الفصل الأول: شَارِعُ كيودجا. — Il_Vento_di_Chioggia.
(إعدادات القراءة)
انتقال بين الأجزاء
- 1
مطار ماركو بولو الدولي اشتُهِرَ وعُرِفَ أنه بابُ إيطاليا الشمالية، خصوصًا مدينة البندقية.
يقع المطار على الضفة المقابلة [للبندقية]، تلك المدينة التي أكسبها موضعها على البحر الأدرياتي لقب "مدينة الماء" في البرّ الإيطالي. وكان المطار في معظمه مخصّصًا للسياح. رحلاتهم تنقسم على وجه العموم إلى طريقين لا ثالث لهما: إمّا أن يعبروا جسر الحرية بحافلة أو قطار وهو جسر يبلغ طوله نحو أربعة كيلومترات والطريق البري الوحيد المتاح إلى الجزيرة الرئيسية؛ وإمّا أن يستقلّوا قاربًا من الضفة المقابلة ويسلكوا طريق البحر.
في وسع السياح أن يسلكوا طرقًا إلى أماكن أخرى غير جزيرة البندقية الرئيسية، مثل فيتشنزا وبادوفا وباسانو ديل غرابّا وبيلّونو. وعلى أي حال، السياح القادمون من خارج البلاد إلى شمال شرقي إيطاليا لطالما يهبطون في هذا المطار، ولم تكن الطائرة النفاثة التي ركبها كاميجو وإندكس استثناءً من ذلك. كان من المعتاد ألّا يستقبل المطار رحلات مباشرة من اليابان؛ غير أن مدينة الأكاديمية بدت حالةً خاصة.
وتوالت مناظر درامية شتى، كاجتياز توما أسئلة الموظفين الأجانب عند بوابات الهجرة، وتصبّبه عرقًا باردا أثناء الانتظار الطويل لحقائبهم. ومع ذلك كله، نجحا في نهاية المطاف في الخروج من المطار.
وإندكس قد خلعت بلوزتها البسيطة وتنورتها اللتين اشتراهما لها كاميجو في مطار مدينة الأكاديمية وعادت إلى عباءتها البيضاء المعتادة. لم يكن في وسعهما اصطحاب دبابيس الأمان على متن الطائرة، فأعادا جمع قطع القماش بخياطة حسنة بعدما ابتاعا ما يلزمهما لذلك فور دخولهما مطار ماركو بولو الدولي. ووجد نفسه يقلق -بشيء من الجدية- على حالِهِ الشاب؛ إذ إنهما قطعا كل هذه المسافة حتى إيطاليا وكان أول ما جرى له أن فتاة راحت تزعجه طلبًا لحفنة من دبابيس الأمان.
ومع ذلك خرجا من المطار سالمين تطئ أقدامهما أرضًا أجنبية.
يفترض الآن أن يلتقيا ببقية أفراد جماعتهم السياحية—فَهُم كانوا قد قدموا على متن رحلة أخرى—ثم يشرعا في رحلتهما وفق ما يرشدهم إليه المرشد. وإن كان في شمال إيطاليا شيء جدير بالزيارة فهي [مدينة البندقية] التي كانت في ذاتها موقعًا من مواقع التراث العالمي. غير أن هنالك أماكن أخرى كثيرة تستحق الالتفات. وكان كاميجو قد قرأ جميع المواد مرتين في الليلة الماضية من غير أن يذوق للنوم طعمًا، ولذلك كان يعلم.
في حديث [مدينة البندقية]، فهناك ساحة القديس مرقس وقصر الدوق وجسر الأكاديمية ومتحف التاريخ الطبيعي ومتحف التاريخ البحري وأشهر مسرح في العالم: مسرح [لا فينيسه]! وأما الهدايا التذكارية فمنها المصنوعات الزجاجية وصناعة الأقنعة! بل إن خارج [البندقية] نفسها أماكن كثيرة تستحق الزيارة أيضًا، كمدينة العالِم الفيلسوف [غاليليو] حيث كان يُدرّس فيها! كل هذا ليس إلا معرفة منقولة من كتيب الدليل، لكن! سرعان ما سيصبح كل ذلك تجارب وذكريات حقيقية! واهاهاهاهاهاهاهًا!! روعة! ستكون هذه أفضل رحلة أبدًااااا!!
أو على الأقل، هكذا يفكر.
«توما... تأخروا»
«إيهِ. لا أرى حتى المرشد، ولا أحدًا من أفراد الرحلة...»
كان قد مضى أكثر من ساعتين على الموعد المتفق عليه للقاء.
وهو يعلم أن المرشدين يميلون إلى اختيار الأماكن الحسنة للسياح، حتى وإن كانت هنالك أماكن أخرى كثيرة يرغبون في الذهاب إليها، لكنه لم يتصور أن تكون أول محطة لهم خيبةً إلى هذا الحد!
كانا الآن عند محطة الحافلات أمام المطار. ومع ذلك، فقد كانت في معظمها داخلية. فالسقف والأعمدة الممتدة على طول المحطة كانت جزءًا من المطار، ولم يكن يضيئها ضوء الشمس، بل مصابيح مستطيلة مثبتة في السقف. كل من الأرض والسقف مُستويٌ تمامًا، حتى إن المرء لا يكاد يشعر بأنه في الخارج البتة. بل الأمر أشبه بمرأب سيارات صُمّم خصيصًا ليكون مضاءً.
كان من السهل تمييز الحافلات التي تمرّ من دون توقف في ألوانها، كأن يكون لها إطار أزرق أو برتقالي. استنتج كاميجو أن تلك الألوان وكأنها تميّز بين اختلافات خطوط الخدمة أو أنظمتها. ومع ذلك لم يكن جدول مواعيد الخدمة سهل القراءة البتة.
آه. لعل هذا هو الشعور الذي كانت أُرسُلا تشعر به لَمّا كانت تجد مشقة في ركوب الحافلة...
أقنع نفسه بذلك مستحضرًا في ذهنه ابتسامة الراهبة السابقة من الرومان، تلك التي كانت تمضي في الأمور على مهلها وبحسب وتيرتها. وإلى جانبه كانت الحرارة قد نالت من إندكس حتى إنها بدأت تترنح من شدة الإعياء.
كان متوسط خط العرض في أوروبا يقارب خط عرض هوكايدو، مما يعني أن درجة حرارتها ستكون أخفض من اليابان فيكون الوقت مريحًا... أو هكذا قال كتيب المرشد. بدا أن للاستثناءات دائمًا كلمةً أخرى.
البحر الأدرياتي يحدّ المطار. ورياحٌ دافئة مالحة تهب من البحر بلا انقطاع، فتختلط بعادم الحافلات وتدور معه كلما جاءت الحافلات وذهبت. لعل درجة الحرارة نفسها كانت مريحة، لكن الرياح الإقليمية التي كانت تصفع وجهه وجسده ظلت فاترة. ولو مكث في هذا المكان زمنًا كافيًا لتآكلت روحه كما تتآكل الصخور الشامخة تحت ضربات الأمواج. والناس الذين يمشون قريبًا منه—سياحًا أوروبيين ورجال أعمال فيما بدا له—يرفعون أبصارهم هم أيضًا إلى السماء، ويمسحون العرق عن وجوههم بمناديلهم.
«توما، تركونا؟»
«تبًا... هذا وأننا وصلنا في الموعد... يا عمي، حتى الاتصال بهم لا يفيد! أظن علينا المضي وحدنا حاليا»
لم يكن متأكدًا أكان ذلك لأن جَوّاله المحمول صُنع في مدينة الأكاديمية أم لأن شركات الهواتف والجوالات النقالة تبذل جهدًا إضافيًا في الآونة الأخيرة؛ لأنّ جَوّاله بدا صالحًا للاستعمال في إيطاليا أيضًا. ومع ذلك فقد اتصل بالرقم الذي أعطوه له مسبقًا فلم يسمع سوى رسالة بريد صوتي آلية باللغة اليابانية.
هؤلاء حقًّا لا يَرُدّون
لم يكونا يحرزان تقدمًا يُذكر؛ فلا أثر لجماعة الرحلة ولا للمرشد في أي مكان. ومع ذلك، إنّ يعودا أدراجهما إلى المطار ويركبا طائرة تعيدهما إلى الوطن لن تكون بحكاية مضحكة البتة. في الوقت الراهن كان معهما برنامج الرحلة لهذا اليوم كما أن غرف الفندق كانت قد حجزت.
«معنا أخت تجيد التعامل مع البلاد الأجنبية، لذا أظن سنكون بخير. لا فائدة من الوقوف هنا مكتوفي الأيدي، فلنحمل أمتعتنا إلى الفندق على الأقل. فجميعنا نُقيم في المكان نفسه، لعلنا نصادف مرشد الرحلة هناك»
«آآآوووه... توما، ممكن نستريح؟ خطونا خمس خطوات منذ جئنا وحسيت بالتعب...»
«لا عليك. حتى أنا تعبت بعد ثماني خطوات. لكن أكيد في الفندق أسرّة ومكيّف هواء، سنستريح فيه قليلًا ثم نخرج لمشاهدة المعالم»
أنّت وقالت؛ «ذلك لا يكفي ليُبَردّ خاطري. لا أظنني سأعود إلى الحياة ما لم أتذوق أحد الجيلاتو الإيطالية الشهيرة! لم أجربها قط لكنني رأيت اسمها كثيرًا فلا بد أنها لذيذة»
«أهكذا؟ إيه إيه نحن سائحان، ويفترض نجرّب كل شيء شهير ها؟»
«بلى. واسمع، فينيسيا {البندقية} مشهورة بجيلاتو حبر الحبار»
«...اسمحي اسأل، مشهورة قُلتِ؟»
بينما يرى طلباتها تغدو أغرب فأغرب مع تعبها، ألقى كاميجو نظرة إلى جدول مواعيد الخدمة المعلّق على لوحة مربعة مثبتة في أحد الأعمدة. العقبة الأولى في الوقت الراهن هي معرفة أيّ حافلة ينبغي لهما ركوبها.
«...لا جدوى من القلق. لا مفرّ من أن أستسلم وأعجز عن قراءتها بنفسي... إندِكس! آسف، لكن ممكن تقرئي لنا أيّ حافلة نستقلّها توصلنا إلى الفندق؟»
«ها؟ مم، طيّب، لكن...»
وبينما يراقبها وهي تهرول إلى اللوحة المعلقة على العمود، تنهَّدَ. أحقًّا كان اختياره لها لصحبته فكرةً صائبة؟ بصراحة، لو كان المكتوب بالإنجليزية، لأمسك على الأقل بعض الخيوط، أما الإيطالية فلا أمل له معها البتة. ماذا لو كنتُ قد أُلقيت في هذا المأزق وحدي؟ فكر في ذلك، وشعر بامتنان متجدد تجاه الراهبة التي كانت في العادة غافلةً عما يدور حولها.
لكنها... «توما، كيف أقرأ جدول مواعيد الحافلات؟»
«غيااااه!! وربي عرفت! وجائتني بوجه تلميذة صغيرة حيرانة!!»
وفي الأخير...
...تملّك الخوفُ الاثنين واستغرق الأمر منهما خمس عشرة دقيقة حتى تمكّنا من ركوب حافلة.
- 2
كان أبرز ما في رحلتهما التي تمتد خمسة ليالٍ وسبعة أيام إلى شمال إيطاليا هو جزيرة [البندقية] الرئيسية.
غير أن الفندق الذي ينزلان فيه يقع على عشرين كم جنوب المدينة بخط مستقيم—وكان عليهما أن يسلكا طريقًا متعرجًا بمحاذاة الساحل، فكانت المسافة الفعلية أطول من ذلك—في بلدة صغيرة تُدعى كيودجا.
لم يكن اختيار الفندق هناك بقصد الاقتصاد في نفقات السفر؛ فعلى العموم، كانت متاجر [البندقية] تغلق أبوابها مبكرًا، ولم يكن فيها كثير من وسائل الترفيه الليلية. الكتيب يوضح أنه إذا أُرِيدَ السهر واللهو ليلَ نهار، فإن معظم الناس يتعمدون حجز فندق أبعد قليلًا عن [البندقية]... لكن صاحبنا كاميجو -فتى الثانوية- لم يرَ هذه المعلومة تعنيه كثيرًا.
«عدنا قريبين من الماء مرة أخرى ها؟» قال كاميجو في نفسه، ما إن نزل من الحافلة. وسرعان ما أخذت يده التي كانت تقبض على حقيبة السفر تتعب وهو يجرّها وراءه.
فالمطار كان أيضًا قائمًا على البحر، لكن كيودجا بأسرها وكأنها غارقة في نسيم البحر.
مع كل هذا البحر لم يُرَى شاطئ. فساحلهم المزعوم ليس إلا قناةً حَجَرية. وكان مجرى الماء البحري يمتد في خط مستقيم كأن أحدًا أخذ منشارًا وقطع به الأرض.
قالت إندكس الواقفة إلى جانبه، «بل كأننا محاطون بالماء أكثر من قريبون»
«يعني؟» سأل كاميجو متوقفًا وسط المارة. وكان هو الوحيد الذي يحمل أمتعة في هذا المكان، ولذا فلا بد أن معظمهم كانوا ذاهبين إلى أعمالهم أو عائدين منها، أو خارجين لقضاء أوقاتهم على نحو آخر.
«مركز كيودجا -حيث نحن الآن- بلدة جزيرية تقع على البحر الأدرياتي؛ وتقسمها ثلاث قنوات. هي بلدة صغيرة—عرضها لا يتجاوز 400م. ولا سبيل إلى توسيع رقعة اليابسة، ولذلك فإن جميع المباني متراصة بعضها ببعض. سهل أن تدرك ذلك بنظرة؛ فلا تكاد توجد فجوة بين البيوت هنا»
«همم»
ألقى كاميجو نظرة أخرى حوله.
إحدى القنوات التي ذكرتها تجري أمامه. وكانت مياه البحر الزرقاء المشوبة بالخضرة تشق البلدة كأنما خطّها مسطرة. عرضها نحو عشرين أو ثلاثين مترًا. وعلى جانبي القناة طريقان متوازيان، لكنّ البيوت كانت تسدّهما فجأة في المنتصف. وجدرانها المستوية ذات اللونين البيج والأبيض تمتد حتى حافة القناة كأنها سواتر. والفواصل بين كل بناء وآخر ضيّقة شديدة؛ حتى ليبدو أن شيئًا بحجم كرة القدم لن يستطيع المرور بينها. تساءل في نفسه كيف ينظفونها؟
ثم مرّ في القناة قارب صغير ذو محرّك.
قواربٌ كثيرة راسية على جانبي القناة متراصة بعضها إلى بعض. كانت تشغل نحو نصف عرض القناة. ذلك دليلٌ على مدى ضرورتها للحياة هنا، كما دلّ على أن البحر قد أُدخل في صميم نظام النقل في كيودجا. لم تكن القوارب مصقولةً كقوارب النزهة الخاصة؛ بل كان من بينها عدد غير قليل يبدو عليه أثر الاستعمال المتكرر. وبنظرة أخرى، أمكنه أن يرى بعضها وقد أُلقيت فيها أشياء كقطع القماش والدلاء بلا اكتراث.
لم يعتد كاميجو على أمثال هذه الأمور.
«العيشة هنا تعب،» قالها بصراحة.
لكن ما إن تنهد حتى وافقته إندكس ببساطة.
«بل يفترض أن تكون متعبة فعلًا. فبما أن البلدة مقسمة بكل هذه القنوات، لو أردت أن تمشي في كل مكان، لاضطررت إلى سلوك طرق ملتوية عبر الجسور. لَكَ أن تستعمل قاربًا ببساطة، لكن عندئذ ستضطر إلى الصعود والهبوط في القنوات كلها، لأنك لا تستطيع عبور الجسور بالقارب. بصراحة، سيكون أسهل بالطبع لو كانت كلها طرقًا عادية» وابتسمت ابتسامة متألمة. «مثلها مثل فينيسيا. بل إنهم يقولون إن كيودجا لا تزال تبدو كما كانت فينيسيا قبل أن تصبح مقصدًا للسياح في القرن السادس عشر. بعبارة أخرى، عيوب فينيسيا القديمة لا تزال حاضرة في هذا المكان»
«...»
لزم كاميجو الصمت قليلًا رغمًا عنه أمام هذا الشرح السلس.
نظرت إليه إندكس وقطبت حاجبيها.
«ما بك توما؟»
«لا أصدق... طلعتِ تنفعين في شيء غير السحر...»
«توما يسخر مني لسبب ما! لمَ تجعلني أشعر بهذا الضيق بعد أن شرحت لك بلطف؟! إذا كنت ستفعل، فربما أضطر إلى عضّك بلا رحمة!!»
«"ربما" بعينك!! أصلاً! ما تفيد إن قلتِ إنك ستعضين بلا رحمة ما دامت لا تختلف عن كل المرات الأخرى—أوي! لا، لا تُحمّي، فهمت! ستؤلمني حتى لو لم تُحمي!!»
أخذت إندكس تقرقع أسنانها في وجه كاميجو مما جعله يتراجع خطوة إلى الوراء. وكان مستعدًا لاستعمال حقيبة السفر ترسًا إن اقتضى الأمر، لكنه شعر في الحقيقة أن ذلك قد يكون خطرًا بعض الشيء—هل يفيد النايلون والبلاستيك أمام أنيابها حتى؟
لكن خلافًا لما توقعه كاميجو المرتجف لَمْ تهاجمه إندكس فجأة. بل هدأت وتنهدت.
«طيّب، جئنا نستمتع بالعطلة، فلا أظن أن الغضب سيفيدنا بشيء. هيا يا توما، لا تختبئ خلف الأمتعة. تعال تعال اخرج»
«...أنت لا تستعملين كلمات لطيفة المسمع لتخدعين ثم تخططين لمهاجمة مخبئي ما إن أخرج؟»
«لا»
«وهذا ليس هجوم مضاد ذا طبقتين، تقولين فيه ذلك أولًا، ثم تبدئين الهجوم بعدما أشعر بالأمان؟»
«لا، محال»
«هاه؟ حسنًا، ولكن تأكيد أخير... حقًا؟»
«قلت إي!»
«كذبة! أجل أنتِ غاضبة! حاولي واخدعيني بتلك الحيلة التي تتصرف فيها الفتيات وكأنهن ينضجن أسرع من الفتيان، لكنني لن أقع فيها بهذه السهولة!! هاهاها، أكنت تحسبين أنني سأعلّق آمالي على هذا وأنا دائمًا منحوس؟! من الواضح أنكِ في الأخير ستعضينني بكل قوتك كما تفعلين دائمًا! تحذير، حذار! الراهبة المتوحشة إندكس تراقب وتتربص بحذر شديد، حتى في هذه اللحظة، منتظرة فرصة لتصوّب أنيابها نحو رأسيَ المسكين!!»
«...»
«رأيتِ؟ عرفتُ أنكِ غاضبة! الآن بدأ تمثيلك المريب يتداعى ها...؟ مم، لحظة، أنتِ... فعلًا غاضبة؟ غياااه! فم الراهبة اللطيفة ينفتح بهدوء شديد!! قياع، وربي عرفت أن الأمر سينتهي هكذا! تمامًا كما قلت! وهذا لا يجعل الأمر أفضل أبدًااااااااااااااا!!»
دوّى صوت لحم يُعضّ.
وفي اللحظة نفسها، ارتفعت صرخة الفتى المتألمة، ذلك الذي أثار غضب إندكس من غير سبب.
- 3
كان أول ما استُدرج إليه بعد وصوله إلى شمال إيطاليا هو شراء المزيد من دبابيس الأمان.
وكانت أولى ذكرياته بعد وصوله إلى كيودجا أن رأسه قد اغتُصب من العض.
«...كلمة واحدة. لماذا؟»
«ما بك يا توما؟ كأنك على وشك أن تذرف الدم بدل الدمع»
نظرت إليه إندكس بوجه خالٍ. وبدا أن سخطها الذي كان قبل بضع دقائق قد تبدّد.
كانا يسيران في طريق صغير في طريقهما إلى الفندق. وقد أدرك بعدما سارا فيه قليلًا أن طرق هذه البلدة تنقسم في معظمها إلى نوعين من حيث الاتساع: ضيقةٌ شديدة أو واسعةٌ ممتدة. فكانا يخرجان من أزقة ضيقة إلى حدّ يعسر معه على السيارات المرور فإذا بهما يجدان طرقًا أوسع بكثير حتى تكاد تبلغ سعة ساحة بلدة.
كاميجو وإندكس يسيران الآن في أحد هذه الطرق الواسعة. كان الطريق فسيحًا بما يكفي لطريق ذي ستة مسارات، إلا أن الأرض لم تكن عليها خطوط بيضاء. ولم يكن ثمة تمييز بين موضع سَير السيارات وموضع سَير الناس، فكان الناس يمشون في أرجاء الطريق كيف شاءوا. الأمر أشبه كثيرًا بمناطق المشاة في اليابان. عدا أن كل إنسان هنا تقريبًا غربي، كأنك دخلت فيلمًا.
مبانٍ بُنية مائلة إلى الحمرة وصفراء تصطف على جانبي الطريق. أما الأبنية التي يبلغ ارتفاعها نحو ثلاثة إلى خمسة طوابق فبدت كمقاهٍ ومطاعم وقد عُلّقت على واجهات المتاجر في الطوابق الثانية مظلات من القماش على هيئة خيام لتحجب أشعة الشمس، تمتد على عرض المباني كله وتغطي مساحات المقاهي المفتوحة تغطيةً تامة. وكان كل مكان بمحاذاة الطريق يستعمل المظلات وأمثالها لصدّ الشمس حتى غدا كل جانب من جانبي الطريق أشبه برواق تجاري مصنوع من القماش.
وهذا هو الجزء من المدينة الذي تتجمع فيه المطاعم.
كان وراء تحسّن مزاج إندكس سبب بسيط: الطعام متوافر بكثرة في الجوار.
العفوية، هي الكلمة الأنسب لتصف تفاعلات إندكس مع المكان. تنهد كاميجو وقال؛ «نأكل بعد أن نضع أمتعتنا في الفندق، تمام؟»
«ل-لا داعي أن تذكرني! أعرف!!» صاحت مرتبكة، مُحمرٌّ وجهها. لم يستطع كاميجو أن يجزم أكانت تفهم فعلًا أم لا؛ فما إن خرجت الكلمات من فمها حتى كانت عيناها قد اتجهتا إلى واجهات متاجر أخرى عديدة.
«صحيح... أتعلمين، أنا مثلي مثل الناس في حب الأكل. لكن دعينا نفكر في رؤية أماكن لا توجد إلا هنا. مثلًا، أءء، كنيسة ذاك! أريد أن أزورها! طالعي الكتيب—لا أدري ما الغرض منها ولا أي شيء عنها، لكنها تبدو رائعة، صح؟!»
«توما، تلك كاتدرائية القديس مرقس، وقد بُنيت لحفظ رفات القديس مرقس، شفيع فينيسيا. وهي أيضًا مركز السحر في مدينة الماء»
«كفى شروحات مزعجة! أريد رؤيتها بشدة حتى إن الأمر يكاد يقتلني!!»
«إف! لطفِي يرتدّ عنك ولا ينفذ إليك!»
«بعد أن نسجّل دخولنا في الفندق، سأقبض على ذلك المرشد الغبي، وسننطلق إلى البندقية! عاشَت الجندولات!!»
«اسمع يا توما! حتى أنا لا أفكر بالطعام وحده فوق كل شيء!!... أح، حتى هذا لا ينفع! توما، هل سحرك هواء إيطاليا إلى درجة ما عدت تسمعني؟!»
كانت إندكس تحرك ذراعيها وهي تتكلم، لكن كاميجو لم يجبها. فقد كان فتى يابانيًا من طلاب الثانوية. لم يستطع أن يتخيل في إيطاليا إلا البيتزا وكرة القدم والراهبات المقاتلات. أما الآن فقد وجد نفسه فجأة في إيطاليا فعلًا، في مكان يشبه ما يراه المرء في الأفلام. غمره الحماس حتى الثمالة.
مجرد إحاطته بكل أولئك الناس وهم يصيحون وينادون بأسماء الأشياء بالإيطالية التي لا يفهم معناها—كـ"Quanto?" و"Posso fare lo sconto del dieci per cento"—كافيًا لتنفجر حواس السائح لديه.
«Vuoi؟» «فُوَي! ت-تلك جيلاتو حبر الحبار...؟» «Sto solo guardando. Grazie»
مم؟ كأنني سمعت اليابانية بين الجُمل؟ تساءل كاميجو. لكن لا، لا بد أن ذلك كان من نسج خياله. وبينما يجرّ حقيبتهما خلفه، استدار كاميجو لينظر إلى إندكس.
«أعرف يا إندكس. بعد الغداء، كنت أفكر...»
ثم سكت في المنتصف.
هنا في إيطاليا، أبعد ما يكون عن موطنه، تذكّر كاميجو توما المثل القديم "شريدٌ طريد".
وكان السبب بسيطًا، بسيطًا حقًا.
فإندكس كانت واقفة هناك قبل ثلاث ثوانٍ فحسب، والآن لم يعد لها أثر في أي مكان.
«مهلًا، الآن ضعتِ في إيطاليا؟! إذن كان حديث الجيلاتو من إندكس!»
أخذ كاميجو يتلفت حوله في ذهول فارغ، لكنه لم يرَ في أي مكان عباءتها المزخرفة الذهبية الفاقعة.
«تبًا. أهي بين الحشد؟ أم دخلت أحد الأزقة الضيقة؟ لا أدري أين ذهبت الراهبة الجوعانة! اللعنة، الطعام حقًا هو كل ما يملئ رأسها؟!»
لم يجب أحد على صرخة كاميجو. ومهما أدار عينيه، عجز تمامًا عن العثور على إندكس. كان المال معه هو، ولذلك لم يكن في وسع إندكس أن تفعل الكثير وحدها. وكانت ستعود إليه من تلقاء نفسها حتى لو لم يتبعها، لكن... لسبب ما، شعر بأنه إلّم يُرَجّع إندكس من قفاها جرًّا، فهو من سوف يُلقى في ورطة أعمق مما هو فيها.
«أووووي! إندِكس!!»
ألقى كاميجو أولًا نظرة حوله، ثم خطا بحذر إلى شارع أصغر يتفرع من الطريق الرئيسي. ومشى فيه، يتلفت يمينًا وشمالًا، ثم فقد إحساسه بالمكان الذي كان فيه. فأسرع مهرولًا إلى عمق الطريق، وعلى أنه ظن أنه يتقدم إلى الأمام، انتهى به الأمر عائدًا إلى الطريق نفسه الذي كان فيه من قبل.
وظل واقفًا هناك حائرًا، فيما أخذ الوقت يمضي.
«لحظة، حتى أنا بدأت أضيّع الطريق...؟!»
تعرق كاميجو عرقًا باردًا إلى حد ما، ثم توقف لحظة.
ل-آخر ملاذ لي هو جَوّالي!
لكن...
مرة أخرى، وكالعادة، كان جوّال إندكس ذي السعر الصفري مطفأً. {كان قد أطفأه قبل صعودهما إلى الطائرة، ولعله ظل كذلك.} ما إن سمع الصوت الآلي الاصطناعي المعتاد—ليس بالإيطالية بالطبع—يعلن أن الرقم الذي اتصل به غير متاح، حتى نسي أن يعيد الجوّال إلى جيبه، بل انهار حرفيًا على الأرض أمام حقيبة السفر ولا يزال قابضًا على مقبضها.
يمكن تلخيص حال كاميجو توما النفسية في عبارة واحدة؛
«والآن ماذا أفعللللل؟!»
استدار المارة عند سماع صرخته، لكن كاميجو لم يكن لديه وقت حتى ليرى ذلك. ثم وبينما كان جالسًا على الأرض جبهته ملتصقة بحقيبة السفر، اقتربت منه امرأة بدت من أهل البلدة.
ابتسمت ابتسامةً بعثت في النفس شعورًا مبهجًا على نحو ما ثم سألته؛
«C’è qualcosa che non va؟»
«هاه؟»
لم تكن المرأة تسأله إلا عما إذا كان ثمة خطب ما، لكن كاميجو لم يكن له سبيل إلى المعرفة. وفي هذه الأثناء لم تبدُ المرأة مستاءةً على نحو خاص بل أعادت كلامها، وهذه المرة ببطء، تنطق كل كلمة على حدة.
«Non puoi parlare l’italiano? La c’è un ristorante dove un giapponese fa il capo»
سألته إن كان لا يتحدث الإيطالية، ثم أشارت إلى مطعم ياباني قريب يديره يابانيٌّ مثله. لكنّ كاميجو لم تكن لديه أدنى قرينة يفهم بها مرادها. لكنه من نبرة صوتها وتعبير وجهها وحدهما شعر بأنها تريد عونه.
أ-أنا لا أفهم الإيطالية، لكن إن أضعت هذه الفرصة، فأظن أنني قد أنتهي حقًا وحيدًا في هذا العالم! طيّب، حسنًا... لا أستطيع على الأرجح أن أتحدث معها باليابانية، لكن ربما أستطيع على الأقل أن أجعلها تتحدث بالإنجليزية. لكنني لا أستطيع حتى أن أتخيل كيف أطلب من أحد أن يتحدث بالإنجليزية باللغة الإيطالية! ولو كنت أعرف، لما كنت قلقًا أصلًا من أن يتحدث الناس بالإيطالية!!
وقع كاميجو في معضلة عظيمة. لو كانت المرأة تستطيع التواصل بالإنجليزية فعلًا، لاستطاع أن يقول كلمة أو كلمتين "بليز، إنقلش" ولربما تفهم مراده. لكن كاميجو كان قليل الخبرة باللغات الأجنبية إلى حد أنه لم يستطع عقله أن يوصله إلى مثل هذا الطريق الملتوي. وأخيرًا، حين بدأ رأسه يسخن من فرط التفكير وأخذ الدوار يدبّ إليه...
«Senta!»
...انطلق صوت أنثوي فجأة من جواره.
«Lui è un mio amico. Ringraziate per la sua gentilezza»
فما إن سمعت المرأة الكلمات المنطوقة بسلاسة حتى بدت الدهشة على وجهها. ثم قالت بنبرة مرحة؛ «Prego!» وأدارت ظهرها إلى كاميجو واختفت بين الحشد هكذا ببساطة.
أما كاميجو، الذي تُرك وراءها، لم يستطع أن يفهم شيئًا مما حدث للتو.
«غاااه! تخلت عني؟ أيا ال... كنت قد استعددت وأعددت لمونولوج درامي يمتد ساعتين من العرق والدموع بعدما أنشأت مع تلك المرأة نوعًا من الرفقة والحميمية وكل ذلك كي ألتقي بإندِكس من جديد!! فمن ذا الذي قاطعنا؟! لا يهمني إن كنتُ أتحدث باليابانية وأنت لا تفهمني! سأطلق ما شئت من التعليقات الساخرة!!»
صاح بذلك رغمًا عنه.
العالم وسيع، لن يهتم أحد بصرختي المجنونة. فكّر كاميجو بيأس، وقد استولى عليه نصف استيلاء شيء من الخجل والجبن. ولكن...
«مآه. يبدو أنني ارتكبت أمرًا لا يُغتفر. لقد بدا لي أنك كنت تعاني من حاجز اللغة»
فجأة، تعرّف إلى تلك الطريقة المألوفة في الكلام. كانت باليابانية بالطبع، لكنه تعرّف على هذا الصوت الأنثوي من مكان ما.
«أنتِ...»
استدار. ومع فارق الساعات الثماني بين هذا المكان ومدينة الأكاديمية، فإن المرأة الذي صادفها في كيودجا النائية، في أقصى الأرض...
«بالمناسبة، أخبرتها قبل قليل أنك صديق لي، وشكرتها على لطفها... لعلني قد تجاوزت الحد قليلًا حين أشرتُ إليك بهذه الصفة»
«أُرسُلا! ماذا تفعلين هنا؟!» صاح كاميجو.
وحتى في هذه اللحظة، كانت الراهبة الهادئة تبتسمُ، بعباءتها الرهبانية السوداء.
- 4
أُرسُلا أكْوينَس.
كانت في السابق راهبةً من الكاثوليك الروم، ثم صارت من التطهيريين الإنجليز بعد انتقالها من كنيسة إلى أخرى. عُرِف أنها قد فكّت كتابًا سحريًا جريموار يُدعى "كتاب القانون"، ووقفت في مواجهة مباشرة مع كنيسة الرومان التي حاولت الحيلولة دون ذلك. وقد حُسمت تلك الحادثة وكان من المفترض أن تكون الآن مستريحةً في منزلها الجديد في لندن.
وكما رآها في آخر مرة، كان جلدها كله، من رأسها إلى أخمص قدميها، مستورًا بعباءتها. وكانت ترتدي قفازين أبيضين، وشعرها مغطى بالكامل بغطاء رأسها. لم يكن الظاهر من جلدها إلا وجهها. وعلى العكس من مقدار ما كان مستورًا من جلدها، كان جسدها أنثويًا على نحو بارز؛ فعباءتها البسيطة كانت بصراحةٍ صارخة تبرز انحناءات جسدها فتمنح الراهبة جاذبيةً أنثوية.
«اسمح لي أن أسألك السؤال نفسه. ماذا تفعل هنا؟ إن لم تخنّي الذاكرة، فأنت من مدينة الأكاديمية في اليابان؟»
«إيه، ربحت تذكرتين لقضاء عطلة. ماذا عنك؟»
«هنا مسكني منذ البارحة»
«مهلًا لحظة. أُرسُلا، أليس من المفترض أن تعيشي في لندن؟ كنتِ هناك حين نَقلتِ إلينا المعلومات من المكتبة البريطانية أثناء مهرجان دايهَسيه»
«بلى، وقد كنت منهمكةً في الانتقال من كنيسة الروم الكاثوليك إلى كنيسة الأنجليكان. ولا تزال لديّ بعض الأشياء المتبقية هنا. قد عدت اليوم لأرسل مقتنياتي المنزلية إلى لندن»
«أهذا هو المكان الذي كنت تعيشين فيه؟» سأل كاميجو.
فأجابته أورسولا بـ«نعم» بسيطة. قالتها على نحو عفوي، لكن مجرد تمكن كاميجو من إجراء محادثة هادئة مع شخص في مثل هذا الموقف كاد يفتح له مجرى الدموع قليلًا.
لا يهمني أكانت هذه مصادفة أم ماذا! لقد نجوت!
فكر بذلك، وضَمَّ يديه في ذهنه على هيئة إيماءة امتنان.
«أوه. أءء. أرى أنك ما زلت ترتدين العباءة نفسها كالعادة، مع أنك انتقلتِ إلى الكنيسة الإنجليزية؟ ألن يغضب النِسِسَريُس؟»
«يعني، نوعا ما. مع أنني قلت إنني سأرسل الأمتعة المنزلية إلى هناك، لن أكون أنا من يحملها. أعلموني أنني سأحظى بمساعدة أصدقائي من الأماكسا في نقلها»
«ها؟! أوه، لحظة، عدتِ إلى الموضوع السابق؟! اصبري يا أنتِ، تقصدين كنيسة الأماكسا؟ الذي فيها ذلك الرجل تاتِمْيا؟ كيف حاله؟»
«أما فيما يتعلق بملابسي، فلا حرج فيها البتة. كنيسة الأنجليكان شديدة النشاط في دمج كثير من التقنيات والثقافات المختلفة وسيلةً لمحاربة السحر. وفي الوقت الراهن، أنا من الروم التابعين لكنيسة الإنجليز. وقد فعلوا الشيء نفسه مع أفراد الأماكسا، إذْ سمحوا لهم بالاحتفاظ بهويتهم ضمن إطار الأماكسا»
«والآن تكلمتِ عن العباءة!! ولا يسعني أن أقول أنكِ تجاهلتِ كلاما تماما إذا ذكرت الأماكسا! يجب أن أقول إنني أجد إيقاع هذه المحادثة عسيرًا جدًا على الفهم!!»
لم تكن طريقتها في الحديث عشوائية؛ بل بدت وكأنها لا تفعل سوى الكلام وفق ترتيبها الذهني الخاص والفريد للأمور. غير أن ذلك جعل من الصعب جدًا على الآخرين مجاراتها في الحديث.
وفي هذه الأثناء، لم تلاحظ أُرسُلا شيئًا من ذلك البتة، واكتفت بإمالة رأسها في لطف.
«بالمناسبة، خرجتَ للتسوّق؟»
«أءء، هذا... لقد وصلت إلى هنا سالمًا برفقة إندكس، لكنني فقدتها الآن في مكان ما بعدما امتلأ رأسها بجيلاتو إيطاليا! ماذا أفعل يا أُرسُلا؟ أتظنين أنها ستعضّ الطُّعم إن علّقتُ بعض الجيلاتو في طرف صنارة صيد؟! وضعي في حسبانك أن احتمال خمسين بالمئة يُعدّ صفقةً رابحةً بالنسبة إليّ!»
«رويدك رويدك. أرجوك استعد هدوءك. أفهم من ذلك أنكَ والآنسة إندكس أتيتما إلى هنا لقضاء عطلة؟ ولستم رسولين بعينهما من مدينة الأكاديمية؟»
«أنتِ... بصراحة، هذه أول مرة تلتزمين بموعد الحديث. لكن أظن أن إرسال شخص إلى نصف العالم لتسليم رسالة نوعا ما أمر متطرف»
«أيًّا يكن، لديك وقتٌ فراغ، أليس كذلك؟ لا بد أن لقاءنا هنا من تدبير القدر. جئتَ في وقتك. الحق أقول لك أن عدد من يساعدوننا في توضيب الأشياء استعدادًا للانتقال كان قليلًا. فإذا كنتَ في فراغ، فسأعدّ لك الغداء مقابل مساعدتك»
«لا، خرجنا عن المسار مجددًا! جئنا إلى هنا لنستمتع بعطلة، والآن أُلغيت عطلتنا لمصلحة شخص آخر؟! و-وفوق ذلك، كنا سنخرج لمشاهدة المعالم بعد هذا، وهناك مطاعم كثيرة في الجوار، فلا داعي لأن تتكبدي عناء إعداد الطعام لنا»
ظنّ أنه أجاب جوابًا عاديًا، لكن أُرسُلا نظرت إليه من جديد، وهذه المرة بعين الشك. لم تكن تحدّق في وجهه حقًا، بل كانت ملابسه هي التي خطفت نظرها. فقد أخذت تنظر إلى سلسلة محفظته وإلى حقيبة السفر التي يمسك بها.
«مآه. لكي أكون على يقين، أأنت عازم على فعل ذلك... على هذه الهيئة؟»
«ليس من حقك أن تخبريني كيف ألبس!!» صاح.
ومع أن فصل الصيف وموجات الحر التي تأتي في أواخره كانا قد انقضيا، فإن الطقس ظل حارًا بما يكفي ليضطر إلى التفكير في ما إذا كان سيرتدي أكمامًا قصيرة أم لا. ولكن أحنقه أن هذا الكلام صدر منه تجاه راهبة ترتدي عباءة سوداء من رأسها إلى أخمص قدميها.
لكن أُرسُلا نظرت إليه كما لو أن كلامه سخيف.
«بخلاف اليابان، تكثر الراهبات في هذه الأنحاء»
«جواب عادي؟ من أُرسُلا؟!»
«والأهم من ذلك...» تابعت، من غير أن تلحظ دهشته، ورفعت سبابتها تشير إلى شيء بعد شيء. «تحمل حقيبة سفر جديدة تمامًا لأمتعتك، وتمسك كتيبًا للسفر بإحدى يديك، وتحمل هاتفًا محمولًا مزود بكاميرا... نعم. إنك تبدو وكأنك تقول للمحتالين والنصابين: "هيه، حياكم. تريدون محفظتي؟ أم تفضلون جوازي؟"»
«إعع!»
أغلق كاميجو الجوّال على عجل، وأعاد الكتيب إلى مكانه.
«م-من المدهش نوعًا ما أن أسمع كلمتي "محتالط و"نصاب" تخرجان من فمك يا أُرسُلا»
تنهدت أُرسُلا.
«هذه لا تزال مدينة صغيرة، ولذلك فالأمر ليس ذا شأن كبير. أما على النطاق العالمي، فإن المدن الإيطالية الكبرى من أشد الأماكن قسوةً على المسافرين. والمطاعم لا تختلف عنها كثيرًا. فالمدن الشهيرة بالمعالم تعجّ بالمصائد المنصوبة للسياح. ومن السهل أن يجعلوك تدفع عشرة أضعاف السعر المكتوب. فإذا كنت ستصدر أحكامك لمجرد أن المحل قائم على طريق رئيسي، أو لأن لافتته تحمل عبارة ترحيب باليابانية، فلن تكون رحلتك ممتعة»
«واااه! هذا وطنك، والآن بدأت أخاف!! ماذا أفعل إذن؟!»
«ألا تستنتج من ذلك أن عرضي بإعداد الطعام سيغنيك عن خداع المتاجر؟ كذلك قد أعلمك كيف تميّز بين تلك الأنواع من المحلّات. هيّا، ما حاجتك إلى الوقوف هنا والحديث؟ وتحتاجُ مكانًا لتلتقي فيه بالراهبة إندِكس من جديد؟ مع ذلك، فإن المنطقة الداخلية من كيودجا صغيرة؛ فهي لا تتجاوز ألفًا وثلاثمئة متر في أحد الاتجاهين، وأربعمئة متر في الاتجاه الآخر. وليس أمرًا يستحق منك كل هذا التفكير»
وجد كاميجو نفسه مقتنعًا بكلماتها المنسابة التي لم يتخللها تردد.
بالطبع—إنه في إيطاليا، ولذا فمن الأفضل أن يعتمد على إيطالية. كان ذلك من أبسط الدروس على الإطلاق.
لكن عندئذٍ خطر له شيء.
«حتى ولو، أود أن أركز على مشاهدة المعالم...»
«لا، لا! الآنسة إندكس تبدو مستمتعةً تمامًا في متجر الجيلاتو ذاك»
................................................................................إيش؟
«لحظة أُرسُلا. تطورتِ وصرتِ تستبقين المحادثة؟»
«أعلم. إن كنتَ هنا لمشاهدة المعالم، فلماذا لا تزور منزل مواطن عادي في كيودجا؟ يمكنك الذهاب إلى جميع المواقع السياحية الجميلة والمشهورة التي تشاء ما دمت تملك المال، لكن رؤية الأجواء الطبيعية التي يعيش فيها السكان ليست شيئًا يعطيك إياه مرشدٌ سياحي»
«مهلًا! لا تعودي إلى الموضوع الآن! أعترف أن فيما تقولينه وجهة نظر، لكنك قلت للتو شيئًا عن إندكس...!»
«يا عجبي! لقد فهمت الأمر دون حاجة إلى السؤال. يا لك من محظوظ!»
«آخ! هل قفزتِ إلى الأمام أم عدتِ إلى الوراء؟! ما عدت أفهم!!» صاح كاميجو رغمًا عنه.
أما أُرسُلا فاكتفت بمواصلة ابتسامتها الدافئة.
«إن كنت تبحث عن الآنسة إندكس، فقد رأيتها منذ لحظات، ووجهها ملتصق بزجاج واجهة متجر الجيلاتو»
«كنت سأكون ممتنًا لك حقًا لو أخبرتِني منذ البداية!!... لكن أين إندكس الآن؟»
«كما قلت، يمكنني أن أخبرك بكيفية قراءة لوحة مواعيد الحافلات...»
«الآن رجعتِ في الحديث—أين إندكس؟!»
«ماذا؟» قالت أُرسُلا، وقد أمالت رأسها في حيرة خفيفة. «آه، نعم. صحيح. لقد طلبت من إحدى صديقاتي قبل قليل أن تُري الآنسة إندكس منزلي»
«تلك الـ... لقد تركتني وحدي؟!»
«حين ذكرت صديقتي الغداء، بدا أنها تبعتها بكل سرور»
«تبًااااااااااااااا!!»
نسيت! من كانت تلك الراهبة التي قالت إنني أستطيع الاعتماد عليها في إيطاليا؟!
ترهّل كاميجو وسقط إلى الأرض.
«لااا... إهئ... أُرسُلا، قولي لي ماذا عليّ أن أفعل؟! أنا دائمًا من يتلقى العضّ، في كل مرة دون استثناء... لكن اليوم، وللمرة الأولى، حان دوري. انتظري يا إندِكس!!»
عضَّ مقبض حقيبة السفر.
«هوّن هوّن»، قالت أُرسُلا وهي تشرق بابتسامة. «ألن تهزمك وتقلبها عليك؟»
«أععع؟!»
أعاد هذا الهجوم كاميجو إلى رشده.
واصلت أُرسُلا ابتسامتها العريضة، وقد غمر السعادة وجهها.
«على أي حال، إن كنت تريد لقاء الآنسة إندكس، فإن المجيء إلى منزلي هو أسرع سبيل. سيكون من المزعج أن أشرح بقية الأمر، ولذلك، وخلاصة القول، ينبغي لك أن تتفضل بالمجيء معي»
حين قالتها له صراحةً، شعر أن كلامها صحيح: فالذهاب إلى منزلها سيكون أقصر طريق.
وفوق ذلك إن رفض، فسوف ينتهي به الأمر وحيدًا من جديد من دون مكسب.
«...أشعر أن سوء حظي الملعون بدأ يعود...»
«ماه. الرحلات الأجنبية لا تجري كما يريد لها المرء»
لم يستطع كاميجو أن يحدد أكانت تلك نصيحةً من نصائح الحياة أم مجرد كلمة عابرة، لكنه أومأ برأسه لأُرسُلا.
وحين أعاد التفكير في الأمر، شعر أن العطلات ممتعة لهذا السبب تحديدًا.
مع أنه، كونه فاقدًا للذاكرة، لم يسبق له أصلًا أن اختبر الخروج من مدينة الأكاديمية.
- ما بين السطور 1
عربةٌ اصطُفَّت على طريقٍ حجري.
لكن ليس الخيل ما يجرها، بل حماران مخلوقان بائسان كانا يُدعَيان في سالف الزمان؛ مركوب الحمقى.
كانت العربة في معظمها مصبوغة بالأحمر تزيّنها زخارف ذهبية. وقد ثُبّتت بها لوحة أرقام، وظهرت فيها تعديلات شتى، من حجمها وبعض تفاصيلها الدقيقة، مما يسمح لها بالسير في الطرق العامة. ولم يكن من الغريب جدًا أن تُرى عربات كهذه للسياح. فكما هي قوارب الجندول في [البندقية]، ما دام الزائرون يطلبونها، فثمة عمل يمكن القيام به، مهما بلغ عمر تلك المركبات مئات السنين.
وعلى كل...
العربة قد توقفت في الطريق عرضًا على خلاف سائر حركة المرور. وبدا كأنها انزلقت عرض الطريق، لكنها لم تفعل. فمن بين عجلاتها الأربع، العجلة الأمامية اليمنى قد انفصلت عنها، واستقرت على الأرض. واضحٌ أن في الأمر غرابة. لقد فككها أحدهم عمدًا.
طُب!! دوى صوت ضربة مكتومة
وتلاه صراخ شاب، غير أن صوتًا عنيفًا آخر ظهر ليقطعه.
ثم خرجت راهبة طويلة من ظل العربة، وهي تصرخ؛ «أوغ!... ألا تعرف متى تستسلم!!»
تلك الأخت لوسيا. راهبة مقاتلة تستخدم عجلات العربات أسلحةً لها، مستمدةً ذلك من "أسطورة العجلة" الخاصة بالقديسة كاثرين. وكانت يداها، اللتان لم تكونا ناعمتين أنثويتين بل مشدودتين نحيلتين، ملطختين بالحمرة.
تناثر الدم.
كانت عباءة لوسيا في معظمها سوداء، وكانت أكمامها وتنورتها قابلتين للنزع بواسطة سحّابات. أما الآن، فكانت التنورة والأكمام اللتان ترتديهما صفراء. ولم يكن هذا لونًا مسموحًا به للراهبات. فقد كانت القطع جزءًا من [سلاح روح] يُدعى [أغلال الألوان المحرّمة]، وهو ما يحوّل عباءتها إلى سترة تقييد.
حين يحاول من كان من يرتدي هذه "الأغلال" أن يصقل المانا المستمدة من قوة حياته، فإن [سلاح الروح] يمتصها لنفسه. ولم يكن تأثيره الوحيد سوى جعل الثياب تضيء؛ ولو أُدخل فيه تأثير قوي على نحو خاص، لربما استطاع مرتديها استخدام تلك القدرة ضد "الأغلال". وهكذا كانت المانا تذهب كلها سدى، ومهما صقل المرتدي المانا، فإنه في النهاية لن يستطيع إلقاء أي سحر.
لكن في تلك اللحظة، كانت الأجزاء المهمة من [أغلال الألوان المحرّمة] قد صُبغت بالقرمزي، الأمر الذي كان يكبح مؤقتًا آلية [سلاح الروح] المخصّصة لسجن مرتديه. وبالطبع، كان دمها هي الذي يقوم بهذه المهمة.
«الأخت أنجِلِنِ! أفَرَغتِ من ذلك أم لا؟!»
سَمِعَت صوت فتاة صغيرة. «أ-أظن أنه سينتهي قريبًا، سيدتي...»
ألقت لوسيا نظرة إلى داخل العربة. فقد كان المكان قذرًا على نحو لا يُصدّق، بالنظر إلى فخامة هيكلها الخارجي؛ كان الداخل كالحًا قاتمًا، وقد غطت الجدران والسقف بقع من طبيعة مجهولة. وفي هذا الداخل الكئيب؛ فتاةٌ قصيرة، كما يوحي صوتها، تكافح في عملها بكل ما أوتيت من قوة.
وبالمقارنة مع أكمام عباءة لوسيا، التي كانت قصيرة إلى حد ما، لم يكن يكاد يُرى من أصابع أنجِلِنِ تحت أكمامها شيء. وتساءلت لوسيا في نفسها للحظة: تُرى، أيسهل عليها فكُّها؟
«...فعلتها! ف-فككت القفل الجراحي، سيدتي. يمكننا إخراج المحتويات!»
صدر صوت معدني خافت.
نزعت الفتاة الصغيرة التي تُدعى أنجِلِنِ صندوقًا معدنيًا مستطيلًا مثبتًا مباشرة بالجدار الداخلي للعربة. وكان في داخله أسلحة سحرية معدّة لردع الهاربين. كانت هذه الأسلحة تُحكم إغلاقها عادة بحيث لا يستطيع استخدامها إلا مرافقون محددون، غير أن أنجِلِنِ أجبرت القفل على الانفتاح.
«جيد» هزّت لوسيا رأسها.
وألقت نظرة إلى خارج العربة، فتبين لها أنهما في مكان سياحي. بالكاد استطاعت تمييز النداءات والصيحات الحماسية المترددة من بعيد. وكان لطريقة نطق الكلمات التي تحملها إليهما نسمة البحر المالحة تفرد خاص. فاللغة الإيطالية لا تملك صوتًا لـ "ث"، ومع ذلك كان ذلك الصوت مختلطًا فيها. وفي المقابل، غابت عنها أصوات إيطالية أساسية مثل "gli" و"sci". كما سمعت كلمات تحوي حرف "ز" تُنطق كما لو كانت "س".
«لهجتهم... لا بد أننا قريبون من البحيرة... لكننا لا نزال بعيدين جدًا عن الجزيرة الرئيسية»
وقالت أنجِلِنِ، وهي تحمل الصندوق المعدني الطويل النحيل بكلتا يديها؛ «يعني... ك-كنا حقًا على وشك أن نُعاد إلى الملكة، أليس كذلك أخت لوسيا؟ إلى الملكة... ماذا يريدون أن يفعلوا بشيء مبالغ فيه إلى هذا الحد؟»
«هربنا لنعرف، يا أخت أنجِلِنِ. وكذلك أنا قلقة بشأن الأخت أغنيز. لا أشعر بالاطمئنان إلى ما تُرك لها لتدافع به عن نفسها. أولًا، ينبغي لنا أن نختبئ ونستعد بأسلحتنا الروحية»
«نعم، سيدتي»
قالت أنجِلِنِ ذلك وهي تهز رأسها هزة خفيفة.
وبعد أن رأت الأخت الأصغر تنزل من العربة، أمسكت لوسيا بالعجلة المفكوكة ورفعتها. كان سلاحها عبارة عن تقنية تستند إلى أساطير القديسة كاثرين، تقوم بتفجير العجلات ثم إعادة تشكيلها.
وبسلاحيهما، ركضت الأختان في الطريق دون أن تنبسا ببنت شفة. وكان القماش الأصفر الفاقع في أكمامهما وتنورتيهما يرفرف في مهب الريح، في تنافر سيئ مع عباءتهما السوداوين. لعل المرء يظن أن ألوان التحذير الشبيهة بألوان النحل ستجذب الأنظار إليهما، لكنهما اندمجتا مع المشهد على أي حال، متجاهلتين ذلك العائق.
لن أقبل بهذا
فكرت لوسيا بذلك وهي تركض.
أن أرى الأخت أغنيز وهي ترفع صلواتها الخالصة، تبعث القشعريرة حتى في نفسي. أيَحكُمُ عليها الربّ مذنبة؟ أتتخلى عنها الكنيسة كأنها من أدواتها؟ لا، أنا من أتباع كنيسة الروم الكاثوليك، ولهذا تحديدًا لن أقبل بمثل هذا التصرف أبدًا
كانت نظرتها قد انخفضت إلى قدميها، لكنها رفعتها من جديد، فاستقامت قامتُها ورفعت وجهها، وأبقت عينيها إلى الأمام وهي تركض، ممسكة بيدها سلاحها المرتجل غير الموثوق به تمامًا.
كان عزمها راسخًا.
لكن انتباههما كان منصرفًا إلى داخلهما، وبسبب ذلك فقدتا إدراك ما كان يحدث في الخارج.
طَعق!! صوت حاد يمزق الآذان.
«أغ...؟!»
وفجأة، كما لو أنها تلقت ضربة في صدرها، دُفع كل الأكسجين من رئتي لوسيا. وخارت قدمها التي كانت توشك أن تخطو الخطوة التالية. ثم فقدت الإحساس بأصابعها التي كانت تمسك بالعجلة فأفلتتها. وأخذ سلاحها الوحيد -عجلة العربة- تتدحرج بعيدًا بكسل ثم سقطت على الأرض بصوت مكتوم.
هذا الشعور بالضغط... أهو نوع من [أسلحة الروح]؟!
خمّنت ذلك، لكنها لم تستطع استنشاق ما يكفي من الأكسجين لتقولها بصوت مسموع.
ولما عجزت عن كسر سقوطها، هوى جسدها رخوًا على الطريق الحجري المغطى بالغبار. واصطدمت وجنتاها الناعمتان بطبقة الغبار التي تغطي الأرض. وبجوارها، أنجِلِنِ قد تعرضت للهجوم نفسه، وكانت قد فقدت وعيها، لا بسبب انعدام الأكسجين، بل على الأرجح من شدة الصدمة الأولى.
ومع ازدياد ضبابية رؤيتها، رأت لوسيا شيئًا يلمع. فحشدت كل ما بقي لها من قوة لتدير رأسها، فرأت ضوءًا أحمر يسطع على سقف العربة.
العربة، وأغلال الألوان المحرّمة في عباءاتنا، قد تفعّلا تباعًا... تعويذة لمنعنا من الهرب؟ لعلها تعمل إذا ابتعدنا مسافة معينة عن العربة، أو بعد انقضاء قدر معين من الوقت منذ تعطيل العربة...
سعلت.
لم يكن في النفس أكسجين، بل مجرد فقاعة عديمة النفع من ثاني أكسيد الكربون.
...ليس...هنا...
رأت عربة جديدة تقترب منهما في رؤيتها الجانبية للعالم. كان وصولها أسرع من أن يكون مجرد استجابة لتفعيل أسلحة روحهما. لا بد أن إشارة طوارئ قد أُرسلت إلى مكان آخر قبل أن تطيحا بسائق العربة ومرافقهما.
أرادت أن ترد الهجوم، لكن أصابعها لم تعد تتحرك. ولم تستطع أن تجمع أفكارها بما يكفي لاستخدام السحر. كانت العجلة على الأرض، إلى جوارها مباشرة. كان بوسعها أن تمد يدها إليها وتجعلها سلاحها.
لكن الآن، وقد فقدت كل وسيلة للمقاومة، وبينما كان وعيها يخبو ومضاتٍ متقطعة، خطر لها شيء واحد.
اسمٌ واحد.
«أخـ...ـت... أغـ...ـنيز...»
وبعد لحظة، فقدت وعيها تمامًا.
ثم أمسكت يدٌ بطوق عباءتها، وقذفتها إلى مؤخرة العربة كما تُلقى البضاعة.

اختر اسم وأكتب شيء جميل :)