ منكم. ومهما يكن من أمركم، فإن مدينة الأكاديمية بأسرها، بما فيها الموضع الذي تقفون فيه الآن، سيتغير عُراها قريبًا› ›
زيادةً على ذلك...
لم يكن صليب بطرس في يد أُريانا، بل مع لِدُفيا...
وفي الوقت نفسه...
«إذن تتخلصون ببساطة من كل من يقف في وجهكم؟!» صاح كاميجو دون أن يشعر.
لم تضطرب لِدُفيا.
‹ ‹أظنك أسأت فهم شيء. ما قلتُ إلا إننا ببساطة سنعالج جروحكم بعطفٍ ونضمدها. ما دام ذلك في سبيل أعظم منفعة للكنيسة الرومانية الكاثوليكية طبعًا› ›
«ماذا؟» قال كاميجو عابسًا.
«...لا تتعب نفسك بالاستماع إليها يا كاميجو توما،» حذر ستيل بصوت منخفض، وهو لا يزال على الأرض. «إنها تحاول استخدام [صليب بطرس]، وهذا يعني أن لِدُفيا و [أداة الروح] لا بد أن يكونا قريبين. يدك اليمنى تستطيع تدمير وظيفة أي [أداة روح]. لذا تحرك. لِدُفيا على مقربة من هذه المدارج—»
‹ ‹ولأوضح لكم، سأقول هذا،› › قاطعته لِدُفيا. ‹ ‹صليب بطرس ليس موجودًا حاليًا داخل مدينة الأكاديمية› ›
«مَ...ماذا؟» اتجهت عينا كاميجو نحو أُريانا، التي كانت فاقدة للوعي على الأرض.
ثم سمع صوت لِدُفيا يشرح الحقائق بلا مبالاة.
‹ ‹يبدو أنكم حققتم في المَطال الموجودة داخل مدينة الأكاديمية، لكن ذلك لم يكن إلا نتيجةً لإرشادنا لكم. ويبدو أنكم لم تصلوا إلى تفقد المَطالات الموجودة خارج مدينة الأكاديمية› ›
خارجها.
استغرق الأمر بضع ثوانٍ حتى أدرك كاميجو وستيل ما كانت تعنيه.
‹ ‹لقد أنشأ صليب بطرس الولايات البابوية الرومانية، وكانت تمتد في أوجها على مساحة تبلغ 47 ألف كيلومتر. وأظن أن مساحة مدينة الأكاديمية تبلغ نحو مئتي كيلومتر مربع. فمن الطبيعي، حتى لو فُعّل الصليب خارج حدود المدينة، بحسبةٍ بسيطة ستعرف أنه قادر بسهولة على تغطيتها بأسرها› ›
«اللعنة،» تمتم ستيل. كان ملقىً على الأرض، عاجزًا عن تحريك أطرافه إلا قليلًا. «لقد... خدعونا. كاميجو توما... اتصل بتسوتشيميكادو! كانت أُريانا... طُعمًا لإبقائنا مركزين داخل المدينة... طوال الوقت!!»
‹ ‹صحيح. كان دورها أن تستقصي قوة المتورطين في هذه الحادثة، وأن توجه انتباههم. ولو شاءت، فأنا على يقين من أنها كانت تستطيع ابتكار تعويذة مثل [أوبِيلا] لإخفاء نفسها. لكن السمك لا يأتي من غير طُعم، ولذلك تعمدت أن تظل تُظهر نفسها أمامكم› ›
واصل صوت الراهبة حديثه.
‹ ‹يستغرق استخدام صليب بطرس وقتًا، كما أن المواضع التي يمكن استخدامه فيها، أي المَطالات، محددة لا تتغير. وكان أكثر ما ينبغي الحذر منه أن ترسلوا أشخاصًا لاعتراض جميع تلك المطالات مسبقًا› › واصلت لِدُفيا لُورنزِتّي، مكتفيةً بإلقاء الحقائق. ‹ ‹أما نحن، فقد ركزنا على أفضل السبل لمنع حدوث ذلك. ووضعنا خطة: أن تتعمد أُريانا إظهار تحركاتها داخل مدينة الأكاديمية، فتُبقي انتباه أولئك المعترضين، أو أنتم جميعًا، محصورًا بالكامل داخل المدينة. أما أنا كنت حاملة الصليب بطرس. كنت أنتظر في فندق خارج المدينة حتى يحين الوقت، وفي الواقع، كنت قد نصبت الصليب خارج المدينة أيضًا. ويبدو أنكم لم تدركوا شيئًا من ذلك› ›
اللعنة عليكِ...!!
قبض كاميجو على أسنانه، لكن ذلك لم يكن ليجعله يستحضر أي تدبير مضاد ملموس.
‹ ‹وقد جعلت أُريانا تتحرك مع استخدام [أوبِيلا] أو محو الحضور بأقل قدر ممكن. غير أن أول عملة صامتة قد تحطمت أثناء المرحلة التحضيرية التي سبقت بدء العملية الفعلية، وقد أثار ذلك قلقنا حينها. فلو أُسرت أُريانا قبل الموعد المتوقع، لما استطعنا تحقيق غايتنا› ›
والآن بعدما كانت تشرح لهم الخطة بأكملها، لا بد أنهم قد وقعوا بالفعل في كش ملك.
وقف كاميجو هناك في ذهول، لا يفعل سوى الإصغاء إلى صوت لِدُفيا.
‹ ‹من المؤسف أنها هُزمت نتيجةً لذلك، لكنني أرى أن صليب بطرس سيعيد صياغة حتى هذه النتيجة بما يخدمنا أكثر. وفي النهاية، فإن هزيمتها ليست إلا أمرًا تافهًا، يمكن تكراره قدر ما نحتاج. وما إن يضع صليب بطرس مدينة الأكاديمية بأسرها تحت سيطرتنا من الخارج، حتى تنقلب موازيننا، ويكون كل شيء قد جرى وفقًا للخطة› ›
ظلت ليدفيا تتحدث بنبرة مسطحة. وكان ذلك يجعل كاميجو يشعر بأنها تنكر كل ما فعلوه حتى الآن، بل تنكره على نحو أشد مما كانت تفعل من قبل.
أخرج كاميجو الجوّال من جيب سرواله القصير بيد مرتجفة، وحاول البحث عن رقم تسوتشيميكادو في ذاكرته.
‹ ‹لا جدوى،› › قالت لِدُفيا بفتور. فهل كانت ترى صورهم أيضًا، إلى جانب سماع أصواتهم؟ ‹ ‹حتى لو عثرتم عليّ الآن، فأنا بعيدة جدًا عن متناولكم. وحتى لو كان لكم دعم خارج المدينة، فأنا واثقة من أنني أستطيع إنهاء الأمر قبل أن يصلوا› ›
«...(إذن ذلك القصف بعيد المدى، المراسم الحمراء... لن تنفع هي الأخرى)» تمتم ستيل لنفسه بصوت خافت حتى كاد كاميجو ألا يسمعه. «...(البحث ثم الهجوم. لا يستطيع تسوتشيميكادو استخدام تعويذتين الآن... جسده لن يحتمل. ولو بذل كل ما لديه، فسيكون محظوظًا إن استطاع استخدام واحدة...)»
«اللعنة! فماذا يُفترض بنا أن نفعل إذن؟!» صاح كاميجو.
لكن صرخته لم تكن لتجعل ستيل يستنبط تدبيرًا حاسمًا.
وعلّق اليأس في الهواء، فيما تردد صوت لِدُفيا لورنزِتّي المنفرد من حولهما.
‹ ‹كيف تُراكم ستتفاعلون يا ترى مع التغييرات التي سيُحدثها صليب بطرس في مدينة الأكاديمية؟› ›
تحركت شفتا ستيل عند سماعه صوتها. «...مثل سُدوم وعَمورة... الشيء الوحيد الذي لا تفعلونه بها هو تدميرها. إنكم تفعلون... الشيء نفسه. أينما وجدتَ الكنيسة الكاثوليكية الرومانية أمرًا لا تستحسنه... تدفعونه إلى الشلل، ثم تستخدمون قوته لإظهار سلطان الرب... لقد فعلتم الشيء نفسه... بالقديس جورج المحتضر... وبالمعابد في روما»
‹ ‹ذلك هو أكبر سوء فهم تملكه علينا،› › أجابت لِدُفيا على الفور. ‹ ‹ما يهمنا هو أن تخضع هذه العلوم الجامحة للسحر، لا أكثر. وأرى أن وقاحة العلم الحالية لا تختلف عن هرطقة الرومان في الأزمنة الغابرة. وكما عاملنا أولئك، سننكر ما تؤمنون به، ونريكم قوتنا، ونستعيد لربنا سلطانه› ›
وتغيرت نبرة صوتها. كانت تتحدث من قبل في عبارات متقطعة غير منتظمة، أما الآن فقد اتصل كلامها بعضه ببعض اتصالًا تامًا.
‹ ‹أن تنظر إلى شيء بعين العلم. وأن تفكر فيه تفكيرًا علميًا. وأن يقدم الناس آراءً علمية... إن "العلم" هنا لم يعد مجرد مادة أكاديمية، بل غدا ضربًا من الوثنية. ومن المؤسف للغاية أن المرء حين يقال له إن أمرًا ما صحيح علميًا يميل إلى تصديق كل شيء تصديقًا مطلقًا مهما بلغ من السخف ومن دون أن يراه بعينيه حتى› ›
كان في كلامها شيء من الصواب. ففي بعض الأحيان يستخدم الناس كلمة "العلم" على نحو خاطئ كهذا. فمجرد قولهم إن أمرًا ما صحيح علميًا، هل يخولهم أن يقرروا بيقين مطلق سبب كونه صحيحًا علميًا؟ ينبغي للمرء ألا يستخدم كلمة "العلم" إلا بعد أن يُعمل الفكر فيها إلى منتهاه.
المعارف العلمية البديهية... مثل هذا المصطلح يتغير كل يوم مع تقدم هذا الميدان. فلم يكتشف أحد بلوتو حتى عام 1930. وكان هناك زمان قال فيه الجميع أيضًا إن صنع الثنائيات الباعثة للضوء الأزرق أمر مستحيل.
وحتى لو كان "شيءٌ ما" صحيحًا من الناحية العلمية، فقد لا يزال يعني ذلك أن النموذج العلمي نفسه ناقص. فإن عجزت عن التمييز، فإن قولك إن "شيئًا ما" صحيح علميًا لا تزيد قيمته كثيرًا على قولك إنه لا بد أن يكون صحيحًا لأن معلمك قال ذلك.
‹ ‹ونحن نعدّ هذا تدخلًا من جانب العلم في جانب الدين. ولهذا لن نتغاضى. لقد دنست أيدي البشر سلطان الرب. فلا تستغرب أن نطهره من جديد بهذه الأيدي نفسها› ›
كان كاميجو قد توقف عن الإصغاء إلى لِدُفيا في هذه المرحلة. ما عاد الأمر حوارًا.
الوقت... كم بقي من الوقت؟!
أخرج الجوّال ونظر إلى الساعة. ثم رفع عينيه إلى السماء. كانت قد غدت أرجوانية تمامًا، وقد تناثرت فيها أضواء متلألئة هنا وهناك، كأن بقع الحبر تتسرب عبر الصفحة.
هذا أسوأ وضع ممكن. لقد اكتملت استعداداتهم.
‹ ‹وبطبيعة الحال، سنرحب بكم جميعًا أيضًا. ولن ندمر مدينة الأكاديمية بأي حال. حتى هذا المهرجان السخيف الذي تسمونه "المهرجان الرياضي العظيم" لن يكون إلا استعراضًا رائعًا لانحناء العلم أمام الكنيسة. وبعد أن نجعلكم تتخلون عن علمكم الوثني، سنضمكم إلينا إخوةً وأخواتٍ أحباء› ›
استطاع ستيل تحريك جسده المحطم بما يكفي ليخرج بطاقة رون ملطخة بالدم من جيبه الداخلي. لعلّه أراد استخدامها لتعويذة اتصال، مثلما تفعل لِدُفيا الآن.
«أنت... اتصل بتسوتشيميكادو،» قال، منتزعًا الكلمات من حلقه انتزاعًا. «...دائرة العرافة... أظن أن هذا اسمها. كانت لديه تعويذة... تتعقب تعويذة الاعتراض الخاصة بأُريانا... سنستخدمها على اتصالات لِدُفيا... ونعرف مكانها. ثم... سأستخدم تعويذتي الاتصالية... وأطلب من القوات خارج المدينة أن...»
‹‹لن يفلح ذلك. تبقت مئة واثنتا عشرة ثانية حتى يغير صليب بطرس العالم. لا، بل صارت الآن مئةً وسبع ثوانٍ. دعني أقولها بوضوح: انتهت اللعبة› ›
مئة وسبع ثوانٍ.
حتى لو عثروا على لِدُفيا في تلك المدة، فم تراه يقدر على الوصول إليها؟ إنّ مجرد استدعاء تسوتشيميكادو الجريح إلى هنا سيستنفد ذلك الوقت كله.
حبس ستيل أنفاسه.
كأنّ لِدُفيا لورنزتي ابتسمت في الطرف الآخر من الاتصال.
قبض كاميجو على أسنانه، محدقًا في السماء الأرجوانية فوقه، وهي تزداد امتلاءً بالنجوم لحظةً بعد أخرى.
لا بد من طريقة...
ما بيده الاستسلام. كان ذلك وحده هو ما يبقي عقله منشغلًا بالتفكير الآن.
...لا بد من طريقة لحل هذا! ورقة أخيرة نخفيها في جعبتنا!!
تشبث بأي خيط يجده في عقله، على نحو محموم. صليب بطرس — أحد أقوى الأسلحة الروحية لدى الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. إذا استُخدم، فإنه يضع منطقة تمتد 47 ألف كيلومتر تحت سيطرتهم التامة. إنها تعويذة تستخدم الكوكبات. لا مواقع النجوم الحقيقية، بل ما يمكن رؤيته في سماء الليل فحسب. تعويذة لا تستخدم إلا هيئة الكوكبات الظاهرة. وكانوا يستقصون خصائص المنطقة وسماتها وصفاتها ليستخدموها فيها. ثم اختاروا أكثر الكوكبات الثمانية والثمانين ملاءمةً لذلك.
سيجمعون ضوء النجوم الساطع المنهمر على الأرض.
«...!!»
أمسك كاميجو توما الجوّال. وأدخل رقمًا واحدًا: تسوتشيميكادو موتوهارو.
«تسوتشيميكادو! لا تقل شيئًا، فقط أجبني. كم موضعًا يوجد خارج مدينة الأكاديمية يمكن استخدام صليب بطرس منه، ومع ذلك يبلغ تأثيره المدينة؟!»
‹ ‹ماذا...؟ كاميان؟› ›
كان صوته واهنًا بقدر جسده الآن. ولعله لم يفهم ما يعنيه.
لكن كاميجو لم يكن لديه وقت ولا رغبة في الشرح. فصاح من جديد؛
«لا تهتم بالتفاصيل. ما أبعد موضع يمكن استخدامه انطلاقًا من المعلومات التي أعطيتك إياها؟!»
‹ ‹...في المجموع، هناك خمسة مواضع يمكن استخدامها من الخارج. ومن بينها... أبعدها يبعد نحو ألف وسبعمئة متر إلى الشمال من مدينة الأكاديمية... كاميان، لماذا تحتاج إلى هذا—؟› ›
«آسف يا تسوتشيميكادو، لا وقت للشرح!!»
اعتذر وهو يتجاهل سؤاله، ثم أغلق الاتصال. وفتح التطبيق الذي كانوا قد استخدموه للتواصل. كان أشبه بنسخة رقمية من كتيب المهرجان الرياضي العظيم.
أعرف المسافة. ولدينا... خمس وخمسون ثانية. هل سينجح هذا؟!
‹ ‹أظن أنه لم يعد بوسعكم شيء في هذه المرحلة. واحتياطًا سأحطم لكم آمالكم، فأنا لست في أيٍّ من الأماكن التي وصفتها للتو› ›
تجاهل صوتها الساخر، وأخذ يعمل على الجوّال بيأس. كانت الشاشة تعرض خريطة لمدينة الأكاديمية.
ليس هذا.
أغلق النافذة واستدعى نافذةً أخرى.
ليس هذا، ولا ذاك، ولا هذاك!
أغلق نافذةً أخرى، ثم فتح أخرى. كان هذا التطبيق مجرد نسخة احتياطية في حال فقد المرء الكتيب الحقيقي، ولم يكن يحتوي على جميع المعلومات التي يحويها المجلد السميك. وكان استخدامه صعبًا أيضًا، فعانى كاميجو في الوصول إلى المعلومات التي يريدها.
لكنه ظل يحاول، وواصل المحاولة مرةً بعد مرة.
وأخيرًا، نظر إلى الشاشة مرة أخرى، ثم سَقَط الجوّال من يده.
طَقّ.
تردّد الصوت الخافت للبلاستيك وهو يرتطم بالأرض عبر مدارج المطار في ضوء الشمس الغاربة. وذلك كان كل شيء. انحنى كاميجو ليلتقطه، فلمْ يستطع. كانت أصابعه ترتجف بشدة حتى إنه لم يقدر على تحريكها لأداء هذا الأمر البسيط على نحو سليم.
أربعون ثانية حتى ينتهي كل شيء.
أضاعت لِدُفيا حتى هذه اللحظة الأخيرة في الكلام.
‹ ‹مهما كانت الوسيلة التي تودون استخدامها، فأنا أرى أنه من المستحيل أن تبلغوني حيث أنا الآن› ›
في نبرتها الهذب والتواضع، كأنها تنحني لهم وهي تتحدث.
‹ ‹اسمحوا لي أن أقول شيئًا أخيرًا: لقد انتهى الأمر. سأعيد صياغة هذا العالم ليغدو عالمًا أفضل، وسيشمل ذلك جميعكم› ›
«هَه»
ضحك كاميجو، كأنه خطرت له فكرة.
«أنتِ محقة. انتهى كل شيء»
بقيت عشرون ثانية.
«آه، سحقا. وذاك الوعد الذي قطعته... ذهب أدراج الرياح»
كان ينظر إلى شيء، لكن ليس إلى النجوم الساطعة في السماء فوقهم.
«حقًا. كنت واثقًا كل الثقة حين وعدت هيميغامي، وانظري الآن إلى ما آل إليه الأمر. انتهيت. انتهيت حقًا»
كان يحدق في شاشة الجوّال الفارغة، الملقاة على الأرض وهي تضيء.
«ألا توافقين، لِدُفيا؟»
خمس ثوانٍ.
وهو يحدق في الشاشة، قال شيئًا أخيرًا:
«انتهيت، رغم أنني حطمت وهمك السخيف تحطيمًا تامًا»
وقبل أن يتسنى للِدُفيا أن تبدي صوتًا يدل على حيرتها...
دَخّ دَخْ!!
انبثق ضوء شديد من الأرض، فبدد ظلمة الليل كلها للحظة.
كانت جميع الأضواء الزخرفية في مدينة الأكاديمية، من المصابيح الكهربائية إلى لافتات النيون، وفنون الليزر، والأضواء الكاشفة، وكل ما سواها.
ولم تكن المنطقة 23 ذات صلة كبيرة بالمهرجان دايهَسيه، لكن حتى هنا بدأ صف من الأضواء الزخرفية يلمع كأنه شجرة عيد الميلاد حول المطار الدولي المدني. ومن مكان بعيد، انجرف إليهم لحن مشرق مفعم بالبهجة. كانت أغنية حافلة بالنغمات الإلكترونية، من ذلك النوع الذي قد تسمعه في مدينة ملاهٍ للأطفال.
«الآن السادسة والنصف مساءً»
التقط كاميجو توما الجوّال ونظر إلى شاشته.
كان الكتيب الرقمي المبسط يعرض جدولًا للفعاليات الليلية في المهرجان.
«ألم تكوني تعلمين أن موكب الليل يبدأ الآن؟»
‹ ‹ماذا...؟› ›
غطت دوامة من الضوء مدينة الأكاديمية بأسرها.
وفي اللحظة التالية، اختفت كل تلك النجوم المتلألئة في سماء الليل، إذ حجبتها أضواء الأرض. تمامًا كما لا تُرى نجوم كثيرة في قلب مدينة كبيرة. ذاب ضوء النجوم الباهت تمامًا أمام الأضواء الأقوى.
«يا عمي... قبل أن يبدأ هذا كله، وعدتُ أن أعود إلى غرفة هيميغامي في المستشفى، لكن الآن ذهب ذلك كله أدراج الرياح. تبًا. حقًا فَشِلت» قالها وهو يطرق بلسانه مستاءً بصدق. «آه صحيح. وفقًا لما قاله تسوتشيميكادو، إنّ أبعد نقطة خارج مدينة الأكاديمية وتظلل المدينة ضمن نطاقها تبعد 1700 متر. هذه ليست مسافة بعيدة جدًا. فكل هذه الأضواء السخيفة الصادرة من المدينة ستغطي النجوم على نحو كافي»
ثم تابع.
«حتى أبعد نقطة لن تُظهر نجومنا. ولا يهم أين تكونين، فهذه الاحتفالات تغطي أمر جميع النقاط، أليس كذلك يا لِدُفيا لورنزتّي؟!»
‹ ‹...› ›
كانت الثواني الخمس الأخيرة قد انقضت منذ زمن.
ومع ذلك، لم يتغير العالم.
«الآن وقد فكرت، يبدو أن لنا جميعًا أدوارًا مساندة سيئة للغاية هنا»
كانت هناك واحدة من أقوى التعويذات التي تستخدم ضوء النجوم الساطع، ذلك الضوء الذي لم يتغير منذ آلاف السنين.
وفي هذه اللحظة، أُجبرت على الخضوع لأضواء البشر المحيطة بهم.
«لستُ في موضع يسمح لي بالتباهي، فأنا لم أستطع اللحاق بك في النهاية، لكنكِ أيضًا لا تملكين الحق في الاستخفاف بالمهرجان دايهَسيه. لقد هُزمتِ للتو على يد الأضواء التي صنعها الجميع هنا. لم تعد ترتيبات الأمن، ولا التوازن بين العلم والسحر، ولا أي شيء من ذلك مهمًا. قبل أن يبدأ كل هذا، كان ينبغي لك أن تحاولي معرفة من هم النجوم الفعليون للمهرجان الرياضي العظيم»
لم يكن كاميجو توما ولا ستيل ماغنوس ولا تسوتشيميكادو موتوهارو ولا أُريانا تومسُن ولا لِدُفيا لُورنزِتّي.
فُكيوسي سيري — بذلت كل ما لديها لإنجاح المهرجان.
هيميغامي آيسا — سقطت في بحر من الدم بسبب مصادفة بسيطة.
تسوكويومي كومويه — حاولت إنقاذ تلميذتها وهي تبكي مغطاءةً بالدماء.
أناس من أمثال هؤلاء اجتمعوا معًا، وحموا المهرجان الرياضي العظيم {دايهَسيه}.
لقد استخدموا نورًا عظيمًا ليصنعوا ذكريات ممتعة لجميع من شاركوا فيه. وكانت مشاعرهم تتلألأ من خلال ذلك النور.
‹ ‹...› ›
لم يصله جواب من لِدُفيا.
فيمَ كانت تفكر وهي تحدق الآن في سماء الليل الخالية من النجوم؟
«ماذا ستفعلين؟ يبدو أن المهرجان دايهَسيه لم يأبه لجهودك أدنى اكتراث. لا أعرف الكثير عن توازن القوى بين العلم والسحر وما إلى ذلك. فإذا حطمتِ صليب بطرس، ولزمتِ الصمت، وهربتِ، ولم تزعجي مدينة الأكاديمية مرة أخرى، فذلك يكفيني. لكن ماذا عنكِ أنتِ؟»
‹ ‹...أتسخر› ›
تسلل توتر خافت إلى صوت لِدُفيا.
من ذلك النوع الذي قد ينفجر لو امتدت إصبع واحدة فقط ونقرت عليه.
‹ ‹أنا من أتباع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية المكرّمين. ولن نسمح بأن تتفوق علينا مدينة الأكاديمية مرةً ثانية. ولا أرى في طلبك ما يدعونا إلى الموافقة عليه› ›
«أوه» قالها كاميجو بهدوء، ثم نظر إلى الجانب.
كان تسوتشيميكادو قد تسلق السياج الشبكي، وأخذ يسير نحوه ببطء. وكان الرجل الوحيد هنا القادر على استشعار المانا الناتجة عن التعويذات المستخدمة.
حتى لو حدد تسوتشيميكادو النقطة، أو المُطَلّ، التي توجد فيها لِدُفيا من أجل استخدام صليب بطرس، فستكون لِدُفيا قادرة على أخذ الصليب والفرار قبل أن يصلوا إليها. فقد كان تعقبهم لها داخل المدينة في غاية الصعوبة أصلًا. وإذا خرجوا إلى خارجها، فسيحتاج الأمر إلى وقت أطول بكثير، ويمتد على مسافة أوسع بكثير.
لكن كان هناك عدد كبير من فصائل السحر، الصغيرة منها والكبيرة، منتظرين خارج المدينة بسبب هذه الحادثة.
ومهما كانت آراؤهم تجاه مدينة الأكاديمية، فمن المرجح أنهم جميعًا يعملون وفق غاية كبرى واحدة: القبض على أُريانا ولِدُفيا.
وكانت المشكلة الوحيدة أنهم لا يعرفون إلى أين سينتهي المطاف بصليب بطرس بعد استعادته. لكن كان بالإمكان حل ذلك بأن تقتصر المساعدة في القبض على لِدُفيا على الفصائل المؤيدة للكنيسة التطهيرية الإنجليزية.
وهكذا...
إذا استطاع ستيل تتبع تعويذة الاتصال التي تستخدمها لِدُفيا، وتحديد مصدر المانا بواسطة [أربع طرق حق] الخاصة بتسوتشيميكادو، فبإمكانهم إبلاغ فصيل سحري قريب من الكنيسة الأنجليكانية، ينتظر خارج المدينة، لكي يتحرك، وعندها سينتهي كل شيء.
ما عاد هناك شيء آخر لكاميجو توما أن يفعله الآن.
لكنه ابتسم ابتسامة عريضة وقال شيئًا أخيرًا:
«طيّب إذن، يبدو أنك شاركتِ في الاحتفالات على أي حال. ما رأيك في لعبة المطاردة يا لِدُفيا لورنزتّي؟»


اختر اسم وأكتب شيء جميل :)