-->

الفصل السابع: عَدُوٌّ تَهْزِم وحَلِيفٌ تَحْمِي. — Parabolic_Antenna.

(إعدادات القراءة)

انتقال بين الأجزاء

  • الجزء 1

«اللعنة...!!» صرخ كاميجو توما على مشهدٍ أمامه.

محطة الحافلات قد خلت من الناس.

وكانت أشعة الشمس الحارقة قد بدأت تضعف قليلًا الآن بعد أن غدت الثالثة والنصف عصرًا. ولم يكن في المحطة المواجهة للرصيف سوى مظلة بسيطة مؤلفة من أعمدة من الأنابيب المعدنية وسقف من صفائح الحديد. لا أحد يجلس على المقعد في الداخل، ولا أحد مصطفًّا في انتظار الحافلة. شعر وكأنه طفل تائه تُرك وحيدًا بينما مرّ الناس من حوله دون أن يلتفتوا حتى إلى محطة الحافلات.

تنهد؛ وما عساه إلا أن يبتسم ابتسامة باهتة. وقف هناك للحظة شاردًا. لا يعرف من أين يبدأ خط الحافلة أو أين ينتهي. ولا لديه أدنى دليل يساعده. بل إنه لم يكن يعرف حتى أي حافلة استقلتها أُريانا، ولا حتى إن كانت قد استخدمت هذه المحطة من الأساس.

لم يملكوا سوى ثلاث دقائق للإمساك بأُريانا، والآن كانت قد أفلتت بالحافلة.

لقد أضاع الكثير من الوقت عندما توقف عند الزقاق حيث هوجمت فيه هيميغامي. ولو أنه حسب المسافة والزمن فعلًا، لكان قد أدرك أنه لن يتمكن أبدًا من اللحاق بها.

كان ذلك الاستنتاج الواضح والمنطقي. ولكن...

اللعنة، إلى أين ذهبت أُريانا؟!

ومع اتضاح الواقع مرة أخرى، شعر بالدوار. لَهُ أن يقطع أيَّ وعدٍ يشاء. ولَهُ أن يشعر بكل ما يريد. لكن بعض الأشياء ببساطة لا يمكن أن تتحقق. هو يعلم أن دربه لن يسير تمامًا كما يريد. ومع ذلك، دفع تلك الحقيقة البسيطة إلى أبعد زاوية في ذهنه.

ما عاد يستطيع مطاردة أُريانا. ولا أحد يعرف حتى أين توجد لِدُفيا. وبهذا المعدل، لن يتمكن من منعهما من استخدام [صليب بطرس].

ماذا أفعل؟

أخرج كاميجو جوّاله المحمول وأدخل رقم تسوتشيميكادو موتوهارو. وبعد أن ضغط زر الاتصال وانتظر بضع ثوانٍ، أجابه صاحبه على الفور كما لو كان ينتظر اتصاله طوال الوقت.

لم يضيع كاميجو الوقت.

«آسف تسوتشيميكادو، ضيّعتُ أثر أُريانا عند محطة الحافلات! هيميغامي تعرضت لضربة سحرية بالقرب من هنا، لذا لا بد أنها ما تزال في مكان قريب. هل من أي طريقة لنعرف مكانها؟!»

‹ ‹طيب... هذا صعب بعض الشيء نيا~› › قال تسوتشيميكادو بصوت ضعيف. ‹ ‹تعويذة [أربع طرق حق] لا يصل مداها إلا إلى مربع مساحته ثلاثة كيلومترات. ومن موقعي الحالي... لن أتمكن من تشغيلها، وستيل لا يستطيع إعداد التعويذة بمفرده... وإذا كانت أُريانا قد استقلت حافلة، فحتى لو ذهبنا وأحضرنا ستيل الآن... فهي تكون قد خرجت من نطاق تأثيرها بالتأكيد› ›

«فما العمل؟!» صاح كاميجو وهو ينظر حوله. ما زال لا يرى أي دليل.

‹ ‹...إذن أنتَ لا تعرف أي، أهئ، أيَّ خط حافلات من المرجح أن تستقله أُريانا نيا...؟› ›

«كلا» قال وهو ينظر إلى كتيب مهرجان دايهَسيه. «...يبدو أن هذه الحافلة تدور حول الطرف الخارجي للمنطقة السابعة، لكنني لا أعرف في أي محطة تنزل. بحلول الوقت، فلا بد أنها صارت متقدمة عني بنحو أربع محطات. وربما ما تزال داخل الحافلة أيضًا»

‹ ‹المفترض... أن أُريانا تحاول الابتعاد قدر الإمكان... لذا سيكون من المريب جدًا لو كانت ما تزال داخل الحافلة...› ›

«لكن توجد محطة قطار بالقرب من محطة الحافلات الثانية، وهناك محطة تبديل لحافلات خط آخر عند المحطة الرابعة. ربما انتقلت إلى أحدهما، لا؟»

‹ ‹...› ›

ساد الصمت من جانب تسوتشيميكادو موتوهارو.

ومن حول كاميجو جميع أنواعٌ من الناس؛ طلابٌ يتجولون وهم يأكلون المثلجات، متفرجون يسرعون نحو الملعب التالي، وأطفال يلحّون على آبائهم ليشتروا لهم العصير. كان من المفترض أن تعج الأجواء بالأصوات وخطوات الأقدام... لكن كاميجو شعر بصمت شديد لدرجة أن أذنيه أخذتا تطنان.

لقد استنفدوا جميع الخيارات. لم يكن بوسعهم تخمين إلى أين تذهب أُريانا، أو حتى ما إذا كانت قد استقلت حافلة أصلًا، أو في أي محطة تنزل، أو إلى أي خط ستنتقل.

والأهم من ذلك كله أنهم لم يكونوا يعرفون حتى إلى أين وجهتها الأخيرة.

«...مهلا لحظة، تسوتشيميكادو» قال كاميجو وهو يرفع رأسه.

أجاب تسوتشيميكادو على كلماته المتمتمة كما لو أنه يجر جسده الجريح معه. ‹ ‹ما... الأمر كاميان؟› ›

«لماذا كانت أُريانا تتجول في المدينة؟»

‹ ‹هاه؟ أنت تعرف... نحن نطاردها... وهي تهرب...› ›

«لا، قبل ذلك. بدأت هذه المطاردة كلها عندما اصطدمت أنا وفُكيوسي بأُريانا هذا الصباح، تذكر؟ ماذا كانت أُريانا تفعل هناك؟» وبينما كان يتحدث، بدأ يرتب أفكاره. «لقد اكتشفنا أنهم لم يكونوا يحاولون بيع [صليب بطرس] لأي أحد، صحيح؟ إذن يعني أنها لم تكن في طريقها إلى مقابلة بيع وشراء. فما مرادها من التجول في شوارع المدينة؟ أعني، ذلك محفوفٌ بالمخاطر، والآن انتهى بها الأمر متورطة في كل هذه الفوضى»

‹ ‹...أفهم ما تقصد نيا~› › استعادت نبرة تسوتشيميكادو شيئًا من القوة. ‹ ‹على أقل تقدير... لم تكن أُريانا تحمل [صليب بطرس] هذا الصباح. لكنها مع ذلك لا تزال تتحرك... فلا بد أن لديها سببًا يجعلها تتحرك وحدها› ›

«مثل ماذا؟» سأل كاميجو.

أطلق تسوتشيميكادو أنينًا وهو يحاول تحمل الألم.

‹ ‹من يدري نيا... لا أعرف الكثير... لكنهم لم يُفعّلوا [صليب بطرس] بعد. ربما... لهذا علاقة بالأمر. ربما كانت أُريانا تبحث عن شيء... شيء يحتاجونه لتفعيل [صليب بطرس]...› ›

يحتاجون إلى شيء، كما قال. وهذا ما كان الساحران يحاولان التحقيق فيه في البداية، ظنًا منهما أنه سيمنحهما دليلًا على مكان البحث عن أُريانا. لكن تسوتشيميكادو كان قد رصد أُريانا باستخدام نظام أمن مدينة الأكاديمية قبل أن يتوصلا إلى ذلك، لذا تركا هذا الأمر جانبًا وركزا على مطاردتها...

«تبحث عن شيء يحتاجونه...؟ فهل يعني هذا أنهم لا يستطيعون استخدامه إلا في نوع معين من الأماكن؟ وكانت أُريانا تتجول في أنحاء المدينة بحثًا عن مكان كهذا؟»

‹ ‹...غريب ها نيا؟... دخلوا المدينة من دون وجهة، ثم بدأوا يبحثون عما كانوا يريدونه؟... يا عمي، لمَ لا يرد هذا الستيل...؟ لا أستطيع التواصل معه!› ›

تذكر كاميجو أن ستيل كان يتبادل المعلومات مع حلفائه في لندن. ماذا قال حينها؟ «آه، صحيح. قال إنه عرف بعض المعلومات عن القبو الذي يحتفظون فيه بـ[صليب بطرس]»

‹ ‹هاه؟ كاميان، أي شيء... مهما كان صغيرًا سيكفي. هلّا... تشرحه بالتفصيل نيا...؟› ›

«أكيد، لكن لا يبدو أنهم حصلوا على الكثير من المعلومات. أظن أننا عرفنا فقط أن نوافذ القبو كلها مغلقة بإحكام، وأن هناك بابين للدخول إليه»

‹ ‹همم... بابان...؟ مثل غرفة معادلة الضغط في مختبر علمي...؟› ›

«...أءء، لا. ماذا كان؟» فكر للحظة. «آه إي. الغرض كان لمنع دخول الضوء»

‹ ‹الضوء، هاه... إنها [سلاح روحي] قوي جدًا، لذلك ربما لم يريدوا أن يُفعّل بالخطأ نيا...› › صمت تسوتشيميكادو قليلًا. لم يكن كاميجو يسمع سوى أنفاس متقطعة وضحلة، كما لو أنه يجد صعوبة في التقاط الهواء. وكان ذلك الصمت القصير هو الوقت الذي احتاجه للتفكير في الأمر.

كان ذلك الصمت، الذي تقطعه أصوات التنفس المكتومة، يضغط على أعصاب كاميجو أكثر مما ينبغي. شعر بالعرق ينحدر على خده وتكشر وجهه، لكنه اقتدى بتسوتشيميكادو وأخذ يفكر. القبو. شروط الاستخدام الخاصة. غرفة ذات بابين ومن دون نوافذ. محاولة منع الضوء من الدخول... الضوء...

«هيه، هل ستحدث مشكلة لو تعرض [صليب بطرس] أو أيًا كان لأشعة الشمس؟»

‹ ‹...على الأرجح لا نيا... لو كان الأمر كذلك، لما كان للمكان أو الزمان أي أهمية. الشمس... موجودة الآن، ولو كان هذا كافيًا لتفعيل [صليب بطرس]... لكانوا فعّلوه منذ البداية. ولو كان استخدامه بهذه السهولة، لأمكنهم... اقتحام المدينة... وإخراج الصليب قبل أن يُقبض عليهم... وينتهي الأمر. كمثل لعبة ركل العلبة... لكنني أعتقد فعلًا... أن شرط تفعيل أداة الروح هذه... له علاقة بالضوء... لقد مر ما يقرب من ألفي عام، وكانت كنيسة الصليب آنذاك... لم تنقسم بعد إلى الكاثوليكية الرومانية والتطهيرية الإنجليزية أو ما شابه... وكان هناك الكثير من التعاويذ التي تستخدم الضوء. على سبيل المثال، في أماكن التعميد... كانوا يصنعون ثلاث نوافذ وثلاثة مصادر للضوء... لتمثل الثالوث المقدس نيا...› ›

«إذن ما هو الضوء الذي له علاقة بتفعيله؟» سأل كاميجو فورًا عما يدور في ذهنه، لكن تسوتشيميكادو لم يجب. على الأرجح لأنه مثله كان جاهلاً.

‹ ‹اسمع يا كاميان... هل هذه حقًا... كل المعلومات التي لديك؟› ›

«كلها...؟» غرق كاميجو في التفكير، بينما لا يزال الجوّال ملتصقًا بأذنه. كانت مناقشات ستيل حول السحر خارج نطاق معرفته. وفي كثير من الأحيان كان يواصل الكلام دون أن ينتظر حتى يفهمه كاميجو، ولهذا كان كاميجو يجد صعوبة في تذكر الكثير من الأشياء. ومع ذلك، حاول أن ينتزع من ذاكرته القليل من الشذرات التي بقيت فيها.

«!... معي شيء!»

‹ ‹ماذا؟› ›

«قال ستيل إن الشرح وجع رأس، لذلك أرسل لي في البريد تقرير أرسُلا»

‹ ‹...وماذا كُتِب فيها؟› › أصبح صوت تسوتشيميكادو أكثر برودة.

«آسف، كانت بلغة أخرى ولم أستطع قراءة بصراحة. سأرسلها إليك. أتعرف اللغة؟»

‹ ‹إذا لم ترسلـ...ـها، فلن أعرف نيا. ماذا تقصد بلغة أخرى؟ ليست إنجليزية...؟› ›

وبعد أن أخبره تسوتشيميكادو بعنوانه الجديد، أنهى كاميجو المكالمة. ثم فتح صندوق بريده وأرسل إلى تسوتشيميكادو التقرير الذي كان قد تلقاه من ستيل.

وبعد نحو دقيقتين، بدأ جوّاله يرن مرة أخرى.

‹ ‹اسمع يا كاميان... لقد قرأت التقرير. إنه... بالإيطالية... ولا يوجد عليه أي تشفير سحري أيضًا› ›

«...إذن ماذا كان بداخله؟»

‹ ‹في الأساس... كان تقريرًا عن بعض الأمور المكتوبة في دفاتر الملاحظات. يبدو أنهم يقومون بتنظيف كبير... لقبو [صليب بطرس]... مرتين في السنة. والسجل يعود إلى... مدقق من قسم آخر... كان يدخل أثناء عمليات التنظيف نيا› ›

ذكرت الرسالة أن هناك عدة قواعد يجب اتباعها أثناء التنظيف. الأولى هي أن يتم التنظيف في تواريخ محددة. والثانية هي أن يكتمل التنظيف بحلول عصر ذلك اليوم.

‹ ‹أظن أنه... لم يكن يحتوي على الكثير نيا~› ›

«لحظة. هلّا تقرأ تلك الرسالة مرة بعد؟» ظل كاميجو ممسكًا بالجوال عند أذنه لبضع لحظات، ثم قال: «العصر؟ وليس بحلول الليل؟ غريب. لديهم طبقتان من الأبواب لمنع دخول الضوء كله. ومن المؤكد أن الجو يكون مضيئًا في النهار»

‹ ‹قد... لا يكون هذا كل شيء أيضًا› ›

وفقًا لتسوتشيميكادو، فهذا ما ورد بعد ذلك في التقرير. بدا أن الإجراءات المتبعة فعليًا كانت غامضة إلى حد كبير. فقد كتب المدقق أن الحراس الذين ينسون تنظيف القبو نهارًا لا ينظفون ليلًا، بل يعودون إلى منازلهم ويؤجلونه إلى اليوم التالي.

‹ ‹في تقرير هذا المدقق... هناك جزء يتحدث عن أن الحراس... لم تأتهم مواقف جيدة جدًا نيا. يبدو أن كثيرًا منهم... كانوا يقرؤون الأبراج ويمارسون التنجيم... أثناء ساعات العمل. اللعنة، هذا... ليس مفيدًا أيضًا. معظم الكلام... هو مجرد تذمرات من المدقق وفضفضات› ›

شعر كاميجو بشيءٍ في التقرير شَدَّ انتباهه.

«...اسمع، [صليب بطرس] هو كما تعلم أثَرٌ بالغ الأهمية بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية الرومانية، صح؟»

‹ ‹صحيح تمامًا نيا... من المفترض أنه مقدس لدرجة تدفع الناس إلى البكاء... والركوع أمامه...› ›

«إذن لا أظن أنهم سيكلفون أشخاصًا كسالى وعشوائيين بالعناية به»

‹ ‹همم... وأنا أيضًا لا أظن... أنهم سيعاملونه بهذا السوء. حراس [صليب بطرس]... من المفترض أنهم نخبة جرى اختيارهم من مختلف الأقسام... لكن هذا المدقق يقول... إنَّ الذين خرجوا من ذلك المكان... لم يكونوا مميزين بشيء... ما تفسير ذلك؟› ›

«...»

‹ ‹أُرسُلا أكوينَس... لم تستطع فك شفرة [كتاب القانون]... لكن مستوى مهاراتها في تحليل المعلومات... كان يشكل تهديدًا... للكنيسة الكاثوليكية الرومانية بأكملها. أظن أن ستيل رأى أنه ليس مهمًا... لكن إذا كانت أُريانا قد اختارت تقديم هذا في تقريرها... فأشعر أن لا بد من وجود شيء فيه...› ›

«شيء...»، كررها كاميجو بفتور، ثم قرر مراجعة كل ما يعرفه.

لم يكن في القبو أي نوافذ، وكانت هناك طبقتان من الأبواب للدخول والخروج تمنعان الضوء من النفاد. ومع ذلك فإن عملية التنظيف الكبرى التي يكثر فيها الدخول والخروج كانت تُجرى، في عملٍ روتيني، نهارًا فقط وليس ليلا. وإضافةً، كان يُتَوَقّع أنّ أيَّ حارسٍ نسي التنظيف نهارًا سَيُنظّف ليلًا، لكن التقرير ذكر أنهم ولّوا عن الأمر يؤجلونه ببساطة إلى يومٍ آخر في كل ليلة.

أين مربط الفرس هنا؟

«تسوتشيميكادو... ربما هذا الضوء الذي له علاقة بتفعيل [صليب بطرس] يظهر ليلًا وليس نهار؟ أعني، الحراس تجاهلوا [القاعدة الأولى] التي تلزمهم بالتنظيف في تاريخ معين ثم التزموا [بالقاعدة الثانية] التي تمنع التنظيف ليلًا، صح؟»

من بين القاعدتين، أعطوا الأولوية لإحداهما وخالفوا الأخرى. لا بد أن هناك سببًا جعل قاعدة عدم تنظيف [الصليب] ليلًا أهم.

‹ ‹نعم... قد نقول ذلك، ل-لكن...،› › تمتم تسوتشيميكادو متلعثمًا. ‹ ‹أيُّ ضوءٍ هذا الذي يظهر ليلًا...؟ أيمكن أنه... ضوء القمر؟ لو كان... فَلَهُ شَرطٌ مُحَدّد بحيث لا يتفعّل إلا... أثناء اكتمال القمر أو في طور قمري معين... ولكن دورات القمر لا تتطابق مع... تاريخ ميلاد المسيح. لو كانوا دائمًا يُفَعِّلونه... في تاريخٍ مُعَيّن، فلن يتوافق طور القمر... ولن يتمكنوا من تحديد تاريخ واحد يصلح كل عام› ›

كان رأي تسوتشيميكادو أنه لو كان ضوء القمر نفسه بغض النظر عن طوره هو شرط التفعيل، لما احتاجوا إلى تحديد تاريخ صارم لتنظيف القبو. فعلى سبيل المثال، لَمْ يختاروا مواعيد عيد الفصح وعيد الميلاد اعتباطًا. لكنهم اختاروا تاريخًا محددًا [لصليب بطرس]، وهذا يعني أنه لا بد أن يحمل دلالة دينية، ومن المرجح أن تكون مرتبطة بشروط استخدام [الأدة الروحية] والظروف التي قد يخرج فيها عن السيطرة.

«...ضوء يظهر ليلًا...» غرق كاميجو في تفكير عميق والجَوّال ما يزال عند أذنه. ليس وأنّ أُريانا ولِدُفيا لم تستخدما [صليب بطرس] كُرهًا له، بل لأنهما لا تستطيعان. كما فكر، وشيئًا فشيئًا، أخذ يرتب في ذهنه كل المعلومات التي حصل عليها حتى الآن. إنهما تحتاجان إلى نوع من الضوء لتفعيله. ما رآه بنفسه، والمعلومات التي حصل عليها ستيل من المتحف البريطاني، والنظريات التي اقترحها تسوتشيميكادو... راجعها كلها مرة أخرى بالتفصيل. يبدو أن الضوء يظهر ليلًا، لا نهارًا.

نظر إلى جدار أحد المباني. عليه لوحة إعلانات إلكترونية مكونة من عدد كبير من الأضواء الصغيرة. لا، ليس هذا. فلو كان الأمر قبل ألف عام مثلًا، لما كانت المصابيح الكهربائية أو الثنائيات الباعثة للضوء موجودة. أبعد نظره عنها. لا بد أن يكون ضوءًا طبيعيًا. ازداد غوصه في أفكاره وهو يمسك بالجوّال. بالإضافة، فإن هذا الضوء يسطع بطريقة تتغير مع التقويم...

رفع كاميجو توما رأسه فجأة نحو سماء مدينة الأكاديمية.

عندما قرأ تسوتشيميكادو تقرير أُرسُلا، قال هذا؛

إن حراس [صليب بطرس] لم يكونوا مخلصين للعمل.

وكان كثير منهم يقضي وقت العمل في قراءة الأبراج أو ممارسة التنجيم.

لكن...

ماذا لو كان التنجيم ضرورةً مُلِحّةً لهم؟

«مهلا... ربما، الأبراج؟»

‹ ‹ر... ربما تكون نيا...› › توقف تسوتشيميكادو لحظة، وكأنه يومئ برأسه. ‹ ‹إن [الأدوات الروحية]... التي تستمد قوتها من الكوكبات... ليست بغريبة في عالم السحر. فالتنجيم هو أساس لكثير من أنواع السحر، وحتى استحضار الملائكة... يُجرى وفقًا للبرج أو الكوكبة الظاهرة في الفصل الذي نحن فيه› ›

ثم مضى يشرح هكذا. فالأبراج {الكواكب}، على خلاف أطوار القمر التي تتبدل خلال الشهر، تتغير على مدار السنة. فلو كانت كوكبةٌ تظهر في الربيع هي التي تُخرج [صليب بطرس] عن السيطرة، لما كان عليهم إلا أن يجعلوا "أعمال التطهير" في زمن ظهور كوكبات الخريف. وبذلك يسهل عليهم أن يحددوا الأيام التي تكون "آمنة".

‹ ‹وعلى هذا، الحراس... لم يكونوا مقصرين في أداء عملهم... بل كانوا في مطالعة الأبراج يستخرجون معلومات لا غنى عنها لأداء عملهم نيا...› ›

بدا تسوتشيميكادو مقتنعًا، لكن كاميجو لم يفهم شيئًا مما يقوله فسأل؛

«إذن يحتاج [صليب بطرس] إلى قوة الأبراج الفلكية حتى يتفعّل. لكن كيف يفعلها بالضبط؟»

‹ ‹بشكل عام... تُستَعمل تعاويذ تقوم على إحدى الكوكبات الثماني والثمانين... وهي مؤلفة من اثنتي عشرة كوكبةً الواقعة على دائرة البروج، وثمانٍ وعشرين كوكبةً في نصف الكرة الشمالي، وثمانٍ وأربعين كوكبةً في نصف الكرة الجنوبي. لكن عند العمل بها... لا تكون كوكبات البروج نفسها -كالحمل أو العقرب- ذات قوةٍ في ذاتها... فالنجوم التي تُكوِّن الكوكبات تبدو للناظر كأنها مصطفةٌ صفًّا واحدًا... لكنها في الحقيقة متباعدة تباعدًا هائل نيا. حتى إنه لا يمكن عدّها شيئا واحد› ›

«...صدق؟» لم يكن كاميجو يعرف الكثير عن الأبراج أو التنجيم، لكنه ظنّ أن هذا ما كان الناس يؤمنون به فعلًا قبل آلاف السنين. هل كانت لديهم وسائل لقياس المسافات بين النجوم آنذاك؟ وهل كان لديهم أصلًا من يفهم كيفية عمل الكون؟

وبعد أن سأله، قال تسوتشيميكادو؛

‹ ‹وهذا بالضبط ما يستخدمونه يا كاميان› ›

«ماذا؟»

‹ ‹في الأزمنة القديمة، كانوا يعتقدون أن الكون... أو "السماء" كما يسمونها... عبارة عن وعاء ضخم... يغطي الأرض. يشبه... القبة السماوية، أظن نيا؟› › ثم تابع؛ ‹ ‹سحر الأبراج يستخدم مفهوم هذه القبة السماوية... ولا علاقة له بالقوة الحقيقية للنجوم أو بالمسافات بينها. فهم يستخدمون الشكل المعتاد الذي يُسقط على شاشة السماء الليلية... لبناء دائرة سحرية... والرسم نفسه بسيط، لكنه... يمتد على نطاق هائل، مما يجعله قويًا. كما أن الرسم نفسه ليس معقدًا، ولذلك يمكن تطبيقه على تقنيات كثيرة مختلفة... وربما لا توجد دائرة سحرية أخرى... بهذه الدرجة من العملية نيا~› ›

وأوضح تسوتشيميكادو أن الدائرة السحرية التي غطت السماء الليلية والتي استخدمها [قوة الرب] في ذلك المنزل الشاطئي كانت شكلًا أكثر تطورًا من سحر الأبراج هذا، إذْ كانت ترتب وتغيّر السماء الليلية بحيث تصبح ملائمة على وجه التحديد لمن يستخدم التعويذة.

لم يكن كاميجو قادرًا على تقدير مدى انتشار هذا الفن بين السحرة أجمعين. لكن مجرد علمه بأن بينه وبين التعويذة التي استخدمها ذلك الملاك شبهًا، كان كافيًا ليملأ نفسه دهشة.

«إذن أُريانا...»

‹ ‹يغلب على ظني أنّ... آلية تفعيل [صليب بطرس] تجري هكذا. هم يحتاجون إلى جمع نور السماء في الليل، وإنزاله إلى الأرض. ولذلك أقرب أن نُشبّه ذلك الصليب بمنزلة هوائيٍّ مكافئٍ عملاق... يلتقط ضوء النجوم من السماء... ثم يُنشئ به رابطًا لتفعيل التعويذة. وما زالت أُريانا تتجول في أنحاء المدينة... لأنها تبحث الآن عن أنسب مكان... لوضع ذلك الهوائي نيا~› ›

وبحسب ما قاله فإن هذه القواعد لا تنطبق بالطبع على كل التعاويذ التي تستخدم النجوم. فعلى سبيل المثال، [رمح تلاهويزكَلَبَنتِكِهْتِلي]، الذي سبق لكاميجو أن رأى الساحر الأزتكي يستخدمه في آخر يوم من العطلة الصيفية. كانت تعويذته تستخدم ضوء كوكب الزهرة سواء كان في ليلٍ أم نهار. فالشيء المهم الوحيد هو الموقع الفعلي لكوكب الزهرة.

أما إذا كان [صليب بطرس] يعمل وفق القواعد نفسها، فلن تكون أُريانا ولِدُفيا بحاجة إلى انتظار الفرصة المناسبة. فلو كان بإمكانهما استخدام أي ضوء موجود دائمًا، مثل ضوء الشمس، لكان بإمكانهما تفعيله فورًا، ولسقطت مدينة الأكاديمية في أيديهما.

وهذا يعني أن من المرجح جدًا أن [أداة الروح] هذه تستخدم رسمًا يمثل هيئة الأبراج الفلكية.

وكانت أوريانا تجوب المدينة كلَّها تلتمس مكانًا ذا صلةٍ بالسحر يصلح للاستفادة من هيئة الكوكبات. ولكن، لِمَ لا تزال تتمشى في طرقات المدينة؟ لعلَّ المواضع التي زارتها لم تكن صالحة لتفعيل [صليب بطرس]، أو لعلها كانت تطلب موضعًا هو أكمل مما سواه.

‹ ‹...يعني، معك حق؛ لعلهم يريدون استعمال [صليب بطرس]... بقوة الكوكبات... ولكن...› ›

«ولكن ماذا؟»

‹ ‹إنها... فرضية قوية، لكن... فيها بعض التناقضات نيا...› ›

«أي تناقضات؟» سأل كاميجو عابسًا.

وعلى عبوسه رد عليه تسوتشيميكادو؛ ‹ ‹أصغِ يا كاميان... إن [صليب بطرس] هذا... وثيقُ الصلة بوفاة بطرس... وهو كان أحد الحواريين الاثني عشر، وهو الذي أقام أول كنيسةٍ بدائية بعد وفاة ابن الرب. فأولُ فرصةٍ سنحت لهم... ليؤسسوا دولة البابوية الرومانية بقوة ذلك الصليب... لم تكن إلا عند وفاة بطرس... أو بعيدها بقليل› ›

وبحسب ما رواه تسوتشيميكادو، إنّ بطرس أُعدم في أواسط القرن الأول للميلاد. ثم جاء الإمبراطور قسطنطين في أوائل القرن الرابع، فأجاز الديانة المسيحية رسميًّا، وأقام كنيسة القديس بطرس العظمى. ثم إن ملك الفرنجة منحهم أرضًا في القرن الثامن. وكانت بين هذه الوقائع جميعًا أزمنة بعيدة.

ومع ذلك، فإن أصل الحكاية يقول إن اتخاذ الصليب رمزًا لبطرس، وإعلان أن الأرض التي تحيط به ميراثٌ لبطرس، ثم المسير الذي انتهى بقيام دولة البابوية الرومانية، التي غدت فيما بعد قلبَ أكبر ديانةٍ في العالم، يتبعها أكثر من ملياري إنسان؛ إنما بدأ كلُّ ذلك عقب إعدام بطرس.

«طيب، [صليب بطرس] هو نفسه الصليب الذي أقيم على قبره، صح؟ أليس منطقيًا أكثر أن الدولة وكل هذا قد بدأ عقب وفاته مباشرة، لا حين بُنيت تلك الكنيسة أو أيا كانت. فأين المشكلة؟»

‹ ‹إني أوافق على أن... التاريخ... والكوكبات... مهمان في استعمال [صليب بطرس]. ولكن... بطرس تُوفِّي... في التاسع والعشرين من شهر يونيو. وذلك... فصلٌ مختلف عن فصلنا، فالنجوم التي تعلو السماء يومئذٍ ليست هي التي نراها الآن... ولربما سمعت... بكوكبات الصيف وكوكبات الشتاء... أليس كذلك؟ ثم إن اليابان ترى كوكباتٍ غير ما يراها من في الفاتيكان... لاختلاف خطوط العرض والطول. فسماء الفاتيكان في التاسع والعشرين من يونيو... ليست كسماء اليابان في أواخر شهر سبتمبر. إذا عجزنا عن حلِّ هذه المسألة، بطلَت نظريةُ الكوكبات من أساسها نيا...› ›

فهل يعني ذلك أنهم لا يستطيعون استخدام [صليب بطرس] في هذا الفصل؟

عبس كاميجو قليلًا. «فماذا لو تجاهلوا الأبراج في هذا الفصل واستخدموا [صليب بطرس] على أي حال؟»

‹ ‹كاميان... ماذا تتوقع أن يحدث لو أخذت مكينة حلاقة كهربائية... تعمل بالتيار المستمر... ثم أوصلتها بتيار متردد؟› ›

«...»

‹ ‹قد لا... تتعطل تمامًا، لكن... على الأقل ستكون غير طبيعية. وإلا، لما كانوا بحاجة... إلى قضاء كل هذا الوقت... في تحديد شروط استخدامه، نيا~› ›

«...فلماذا يجلبون إلى المدينة [أداة روح] لا يستطيعون استخدامها؟»

‹ ‹لا أعرف نيا... ربما يوجد شيء... يسمح لهم بتجاوز ذلك، لكن... اللعنة. ما عاد لدينا... وقت للتفكير› ›

الوقت.

جعلت هذه الكلمة كاميجو يدرك مرة أخرى أن لديهم مهلة زمنية محدودة.

«إذا افترضنا أن أُريانا ولِدُفيا تنتظران ظهور نجوم سماء الليل حتى تُفَعِّلا [صليب بطرس]، فهذا يعني أن وقتنا سينفد عند غروب الشمس، ها؟»

‹ ‹ربما لا تكون... مباشرة بعد الغروب. فالاعتماد هنا على الأبراج الظاهرة، ولربما تحتاجان إلى رؤية جميع نجوم بوضوح نيا~. أما الآن، الساعة...› ›

لقد طال الحديث حتى قاربت الساعة الرابعة عصرًا. وكنا في أواخر سبتمبر، لذا فمن المرجح أن يكون الغروب قبل السابعة مساءً. كما أن أول نجم سيبدأ ظهوره قبل غروب الشمس، ولذلك حتى الساعة السادسة قد تكون متأخرة جدًا.

وهذا يعني أنَّ عليهم العثور على أُريانا خلال الساعتين أو الثلاث المقبلة. بل إنهم لم يكونوا متأكدين أصلًا من أنها تحمل [صليب بطرس]. وفي تلك الحالة، سيتعين عليهم إجبارها أنْ تخبرهم بمكان لِدُفيا لُورنزتّي ثم يقبضوا عليها أيضًا.

لا وقت.

ولا يدري كاميجو إن كان قادرًا على الإمساك بأُريانا وحده، فكيف بالعثور على لِدُفيا أيضًا؟

‹ ‹لا أظن أن لدينا ما يكفي لتوجيه ضربة حاسمة... لكن علينا أن نتحرك. سأعود على طول المسارات التي سلكتها أُريانا... وأحاول العثور على تشابهات فلكية بين تلك الأماكن... فإذا أحسن الحظ معنا... لعلّي أكتشف أين تكون وجهتها القادمة...› ›

«م-مهلا لحظة! هل يمكنك الحراك وحالك هكذا؟»

‹ ‹وحالي كهذا...؟ هاه... كاميان، أيُّ حال نيا~؟› › قال تسوتشيميكادو متظاهرًا بالهدوء.

تخيَّل كاميجو الأحمق على الطرف الآخر، يقطب وجهه من شدة الألم، وجسده لا يزال مثقلًا بالجراح. وكان يملك -إلى جانب السحر- قدرةً تُدعى [الولادة الذاتية]، لكنها لم تتجاوز المستوى صفر. وصحيحٌ أن وجودها خيرٌ من عدمها، إلا أن كاميجو كان على يقينٍ بأنها ليست من القوة بحيث تمحو جراحه مَحوَ المِمحاة أثرَ القلم عن الدفتر.

حاول أن يقول شيئًا، ثم عدل. فأي شيء سيقوله الآن لن يكون إلا وقاحة.

«...حسنًا. ماذا عليّ في هذه الأثناء؟»

‹ ‹نعم،› › بدأ تسوتشيميكادو يقدم له النصيحة...

...ثم ظهر فجأة صوتٌ آخر من خلف كاميجو.

«...توما، ماذا تفعل هنا بعيدًا عن المباريات؟»

  • الجزء 2

حافلةٌ ذاتية القيادة تقف ساكنة عند المحطة.

ألقت أُريانا تومسُن، شأنها شأن بقية الركاب، نظرة حولها. لم يكن هذا التوقف القصير المعتاد لإنزال بعض الركاب وصعود آخرين. فقد أوقفت الحافلة نفسها اضطراريًا لأن الذكاء الاصطناعي الذي يتحكم بها اكتشف أنها تجاوزت الحد الأقصى للوزن. كانت الحافلة مكتظة بالفعل، ثم صعد إليها المزيد من الركاب. ولا بد أن ذلك هو ما جعلها تتجاوز الحد المسموح.

بدأ صوت امرأة يصدر من مكبرات الصوت. كانت نبرتها خالية من المشاعر؛ وعلى الأرجح كان تسجيلًا صوتيًا معدًا مسبقًا.

‹ ‹نعتذر لكم أشد الاعتذار. لأجل اعتبارات السلامة، توقفت هذه الحافلة اضطراريًا. ونكرر اعتذارنا الشديد...› ›

لم تكن الرسالة توضح ما الذي يجب أن يحدث تحديدًا لحل المشكلة. لكن على أي حال، مشكلة تجاوز الوزن لن تُحل حتى ينزل أحد من الحافلة. إلا إذا كان هناك من يرغب في التخلص من أمتعته.

قررت أُريانا أن تنزل بهدوء هنا؛ فإما أن تنتظر داخل الحافلة حتى تنطلق في نهاية المطاف، أو تبحث عن وسيلة نقل أخرى. نزلت من الحافلة المكيفة إلى الأسفلت الذي تخبزه حرارة الشمس.

ثم بدأت تسير في الشارع. كانت المنطقة تعج بالناس، ربما ملعب كبير كان في الجوار. والأكشاك المصطفة على جانبي الطريق تبيع جميعها منتجات خاصة بالتشجيع، مثل مكبرات الصوت اليدوية والمراوح التي تحمل أسماء المدارس.

وبمجرد أن أصبحت محطة الحافلات بعيدة تمامًا عن الأنظار، فكرت أُريانا؛

نعم، نعم. يبدو أن كانزاكي كاوري لن تأتي في النهاية.

تنهدت بهدوء.

لقد تحققتُ عدة مرات لأرى إن كان أحد يلاحقني، ولم أرَ أحدًا. اللعنة. هذه الصفحة المضادة للقديسين التي ابتكرتها صارت عديمة الفائدة. ما عساها تنفعني كثيرًا ضد السحرة العاديين... والآن ماذا؟ أشعر بإحباط شديد، وبعدم رضا. حسنًا، لا بأس. الحياة طويلة. ربما سأصادف قديسة في مكان ما لاحقًا.

تذكرت الفتاة ذات الشعر الأسود التي دمرت الجزء العلوي من جسدها.

الطالبة التي تحطم صليبها المخفي مع اللحم الذي مُزق من جسدها.

«...»

نظرت أُريانا إلى البطاقات الصغيرة في يدها. عضّت إحداها بأسنانها، وهي تعبس كما لو أن طعمها مر، ثم سحقتها لتفعيل تعويذة اتصال.

كانت التعويذة تسمح لها بالتحدث مع الذي تتخيله في ذهنها.

أرسلت الصورة التي رسمتها في عقلها، ثم نادت؛

«لِدُفيا؟»

‹ ‹أعرف ما يشغلك› ›

كانت قد اتصلت بلِدُفيا لُورنْزِتّي، وصار صوتها الآن يتردد مباشرة داخل عقلها. لكنه لم يكن أسلوبها المعتاد في الكلام حيث لطالما توقفت كثيرًا أثناء حديثها الوقور.

بل كان تصريحًا حاسمًا.

‹ ‹الفتاة التي قابلتها لم تكن سوى مدنية› ›

طغغ!! دعست أُريانا الأرض بقوة.

كان لا إراديًا منها، وكانت تعلم أن الناس من حولها سينظرون إليها باستغراب.

ليس حادثًا، بل حادثان بالخطأ ارتكبت...؟!

بدأت الكلمات الباردة تخترقها بينما تطبق أسنانها بقوة.

‹ ‹أخذنا اسمها وصورتها من تقرير التحقيق بشأن قضية الخيميائي الهارب. اسمها هيميغامي آيسا. وعلى الرغم من امتلاكها قدرة بالغة الأهمية، فهي بالكاد تُعد ساحرة. ذلك الصليب السلتي لم يكن سوى وسيلة لختم قدرتها، مجرد [أداة روح] منحها إياه ساحر آخر. وليس له أي قدرة هجومية على الإطلاق. وقد تلقينا إخطارًا رسميًا من الكنيسة التطهيرية الإنجليزية يطلب منا تجنب أي سوء فهم آخر› ›

كانت المعلومات الخاصة بكانزاكي كاوري على الأرجح خديعة من ذاك الماكر.

وفوق ذلك، فإن الفتاة التي ظنتها عدوة لم تكن لها أي علاقة بالكنيسة التطهيرية الإنجليزية.

«...هذا كريه»

‹ ‹بالفعل. لقد غرزنا أنيابنا في بريئين لا علاقة لهما، وليس في واحد فقط. نَرى أنّ المرة الأولى كانت نتيجة تدخل ساحر معادٍ أثناء إحدى المنافسات الرياضية، أما هذه المرة تقع المسؤولية كاملة على عاتقنا› ›

كان صوتها واضحًا بصورة مؤلمة.

‹ ‹لقد رفعنا أيدينا على حَمَلٍ كان أجدر بنا أن نحميه› ›

كان ذلك صوت راهبة نذرت نفسها لنشر كلمة الرب بين الجاهلين.

‹ ‹ليس أصحاب الأخلاق هم من ينبغي أن نمد لهم أيدينا، بل أولئك الذين يساورهم الشك، وأولئك الذين أخطأوا، وأولئك الذين يطلبون الحق. إنهم الخطاة. تلك كانت كلمات الرب عندما جلس إلى المائدة نفسها مع جابي الضرائب المكروه [مَتّى]. لقد خالفنا تلك الكلمات. أوتعلمين ما يعنيه ذلك؟› ›

«...»

صمتت أُريانا.

لم تعد جمل لِدُفيا تتوقف في منتصفها كما كانت من قبل.

بل لم تعد حتى أسئلة.

لم يكن صوتها يسمح لأحد بمقاطعتها، بل كان يعلن كلمات الكتاب المقدس الثابتة من البداية حتى النهاية.

وقبل كل شيء...

‹ ‹ألّا نرتكب خطأً آخر. ومن أجل الفتاة التي جرحناها، علينا أن نستخدم [صليب بطرس] بأقصى درجات الحذر، وأن نضع مدينة الأكاديمية تحت سيطرتنا› ›

...لم يكن في صوتها أي تردد.

واصلت لِدُفيا لورنزتي الحديث، وهي تحول كل أمر سلبي إلى أمر إيجابي.

كانت نادمة.

وكانت أسية يحسرها الغم والأسف.

بلا شك أن لِدفيا كانت تتألم من الداخل أكثر مما كانت عليه أُريانا.

لكنها أخذت حتى تلك المرارة لتدفع نفسها إلى الأمام.

هي أخبر من عرف معنى المحن.

ومهما بلغ ألمها، فإنها ستستخدم تلك التجربة لتندفع إلى الأمام أكثر مما كانت عليه الأمس.

لم تكن لتتوقف أو تسكن أبدًا.

أبدًا، منذ اللحظة التي وُلدت فيها وإلى الممات.

شعرت أُريانا بقشعريرة تزحف على طول عمودها.

لم يكن الأمر متعلقًا بمن منهما أقوى أو أضعف.

بل كان اختلافًا أكثر جوهرية بينهما.

«هل...»

ولهذا سألت تلك الراهبة التي لا تعرف التردد.

«...هل بأخذ المدينة الأكاديمية...ستُحَلّ كلُّ المشاكل؟»

  • الجزء 3

«...توما، ماذا تفعل في مكان كهذا؟»

انتفض كاميجو. استدار بسرعة ليرى إندِكس تقف هناك بزي المشجعة. وفي يديها كرات التشجيع الآن. أما القط الكاليكو الذي كان ملفوفًا داخل كرات التشجيع فلم يكن يبدو معجبًا بملمس الفينيل الكثيف، وبصراحة كان يكافح لحياته.

رأسها مالَ إلى الجانب. لكن حاجبيها كانا منحنين إلى الداخل بتعبير غاضب.

اللعنة...! الآن تقيم مدرستنا فعاليتها التالية هنا؟!

كان العديد من السحرة يقفون في الخارج عند حدود مدينة الأكاديمية. وكانوا جميعًا من دول ومنظمات مختلفة. وهم يلقون باستمرار تعاويذ لاكتشاف تدفقات المانا على مسافة كيلومتر واحد على الأقل خارج المدينة. وبمجرد أن تكشف تعاويذهم المانا، سيستخدمون ذلك ذريعة لدخول المدينة.

وليسوا جميعًا سيحاولون حل مشكلة أُريانا ولِدُفيا أولًا وقبل كل شيء. فأولئك المعادون لمدينة الأكاديمية قد يستغلون الفرصة للقيام بكل أنواع الأنشطة التخريبية.

«توما، لماذا لست مع "صفك"؟ الجميع كان يبحث عنك. وكلهم الآن يسيرون معًا نحو "الملعب" التالي» بدت إندكس غير مرتاحة عند نطق بعض الكلمات. «أظن أنك كنت تشارك في الفعاليات هذا الصباح، لكنك هذا العصر لم تشارك في أي منها. لماذا؟»

كانت نبرة إندكس تحمل نوعًا من اللوم، لكنها لم تكن تحمل أيًا من إشراقها أو حدتها المعتادة. وكان وجهها الملائكي الصغير يكشف عن لمحة من القلق: هل من مصيبة تحدث الآن؟ ربما كانت خبرتها هي التي جعلتها تشعر بذلك، بعد أن اعتادت على رؤية كاميجو وهو يلقي بنفسه في كل حادثة بمفرده.

ابتعدت أُريانا كثيرًا. أنا متأكد أنها لم تنزل من الحافلة هنا بالقرب.

بدأ يشعل الفرن داخل عقله. كان قد طارد المرأة، لكنه الآن يريدها أن تكون بعيدة عنه قدر الإمكان. شعر أن الوضع بأكمله سخيف للغاية.

«...»

كان تسوتشيميكادو صامتًا على الطرف الآخر من الجَوّال الذي يمسكه بأذنه، منتظرًا ليرى كيف سيتطور الموقف.

نظر كاميجو بعيدًا وقريبًا على الطريق، وتأكد من عدم وجود أي حافلات ذاتية القيادة حوله.

«يا ربي، توما! آيسا وكوموي ذهبتا إلى مكان ما أيضًا. ظننت أنك كنت معهما»

انتفض جسده مرة أخرى، ثم تصلب.

صحيح. كان ستيل وأستاذة كوموي يستخدمان السحر لعلاج هيميغامي!

تجمدت حركاته.

ألم يكن ذلك على بعد كيلومتر واحد فقط من هنا؟

«آه، صحيح. لم تكن لجنة الإدارة تملك عددًا كافيًا من الناس، لذلك كنت أساعدهم. هذا غريب. ظننت أنني أرسلت رسالة نصية إلى زملائي في صفي»

«رسالة نصية؟»

«همم... ربما كنتُ خارج نطاق التغطية. ألم تصل الإشارة إلى المركز؟ كما تعلمين، لم أتحقق من عدد الهوائيات الموجودة حولي... لكن أعني، من المفترض أن تحتوي منطقة تسوق عادية على الأقل على محطة تقوية. أتساءل ماذا حدث؟ ربما الجميع يستخدمون الجوّالات في الوقت نفسه بسبب مهرجان دايهَسي، وصارت الخطوط مزدحمة. أظن أنني رأيت ذلك في الأخبار. لكن ألم يقولوا إنهم سيرفعون قدرة معالجة المحطة المركزية حتى يتغلبوا على المشكلة...؟»

«؟؟؟»

أمالت المشجعة إندكس رأسها إلى الجانب مرة أخرى.

كان يحاول إرباكها بالحديث عن الجوّالات المحمولة وأشياء أخرى شائعة في عالم العلوم، وهو المجال الذي كانت سيئة في التعامل معه. وبدا أن الأمر نجح.

هز كاميجو الجَوّال عند أذنه قليلًا.

«أنا حاليا في مكالمة يا إندكس. سأعود فورًا، لذا عودي إلى الآخرين. آه، تسمعني؟ هل تغير عندك أي شيء؟»

‹ ‹حسنًا... لا، ليس بالمهم. لا تغييرات هنا حتى الآن. اطمئن...› ›

ذلك مصدر ارتياح.

هذا يعني أن المكان الذي كان ستيل يعالج فيه هيميغامي خارج نطاق تعاويذ البحث المتمركزة حول إندكس.

راقبت إندكس كاميجو وعبست قليلًا، لكنها تركت الأمر.

«توما، توما. قالوا إن الفعالية التالية هي التمارين الجماعية. هل ستأتي؟»

«...»

توقف كاميجو للحظة.

ثم قطع وعدًا لم يكن قادرًا أبدًا على الوفاء به.

«سآتي. سأنهي موضوعهم هذا بأسرع ما يمكن ثم سآتي. انتظريني، طيب إندكس؟»

«طيب!» أومأت إندكس بسرعة. ثم أعادت القط إلى ذراعيها المغطاتين بكرات التشجيع. «أنتظرك. لذا عجل بالمجيء. لقد حفظت كل حركات الرقص التي علمتني إياها كوموي. ستتفاجأ كثيرًا عندما تراها!» قالت بابتسامة، ثم أدارت ظهرها له.

اتجهت نحو الملعب التالي على الأرجح. ذهبت مباشرة إلى هناك، دون أن تتوقف في أي مكان، حتى إنها لم تنظر إلى أكشاك الطعام التي مرت بجانبها.

صدقت كل شيء.

لم يتحرك كاميجو توما حتى اختفت عن نظره تمامًا.

وبمجرد أن اختفت وسط الحشود، قام أخيرًا بحركة: نظر إلى الأسفل، وأخفض رأسه بعمق.

ومن خلال الجوال، قال له تسوتشيميكادو.

‹ ‹...أعتذر يا كاميان› ›

لو لم تأتِ أُريانا ولِدُفيا إلى المدينة، لكان الآن يستمتع بمهرجان دايهَسي مع بقية زملائه في الصف.

ولو لم يطلب تسوتشيميكادو وستيل مساعدته، لكان يتجول في المدينة مع إندكس وهيميغامي دون أي هم.

كان مجرد مدني.

لم تكن مهمته أن يقاتل كل ساحر يدخل إلى المدينة.

ترك كاميجو أفكاره تستقر على ذلك للحظة فقط.

«لا تعتذر» قالها ببرود. «قالوا إن الجهل نعمة، لكن ربما ذلك أصعب علي. لا أريد أن أفكر في أنكم تسفكون الدماء في كل مكان بينما أنا وإندكس نبتسم بسعادة»

من المؤكد أن تسوتشيميكادو كان يريد الاستمتاع بمهرجان دايهَسي أيضًا.

حتى ستيل ربما جاء إلى مدينة الأكاديمية لسبب آخر غير محاربة السحرة.

لم يجلبوا له سوء الحظ.

وحتى لو كانوا قد جلبوه، فلم يكن هناك ما يجبره على الهروب منه.

«لكن في الوقت نفسه، كأنني... لا أريد فعل ذلك، ولذلك سيحتاج الأمر إلى جرأة كبيرة لألقي كل شيء على إندكس، ها؟ ربما أبدو غبيًا. ها أنا هنا، أشعر بالسعادة، وأفكر بهدوء أنني لا أريد إشراكها في هذا»

‹ ‹...› ›

لم يعد لدى تسوتشيميكادو موتوهارو أي شيء ليقوله.

محترفون، هواة، سحرة، مدنيون.

أظهر الرجل المسمى تسوتشيميكادو موتوهارو اهتمامه بصمتٍ غير منطوق.

ولذلك، تحدث كاميجو توما وحده، آخذًا لنفسه حق الوصول إلى استنتاجه.

«لننهِ هذا بسرعة. ثم لنعد إلى إندكس. أريد أن نتصرف كالأغبياء، ونأكل حتى نشبع كالأغبياء، ونلتقط الصور كالأغبياء، ونكون سعداء بكل ذكرى غبية نصنعها»

  • الجزء 4

الرابعة والنصف عصرًا.

كاميجو توما يبحث في دائرة حول محطة الحافلات التي ظن أنه فقد فيها أثر أُريانا.

وطبعًا احتمالية أن تكون قد هربت بالحافلة تبلغ عشرة إلى واحد، أو أكثر. ومع ذلك ممكنٌ أنها تعمدت عدم الصعود إليها، تحاول استخدام توقعاتهم ضدهم. لا يقدر على الإمساك بها بالطرق العادية، وبسبب افتقاره للمهارة، كان من المستحيل عليه أن يكتشف شروط تفعيل [صليب بطرس]. لذا وفي الوقت الحالي، لم يكن أمامه سوى استبعاد الاحتمالات غير المعتادة كهذا الاحتمال.

أما تسوتشيميكادو، الشخص الأكثر ترجيحًا للنجاح، حاليًا يحاول استنتاج نقطة استخدام [صليب بطرس] من الأماكن التي ظهرت فيها أُريانا سابقًا. وكان لا بد من ترك هذا الأمر بالكامل لمعرفة السحرة، لذلك لم يكن أمام كاميجو سوى انتظار تقريره.

وبينما يركض، شعر بهواء الرابعة والنصف يتسلل إليه. كانت المدينة تنتقل من فترة الظهيرة إلى المساء، وعلى الرغم من حرارة الشمس المعتادة، شعر وكأن أشعة الشمس التي تخترق جلده أصبحت حوافها أقل حدة قليلًا.

وكالعادة، رأى أناسًا يشترون الهدايا التذكارية ويتجهون إلى ملاعب اللعب في كل أنحاء الشوارع بينما هو يركض خلالها. وأحيانًا الشُقر وسط الحشود.

...؟! لا، ليست أُريانا...

كان الطلاب ذوو الشعر المصبوغ بالأشقر والمتفرجون القادمون من الخارج منتشرين في كل مكان، ما عاد أصحاب الشعر الأشقر نادرين.

انحرف كاميجو نحو طرف الرصيف وتوقف حتى لا يعيق حركة المشاة.

لا يبدو أن أُريانا مختبئة في مكانٍ تنتظِرُ رحيلي... إلا إن كانت مختبئة داخل مبنى.

رفع نظره قليلًا عن الرصيف. المباني الخرسانية ذات الارتفاعات غير المتساوية تصطف على جانب الطريق، ونوافذها تعكس ضوء الشمس القاسي.

يبدو البحث داخل كل واحدة منها يوجع الرأس... إف، أفضل من لا شيء. هيَّا بدأنا!

صفع خديه بيديه واتجه نحو أقرب مبنى، وهو متجر إلكترونيات كبير.

وفي الطريق، سمع صوت طفلة.

‹ ‹اصبر! تقول ميساكا وميساكا تطاردك كذا وكذا. يلّا، ميساكا ما كانت إلا تتفرج على الهدايا التذكارية، أرجوك لا تتركني، تقول ميساكا وميساكا تجادل خائفة، أنت حتى لا تهتم يا بليد!› ›

استدار كاميجو عفويًا، لكنه لم يستطع رؤية صاحبة ذلك الصوت وسط الحشود. بدا الصوت وكأنه لطفلة صغيرة، عالقة وسط تيار الناس.

ها؟ ميساكا...؟

لا، عليه مهمة ليُنجزها.

من بيننا جميعًا، تسوتشيميكادو هو الأكثر ترجيحًا للفوز في النهاية. من الأفضل أن يشد عزمه هو أيضًا.

مر عبر الأبواب المؤتمتة وألقى نظرة حول أرضية المتجر المفتوحة والمضيئة اللمعانة. حافظت أجهزة التكييف على درجة حرارة مريحة في المكان، ورأى ما يكفي من الضوء لِيُبانَ كل شيء. هذا مثله من الأماكن التي تجعل إحساسك بالوقت يضيع.

بدأ يتجول ببطء في المتجر، يبحث عن أي امرأة تشبه أُريانا، وبين الحين والآخر يلقي نظرة من النوافذ الكبيرة إلى الخارج.

بدأ وهج سماء الرابعة والنصف الحاد يتلاشى. لم تقترب من الحُمران بعد، لكن الألوان الدافئة للسماء بدأت تظهر على استحياء. ولن تنقضي ساعةٌ أخرى حتى يصير الغروب.

ثم سيظهر أول نجم في المساء.

وتظهر الأبراج الأكثر سطوعًا قبل أن يسقط ستار الليل بالكامل.

«...لو صحّت فرضيتنا، فلم يتبقَّ لنا سوى أقل من ساعتين أو قليل»

قالها لنفسه، عندها رنّ الجَوّال.

لم تكن الشاشة تعرض اسم تسوتشيميكادو.

كانت مكالمة طارئة.

أجاب وسمع صوت ستيل ماغنوس... ‹ ‹أخذت رقمك من تسوتشيميكادو. لكن أحلم إن حَفِظتُه عندي يومَيْن› › ا شك أنه كان يدخن، لأن كاميجو كان يسمع أحيانًا زفيرًا طويلًا. ‹ ‹انتهينا من علاج الطالبة. أين أنت الآن؟› ›

توقف كاميجو عن التنفس للحظة.

ثم صرخ في الجوّال بقلق:

«؟! هيميغامي! كيف حالها؟!»

‹ ‹...سأكون ممتنًا لو لم تتوقع مني الكمال. كانت تلك أول مرة أستخدم فيها تعويذة الشفاء تلك. تلك تعويذة أجنبية غريبة تمامًا لي. لم يكن من المفترض أن تسير الأمور بهذه السهولة أصلًا. وبصراحة، لا أريد استخدام تعويذة كهذه مرة أخرى أبدًا. كل ما كان لدي هو بضع قطع عشوائية من المعلومات من شخصٍ هاوٍ. هل تعرف مدى صعوبة معرفة أي أجزاء من كل تلك الأشياء الغامضة التي أخبرتني بها كانت مرتبطة بالسحر؟ لا أدري حتى كيف رَكّبتُ تعويذة الشفاء تلك أصلًا. وكأنني كنتُ أسير على حبلٍ مشدود بعصاتين. كنت أتصبب عرقًا وأنا أفكر أنها قد تنفجر في وجهي وتقتلني في أي لحظة. حتى الآن لا أشعر أنني حي› ›

أجاب ستيل بصوت مرير.

كان عادةً عبارة عن كتلة ضخمة من الثقة بالنفس، لذلك لا بد أن العمل كان خطيرًا حقًا.

شعر كاميجو وكأن سندانًا سقط للتو في معدته.

‹ ‹على أي حال، أصلحت الأوعية الدموية الممزقة، وأضفت المزيد من الدم، ثم أضعفت إحساسها بالألم. أظن أن ذلك يكفي لإخراجها من حالة الصدمة. الآن الأمر متروك للأطباء... لكن رجال الإسعاف كانوا واثقين جدًا. يبدو أن هناك طبيبًا غامضًا ومتفاخرًا في مستشفى قريب يتحمس كلما وجد حالةً مريعةً تأتيه› ›

في نبرته غير ارتياح.

كما لو أن مدنيًا رأى شريرًا ينقذ قطة عالقة فوق شجرة على جانب الطريق.

«أنت...»

‹ ‹ماذا؟ كفّ عن التمتمة. أقول لك من جديد. لا أنوي أبدًا قطعًا بتّاً مطلقًا أن أصير صاحبك المقرب دون التزام أو مبررات-غقخااااعع؟!› ›

صدر صوت ارتطام رهيب من الجوّال.

ثم جاء صوتٌ آخر.

‹ ‹آآخ! لم أشكرك بعد! وااااه!! لولاك، هيمي... كانت ست...!!› ›

‹ ‹ا-انقلعي! لا تتشبثي! ليس وأنت ترشين دموعك على كل ملابسي! قلتُ لكِ، لا أعِدُك أنهم سيتمكنون من إنقاذها. ما لم يستعيدوا قدرتها على التحمل، فسوف تنهار مجددًا... تسمعين أصلا؟!› ›

بالنسبة لكاميجو المستمع، كان الأمر مخيفًا قليلًا.

من يدري متى سيحرق ذلك الساحر المعلمة كوموي إلى رماد لأنها (أظن) كانت تتشبث به؟

لكن بشكل مفاجئ، لم يبدو أن ستيل يلجأ إلى القوة.

لعله شاب يخفض حذره أمام أي فتاة صغيرة؟

لن يمكنه إعطاء كاميجو تفاصيل عن معارك السحر أمام كوموي، لذلك قال كاميجو؛

«طيّب، نتحدث لاحقًا»

لكن قبل أن يغلق الخط، ومن بين أصوات العراك، سمع ستيل يقول:

‹ ‹اتصل بتسوتشيميكادو. أظن أنه وجد شيئًا. سأذهب إليه بأسرع ما يمكنني بعد أن أزيل هذه عني› ›

  • الجزء 5

تسوتشيميكادو موجود في أحد شوارع الحي 7.

كان في المكان الذي التقى فيه كاميجو وفُكيوسي بأُريانا أوّل مرة.

بالقرب منه طريقٌ رئيسي عادي تمامًا، تصطف على جانبيه المتاجر الكبرى، بينما كانت شفرات عَنَفَات الرياح تدور وتدور، وروبوتات الأمن على شكل براميل تتحرك صعودًا وهبوطًا على الأرصفة. كان الطلاب بملابس الرياضة يمرون بجانب بعضهم كالمعتاد، بينما زوار المدينة يتوقفون كلما رأوا أحد تلك الروبوتات. كان الشارع كمثله من الشوارع الأخرى في أي مكان، وهذا بالضبط ما سهَّل الضياع فيه.

كان قد غيّر ملابسه الرياضية الممزقة إلى ملابس جديدة، ولم تعد الضمادات التي يرتديها ظاهرة من الخارج. ومع ذلك، ظل وجهه شاحبًا من فقدان الدم. لم يستطع إخفاء ذلك. وفي بعض الأحيان كان يتعثر رغم ركود رياح، وبدا تنفسه ضحلًا وغير طبيعي نوعا ما. كل ما كانت قدرته [الولادة الذاتية] ذو المستوى صفر قادرة على فعله هو وصل الأوعية الدموية الممزقة ببعضها. ومع ذلك، فلولاها لكان قد انتهى منذ وقت طويل.

ورغم حالته، استمر في الوقوف هناك على الطريق تحت أشعة الشمس الساطعة. وكان السبب بسيطًا. عليه مهمةٌ يجب أن ينجزها.

الآن بعدما تعبت وزرت هذه الأماكن بنفسي، بدأت أفهم بعض الأمور-نيا. لقد خاطرَت أُريانا كثيرًا بتجوّلها في المدينة. أهذا هو السبب؟

فكر وهو ينظر إلى السماء الزرقاء المليئة بالمناطيد وبالونات الإعلانات.

كان ساحرًا بارعًا في أكثر التقنيات الشرقية انتشارًا: أونميوودو، وهو علم السحر والتنجيم التقليدي في اليابان.

وعلى أنه يحملُ اسمًا واحدًا، إلا أنه يحتوي على العديد من التقنيات الملزم تعلمها وإتقانها. علم الأرض، والتنبؤ، والخيمياء الصينية، واللعنات، وفن العبادة، وصناعة التقويم، واستخدام الساعات المائية... كان مكوّنًا من عدد لا يحصى من الأهداف والاتجاهات، بدءًا من معرفة الوقت وحتى التنبؤ بمصائر أُمَمٍ بأكملها. إنّ القيمة الحقيقية للأونميوودو تكمن في قدرته على التحكم بكل شيء.

كان تسوتشيميكادو متخصصًا شخصيًا في علم الأرض الصيني، المعروف أيضًا باسم فنغ شوي، لكنه تعلم أكثر من ذلك.

أمكنه المعرفة بمجرد النظر إلى الأعلى.

كانت أغصان وأوراق الأشجار ذات اللون الأخضر الداكن على جانب الطريق تخفي جزءًا من السماء، لكنها لم تكن كثيفة بما يكفي لتعيق.

وبالنظر إلى تاريخ اليوم وإحداثيات موقعه الحالي، أمكنه معرفة أي النجوم تظهر وأين توجد وإن كانت السماء نهار. لم يكن بحاجة إلى استخدام أي كرات فلكية أو أبراج، فقد كان قادرًا على تصور كل شيء بدقة فوق السماء بفضل المعرفة التي عمل بجد لاكتسابها.

حتى ولو، لو كنا نتحدث عن إندكس، لكانت قد توصلت إلى الإجابة الصحيحة بمجرد سماع ما نقوله. ولن تحتاج حتى إلى النظر إلى السماء-نيا...

جاءته هذه الأفكار عابرة، فابتسم بسخرية في داخله.

مع إندكس، فإن مجرد التفكير في أنه "قد" ينافسها بالمعرفة الخالصة كان خطأً بحد ذاته.

لكن أيًّا يَكُن، أعاد تركيزه وتوصل إلى نتيجة.

فهمت... نيا... يبدو أننا أصبنا... فإنها إذن تستخدم الأبراج الفلكية. يبدو أن أبراج الخريف هي الأساس-نيا... أيًّا كانت زاوية الرؤية... إنّ الأبراج كلها مصطفة بالطريقة السحرية نفسها... لا بد أنها تفعل ذلك عمدًا لقراءتها... آغغ.

ثم لخص أفكاره، وهو عابسٌ ويمسك جانبه.

ذلك ما انتهى إليه بعدما تتبّع الطريق الذي سلكته أوريانا. ما من مكانٍ وقف فيه يرصد النجوم إلا بدت له الصورة نفسها. لأول وهلة، كان منطقًا واضحا، لكن إذا اتصل الأمر بالسحر فالحكاية تختلف.

فالكوكبات في حقيقتها ليست إلا صورًا متوهَّمة رسمها الناس بما يرونه من على ظهر الأرض. وأمّا ظهورها مبسوطةً على هيئة قبّة عظيمة، فليس إلا خداعًا أحدثته المسافات الشاسعة. ولنعطكم مثالًا متطرف، لو أنّ شخصًا نظر إلى كوكبة من جانبها بدلًا من أن ينظر إليها من أمامها، لرأى مشهدًا مختلفا تماما.

بل إنّ الأمر، على التحقيق، أدقّ من ذلك؛ فإنّ انتقال الرائي خطوةً واحدةً عن موضعه يكفي لأن يبدّل هيئة الكوكبة تبديلًا يسير لا تكاد تدركه العين. وكثيرًا ما أخطأ الهواة من السحرة في قراءة السماء، فانقلبت تعاويذهم عليهم وبالًا. ولذلك حرص أهل اليونان ومصر ممّن كانوا يستمدّون القوّة من النجوم على إقامة مراصد أشدّ إحكامًا وأدقّ ضبطًا، حتى شرعوا في بناء الهياكل العظيمة لهذا الغرض بعينه.

ولم يكن استمداد القوّة من النجوم أمرًا نادرًا ولا مستغربًا؛ فهي موردٌ مشاع لكلّ من شاء أن ينتفع به. لكنّ التعاويذ القائمة على الكوكبات تقتضي إعدادًا طويلًا قبل أن يبلغ الساحر ذلك المورد. وذكر تسوتشيميكادو منذ قليل أنّ الكوكبات تصلح أساسًا لأنواع شتّى من التعاويذ، إلا أنّ من أراد تطبيق ذلك لزمه في الجملة أن يُنشئ [مرصدًا مستقلًا] لكل تعويذة يريد استعمالها. ولهذا كانت اليونان القديمة، في عهد تعدّد الآلهة، تفصل بين شعائرها، فتقيم هيكلًا للمريخ في موضع، وهيكلًا لإلهٍ حارس في موضع آخر. بل إنّ المرصد الواحد يتبدّل معناه السحري بأدنى تغيير في موضعه.

لكن رغم ذلك...

قد ظهر "المعنى" نفسه بعينه في المراصد الثلاثة أو الأربعة التي قصدها تسوتشيميكادو لتوّه.

وهذا لا يمكن أن يكون مجرد مصادفة. هذا يحسم. أُريانا ولِدُفيا تحاولان تفعيل صليب بطرس بدمج كوكبات الخريف...

رفع نظره إلى الامتداد الأزرق فوقه.

وخلف نظارته الشمسية، ضاقت عيناه ببطء.

...لكن بهذا، ما قصة هذا التناقض-نيا؟

  • الجزء 6

‹ ‹ألو، فُكيوسي-تشان؟ صار حالكِ أفضل الآن؟› ›

بعدما ردّت على مكالمة هاتفية، سمعت على الفور صوت تسوكويومي كومويه العذب يتردد إليها.

حاليًا كانت في فناء المستشفى الداخلي. طاقتها بدأت ترجع تدريجيًا خلال الوقت الذي أمضته مستلقية في السرير وتجوالها في المبنى. وفي النهاية، توسع نطاق حركتها بما يكفي لتصل إلى هنا.

المكان يشبه منطقة استراحة ذات سقف، حيث وُضعت عدة طاولات ومقاعد. ورأت أيضًا خمسة أو ستة مرضى آخرين يستخدمون جَوّالاتهم مثلها. ورأت لوحة معدنية معلقة على أحد أعمدة دعم الغرفة كُتِب عليها؛ [منطقة استخدام الهواتف العمومية والجَوّالات. يُمنع المرضى الذين يستخدمون أجهزة طبية حساسة حاليًا]. كأنها منطقة خاصة مثل منطقة التدخين أو من هذا القبيل.

بالنسبة للذين كانوا دائمًا يستخدمون الجَوّالات في أوقات الفراغ، كان منع المستشفى لاستخدامها أمرًا يبعث لهم التوتر. هذه المنطقة سمحت لهم بذلك طالما استوفوا الشروط.

أمسكت فُكيوسي الجوّال إلى أذنها. «بخير بخير. هل حدثت أي مشاكل في مهرجان دايهَسي؟ أوفعل أولئك الحمقى شيئًا مجنونا لا ينبغي فعله؟!»

‹ ‹نعم! مصيبة، مصيبة! هيمي-تشان وقعت في مصيبة!› ›

«...أذلك الأحمق رآها تبدّل ثيابها من جديد؟!»

‹ ‹لا، ليس هذا! امرأة غريبة هاجمت هيمي-تشان، وأحضروها إلى المستشفى! صادفنا كاميجو-تشان وصديقه هناك، وأنقذوها على أعجوبة، لكن لو كنت أنا وحدي... لكان... لكانت...› ›

انخفض صوت المعلمة كومويه بحزن.

لكن فُكيوسي لم تستطع الشعور بيأس حقيقي فيه. ربما كانت مرتاحة لأن أسوأ احتمال لم يحدث، على الأقل.

لفتت عدة أشياء انتباهها.

هوجمت...؟ من هاجمها؟ ولماذا؟

كانت تلك الأسئلة هي أول ما خطر في ذهنها.

ربما لم يكن انتقال هيميغامي آيسا إلى مدرستهم بلا سبب. ففي كل عام، الناس يتحدثون عن أولئك الذين يكنّون الكراهية لمدينة الأكاديمية ويستغلون مهرجان دايهَسي للتسلل إليها وإحداث المشاكل.

لكن لو كان الأمر هكذا...

ما الذي تفعله الأنتي-سْكِل والجَدجمنت؟

الجَدجمنت معذورين؛ فكُلّ أفراده مشاركين في الفعاليات.

أما الأنتي-سكيل ما عذرهم؟

كان ينبغي أن يكونوا مستعدين لأي شيء.

ففي النهاية، ما كان ظهور مهرجان دايهَسي مفتوحًا وحرًّا للعامة سوى هذا — مجرد مظهر.

يتكاسلون؟

أم أن هناك شخصًا تفوق عليهم داخل المدينة؟

والأهم...

«لولا كاميجو وصديقه؟ ماذا تقصدين؟»

‹ ‹صحيح! كانت جروح هيمي-تشان خطيرة، ولم أستطع فعل أي شيء بمفردي! لكن كاميجو-تشان وصديقه أحسنا العمل! آه، أتساءل ماذا حدث لذلك الكاهن مع كاميجو-تشان؟ لقد هرب مني قبل أن أشكره... وَه! هذاك! انعطف عند الزاوية!!› ›

تَكَ! تَكَ! تَكَ! تَكَ!

سمعت خطوات أقدام عالية ترن من الطرف الآخر.

«...»

أهكذا شعَرَتْ عندما سقطتْ فُكيوسي أول اليوم، ها؟ عندما انهارت من ضربة الشمس، من كان الذي تصرف فورًا وحملها؟ ذلك الفتى الذي تسلل إلى فعالية المدرسة الأخرى. عند التفكير بهدوء، افعاله كانت غريبة واضحة.

في وضعي، كانت ضربة شمس، وفي وضع هيميغامي، هاجمها غريب. لا أرى علاقة بين الأمرين...؟ لكن كاميجو توما كان متورطًا في كلتا الحالتين...

ما يعني هذا؟

عبست فُكيوسي.

ما الذي يحدث بالضبط في هذه المدينة؟

  • الجزء 7

سمع كاميجو القصة من تسوتشيميكادو بعد أن عاد إليه. كانت قدرته [الولادة الذاتية] قد فادته ولو شيئًا بسيطًا على الأقل، لأن صوته بدأ يستعيد قوته. ومع ذلك كان وجهه شاحبًا يتصبب عرقًا باردًا. في أي موقف آخر، على الأرجح كان ليذهب إلى المستشفى.

أخبره تسوتشيميكادو شيئين.

الأول: أُريانا ولِدُفيا تحاولان تفعيل [صليب بطرس] باستخدام أبراج الخريف الفلكية.

الثاني: كل نقطة من نقاط [المرصد] قد أُعِدَّت خصيصًا لتلك الأبراج.

لكن بدا أن تسوتشيميكادو كان متشككًا في نتائجه. «إنّ أُريانا بلا شك تتنقل وفقًا للأبراج الفلكية، لذلك كانت فكرتنا بأن الأبراج هي المفتاح لتفعيل [صليب بطرس] صحيحة... لكنني لا أضمن أنهما تستطيعان. من الناحية التاريخية، كان استخدام [صليب بطرس] يتم عندما تكون أبراج الصيف هي الرئيسية في السماء. نحن الآن في سبتمبر، فمهما فكرت في الأمر، أبراج الخريف هي الموجودة فوقنا. لا أرى أنهما تستطيعان استخدامه... هناك شيء غفلنا عنه. متأكد من هذا. في الأمر خدعةٌ لم نكتشفها بعد»

كان وجه تسوتشيميكادو شاحبًا، وبشرته رطبة وباردة. ملابسه الرياضية التي غير إليها جديدة تمامًا، لكن أظافره كان عليها قليل من الدم الجاف. بدت مؤلمة، لكن كاميجو لم يُرد مزعجًا يضغط عليه.

«لكن أُريانا ما زالت تخاطر بأن يجدها أحد ويتبعها. لهذا كانت تبحث عن كل تلك النقاط التي لها علاقة كبيرة بالأبراج، صح؟ وأنت تعرف أماكن النقاط التي لم تذهب إليها بعد؟»

«نعم... لكن هذه الخدعة التي لم تُحل تزعجني نيا~. اعتمادًا على ماهيتها، قد يتمكنان من استخدام [مرصد] آخر غير [المراصد] التي وجدتها نيا~. سأكون صريحًا هنا — إنها مسألة وقتٍ فقط. يمكننا أن نهاجم أيَّ مرصدٍ نُخَمّنه، لكن ماذا لو لم نجد أحدًا هناك وكانا على وشك تفعيل التعويذة في الطرف الآخر من المدينة؟ عندها سنكون قد وقعنا في مصيبة أعظم نيا~»

أنهى تسوتشيميكادو كلامه وهو يمسح العرق البارد عن فكه.

تفقد كاميجو الوقت.

الخامسة مساءً.

أصاب — إذا كان عليهما الانتقال من طرف المدينة إلى الطرف الآخر، فلن تضمن لهما قطارات أو حافلات الوصول في الوقت المناسب. ولم يكونا يعرفان مقدار الوقت المتبقي بالضبط أيضًا، ذلك صعّب الأمر أكثر. في أسوأ الاحتمالات، قد ينتهي كل شيء بعد ساعةٍ من الآن.

ظل نظره مثبتًا على ساعة الجوّال بينما تحدث.

«لكن لم يعد لدينا وقت للتفكير في الأمر أكثر. الوقت ينفد! لا أريد أن ينتهي بنا الأمر عاجزين عن الوصول!!»

تسوتشيميكادو يعرف مقدار الوقت المتبقي تمامًا كما كاميجو.

«أعرف نيا... اللعنة، ماذا يفعل ستيل في وقت كهذا أصلًا؟!»

قالها بخشونة.

هل يذهبان دون دليل؟

أم ينتظران حتى يحصلا على دليل؟

أيًا كان الخيار الذي يختارانه، فقد كانا يفتقدان العامل الوحيد الذي يحتاجانه للتأكيد.

تراجعت أفكار كاميجو إلى الصمت؛ وتحول الصمت إلى ثُقلٍ يضغط عليه.

وأخيرًا، تمامًا عندما بدأ يختنق من الهواء بينهما...

...رن الجوّال.

ليس من كاميجو.

أخرج تسوتشيميكادو جوّاله من جيبه متشككا، لكن عندما رأى الشاشة تغير تعبيره.

«كاميان، من الكنيسة!»

على طاري، قال ستيل أنه جعل من في الكنيسة يبحثون عن معلومات له. لعلهم جاءوا بجديد؟ حاليا كاميجو وتسوتشيميكادو يتوقان لأي معلومة مهما سخفت. حتى تسوتشيميكادو الهادئ والرزين عادةً صار الآن مسعورًا وهو يقلب جوّاله بسرعة ثم كبس زره على المكبر. اقترب كاميجو بأذنه يترقب.

وأخيرا بعد توقف سمعا الصوت المرأة.

‹ ‹يآه، هل معي السيد ستيل ماغنوس؟› ›

« «الرقم الخطأ؟!» » صرخ الاثنان في الوقت نفسه.

اعتذرت المرأة في الطرف الآخر بحزن. استغرب كاميجو. ليس بالأمر المهم، لكن لو كانت تحاول الاتصال بستيِل — وهو أجنبي — فلماذا تكلمت باليابانية؟

تنهد تسوتشيميكادو. «آهخ، لا أنا تسوتشيميكادو موتوهارو. أعمل مع ستيل حاليا. إذا كان لديكِ تقرير فسأستمع إليه نيا... حصلتم على شيء؟»

‹ ‹صحيح! لدي تقرير. دخلنا إلى سجلات المكتبة البريطانية ووجدنا معلومات جديدة بخصوص [صليب بطرس]› ›

عاد صوتها إليهما هادئًا.

وبعد سماعه مرة أخرى، انتبه كاميجو.

كأنه سمع هذا الصوت في مكان ما من قبل.

«هاه؟ أهذه أنتِ أُرسُلا؟»

‹ ‹هذا الصوت... ماه! نعم، إنها أنا بشحمي. شكرًا جزيلًا لك على كرمك تلك الليلة. بفضلك صرتُ الآن على معرفة وثيقة جدًا مع أفراد الكنيسة الإنجليزية—› ›

«نيا~. هيّا لا نخرج عن الموضوع» قاطعها تسوتشيميكادو، وصوته مليء بالانزعاج والتعب. «هلّا من فضلك تدخلين إلى الأمر مباشرة نيا؟»

‹ ‹—وأصبحت على معرفة كاملة بأفراد الكنيسة الأنجليكانية. في الواقع، قبل يومين، عرّفتني الآنسة كانزاكي على مطعم ياباني رائع... ماه، كدت أنسى! قد عَيَّنوا أفراد الأماكسا أيضًا في الحي الياباني› ›

«هل تجاهلتِ للتو ما قاله تسوتشيميكادو بابتسامة؟! آه، هلّا تخريننا بالمعلومات التي حصلتِ عليها؟!»

صرخ كاميجو، وصرخته هزت وأزعجت رأس تسوتشيميكادو بشكل ضعيف.

أخيرًا قالت أُرسُلا؛ ‹ ‹أوه!› › ثم توقفت لحظة. ‹ ‹نعم صحيح. أظن أنه من الأفضل أن أخبركم في أسرع وقت بالمعلومات التي حصلنا عليها من المكتبة البريطانية. هِئهِئهِئ. أنا متأكدة أنها ستكون معلومة مفيدة!› ›

«...طيب يا أُرسُلا، ولا تجعليها معلومات مفيدة عن المطاعم اليابانية، إي؟»

قال كاميجو بصوت منخفض.

‹ ‹بالتأكيد. واضح› ›

أجابت بنبرة مليئة بالحيوية.

‹ ‹في الواقع، يوجد مطعم رائع جدًا على بعد خمس دقائق من محطة ووترلو، ويقدم أشهى—› ›

«حرفيًا لتوّي قلت ألا تفعلي ذلك! توقفي عن محاولة التباهي وأعطينا المعلومات عن [صليب بطرس]!!»

‹ ‹أوه، هذا أمرٌ مؤسف حقًا... لندخل صلب الموضوع إذن. أرجو أن تستمعا جيدًا› ›

قالت ذلك بصوت هادئ ولطيف بلا أي تأثر.

ركز كاميجو وتسوتشيميكادو، بتعابير جادة، على الجوّال.

‹ ‹ما فهمناه من السجلات المتناثرة في المتحف البريطاني يتعلق بالشروط الضرورية لتفعيل [صليب بطرس]› ›

شعر كاميجو بأن كتفيه ارتجفا.

تفاصيل شروط الاستخدام.

كانت تلك بالضبط المعلومات التي يحتاجان إليها أكثر من أي شيء آخر.

توقفا عن التنفس وهما ينتظران كلمات أُرسُلا التالية.

‹ ‹يبدو أن [صليب بطرس] هو [أداة روحية] ضخمة تُستخدم من خلال استعارة قوة الأبراج الفلكية. يُوضع صليبٌ على الأرض فيَجمعُ أضواء سماء الليل بدقة. بزاوية صحيحة، تحصل على الأضواء بشكل دقيق، ثم تستخدمها في تعويذةٍ لتُفَعّل تأثيراته السحرية. يبدو أن هذه هي الطريقة التي يعمل بها› ›

«هذا ما اكتشفته أنا وكاميان. هو شيء يشبه هوائي مكافئ ضخم وقديم. لكن مع ذلك...»

‹ ‹...نعم. ليست معلومة جديدة...› ›

لم يستطع كاميجو إلا أن يتنهد. كما تدلت أكتاف تسوتشيميكادو أيضًا.

‹ ‹أوه؟ أخبراني إذًا بما الذي جعلكما تشعران بخيبة الأمل هكذا› ›

«آسف يا أُرسُلا. شكرًا على بذل جهدك لمعرفة ذلك، لكننا كنا قد وصلنا إلى هذه النقطة بأنفسنا. في هذه المرحلة، نحن نحتاج فقط إلى تلميح واحد يوصلنا إلى الحل»

‹ ‹أوه... فهمت...› ›

كان صوت أُرسُلا محبطًا، لكن كاميجو لم يعد ينتبه إليها.

لم يكن يعرف مقدار المعرفة التي كانت المكتبة البريطانية تخزنها في أرشيفاتها، لكنها بلا شك تملك أكثر مما استنتجه هو وتسوتشيميكادو حتى الآن.

لكن الحلوى التي كانوا يبحثون عنها لم تكن موجودة في أي مكان — وذلك بمثابة المسمار الأخير في النعش.

علقوا الآن، ولن يحصلوا على أي تلميحات.

تلبدت تعابير كل من الهاوي والمحترف.

وفي الوقت نفسه، تابعت أُرسُلا أكوينس؛

‹ ‹...إذن أظن أنكما قد عرفتما الأبراج الفلكية المرتبطة بمنطقة استخدام [صليب بطرس] والتي وجدتها أنا والآنسة شيري. لا علاقة لها بأبراج موسم معين. إنها تستخدم الأبراج الفلكية الثمانية والثمانين كلها. وأظن أنكما أدركتما سلفًا أنه يمكن تفعيلها من أي مكان في العالم...› ›

«هاه؟» قال كاميجو وتسوتشيميكادو في الوقت نفسه.

«انتظري يا أُرسُلا. عمَّ تتحدثين؟ قد عرفنا أنه لا يُستخدم إلا في أماكن معينة، لكن كل هذا الكلام عن استخدامه "لكل الأبراج الفلكية" هو حديثٌ جديدٌ علينا. كان تسوتشيميكادو قلقًا للتو بشأن عدم إمكانية استخدام [صليب بطرس] في هذا الموسم. وقال إننا إذا اكتشفنا ذلك فسنحل خدعة الغموض. هلّا تعطينا شرحًا مفصلًا عن ذلك؟»

‹ ‹...يا خسارة. ولكن أرى أنه علي أن أسعد أكثر أنكم لا تحتاجون عوني في كل مسألة، لكن أن يكون كل العمل والبحث الذي أجريناه أنا وشيري كان بلا قيمة نوعًا ما يُحبطني› ›

«اسمعي يا...! كفي عن الحزن واشرحي! أرجوك يا أُرسُلا-ساما! مهلًا، هل تقصدين تلك الشيري؟!»

بعد أن صرخ كاميجو عدة مرات، أعادت أُرسُلا المحادثة أخيرًا إلى مسارها الأصلي. ‹ ‹حسنًا. القديس بطرس، أو القديس بيتر كما يُسمى عند البعض، استُشهد في التاسع والعشرين من يونيو. ويُعتقد أن [صليبه] استُخدم في الفاتيكان مباشرة بعد استشهاده› ›

اعتُرِفَ بالمسيحية في القرن الرابع، ولقد مُنِحَت الأرض للدولة البابوية الرومانية إقليمًا في القرن الثامن. لكن لو أنّ [صليب بطرس] قد استُخدم مباشرة بعد موت بطرس، فلا بد أنه كان في منتصف القرن الأول. تسوتشيميكادو قد شرح له هذا القدر.

ثم تابعت أُرسُلا تكهناتها. فحقيقة أن الإمبراطور قسطنطين اعترف بالمسيحية في بداية القرن الرابع، وحقيقة أن ملك الفرنجة منح الأرض للبابوية بعد أن غزا إيطاليا رغم خضوعها... أرسلا كانت ترى أنَّ تلك المصادفات لم تكن لتقع عبثًا، بل إنَّما جرت ببركة القوَّة الكامنة في [صليب بطرس].

«؟؟؟...اعذريني أُرسُلا، أنا فاشل في محاضرات التاريخ»

‹ ‹المهم الذي عليك تذكره هو أن الصليب استُخدم لأول مرة في مكان يُدعى الفاتيكان في وقت ما بين أواخر يونيو وأوائل يوليو› ›

كان صوت أُرسُلا هادئًا، لكن تسوتشيميكادو تفاعل معه بسرعة.

«...في مكان يُدعى الفاتيكان؟»

‹ ‹نعم. إنَّ [صليب بطرس] التاريخي لم يُستعمَل إلا تلك المرَّة الواحدة، لكن كما نعلم جميعًا أنَّه لم يُنشأ ليقتصر نفعُه على حاضرة الفاتيكان، بل جُعل ليُستعمَل في سائر الأقاليم. وههنا موضع الإشكال...› › توقفت للحظة، ثم تابعت؛ ‹ ‹إنَّه لا يُستعمَل في الفاتيكان إلا في 29 من يونيو، وأمَّا سائرُ الأراضي فلا يُستعمل فيها إلا في أيَّامٍ مخصوصة قد قُدِّرت لكلِّ إقليمٍ من الأرض. معنى ذلك أنَّ من أراد الانتفاع [بصليب بطرس] فعليه الإحاطة بطبائع تلك الأرض، وخصائصها، وأحوالها. بعد أن يعرف ذلك، ينظر في الكواكب الثماني والثمانين، ثم يختار منها ما يكون أوفقَ لتلك البقعة وأشدَّ أثرًا فيها. ولأن المعرفة المتخصصة مطلوبة لاختيار الموقع وتحديد الأبراج، وضعوا لاستعماله حدودًا وقيود؛ فمثلًا لا يمكن استعمالُه في الموضع الواحد إلا مرَّةً في كلّ عام. لكن من سلك هذا السبيل يستطيع أن يُجري تعويذته في أيِّ بقعة من بقاع الأرض وأن يُدخلها في سلطان الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة› ›

وفقًا لأُرسُلا، كانت لِدُفيا لُورنزتّي تسافر حول العالم كثيرًا لتنشر الكلمة بين الخطاة.

ولم يكن ببعيد أن تكون مع تلك الرحلات تجمع أخبارَ كلِّ إقليمٍ وصفاتِه، وتُثبت ما يلائمه من الأبراج، وما يُعيَّن له من أوقات الاستعمال، ومواضع المراصد الفلكيَّة؛ فكل ذلك مطلوب لاستعمال [صليب بطرس].

أرسلا في أيَّام الكنيسة الرومانيَّة قد رأت لِدُفيا مرارًا، وهي تحمل في ذراعيها تلسكوب قديم وتمضي إلى الوجهة التي عزمت أن تبدأ فيها دعوتها التالية.

«إذن لِدُفيا تسللت إلى مدينة الأكاديمية مرة من قبل لتحدد موقع استخدام [صليب بطرس]؟»

‹ ‹ذلك يعتمد على الكيفيَّة التي أجرت بها قياساتها. فمثلا، إذا أرادوا رسم الخرائط، يستدلُّون على خطوط الطول والعرض بأمورٍ شتَّى، منها النظرُ في ارتفاع النجم القطبي عن الأفق. لكن ليس يلزمهم أن يُجروا هذا القياس في كلِّ بقعةٍ من بقاع الأرض؛ بل يكفيهم أن يُثبتوا مواضعَ أصولٍ معلومة، ثم يقيسوا إليها ما سواها وهم في أماكنهم. فلعلَّها لم تكن في حاجةٍ إلى دخول مدينة الأكاديمية أصلًا› ›

أهكذا يكون؟ فكر كاميجو في الأمر. وسرعان ما اصطدم بسؤال. «مهلا. ألم يُصنع الصليب في الأصل عندما مات بطرس؟ فلماذا يمكن استخدامه في أي زمان ومكان آخر غير الزمان والمكان الذي مات فيه؟»

‹ ‹أءء، كما ترى...› › توقفت أُرسُلا للحظة لتفكر. ‹ ‹يبدو أن [الأداة الروحية] نفسها صُنعت خلال حياة القديس بطرس...› ›

«...ماذا يعني ذلك؟»

‹ ‹لقد أطالَ القديس بطرس يفكر في المكان الذي سيُستَشهَدُ فيه. وقد عَلِمنا أنَّ الكنيسةَ الرومانيَّة الكاثوليكية قد اتَّخذت مقامَه الذي ضمَّ رُفاته مركزًا لها، وذلك يدلُّ على أنَّه كان يعلم أنَّ الموضع الذي يُستشهد فيه سيكون له أعظمُ الأثر في مجرى التاريخ. وكان هذا ممَّا يشغل خاطرَه ويستغرق فكرَه... ومن أجل ذلك، يغلب على الظنِّ أنَّ [صليب بطرس] قد صُنِع بحيث تتَّسع شروطُه لاستخدامات أوسع، احتياطًا لعلَّه يُستشهد في مكانٍ غير الفاتيكان، يكون أصلحَ لمصلحة الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة وأوفقَ لها› ›

شعر كاميجو بجفاف حلقه. «إذن كان له اختيار المكان، لكنه لم يستطع تغيير التاريخ، صح؟ لم يكن ليستخدم السلاح عندما يطعن في السن مثلًا؛ لا بد أنه خطط لتاريخ محدد...»

‹ ‹نعم. وقد أُعدم القديس بطرس في التاسع والعشرين من يونيو. وهو التاريخ المحدد الذي يمكن فيه استخدام الصليب› ›

«...إذن فقد سمح بالقبض عليه عمدًا في ذلك اليوم؟ وكان مستعدًا للموت؟»

«ليس...مستحيلًا نيا~،» أجاب تسوتشيميكادو، وهو يزفر بهدوء كما لو كان يطرد تعبه. «في ذلك الوقت، لم تكن علاقة بطرس بالإمبراطورية الرومانية حسنة. كان عدوًا لأحد الضيوف الكِرام للإمبراطورية، وهو ساحر يُدعى سَيْمُون ماغوس نيا~. وفي النهاية، قتَل بطرس سيمون بنفسه. كانت المسيحية الصليبية مضطهدة أصلًا في تلك الحقبة، لذا لك أن تُخَمّن نوع المصير الذي ستُعدّه له الإمبراطورية»

‹ ‹وقد رُويت في خبر استشهاده أخبارٌ شتَّى. قد أشرتُ آنفًا إلى أشهرها، وهي قصَّة كو فاديس. أنَّ جندَ الإمبراطوريَّة لمَّا ظفروا بالقديس بطرس ألقوه في السجن مع أحد تلامذته، وقتها كان أكثر من الدعاء، داعيًا النجاة والهروب من المدينة. ثم إنَّه خرج مرَّة حتى بلغ أبواب روما، لكنَّه في آخر الأمر رجع وترك جنود الإمبراطورية يمسكونه. تقول الرواية أنَّه عند أبواب المدينة تراءى له ابنُ الرب، فعلم من ظهوره أنَّ الشهادة قد كُتبت عليه وأنَّه لا مناص له من أن يمضي إلى مصرعه.

‹ ‹ولمَّا كان يوم استشهاده، وقد صُلِب، سأل الناس يطلبهم: "لستُ أهلًا لأن أُصلب على الهيئة التي صُلِب عليها سيِّدي، فلا توجهوا رأسي إلى السماء واقلبوا الصليب." وهذه الكلماتُ في ظاهرها إنَّما هي كلامُ تلميذٍ خاشعٍ متواضعٍ من أتباع المسيح، لكنَّه لعلَّ وراء هذا الطلب سببًا آخر...› ›

«...ربما في ذلك حيلة مرتبطة بالصليب...» أكمل كاميجو دون أن يقصد ذلك حقًا.

كان بطرس واحدًا من الحواري الاثني عشر. لعله يعلم أنه سيُعدم يومًا ما مهما فعل. فإن صحَّ ذلك، فقد يكون قد استغل لحظة موته بالضبط ليحقق تأثيرًا عظيما. حتى مع التفكير فيما سيحدث بعد مئات السنين في المستقبل.

إلى قيام الدولة البابوية الرومانية...

وإلى حماية أولئك الذين قُدِّر أن يُحفَظوا في خفاء.

لم يكن أمرُه استسلامًا سلبيًّا كما يُظن؛ بل كان يُدبّر موضعَ موته، وزمانَه، وما يترتب عليه من الآثار، وما يُثمره موته من نتائج، وما يبقى من غرسه بعد فنائه. لم يقتصر على نظره في ذلك كلِّه وحسب، بل ابتدأ بنفسه السعيَ إلى الغاية التي ستنتهي إليها حياتُه. وفعل ذلك في غاية السكينة، ومنتهى الرحمة، ليُتمَّ تعويذةً لا يُوصف شأنُها إلا بأنَّها الغاية في الكمال. أفكانت تلك هي أعظمَ تعاويذ الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة؛ الصليب بطرس؟

«تاريخيًا، ليس نادرًا أن ترى الناس يحفرون قبورهم بأنفسهم. فقد وضع الأمير شُوُتُكو قبره في موقع سيئ جدًا من ناحية الجيولوجية الروحية عمدًا للقضاء على أي نسل سيأتي بعده نيا~»، قال تسوتشيميكادو، ووجهه لا يزال شاحبًا، مع تنهدٍ خفيف—نصفها من الدهشة المطلقة ونصفها من الإعجاب.

بعد أن سمع كاميجو كل ذلك، عاد إلى السؤال الأهم. «إذن، أُرسُلا...هل تعرفين أين يجب عليهم استخدام [صليب بطرس] اليوم في التاسع عشر من سبتمبر؟»

‹ ‹نعم،› › جاء الرد الفوري. ‹ ‹بالطبع أعرف› ›

  • الجزء 8

كانت الميساكاتين ميكوتو وميسوزو، الأم وابنتها، تسيران في الشارع.

المكان الذي هما فيه معقد. فالشارع المليء بالمتاجر الكبرى كان يحتوي على قسم تحت الأرض؛ وقسم فوق الأرض؛ وحتى ممر ضخم جدًا للمشاة متعدد المسارات، كأنه طابق ثانٍ خارجي. كانت مسارات الطوابق الثلاثة كلها تتداخل وتتقاطع مع بعضها البعض. وهما حاليًا تسيران في الطابق الثاني، وتمرّان بجانب العديد من الأكشاك اليدوية المفتوحة على الطريق.

كان لا يزال هناك وقت لا بأس به قبل أن تشارك طالبات مدرسة توكيواداي الإعدادية في الفعالية التالية، لذلك كانت ميكوتو تُري ميسوزو المكان. معظم الأماكن التي أرادت ميسوزو زيارتها كانت متاجر الهدايا التذكارية والأكشاك المفتوحة التي أُقيمت خصيصًا للمتفرجين القادمين من خارج المدينة.

«هيه! أنتِ ما تحتاجين مشكال شبه خماسي الأبعاد! سوف تملّين منه بعد ثلاثة أيام! ثلاثة أيام!»

«ويييه، لكن ميكوتو، مدينة الأكاديمية بأكملها عبارة عن هدايا تذكارية مليئة بتقنيات لا يفهمها أحد!»

«صحيح. لن يسمحوا أبدًا للضيوف بإخراج الأشياء التي تُعد فعلًا من أحدث التقنيات. وما بال هذا المشكال أصلًا؟ "يعيد إنتاج رؤية مادية خالصة لفضاء نظري خماسي الأبعاد باستخدام تقنية انكسار الضوء"؟ واضح أنه كذب كيف لا تعرفين؟! كيف ستميزين أصلًا إن كان فضاءً خماسي الأبعاد فعلًا؟!»

«مييه، لكن شعور كونه شيء غير مثبت تمامًا هو ما يجعله حماسيًا!»

«إذا أردت هدية تذكارية، فلتكن شيئًا تذكرك بهذا!»

«هووه، هدية وذكرى؟ ميكوتو حلوتي رومانسية وبنّاتية!»

«أص، غبية!!»

أمسكت ميكوتو بيد أمّها وسحبتها بعيدًا عن المتجر المفتوح. بالنسبة لطالبة إعدادية تمر بمرحلة التمرد، محاولة اقتراح هدية أفضل لوالدتها على الأقل كانت دليلًا على مدى ترابط عائلتهما.

كانتا ستجذبان الكثير من الانتباه بسبب مظهرهما، لكن أياً منهما لم تهتم بنظرات الآخرين.

«طيّب، الهدايا التذكارية حلوة، لكنني أريد أيضًا الذهاب إلى أماكن لا يمكن زيارتها إلا في مدينة الأكاديمية! ميكوتو، هل تعرفين أي أماكن؟ أريد رؤية مهبط سفينة حربية فضائية عملاقة جدًا أو شيء كهذا»

«...أي نوع من الأماكن تحسبينني أدرس؟»

«حسنًا، فلنتفاوض. سأعفيكِ إذا أريتِني ملاكًا نقية القلب متجسدة على هيئة بشر وتحمل عشرين ألف سلاح!»

«والحين دخلنا الخيال!!» صرخت ميكوتو رغمًا عنها.

ثم لاحظت زوجًا من العيون شديدة التحديق بهما. ليست كعيون المارة، بل كانت نظرة لزجة ورطبة تبعث على نفس قشعريرة.

استدارت وسألت بحذر؛ «ك-كُروكو؟»

بنت تسريحة [أم ذيلين] تجلس على كرسي رياضي متحرك بعجلات مائلة إلى الخارج من الأسفل، وبدت غريبة... هي غريبة لكن أغرب من المعتاد. عيناها تلمعان كشجرة عيد الميلاد وسط المدينة، وبدرجة جعلت حتى بنت شعر الأزهار بجانبها تتجهم قلقًا.

ابتلعت شيراي بصوت واضح وقوي. «هَل...هَل هذه من أهلك يا أونيه-ساما؟ أقول...أقول، ما أجملك! حقًا، حقًا أجمل بكثير مما تستحق عيناي! كيف تضاخمت هالة أونيه-ساما أضعاف؟! ت-تبًّا. وصل الأمر إلى هذا الحد، فلأستعد! آه يا كُروكو! لا تهتمي إن كانت أختان أو أمًا وابنة، ادعيهن معًا إليك دفعةً واحدة إن أردتِ! أوفو-غيهي-غيهي-غيهي-ها-ها-هااااا!!»

كانت الهالة المحيطة بعائلة ميساكا أكثر مما تتحمله كُروكو، فقفزت أفكارها ببراعة إلى الأمام قبل أن تلحق بها.

وعدت ميكوتو نفسها ألا تخبرها أبدًا بوجود أي واحدة من الأخوات.

«ها، ميكوتو-تشان، لم أعلم أن أنثويتك سارت في ذلك الاتجاه...»

«أيُّ اتجاه؟! لطالما كنتُ أسير في الطريق الصحيح!!»

«طبعًا أنتِ كذلك. كنتِ ميّالة نحو ذلك الفتى. ليس لكِ وقت للرحلات الجانبية»

«بفففت؟! لأسكتك بالقوة!!»

حاولت ميكوتو الإمساك بها مرارًا وتكرارًا، لكن ميسوزو كانت تتفادى كل محاولاتها بمهارة، وهي تواصل الثرثرة أثناء ذلك. ثم ظهر شخص في زاوية رؤية ميسوزو، شخص تتذكره.

همم؟ مهلا، هذا...أوه، هيهيهيهي. على طاريه ظهر.

كانت ميسوزو ومن معها حاليًا في الطابق الثالث، والتي كانت مقسمة إلى تحت الأرض، وفوق الأرض، والطابق الثاني فوق الأرض. وهناك وجه مألوف في مستوى السطح بالأسفل، خلف حاجز. لا بد أن هذا هو سبب عدم ملاحظته لهن.

كان فتى بشعر أسود قصير وشائك. وبجانبه فتًى آخر أطول منه برأس كامل، بشعر أشقر ونظارات شمسية. كلاهما يرتدي زي الرياضة نفسه، لذا بدا أنهما من زملاء الصف. لكنهما جادين جدًا في الملامح.

لم تستطع سماع ما يقولانه من هنا، لكن التعبيرات على وجهيهما كانت من النوع الذي لا يُرى كثيرًا، حتى أثناء الصفقات المهمة في الشركة التي تعمل بها. كانت تعبيرات شخص يحمل على كتفيه مصائر كثيرة غير مصيره. ما الذي يمكن أن يعنيه ذلك؟ لم تستطع ميسوزو تخيل ما الذي يجعل شابين صغيرين يُبديان هذه النظرة.

لكن على أي حال...

«طالعي ميكوتو-تشان؟ فتى أحلامك الذي تقت إليه موجود هناك»

«لن أنخدع بهذا—هيه، لا! أنا لا أتوق إلى أي أحد، تسمعين؟!»

احمر وجه ميكوتو بشدة. ظنًا منها أنها مجرد مزحة، رفضت النظر في الاتجاه الذي أشارت إليه ميسوزو. وفي الوقت نفسه، ابتعد الصبيان واختفيا وسط الحشود.

  • الجزء 9

أغلق تسوتشيميكادو المكالمة.

«إذن هذا يعني أن [صليب بطرس] الذي يحملانه لا يمكن استخدامه في أي مكان يريدانه وأيَّ وقت»

«نعم. لا بد أنهما اكتشفتا موقع "المرصد" القابل للاستخدام في مدينة الأكاديمية قبل وصولهما إلى هنا بوقت طويل. مما قالته أُرسُلا، في ترحال لِدُفيا حول العالم لنشر الدين، فمن المحتمل أنها كانت تبحث أيضًا عن مواقع المراصد هذه أو ما شابه»

أُرسُلا أكوينس قد قالت إن لِدُفيا على الأرجح كانت تبحث عن مواقع المراصد هذه منذ فترة طويلة، لكنها ربما كانت تقيس مكانًا أو مكانين فقط في منطقة معينة، ثم تحسب رياضيًا مواقع جميع الأماكن الأخرى. وهذا يعني أنها ربما لم ترَ المرصد الموجود داخل مدينة الأكاديمية بنفسها.

«هذا يعني أن لِدُفيا وأُريانا كانتا تتجولان بنفسيهما للتأكد من عدم وجود اختلافات بين البيانات التي حسبتاها وبين الواقع...أهكذا؟»

«يبدو صحيحًا. وأُريانا لا تزال تتجول. ربما تواجهان صعوبة أكبر مما توقعتا في العثور على نقطة مناسبة سحريًا. أو غابَ عنا عامل جيولوجي آخر هما تحتاجانه. على أي حال...هنا سنحسم الأمر»

من بين النقاط التي أعطتهما إياها أُرسُلا، وبعد استبعاد الأماكن التي قد ذهبت أُريانا تومسن، لم يبقَ سوى مكان واحد محتمل.

«كان الطريق طويلًا، لكن الأمور بدأت أخيرًا تسير لصالحنا نيا~. آمل أن تستمر بهذه السلاسة»

رفع كاميجو نظره. كانت الخامسة والعشرين دقيقة. والسماء الزرقاء بدأت تتحول تدريجيًا إلى البرتقالي. «مكان واحد باق...كم مضى منذ اكتشفتْهُ أُريانا؟ لعلها تفقدته وذهبت إلى غيره»

«لا، لقد نظرتُ إلى الأماكن الأخرى...تذكَّر، إنها تستعين بشكل الكوكبات ظاهريًا. هذا أمر صعب التنفيذ. في مكانين من تلك الأماكن، لم يكن بإمكانك حتى رؤية ضوء الشمس ناهيك عن الكوكبات. حتى لو صعدت السطح. وفي ثلاثة أماكن أخرى، كانت أوراق الأشجار على طول الطرق تحجب أقسامًا كاملة من السماء. لا شك أنهما سوف تستعينان بهذه النقطة الأخيرة. فهذا موقع مفتوح لرؤية كل شيء نيا~.»

«موقع مفتوح...مهلا، هذا الذي حددته على الخريطة؟!»

«أصبت. ما كنتَ لتجد مكانًا أفضل منه لترى السماء كلها»

أثناء حديث تسوتشيميكادو مدّ خريطة الكتيب التي كانت عليها علامات بقلم نحو كاميجو. أصابعه ترتجف، وحتى العلامة التي وضعها بدت بطريقة ما غير دقيقة. لا بد أنه تلقى أضرارًا كبيرة.

المنطقة 23.

من بين مناطق أو أحياء المدينة الثلاث والعشرين، كانت منطقةً فريدة، كاملها مشغولٌ بمنشآت مرتبطة بالفضاء وتطوير الطيران. وباستثناء المطار الدولي المفتوح للعامة لأجل الضيوف القادمين من الخارج للمشاهدة، كانت المنطقة بأكملها على الخريطة مجرد مساحة بيضاء—بمعنى أنه لا توجد فيها أماكن جديرة بالملاحظة.

هناك، يطورون ليس فقط الطائرات المدنية، بل أيضًا المقاتلات النفاثة والمروحيات غير المأهولة بهدف الحفاظ على التفوق الجوي لمدينة الأكاديمية. وحتى أثناء مهرجان دايهَسي، لا بد أن أمنها كان لا يزال من الدرجة الأولى.

كان المكان الذي حدده تسوتشيميكادو بالقلم في منتصف المنطقة البيضاء تمامًا على الخريطة. ولم يستطع كاميجو معرفة المكان المحدد له داخل المدينة بمجرد النظر إلى الخريطة.

ابتسم تسوتشيميكادو ساخرًا أمام تعبير كاميجو الحائر. «المكان يُدعى مطار اختبار مختبر تيتسومي لتكنولوجيا الطيران...لو أتذكر بشكل صحيح، فهو متخصص في تطوير مدارج الهبوط قصيرة المدى نيا~. أعرف ما يحدث هناك، لكن أُريانا لم تذهب إليه من قبل، وقد تواجه بعض الصعوبة في الدخول نيا~.»

«...لكن أليست أُريانا ساحرة؟ هل سيصدها أمن مدينة الأكاديمية أصلًا؟ ولا تبدو كمن يسمح لنفسه أن تمسكه كاميرات المراقبة»

«بل العكس! كل نقاط المراصد التي ذهبت إليها أُريانا كانت ذات أمن ضعيف. أمكنك أن تعرف لو ذهبت بنفسك. كانت أُريانا تتصاعد مستوى الأمن من الأقل خطرًا إلى الأعلى نيا~. أُريانا ولِدُفيا أكثر حذرًا من مدينة الأكاديمية مما كنا نظن...وأعني، لو لم تكونا تهتمان بالأمن تمامًا، لما حاولتا الاندماج وسط الحشود. كاميان، فكر في السحرة الذين قاتلتهم في الماضي. هل بدت مستخدمة الغولم شيري كرمويل وكأنها تهتم بما تفعله الأنتي-سْكِل؟»

عند ذكرها...شعر كاميجو أن السحرة، لو استطاعوا اقتحام الباب الأمامي، لفعلوا.

أُريانا ولِدُفيا تحاولان الاستفادة إلى أقصى حد من التوازن الحالي بين العلم والسحر في مهرجان دايهَسي. من المحتمل أنهما لم ترغبا في إفساد ذلك باستخدام تعاويذهما القوية وجعل الوضع يتحول إلى شيء متطرف حقًا.

وكان عدد لا يحصى من السحرة، الكبار والصغار، ينتظرون على أطراف مدينة الأكاديمية. مهما كان جنونهما، فلن ترغب أُريانا ولِدُفيا في مواجهة كل أولئك بالإضافة إلى قوات أمن مدينة الأكاديمية في الوقت نفسه.

«على أي حال، لنأمل أن تتعثر أُريانا في شبكة الأمن ونذهب خلفها الآن. إنهما متجهتان إلى آخر [مرصد] تقريبًا. سنقبض عليهما هناك وننهي كل هذا»

«ها؟ أكيد، القول أسهل من الفعل. إذا كانت بنفسها أُريانا تواجه مشاكل هناك، ألن نخسر نفس مقدار من الوقت...؟»

توقف كاميجو عن الكلام عندما رأى كاهنًا لافتًا للنظر بشعر أحمر في زاوية عينه. بريبة رأى ستيل ماغنوس يركض نحوهما.

ألقى تسوتشيميكادو نظرة مشبوهة على زميله. تأخر كثيرًا. «ماذا كنت تفعل نيا~؟ لم تصادف أُريانا أو لِدُفيا أو شيئًا من هذا، لا؟»

«لا...»

بدا أن ستيل يواجه صعوبة في الرد لذلك أجاب كاميجو بدلًا منه.

«صحيح، صحيح. لم يكتفِ أنه أنقذ حياة وأبكى الأستاذة كومويه من الفرحة، بل أراهن أنها تعلقت به بشدة طوال اليوم ولم يكن يعرف ما يفعل»

«بففف؟! ك-كف عنك هذه السخافات أيها الهاوي! لقد أبعدتها عني في اللحظة التي أغلقت فيها المكالمة. لكن رغم أنني كنت أستخدم [أُوبِلا]، وفي كل مرة أخرج فيها من مجال تأثيرها، أراها تجدني كل مرة. استغرق الأمر بعض الوقت حتى أتخلص منها»

بصق ستيل سيجارته القصيرة بمرارة وداس عليها.

راقبه تسوتشيميكادو بعينين باردتين. «...نيا. فهمت فهمت. مرض الكاميجو ها؟ بينما كنت أنا أستخدم [أربع طرق حق] بشجاعة على حساب نصف الدم الموجود في جسدي، كُنْتَ أنْتَ تستمتع في قصة رومانسية كوميدية نيا...؟ وليس حتى مع إندِكس، الأستاذة كومويه؟ أنتما الاثنان أغرب ممن عرفت. تتورطان في مواقف حلوة تلو الأخرى. الرجال من المفترض أن يمضوا في عملهم وينهونه قبل كل شيء!»

«لا تُسمه مرض الكاميجو! أصلًا، لا يحق لك الكلام عن كوننا غريبين وأنت مهووس بأختك الصغيرة!»

«هااء! مَ-من ذا الذي تسميه مهووسًا بأخته الصغيرة نيا؟! أنا، تسوتشيميكادو، أقسم ها هنا أنني—آع!!...حتى الصراخ يتعبني...» ارتجف تسوتشيميكادو وهو يمسك جانبه.

هز كاميجو رأسه وتنهد. «بغض النظر عن مايكا، ماذا الآن؟ المنطقة 23 لها إجراءات أمنية مجنونة. لا ندري حتى إن كنا نتسلل إليها!»

«...م-مهلا، كاميان. هذا ليس شيئًا يتجاهله نخبة الأونميوو تسوتشيميكادو موتوهارو...لكن انظر. هذه المرة يمكننا استخدام الامتياز الوحيد الذي أملكه ولا تملكه أُريانا»

«ها؟ امتياز؟» سأل كاميجو بشك، بينما يتبسم تسوتشيميكادو وأخرج جَوّاله.

«نعم. أتعرف رئيس مجلس إدارة مدينة الأكاديمية؟»

  • الجزء 10

كانت أُريانا تومسن في [المحطة النهائية] للمنطقة 23.

وعلى خلاف المناطق الأخرى، لم تكن في المنطقة 23 سوى محطة واحدة: مدخلها هو مخرجها. وفيها تتصل كل الخطوط في المنطقة، مما جعل المحطة هائلةَ الحجمِ واسعةً ومعقدة إلى حد يقارب مطارًا دوليًا.

ثمانية خطوط قطارات، خمسة خطوط مترو أنفاق، خطان للقطار أحادي السكة، إضافة إلى أربع محطات للحافلات عند المدخل الرئيسي. وفوق ذلك فيها حتى خطوط خاصة لقطارات الشحن، وخطوط مخصصة لكبار الشخصيات فقط.

غريب...،

كما فكرت أُريانا وسط كل ذلك وهي تلقي نظرة عابرة حولها. لقد تغير الأمن.

كان في المحطة عدد لا بأس به من ضباط الأنتي-سكِل المتمركزين، وقد أخفتهم كثرة الناس الحاملين للأمتعة الكبيرة. إلا أنهم جميعًا نُقلوا فجأة. بل الأدق أنّ الأمر بدا وكأنهم قد رفعوا مستوى الأمن. لا يعني هذا أنها ستضطر إلى الانسحاب على عجل من المحطة، لكنها لم تستطع إلا أن تلاحظ أنهم نُقلوا جميعًا إلى مكان لا معنى له تقريبًا من ناحية الأمن. وقد أدى ذلك أيضًا إلى خلق مزيد من النقاط العمياء في شبكتهم مُجْمَعًا.

ورأتْ ألواحًا زجاجية -معظمها بيضاء- تغطي الجدران والسقف مما جعل داخل المحطة مضيئًا بأشعة الشمس. وفي الداخل، واصلت أُريانا التفكير.

كانت [المنطقة 23] منطقة مميزة حتى بين مناطق وأحياء مدينة الأكاديمية. وباستثناء المطار الدولي والطرق المتصلة [بالمحطة النهائية]، كان كل شيء آخر محظورًا تمامًا. كان الوصول إلى محطة النهاية سهلًا بصراحة، لكن التوغل أعمق كان صعبًا على نحو عبثي. ولهذا ظلت تتنقل ذهابًا وإيابًا بين المحطة والمطار لبعض الوقت، تترقب لحظتها، لكن...

ها هي فرصتي، لكن هذا أسهل من أن يبدو حقيقيًا.

أرادت الاتصال بلِدُفيا، لكنها لا تضمن سرّية الاتصال لو استعانت بالمانا. وبعد أن أمعنت التفكير في الأمر لحظة، قربت بطاقات الاستذكار من شفتيها. وفقًا لتقديرها، ما كانت قدرات العدو على البحث قوية في الأصل.

عضّت بطاقة من بطاقات الاستذكار، ثم نادت بهدوء؛ «لِدُفيا؟ استعدّي. ينبغي أن نبدأ قريبًا»

جاء الرد على هيئة حروف انطبعت مباشرة على شبكية عينيها. ظهرت في أسفل مجال رؤيتها كأنها ترجمات لفيلم. وكان مكتوبًا عليها؛ ‹ ‹...ألستِ مُبكِرة؟› ›

«اسمعي، أحب لو نتمهل ونتريث لكن يبدو أن شبابنا استعجلوا. ولكان من القبيح أن يتأخر أحد الطرفين عن الذروة، لا؟» قالت أُريانا وهي تراقب ضباط الأنتي-سكِل يغيرون مواقعهم دون أن يُسمع لخطواتهم صوت؛ «والأمن هنا غريب. محتمل أنهم يعرفون بوجودنا. لا أشعر بأي آثار [لأوبيلا] أو لتعويذات أخرى تتلاعب بالوعي في هذه المنطقة، من المرجح أن هذه أوامر من قيادة مدينة الأكاديمية.»

‹ ‹أتقولين أن مدينة الأكاديمية تخل بالتوازن وتضغط علينا؟› ›

«لا، بل العكس. كأنهم يتراجعون عمدًا ليهيئوا لنا مكانًا نخوض فيه معركة. أرى فيهم ترددًا كثير. وأظن أنهم لا يفهمون بعض الأوامر التي تأتيهم»

‹ ‹إن كان هذا ما يزعجك، فلا تواصلي. غادري المحطة وانتقلي إلى منطقة مدرسية أخرى› ›

«لا...» قالت أُريانا وهي تحدق في الساعة الكبيرة على الرصيف. «لقد بحثت في كل مكان، لكن هذا بالتأكيد أنسب مكان. لذا سأعزز دفاعاتنا هنا... وبما أن المكان مفتوح على هذا النحو، فلن يُزج بأي مدنيّ آخر أيضًا»

‹ ‹أمتأكدة من قدرتك على كسب ما يكفي من الوقت؟› ›

«يعتمد ذلك على كم من الدعم سيجلبون، لكن يمكنني تدبر أمري حتى لو تكاثروا من حولي» أبعدت أُريانا نظرها عن اللوحة الإلكترونية واتجهت نحو سلالم الخروج الصاعدة بعيدًا عن الرصيف. بخطواتٍ طويلة وسريعة.

‹ ‹إذن أتصل بك قريبًا› ›

«نعم. استعدّي أنت أيضًا يا لِدُفيا. سنسقط مدينة الأكاديمية هنا والآن. كأننا ندفع برأس عذراء حلوة غافلة إلى الوحل»

  • الجزء 11

اندفع قطار إلى رصيف المترو مدوّيا.

بدأت كتلة الحديد والفولاذ الضخمة تخفّف سرعتها تدريجيًا، لكن تسوتشيميكادو موتوهارو لم يلتفت إليها حتى.

عيناه موجهتان نحو حلفائه—كاميجو وستيل.

«تحدثت مع الكبار. جعلتهم يغيرون ترتيب الأمن في المنطقة 23 قليلًا. لكن طلبي بإخراج كل الناس من المنطقة كانت أكثر مما يتحملون. بشكل أساسي، نحن سنتسلل في فجوة يصنعونها أثناء انتقالهم من النقطة [ألف] إلى النقطة [باء]...»

تابع تسوتشيميكادو الشرح يقول إنهم أمروا المسؤولين عن الأقمار الصناعية بتغيير أنظمة معالجة الفيديو فيها. وأثناء حدوث هذا التبديل ستكون العيون الموجودة في السماء عمياء مؤقتًا.

عاد كاميجو بذاكرته إلى الذي كان تسوتشيميكادو يتحدث معه طوال هذا الوقت؛ رئيس مجلس إدارة مدينة الأكاديمية.

...أليستر، هاه...

كانت مكاملة، فلم يستطع كاميجو سماع صوت الآخر. لكن ذلك الشخص كان مساويًا -إن لم يكن أعلى- من تسوتشيميكادو الذي مزج العلوم والسحر. مجرد هذه الحقيقة جعلت من السهل تخيل أن [ذاك] يقف في موضعٍ عميق جدًا داخل العالم. في موضعٍ ما كان لصبي الثانوية العادي كاميجو توما أن يلقي حتى نظرة خاطفة إليها.

«هم يستعينون بخريطة نجوم سماء الليل لعملهم، لذلك فبعد غروب الشمس مباشرة هو الوقت الأكثر احتمالًا لتفعيل صليب بطرس. الآن الساعة الخامسة وخمس وعشرون دقيقة قبل الغروب. سيستغرق الوصول إلى محطة المنطقة 23 حوالي عشر دقائق نيا~. لم نحدد أبدًا حدًا زمنيًا واضحًا، لكنه سيكون على الأرجح بين السادسة والسابعة. في أقصر تقدير... هذا يعني أنه لن يكون لدينا سوى خمس وعشرين دقيقة بعد وصولنا إلى المحطة»

«تسوتشيميكادو، بخصوص موضوع "التسلل في فجوة تحركهم الأمني". سيستغرق الوصول إلى هناك عشر دقائق؟ هل ستظل تلك الفجوة موجودة لنا؟»

«كاميان، تغييرات الترتيب الأمني ليست لمبنى واحد فقط. إنهم يغيرون إعدادات الأمن في المنطقة كلها. محال أن ينتهوا خلال عشر دقائق. الأمر مثل تدريب إخلاء في المدرسة ليكن في علمك. كلما زاد عدد الناس، بطئت حركتهم. هذا المنطق نيا~. على الأقل، عندما تصير الساعة الخامسة وخمسًا وثلاثين دقيقة ونصل إلى المنطقة 23، لا شك أن يكون التغيير لا يزال جاريًا»

أخرج ستيل السيجارة من فمه ورماها في منفضة السجائر الموجودة في منطقة التدخين.

«فقط لأتأكد... هل ستواجه أُريانا بهذه الحالة؟»

«هَئ! يا ليتني لو آخذ قيلولة حلوة الآن نيا~. الأمن قد يكون في طور التغيير، لكنه لم يختفِ بالمرة. المنطقة 23 ليست سهلة لدرجة أن اثنين فقط يمكنهما اقتحامها»

«أهكذا الأمر؟» قال ستيل بلا مبالاة.

لم يكن يسأل عن السبب—بل فقط يريد التأكد من أن تسوتشيميكادو مستعد لذلك.

«من السادسة إلى السابعة. هذا هو حدنا الزمني، لكنه أيضًا سيقيّد أُريانا ولِدُفيا. إذا غيرتا الطريق وذهبتا إلى نقطة أخرى الآن، فلن تصلا في الوقت المناسب. هما تريدان استخدام صليب بطرس في المنطقة 23 مهما كان الثمن»

بعد أن استمع كاميجو إليهما، سأل؛ «إذن لعبة القط والفأر هذه انتهت؟»

«على الأرجح هكذا هما تفكران. لا اعتراض لدي—الآن علينا فقط أن نبذل كل ما لدينا»

أكمل القطار تباطؤه الهادئ وتوقف. جاء الإعلان عبر المحطة بينما فتحت الأبواب المعدنية تلقائيًا إلى اليسار واليمين. بدأ الناس داخل القطار بالخروج.

لكن مجموعة كاميجو لم توقفها الموجة. انقسمت حركة الناس حولهم كي لا يصطدموا.

«...ما إن نصعد هذا القطار، لا رجعة. الشيء الوحيد الذي ينتظرنا هو معركة موت مع أُريانا ولِدُفيا. فهل أنت مستعد يا كاميجو توما؟»

ظل كاميجو صامتًا لوهلة.

حدثت أشياء كثيرة اليوم. شمَّ الدم وذاق الرمل، ركض في أنحاء المدينة وقاتل مشعوذة، وقع في العديد من الخدع، رأى زميلته تُصاب أمام عينيه، أدرك أنه لم يستطع فعل شيء من أجلها، ضغط أسنانه، وأبقى قبضته مشدودة.

«...نعم» أومأ وهو يستوعب كل ذلك. ثم تقدم نحو باب القطار المفتوح.

«اتخذت قراري. سننهي هذا. وبعدها...»

«وماذا بعدها؟» سأل ستيل بشك.

لم يستدر كاميجو. «تذكر هذا. لن أسمح بأن ينتهي الأمر نقتل بعضنا البعض»

ساد الصمت بين الساحرين للحظة.

ثم ابتسم كل من تسوتشيميكادو وستيل—تسوتشيميكادو بابتسامة تشبه ابتسامة طفل صغير، وستيل بابتسامة ساخرة، وكل واحد منهما يعبر عن مشاعره بطريقته.

صعد الثلاثة القطار.

أغلقت الأبواب تلقائيًا، وبدأ القطار يغادر الرصيف ببطء وهدوء، متجهًا إلى نفق المترو.

يدعوهم إلى معركةٍ ختام تنتظرهم وَرَاء.

  • ما بين السطور 6

كانت عائلة أُريانا تومسن من أتباع المسيحية.

في كل يوم [أحد] يذهبون إلى الكنيسة، حيث يرون كاهنًا أشيَب طيّب الوجه يجثو دائمًا على ركبتيه، وينظر إلى عينيها الصغيرتين، يشرح لها الكلام نفسه بأسلوب سهل الفهم.

وكان قد أوصاها أن تصنع الأشياء نفعًا للناس.

ولا تزال تتساءل: كيف يكون ذلك؟

كانت أُريانا -بالطبع- رفيقة بالناس كائنًا من كانوا. فكانت مثلًا تلتقط العلب الفارغة من الطريق، وتهدي الحائرين القائمين أمام خرائط قطار الأنفاق إلى الأماكن التي يريدون بلوغها، وتحمل الأشياء وتوصلها إلى أصحابها؛ ولو كان في ذلك ذهاب حياتها.

ولكن...

لم تكن تلك الأفعال من الإحسان تؤول بالضرورة إلى نفع الآخرين.

فلعل العلب الفارغة التي ترفعها عن الطريق كانت تضر بأولئك المشردين الذين يتلقون من الصدقات شيئًا من النقود والطعام جزاءً على تطوعهم بتنظيف الطريق.

ولعل الأشياء التي طُلب منها إيصالها كانت من [الأدوات الروحية]، فتَلعن إنسانًا وتقتله ما إن يُفتح الصندوق.

حتى إن لم تكن تتمنى ذلك، وحتى إن كانت تريد أن تعين الآخرين من أعماق قلبها، فإن تلك النكبات تقع على كل حال. كان العالم مملوءًا بالناس، مختلفين بعضهم عن بعض، ولكل امرئ منهم رأيه. وتلك الآراء تقع في ثغرات قيم أُريانا، فيغدو فعل الشيء لأجل إنسان سببًا في أذيته أيضا. وعلى نحو لم تتنبأ به قط، وبصورة لم يخطر لها أن تتخيلها، كانت تُرسل أولئك الذين أرادت أن تحميهم بنفسها إلى العالم السفلي.

حياةٌ عُسر. فلم يكن في وسعها أن تتنبأ، ولو من قريب، بما إذا كانت أفعالها ستنقلب عليها. ولو علمت من قبل أن ذلك سيقع، لاستطاعت ببساطة ألا تفعل ذلك الشيء. ولو علمت أن فعلها لا محالة ناجح، لاختارته من غير تردد.

ولكن...

كانت أفكار أُريانا في هذا الشأن أنانية محضة، وكانت تعلم ذلك كما يعلمه أي أحد. كان منطق الأمر كعجلة الروليت. كان في وسع أُريانا أن تراهن على الأحمر مئة مرة، ولكن بحسب الرقم الذي تتوقف عنده الكرة الدائرة، كانت ضروب أخرى من الحظ والظروف هي التي تحدد مآل كل مجموعة من مئة دورة، غير عابئة برغبتها ولا بأفعالها. لم يكن بوسعها أن تختار الأحمر فتفوز مهما يكن الأمر. ولم يكن بوسعها أن تكسب الرقائق في كل مجموعة من مئة دورة. فلم يكن هناك سبيل يسير مضمون إلى الفوز. هكذا كان الواقع.

ولكن...

ماذا لو كانت حياة إنسان معلقة بإحدى تلك اللعبات؟

وماذا لو استغاثوا بها، يتوسلون إليها أن تفوز مهما يكن الثمن؟

فعلى ماذا كانت سترهن؟

وهل كان ذلك الاختيار يسيرًا على أحد؟

إن استغاث بها إنسان أن تنقذه...

كان ذهنها قد امتلأ بالندوب. وكانت خائفة. حتى إنها لم تستطع أن تمد يدها إليهم. وبامتناعها عن مد اليد، تيقنت أنها ستؤذي ذلك الذي طلب منها أن تنقذه.

لم تكن تريد إلا معيارًا.

نقطةً ثابتة ترجع إليها فتستقيم بها الأمور كلها، فلا تعود تعاني الحيرة بشأنها.

طريقةً مضمونة للفوز بعجلة الروليت؛ تكفيها قاعدة واحدة. كان لكل إنسان من المبادئ بقدر ما له من الناس، وبذلك يَنشأ الاختلاف، ثم يَفضي الاختلاف إلى المأساة. والماء الذي تغرفه الكفان لا يلبث أن يتسرب بين الأصابع، مهما اشتدت محاولتك لحبسه.

ليكن إمبراطورًا، تمنت أُريانا. وليكن ملكًا، أو بابَوًا، أو رئيسًا، أو رأس دولة، أو رئيس وزراء. لا يهمني ماذا يُسمى. ولا يهمني حتى من يجلس على ذلك المقعد. أستطيع أن أحارب من أجل الآخرين. العلم أو السحر، لا يختلفان في عيني... فعضّت على أسنانها.

...فأرجوك، ضَع قاعدة. نقطةً واضحة أرجع إليها، فأستطيع بها أن أجعل الجميع سعداء. كي لا أظل أخشى أن تُفضي اختلافات الآراء إلى المأساة. فأرجوك، أنشئ عالمًا تحكمه مثل هذه الغلبة النهائية المضمونة التي لا تخيب.

فكَّرتْ، فلَمْ تنطق.

وكان للسكوت سببٌ بسيط.

فقد ظلت تقول إن ما تفعله إنما هو لمنفعة الآخرين.

ولكنها في نهاية المطاف، ها هي ذي قد آذت إنسانًا آخر من جديد.

تعليقات (0)